موقف المستشرقين من قضية العبودية للَّه

موقف المستشرقين من قضية العبودية للَّه . يستغلون ما وقعت فيه بعض الفرق والجماعات -التي انحرفت عن سنة الإسلام- من بدع في العبادة، فيعممون ذلك على الإسلام

موقف المستشرقين من قضية العبودية للَّه

إذا كانت العبوديَّة من أهم أهداف التميُّز، وهي الغاية من خلق الإنس والجن، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وإذا كانت العبادة متميزة في المنهج الإسلامي، وتختلف في ظاهرها وجوهرها عن الرهبانية المبتدعة لدى النصارى، ولها نظام ينأى بها عن الابتداع ويحقق تميز الأُمَّة الإسلاميَّة؛ فإنَّ المستشرقين درجوا على الطعن بتميُّز الأُمَّة في مجال العبادة، واتهامه بأنَّه مجموعة من الطقوس والشكليات المستمدة -في زعمهم- مِمَّا في اليهودية والنصرانية وغيرهما من الملل والنحل، ويستغلون ما وقعت فيه بعض الفرق والجماعات -التي انحرفت عن سنة الإسلام- من بدع في العبادة، فيعممون ذلك على الإسلام.

ويعالج هذا في نقطتين بارزتين:

الأولى: ذكر نماذج من أقوال المستشرقين وآرائهم حول العبادة في الإسلام وصلتها باليهودية والنصرانية وغيرهما من الملل والنحل.

الثانية: الرد على تلك الأقوال والآراء.

فمن أقوال المستشرقين وآرائهم:

1 – زعم (كارل بروكلمان) أن شعائر الإسلام مقتبسة مِمَّا لدى اليهود، وأنَّ الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- حينما هاجر إلى المدينة كيَّف شعائر العبادة في الإسلام على نحو مِمَّا لدى اليهود ليكسب ودَّهم، وعن ذلك يقول: (وهكذا حاول أن يكسبهم من طريق تكييف شعائر الإسلام بحيث تتفق وشعائرهم في بعض المناحي) .

ويبدأ في تفصيل تلك الشعائر قائلًا: (فشرع صوم العاشوراء وهو اليوم العاشر من المحرم على غرار الصوم اليهودي) ، ويشاركه في هذا الزعم (مونتغمري وات) إذ يقول: (ويحوم شكٌّ حول صيام عاشوراء الذي يقع في يوم عيد الكفَّارة اليهودي، وحينما حل العاشر من تشرين اليهودي أمر محمد المسلمين بصيام هذا اليوم، وإنْ كُنَّا لا نعرف على التأكيد في أيِّ شهر هجري يقع هذا الصيام) .

ويزعم (كارل بروكلمان) -أيضًا- أن صلاة الظهر شرعت في المدينة تقليدًا لليهود فيقول: (وبينما كان المؤمنون في مكة لا يصلون إلَّا مرتين في اليوم، أدخل في المدينة على غرار اليهود صلاة ثالثة عند الظهر) .

ويرى -أيضًا- أن صلاة الجمعة جاءت تقليدًا للسبت عند اليهود فيقول عنها: (كذلك جعل يوم الجمعة يوم صلاة عامَّة على غرار السبت اليهودي) .
وتحدث في موضع آخر عن الصلاة بشكل تفصيلي فقال: (بينما كان محمد وأصحابه يصلون مرتين في اليوم في مكة وثلاث مرات في المدينة كاليهود، جعلت الطقوس المتأخرة، المتأثرة بالفرس، عدد الصلوات المفروضة في اليوم الواحد خمسًا)

2 – ويرى (ترتون) بأنَّ (الصوم أول ما شُرع كان تقليدًا لما عند اليهود، ثُمَّ بدّل وغير وصار أشبه بصوم النصارى مع شيء من التغاير) .

ويرى -أيضًا- (أن فكرة صلاة الجمعة اقتبسها الرسول من الزرادشتية) .

3 – وذهب (جيب) في كتابه: المذهب المحمدي، وذهب -أيضًا- (تسدال) في كتابه: مصادر الإسلام إلى القول بأن (شرائع الإسلام تأسست من شرائع الأديان المعاصرة له والمنتشرة وقتئذٍ في الشرق ألا وهي اليهودية والمسيحية والهنديَّة والصابئة والفارسية والجاهلية) .

4 – ومنهم من زعم (بأنَّ الإسلام أخذ من الجاهليَّة صلاة الجمعة وصوم عاشوراء والتكبير، والأشهر الحرام، والحج والعمرة، والوضوء، والاغتسال، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، والختان. . . وأنَّه أخذ من الصابئة الصلوات الخمس، والصلاة على الميت، وصيام شهر رمضان، والقبلة، وتعظيم مكة، وتحريم الميتة، ولحم الخنزير) .

5 – ويقول (كلود كاهين): (أمَّا الحج إلى مكة فقد أسبغ طابعًا إسلاميًّا على الحج الوثني القديم) .

6 – ويجمل (جولدزيهر) هذه المفتريات في قوله: (تبشير النبي العربي ليس إلَّا مزيجًا منتخبًا من معارف وآراء دينيَّة عرفها واستقاها بسبب اتصاله بالعناصر اليهوديَّة والمسيحية وغيرها، والتي تأثر بها تاثرًا عميقًا) .

7 – وانتهج (ماسنيون) منهجًا آخر يُمكن الباحث أن يستنتج منه نتائج كثيرة، من أبرزها: محاولة تأكيد الجانب الصوفي في العبادات الإسلاميَّة

بما يبدو وكأنَّه تأثرٌ مباشر بالرهبانية التي ابتدعها النصارى؛ ذلك أنَّه جعل نفسه وقفًا على شخصية (الحلَّاج) فتمثلها في سلوكه وكتب عنها، ولم يقتصر على ذلك بل نافح وكافح لإبراز الجانب الصوفي في تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة ، وجعل طريقة (الحلَّاج) هي الطريقة المثاليَّة في فهم الإسلام، وأسماه (شهيد التصوف في الإسلام) .

ولا شك أنَّ لهذا المسلك الدلالة الكافية في إعطاء الانطباع والتصور الكافيين على أنَّ العبادة في الإسلام تقليد بين للرهبانية في النصرانية .

8 – انتزع بعض المستشرقين من بعض الكلمات التي وردت في القرآن الكريم أو على لسان المصطفى -صلى اللَّه عليه وسلم- من مثل (حنيف) و (التزكي) و (المؤمنون) وصفًا للإسلام والمسلمين بأنَّها تقلبات في أمور العبادة خضعت لظروف علاقة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بأهل الكتاب (اليهود والنصارى) وبخاصة اليهود، وأنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- (جاهد لكي يجذبهم إلى جانبه مستعينًا في ذلك بالوحي القرآني الموائم لما في ضمائرهم، لكن جهوده ذهبت سدى) .

ويقول (مونتغمري وات): (لم يكن اسم دين الإسلام دائمًا. . ويبدو أنَّ الاسم الذي أطلق عليه في الفترة المدنية كان (التزكي) ولا يذكر اسم الدين وأتباعه إلَّا قليلًا في النصوص، ونجد بعد الهجرة عدّة إشارات إلى (المؤمنين) ويشمل في بعض الأحيان هذا اللفظ اليهود، حتى إذا ما قطع محمد علاقاته بهم صرح بأنَّه يتبع دين إبراهيم (الحنيف) وسُمِّي دين محمد، فترة من الزمن بالحنيفية، ومن الصعب القول متى حلتا (مسلم) و (الإسلام) محل (حنيف) و (حنيفية) ولا شك أنَّ لفظ (الإسلام) هو أفضل تسمية، ولهذه الكلمة معنى ديني أعمق يعني الاستسلام والخضوع لإرادة اللَّه) .

9 – وكان لبعض المستشرقين وقفة كذلك عند القبلة وما حدث للأُمَّة الإسلاميَّة، حينما استقبل الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بيت المقدس في بداية الهجرة، ثمَّ تحول عنه إلى بيت اللَّه الحرام في مكة المكرمة، فسَّرَ بعض المستشرقين ذلك بقوله: (إنَّ محمدًا كان في أول الأمر يؤمل الاعتماد على اليهود، ورتَّب خططه على أساس الحصول على مساعدتهم وتأييدهم له، ولذلك جعل قبلة المسلمين في الصلاة نحو القدس في تلك المرحلة التي لم يفرق فيها بين اليهود والمسيحيين واعتبرهم شيئًا واحدًا، ولكن عندما خاب ظنه فيهم بسبب رفضهم الاعتراف به كنبي، دخل في عداء صريح معهم، وأمر بتحويل قبلة المسلمين في الصلاة نحو مكة) .

10 – زعم (شاخت) أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- أخذ مفهوم الزكاة عن اليهودية، إذ قال: (وعلماء الإسلام يفسرون كلمة (زكاة) في العربية بأنها تعني الطهارة والنماء، والحقيقة أن محمدًا استعارها بمعنًى أوسع من ذلك بكثير، أخذًا عن استعمالها عند اليهود (في العبرية – الأرميَّة: زكوات) .
هذه نماذج من أقوال المستشرقين وآرائهم حول العبوديَّة في الإسلام، وإنْ كانت العبادة -كما سبق شرحها- أشمل من ذلك، ولكن الموضوع هنا هو استجلاء موقف عامَّة المستشرقين من قضية العبوديَّة باعتبارها من أهم أهداف تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة.
ولعل في هذه النماذج الواردة في الصفحات السابقة ما يؤكد موقف المستشرقين في مسارهم العام من تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وأنَّهم يصرون إصرارًا يجافي مناهج البحث العلمي ويقدح -بصفة واضحة- في مصداقيتهم؛ بل ويؤكد بما لا يدع مجالًا لحسن الظن بهم أنَّهم يتحاملون على الإسلام كمبدأ، وعلى الأمَّة الإسلاميَّة في هويتها وشخصيتها المميَّزة، فهم حريصون غاية الحرص على نسبة كلِّ جانب من جوانب تميُّزها إلى أُمَّة أخرى، وإظهار الإسلام بمظهر ملفق من الوثنية الجاهليَّة واليهودية والنصرانية، وغير ذلك من الملل والنحل.

أمَّا الرد على أقوالهم وآرائهم فستتركز في النقاط الآتية:
1 – إن التشابه بين بعض الشرائع والشعائر في الإسلام وبين ما سبقها من الديانة اليهوديَّة أو النصرانية أو غيرهما من الملل والنحل لا يصح بأيِّ حال من الأحوال أنْ يكون دليلًا قاطعًا، وحُجَّة مقنعة بأنَّ الإسلام مقتبس من غيره، أو ملفق مِمَّا سبقه.
يقول أحد المفكرين: (إنَّ الأفكار التي تبدو متشابهة في دوائر

الحضارات الإنسانية المختلفة لا تدل بالضرورة على الاقتباس، ومع ذلك ورغم التشابه الضئيل القائم بين تعاليم الإسلام واليهودية والمسيحية، فإنَّ هناك اختلافات جوهرية – (سواء كان) في الصورة والشكل (أم) في المحتوى والغاية- بين العبادات في الدين الإسلامي وبينها في المسيحية واليهودية) .
والمستشرقون الذين يتوافرون على ذكر تلك المتشابهات للنيل من تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة وأمته عن الأديان والأمم السابقة يهملون بطريقة تبدو متعمدة الحديث عن الاختلافات الجوهرية بين الإسلام وأمته وغيرها من الأديان والأمم الأخرى، ولا يذكرون من جهة أُخرى الأسباب الحقيقية في ما يبرزونه من التشابه، مع أنّ (هذا التشابه النسبي يفسر -وهو المعقول من وجهة النظر الدينية- بوحدة المصدر الإلهي الذي نبعت منه هذه التعاليم السماوية) .
تروي كتب التاريخ أنَّ النجاشي لما سمع آيات القرآن الكريم يتلوها على مسمعه جعفر بن أبي طالب هتف قائلًا: (إنَّ هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة. . . واللَّه ما عدا عيسى بن مريم ما قلت) ، وكان القسس والرهبان كلما سمعت آية يتلوها جعفر (انحدرت دموعهم مِمَّا عرفوا من الحق، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى) .

إذًا فالتشابه إذا وجد فسببه أنَّ الكتب السماويَّة كلها مصدرها واحد وهو اللَّه عز وجل، والإسلام جاء ليكمل بناء الأديان من قبله وليس مناقضًا لما فيها، أو ما بقي لدى الجاهليين من بقايا الحق سواء في مجال العقيدة أو العبادة أو السلوك والأخلاق ، وقد ثبت -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: “بعثتُ لأتمم حسن الأخلاق” .
2 – إنَّه بالأدلة العقليَّة والبراهين المنطقية تسقط آراء المستشرقين وأقوالهم التي زعموا فيها أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- لفق العبادات في الإسلام ممَّا عرفه من اليهود والنصارى، ومِمَّا عرفه هو ثُمَّ المسلمون من بعده من بقايا الوثنية الجاهليَّة وبعض الملل والنحل الأخرى، وذلك بالنظر إلى موقف الإسلام من تلك المصادر المتنوعة (ذلك أنَّ طبيعة المسألة تقضي -عادة- أن يضفي المقلد الآخذ أسباب الكمال ومعاني الأصالة وسمات الحق على المصدر الذي استقى منه أصول فكره وعلمه، وأن ينزل صاحبه منزلة العدل في الحكم، والنزاهة في الرأي، والسداد في الفكرة والعقيدة.
أمَّا إذا وجدنا الأمر معكوسًا فإنَّ المنطق يحتم خلاف ذلك، إذ كيف يجوز لعاقل أن يتصور النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تلميذًا لأحبار اليهود ورهبان النصارى، يشكل قرآنه (نعوذ باللَّه) ويلفق عقيدته من توراتهم وإنجيلهم وسائر مصادرهم، وهو يرى القرآن الكريم يصدر في انتقاده لهذه المصادر عن

موقف قوي صريح هو موقف الحاكم المتمكن من الأمر المتهم لأرباب تلك المصادر، المنتقد لما (أحدثوا فيها من التبديل والتحريف والزيادة والنقصان)، وهكذا فإنَّ القرآن الكريم إذ يستعرض آراء اليهود ومعتقدات النصارى لا يصدر عن موقف ضعيف متخاذل، وهو ما يتصف به المقلد للغير، بل يتبين الحق في هذه العقائد من باطلها، ويحمل وزر الباطل على أهله) .
لقد وصف اليهود (تارة بالتحريف والتبديل {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [النساء: 46]، وباللبس والكتمان {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42]، وبالافتراء وزور القول {يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [المائدة: 103]، والقرآن إذ يستعرض عقيدة المسيح عليه السلام باللَّه تعالى يبعده عن لوثة التثليث، ويعتبر ذلك مسخًا لحقيقة ما بشر به، وتلفيقًا من الرأي نسب إليه {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ} [المائدة: 116]. وإذا كان هذا شأن القرآن الكريم من تلك المصادر. . . فليس لعاقل سديد الرأي أن يورد هذا الزعم الباطل) .
3 – أمَّا دعوى أنَّ الإسلام اقتبس بعض الأحكام التعبديَّة ممَّا كان عليه الجاهليون؛ فلا يُمكن أن يستنتج (من الإبقاء عليها تأثر الرسول بها باعتبارها أمورًا استمدها من بيئته ولم يوح بها اللَّه إليه في محكم كتابه، ولو كان الأمر خلاف ذلك لأبقى على سائر القوانين والأعراف الجاهليَّة ولما حرَّم بعضًا منها وأباح بعضها الآخر، ولكن التشريع يراعي دومًا

مصالح الناس والعباد التي شرعت الأحكام لمصلحتهم، فتبقى الأحكام الصالحة، وتبطل الأحكام الفاسدة. . . إنَّ الإسلام احتفظ بالعديد من أعراف الجاهليين وتشريعاتهم؛ لأنها صالحة للتطبيق؛ ولأنها تحقق مصالح من شرعت هذه الأحكام لهم؛ ولأنَّه عندما ألغى الفاسد منها، فإنَّه قد راعى هذه التعاليم الإلهيَّة التي جاءت بالرسالة المحمدية) .
ولا يتسع المجال هنا للتعرض لشعائر الجاهليين وعباداتهم، ومقارنتها بالعبادات الإسلاميَّة وشعائرها لمعرفة مدى التوافق بينهما والاختلاف، ولكن تُعْرَضُ بعض العبادات والشعائر التي كان العرب في جاهليتهم يمارسونها، ثُمَّ ما حدث من تعديل أو إبطال أو إقرار لبعضها وترك لبعضهما الآخر.
فمن شعائر الجاهليين التي أقرها الإسلام (الاختتان والاغتسال من الجنابة، وتغسيل الموتى وتكفينهم) .
وكان الجاهليون يؤدون الحج والعمرة ولهما شعائر عدَّة، وعندما جاء الإسلام أبقى على بعض تلك الشعائر وأبطل بعضها الآخر . . . (فالطواف كان معروفًا في الجاهليَّة، وهو عندهم ركن من أركان الحج، ومنسك من مناسكه، وعدده عندهم سبعة أشواط، وكان الطائفون على صنفين: صنف يطوف عريانًا، وصنف يطوف في ثيابه. ويعرف من يطوف بالبيت عريان (بالحلَّة)، أمَّا الذين يطوفون بثيابهم، فيعرفون (بالحمْس)، وعندما جاء الإسلام أقر الطواف حول الكعبة بسبعة أشواط، ومنع طواف العري، وحتم على الجميع لبس الإحرام) .

ومِمَّا أبقى الإسلام من أعمال الحج التي كانت معروفة ومعمولًا بها في الجاهليَّة: السعي بين الصفا والمروة، والتلبية، والوقوف بعرفة اليوم التاسع من ذي الحجة، والإفاضة منها إلى مزدلفة والمبيت بمنى، ورمي الجمرات .
ولكن الإسلام أذهب ما علق بها من أمور الجاهليَّة سواء الشركيات في الاعتقاد أو المبتدعات في أشكال العبادة، ذكر اليعقوبي (أنَّ العرب إذا أرادت حج البيت الحرام، وقفت كل قبيلة عند صنمها، فصلوا عنده، ثُمَّ لبوا حتى يقدموا مكة، فكانت تلبياتهم مختلفة) ، فقد نقَّى الإسلام التلبية من أوضار الشرك، وجعلها خالصة للَّه، ولم يبطلها من حيث أصل المشروعيَّة.
(وكان الجاهليون يطوفون بين الصفا والمروة، ومنصوب عليها صنمان هما (أساف)، و (نائلة) وكانوا يطوفون بهما سبعة أشواط، ووصف الإسلام مشي الحاج بين الصفا والمروة بـ (السعي) وأبقى هذه الشعيرة) بعد أن أزاح الأصنام، وشرع أدعية التوحيد وإخلاص العبادة للَّه.
ولا شك أنَّ ما أبقاه الإسلام من العبادات والشعائر التي كانت معروفة في الجاهليَّة هو الحق الذي شرعه اللَّه، وبلَّغَه الرسول الخاتم -صلى اللَّه عليه وسلم- لأمته، ومنه ما كان من بقايا الحنيفيَّة السمحة، ومنه ما أوجبه اللَّه على عباده على لسان المصطفى -صلى اللَّه عليه وسلم- أو أُمِرَ بفعله، وأمر هو -صلى اللَّه عليه وسلم- أُمَّتَه أن تفعل كفعله، كما في الحديث: “صلوا كما رأيتموني أصلي” .

وكما أمر المسلمين في حجة الوداع وقال: “لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه” .
4 – أمَّا قول (بروكلمان) و (مونتغمري وات) عن صوم يوم عاشوراء فهو مردود من وجوه عدَّة، من أهمِّها:
أ- ما ذكره بعض الإخباريين (من أنَّ قريشًا كانت تصوم يوم عاشوراء، وأن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يصومه أيضًا، وعندما هاجر إلى المدينة استمر في صيامه له، وأمر أصحابه بذلك أيضًا حتى أول السنة الثانية للهجرة، وبعد أن فرض الصيام أصبح صوم يوم عاشوراء اختيارًا) ، فإذا صح هذا القول فإنَّ الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- صام عاشوراء قبل أن تكون هناك مظنَّة تأثر باليهود، كما أن بعض المستشرقين ادّعى أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- كان متأثرًا في صوم يوم عاشوراء بما كان عليه قومه وليس اليهود، وقد سبق الرد على هذا القول ضمنًا فيما ذكر من قبل.

ب- أنَّ الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- حينما قدم المدينة المنورة ووجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، سأل عن سبب صومهم له، فذكروا أنَّه يوم أنجى اللَّه فيه موسى عليه السلام وقومه وأغرق فرعون وجنده فأمر الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بصيامه ولم يقتصر على ذلك وإنَّما قال -فيما رواه ابن عباس -رضي اللَّه عنه-: “صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، صوموا قبله يومًا أو بعده يومًا” ، ففي هذا نفيٌ تام لما زعمه (بروكلمان) وتأكيد جازم على تميّز الأُمَّة الإسلاميَّة من بداية احتكاكها باليهود في المدينة المنورة، وتميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة هو الاستنتاج الأولي من هذه الحادثة وما يشبهها، ولكن (بروكلمان) يصدف عن هذا الاستنتاج الذي يفضي إليه العقل والمنطق، ويصر على محاولة النيل من نبوة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، والقدح في تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة.
5 – وأمَّا ما ذهب إليه (بروكلمان) بشأن مشروعية الصلاة وصلاة الجمعة؛ فإنَّ ذلك كله كما قال أحد المفكرين يسجل على (بروكلمان) (تعصبًا مقيتًا ضد الإسلام) ؛ لأن المسلمين كانوا يصلون خمس صلوات في اليوم والليلة قبل الهجرة، وقد فرضت الصلوات الخمس ليلة الإسراء وورد في ذلك عدّة أحاديث، منها قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “ففرض اللَّه على أُمَّتي خمسين

صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى، فقال: ما فرض اللَّه لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة. قال: فارجع إلى ربك فإنَّ أمتك لا تطيق ذلك” إلى قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “فراجعته، فقال: هي خمس وهي خمسون” . ومن الثابت تاريخيًا أن الإسراء حدث قبل الهجرة .
وممَّا ذكر المفسرون في أسباب نزول قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} [الروم: 17 – 18] أنَّها تعني الصلوات الخمس، وهذا التفسير عزاه القرطبي لابن عباس أنَّه قال: (الصلوات الخمس في القرآن، قيل له: أين؟ فقال: فسبحان اللَّه حين تمسون: صلاة المغرب والعشاء، وحين تصبحون: صلاة الفجر، وعشيًّا: العصر، وحين تظهرون: الظهر) ، ومن الثابت أن سورة الروم نزلت بمكة قبل الهجرة ببضع سنين .
ويتساءل أحمد حماني عن هذا الموقف لى (بروكلمان) قائلًا: (ما الذي يحمل (بروكلمان) على تزوير التاريخ وتشويه الحقائق؟!)، ثُمَّ يؤكد بأنَّه (يهاجم الإيمان في صدور أبنائنا ليزعزع العقيدة ويتركهم مذبذبين) .
وأمَّا قول (بروكلمان) أن المسلمين تأثروا بالفرس في جعل فروض

الصلاة خمسة فروض في اليوم والليلة بعد زعمه أنهم تأثروا قبل ذلك باليهود، فإنَّ زعمه هذا كمزاعمه التي سبقت مناقشتها والرد عليها، وكلها تؤكد ما ذكره أحد الباحثين عن فئة من المستشرقين نذرت نفسها لإبراز الإسلام وأمته كذيل لليهود وأمتداد لتاريخهم .
وأمَّا زعمه بأن المسلمين فيما بعد تأثروا بالفرس فأوصلوا فروض الصلاة إلى خمسة فروض فليس في الأديان التي اعتنقها الفرس عبادة كصلاة المسلمين إلَّا أن المجوس كان منهم من يسجد للنجوم ومنهم من يسجد للنار ، وإذا حدث من بعض الفرق المنشقة عن الأمَّة الإسلاميَّة تأثرٌ بهم فإنَّ ذلك حدث في عصور متاخرة بعد أن استقرت شرائع الإسلام ، بل من الثابت تاريخيًا أن الإسلام أثَّرَ في الفرس، ودخل سوادهم تحت مظلته .
وأمَّا صلاة الجمعة فإنها شعيرة تميزت بها الأُمَّة الإسلاميَّة، وخصَّها اللَّه بها بعد أن ضلّ عنها اليهود والنصارى، وفضلت بها عليهما كما سبق بيان ذلك.
6 – ومِمَّا ينبغي ذكره في الرد على سائر المزاعم الاستشراقية التي تحاول جاهدة أن تعود بأصول العبادات في الإسلام إلى ملل ونحل لدى أمم شتّى بغية إذابة تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، والقول بأنها ملفقة من هنا وهناك:

(إنَّ العبادات الإسلاميَّة المعروفة من صلاة وزكاة وصيام وحج، عبادات قديمة، عرفتها الأديان قبل الإسلام على صورة من الصور، فاللَّه يقول عن بعض الأنبياء: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} [الأنبياء: 73]، وفي الصيام يقول تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، وفي الحج يقول: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} [الحج: 26 – 27].
ولكن هذه العبادات الأربع كانت في تلك الديانات مناسبة لعصرها وبيئتها، فلمَّا جاء محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- بالرسالة الخاتمة الملائمة للبشرية في طور نضوجها، فرض اللَّه عليه هذه العبادات في أكمل صورة لها، ورقَّى كل نوع منها إلى غايته ومنتهاه، ونقَّاها من كل ما شابها خلال العصور وكر الدهور.
فالصلاة لم تعد مجرد ابتهال ودعاء فحسب، ولكنها ذكر ودعاء وتلاوة، وهي أقوال وأعمال يشترك فيها الفكر والقلب واللسان والبدن، واشترط الإسلام لها النظافة والطهارة، وأخذ الزينة، والاتجاه إلى قبلة واحدة، ووزعها على أوقات النهار والليل بمواقيت معينة، وحدد لكلِّ صلاة منها ركعات معدودة، ورتب كيفيتها على نسق فريد، وكملها بما شرع فيها من جماعة وجمعة، وزان ذلك كله بما شرع لها من أذان وإقامة، فالصلاة في الإسلام بهذه الصورة، وتلك الشروط، عبادة فذَّة لم تعرف هكذا في دين من الأديان.
والزكاة في الإسلام عبادة فذَّة -كذلك-، إنَّها ليست مجرد إحسان يتبرع بها متطوع، ولكنّها حق معلوم وفريضة مقدرة على كل من يملك نصابًا محددًا ناميًا من المال حال عليه الحول، فاضلًا عن الحاجات

الأصلية لمالكه، إنها حق اللَّه فيما أنعم به من مال أو تجارة أو زرع، حق يدفع الإيمان إلى أدائه، وتقوم الدولة على جبايته {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ} [التوبة: 103]، فمن أدَّاها طيبة بها نفسه، فقد كسب رضا اللَّه، وفاز بخيري الآخرة والأولى، ومن أبى قسرته الأُمَّة على أدائها قسرًا، فإن كانت له شوكة قوتل وجندت له الجنود حتى يؤديها، وهذا ما صنعه الخليفة الأول أبو بكر الصديق -رضي اللَّه عنه- مع مانعي الزكاة، فالزكاة بهذا الوضع وبمصارفها التي بينها القرآن عبادة جديدة لم تعرف بهذا الكمال في دين من الأديان.
وكذلك الصيام والحج والذكر والدعاء عبادات قديمة مشتركة في أديان كثيرة، ولكن الإسلام نقَّى هذه العبادات جميعًا من كل شائبة، ورقَّى كل نوع منها إلى غايته، وركز فيها من الأسرار، وربط بها من الآثار، وجعل لها من التأثير في الحياة ما يليق بدين عام خالد، مهمته إصلاح الفرد والأُمَّة وهداية العالمين) .
7 – يبدو أنَّ ما انتهجه (ماسنيون) من عشق وهيام بشخصية (الحلَّاج) وطريقته في الفلسفة الصوفية، ليس مجرد قناعة ذاتية أو اختيارًا لرأي شخصي، بل الأمر أعمق من ذلك، إذ يظهر من نهجه ذاك -واللَّه أعلم- إبراز التأثر والاقتباس بالنصرانية في تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة في جانبي العقيدة والعبادة، ففيما يخص العقيدة إبراز عقيدة الحلول وفلسفتها التي تتفق مع عقيدة الصلب والتثليث في الديانة النصرانية المحرَّفة. . . وهذا جانب لا يتسع المجال هنا للخوض فيه والرد عليه، وقد سبق أن أفردت العقيدة وموقف المستشرقين منها بمبحث مستقل ، وموضع الرد هنا على جانب العبادة.

ففيما يخص هذا الجانب يظهر أن (ماسنيون) يريد بطريقة غير مباشرة محاولة أن يثبت من خلال بحثه في شخصية (الحلَّاج) التطابق الذي يكاد يكون تامًّا بين فلسفة العبادة في الإسلام والنصرانية، وبما أن النصرانية هي السابقة فإنَّ الإسلام وأمته تكون في وضع المحاكي المقلد.

ولعل مِمَّا يدلُّ على صحة هذا الفهم والتفسير ما يأتي:
أ- ما ذكره عمر فروخ عن (ماسنيون) من أنَّه (جعل همَّه دراسة (التصوف المتطرف) وفيما يتعلق (بالحلَّاج خاصة) ، على الرغم من أنَّ (الحلَّاج) (كان أشد الناس عداوة للإسلام وأشد عداء للمسلمين من الكفَّار: ادَّعى الألوهيَّة فقتله العباسيون بذلك، ولكن أتباعه قالوا: إنَّه لم يمت ولكن (شبهه) ألقي على غيره، فقتل العباسيون شبهه هذا ولم يقتلوه هو (تشبيهًا بالمسيح) .
ويقول أيضًا: (ولَمَّا أصدرت كتابي (التصوف في الإسلام) في طبعته الأولى (1366 هـ – 1874 م) ثُمَّ زار (ماسنيون) بيروت عاتبني على ما كتبته عامَّة وخاصة، فلم أبدل رأيي في الضرر الذي أصاب المسلمين من حركة التصوف المتطرف والتصوف المعتدل أيضًا) ، مِمَّا يدل على الاهتمام البالغ من لدن (ماسنيون) بهذا الجانب ومحاولته إبرازه وترسيخه في واقع المسلمين، وقد التفت عمر فروخ إلى أمرين تجدر الإشارة إليهما:
الأول: أن (ماسنيون) كان مستشارًا في قسم المستعمرات بوزارة الخارجية الفرنسية .

الثاني: أنَّ من طلاب (ماسنيون) من تابعه في الكتابة عن (الحلَّاج) .
وفي هذا وذاك ما يؤكد أن هناك رغبة في إبراز هذا الجانب الفلسفي وما يترتب عليه من تقليد ومتابعة للجانب الروحي في الديانة النصرانية التي تأتي (الرهبانية) في تضاعيفه وطياته .
ب- كتب بعض المستشرقين ما يوضح دخول التيارات النصرانية في الطرق الصوفية، وعدوا ذلك تأثرًا بالروحانية في الديانة النصرانية وتأثيرًا في دين الإسلام؛ يقول (آدم متز): (إنَّ الحركة التي غيرت صورة الإسلام في أثناء القرنين الثالث والرابع ليست في مجموعها سوى نتيجة لدخول التيارات الفكرية النصرانية في دين محمد) .
ويقول (آسين بلاثيوس): (إنَّ المنهج الصوفي بكل جوانبه الروحيَّة مستمد من النصرانية) .
ج – وذكر أنَّ أول من تأثر بهذا النهج وتلك الفلسفة هو (الحلَّاج)، وأنَّه سُمِّيَ (مسيح المسلمين) .
وعلى هذا فإنَّ الاهتمام بشخصية (الحلَّاج) من قبل (ماسنيون)

و (جولدزيهر) وغيرهما من المستشرقين تعني الانحراف بتميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة في مجال عقيدتها وعبادتها إلى الطرائق الفلسفية التي أفسدت العقائد النصرانية والعبادات فيها، وحولتها إلى مفاهيم خاطئة وممارسات شاذَّة، وإذا كان لقول (آدم متز) مصداقية في واقع تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة حيث انحرفت بعض الفرق الإسلاميَّة عن جادة الإسلام إلى الرهبانية النصرانية، فإنَّ ذلك ليس تغييرًا في الإسلام ذاته، وإنَّما في واقع تلك الفرق، أمَّا الإسلام فقد حفظه اللَّه من التبديل والتغيير، ممثلًا في الأُمَّة الإسلاميَّة؛ (أُمَّة الاتباع) وفقًا لما أخبر به الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- عن افتراق الأُمَّة، والتزام أُمَّة الاتباع بما كان عليه هو وصحابته الكرام .
8 – أمَّا ما ذهب إليه (مونتغمري وات) حول تنوع المسميات التي تطلق على المسلم وعلى الأُمَّة الإسلاميَّة مثل (حنيف) و (حنيفية) و (مؤمن) و (مؤمنين) و (مسلم) و (مسلمين) وكذلك ما قاله عن (التزكي) فإنَّ ذلك مردود من وجوه عدَّة، منها:
أ- لا تعارض بين هذه المسميات بل هي -كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية- أسماء متعددة لدين واحد: (يسمى إيمانًا وبرًّا وتقوى وخيرًا ودينًا وعملًا صالحًا مستقيمًا، ونحو ذلك. . . وهو في نفسه واحد، لكن كل اسم يدل على صفة ليست هي الصفة التي يدل عليها الآخر، وتكون تلك الصفة هي الأصل في اللفظ والباقي. . تابعًا لها لازمًا لها، ثُمَّ صارت دالَّة عليه بالتضمن) .

وهذا من البدهيات العقليَّة التي يتفق عليها جمهرة الناس ولا تقوم لمعترض عليها أدنى حُجَّة، يقول أحد الباحثين في سياق الرد على هذه المقولة: (إنَّ هؤلاء المستشرقين يعرفون ويعرف غيرهم أنّ الشيء قد يسمى بعدة أسماء، ويوصف بعدة أوصاف من غير تعارض، ولا يلزم من وجود أحدهما انتفاء الآخر، فمثلًا (جولدزيهر) يهودي ومجري وإنسان ورجل، ولا يلزم من وجود هذه الأوصاف جميعًا أن يكون أحدها معارضًا للآخر. . . وكذلك ما جاء به النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يسمى بالإسلام، ويسمى بالإيمان والحنيفية، وغير ذلك، وليس في ذلك تعارض) .
ب- وإذا كان المستشرقون ينتزعون من تنوع هذه المسميات ما يستدلون به على محاكاة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- لأهل الكتاب في عباداتهم ومداهنته لهم وبخاصة اليهود بعد هجرته إلى المدينة، وأنَّه استخدم في سبيل ذلك مسمى (المؤمنين) ليدخلوا فيه بعد أن اقتبس كثيرًا من شعائرهم في العبادة وطقوسها، ثُمَّ استخدم مسمى (التزكي)، وبعد يأسه من دخول اليهود والنصارى دينه ومصادمة اليهود لدعوته استخدم مصطلح (حنيف) و (حنيفية) ثُمَّ حلَّ مصطلح (مسلم) و (مسلمين) محلَّه فيما بعد؛ فإنَّ هذا الاستدلال متهافت وساقط من الناحية التاريخية، ومن الناحية العقليَّة، ذلك أنَّ منطق التاريخ ينسفه من أصله؛ حيث إنَّ هذه المسميات والمصطلحات قد أطلقت على دين الإسلام وأمته قبل الهجرة.
وعلى سبيل المثال فإنَّ مسمى (التزكي) وإن لم يكن علمًا على دين الإسلام (كحنيف) و (حنيفية) قد جاء في بعض الآيات التي نزلت في مكة قبل الهجرة كقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)} [الأعلى: 14]، كذلك مصطلح

الإسلام ورد في آيات عدَّة قبل الهجرة كقوله تعالى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان: 22]، وقوله تعالى: {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل: 81]، وورد في روايات إسلام كثير من الصحابة كرواية إسلام أبي ذر وإسلام الطفيل بن عمرو الدوسي، بل ورد في دعوة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “اللهم أعزّ الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك أبي جهل أو بعمر بن الخطاب” .
وجاء مصطلح (حنيف) و (حنيفيهَ) في آيات عدَّة -كذلك- نزلت قبل الهجرة منها قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123]، وقوله تعالى: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79]، وقال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية، ولكن بعثت بالحنيفية السمحة” .
وجاء الإسلام مقترنًا بالحنيفية في قوله تعالى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67].
وأمَّا من الناحية العقليَّة؛ فإنَّ هذه المسميات والمصطلحات تدل -فيما تدل عليه- على تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة في منطلقاتها وغاياتها وأهدافها ووسائلها في عقيدتها وعبادتها، وأنها ليست على منهج المشركين ولا على منهج اليهود ولا منهج النصارى، وإنَّما كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي

وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 161 – 163].
إذًا فالأمَّة الإسلاميَّة ذات منهج متميِّز وصف بالتزكي في العبادات عن الشركيات والبدع، ووصف بالإيمان، ووصف بالإحسان، ووصف بالحنيفية، ولكل مسمى من هذه المسميات مفهومه ومعناه، وحينما تدبر الباحث في هذه المعاني، ويعمل عقله يفضي به منطق العقل وسياق الفكر إلى تأكيد معنى تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وأنَّ من أهم أهداف هذا التميُّز ما تدل عليه هذه المسميات من معان عميقة واسعة، منها على سبيل المثال:
• ما يدل عليه الإسلام من الاستسلام للَّه والانقياد له بالطاعة والخضوع له بعبادته وحده دون سواه .
• ما تدل عليه الحنيفية من ميل عن الشرك في العبادة والعقيدة إلى الإسلام والثبات عليه ، وقد وصفت أيضًا بأنها سمحة كما في قول الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “أحب الدين إلى اللَّه الحنيفية السمحة” ، وهي ملَّة إبراهيم عليه السلام وهو

الذي سمَّى أُمَّة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- مسلمين، قال تعالى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ} [الحج: 78].
• ما يدل عليه الإيمان والإحسان من تدرج في مراتب الإسلام التي أدناها الإسلام ثمَّ الإيمان ثمَّ الإحسان، فهي مراتب ثلاث يترقى فيها المسلم بإخلاص العبادة للَّه والانقياد لسنة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- حتَّى يعبد اللَّه كأنه يراه ، ومن المعهود أن الإسلام والإيمان إذا ذُكِرَا مجتمعين دلَّ الإسلام على العبادات الظاهرة من النطق بالشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج لمن استطاع إليه سبيلًا، ودل الإيمان على العبادات القلبية كما وردت في الحديث: “أن تؤمن باللَّه وملائكته وبلقائه ورسله، وتؤمن بالبعث” ، وإذا ذكر أحدهما دون الآخر دل عليه، ففي الحديث: “الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها لا إله إلَّا اللَّه، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق” ، فدخل الإسلامُ في مسمى (الإيمان) ودخلت كذلك الأعمال الصالحة .

ولئن كان الحديث يطول في هذه الفروق والدلالات عند افتراق مسمى الإسلام والإيمان والإحسان واقترانها؛ فإنَّ ما يتصل بهذا الرد في هذه النقطة هو أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- (جعل الدين ثلاث درجات أعلاها (الإحسان) وأوسطها (الإيمان) ويليه (الإسلام) فكل محسن مؤمن، وكل مؤمن مسلم، وليس كل مؤمن محسنًا، ولا كل مسلم مؤمنًا) .
وعلى هذا فإنَّ تعدد المسميات والمصطلحات التي توقف عندها (مونتغمري وات) تدلُّ على تحقيق العبودية للَّه وحده لا شريك له، وأدائها في أنصع صورة وأكملها، وهذا من أهم أهداف تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة.
9 – وحادثة تحويل القبلة إلى بيت اللَّه الحرام بمكة جاء استجابة لأمر اللَّه جل وعلا من الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- ومن أمته؛ لأن استقبال بيت المقدس كان أمرًا من اللَّه -على الأرجح من أقوال العلماء – وكان صرف القبلة عنه إلى الكعبة أمرًا من اللَّه بالوحي والقرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد ذكر العلماء أن أول نسخ في القرآن كان نسخ القبلة، وقالوا: إن استقبال الكعبة في بيت اللَّه الحرام بمكة المكرمة قطعي الدلالة، قطعي الثبوت .
وقد استفاضت كتب السنة والسيرة وغيرها من المصادر الإسلاميَّة بذكر هذه الحادثة الكبيرة في تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} [البقرة: 143]، ولا يُمكن هنا ذكر تفصيلاتها وما يستفاد منها من عبر وعظات ومقاصد عدّة بشكل مفصل، ولكن يكفي القول بأن هذه

الحادثة في مجمل دلائلها، وخلاصة ما يستنتج منها تنسجم مع شخصية الأُمَّة الإسلاميَّة المتميِّزة، ولا سيما إذا أخذ بعين الاعتبار ما صاحبها من تمحيص وابتلاء وامتحان مايز بين المسلمين واليهود والنصارى ومايز كذلك بين المهتدين والناكصين من الأُمَّة الإسلاميَّة، قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 143].
قال ابن كثير في تفسيرها: (يقول تعالى: إنَّما شرعنا لك يا محمد التوجه أولًا إلى بيت المقدس، ثمَّ صرفناك عنه إلى الكعبة ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجهت ممن ينقلب على عقبيه مرتدًّا عن دينه، وإن كانت لكبيرة، أي: هذه الفعلة -وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة-، أي: وإن كان هذا لأمرًا عظيمًا في النفوس إلَّا على الذين هدى اللَّه قلوبهم وأيقنوا بتصديق الرسول، وأنَّ كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأنَّ اللَّه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، فله أن يكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء) .
وقال قبل ذلك: (ولَمَّا وقع هذا -يعني تحول القبلة- حصل لبعض الناس من أهل النفاق والريب والكفرة من اليهود ارتياب وزيغ عن الهدى وتخبيط وشك وقالوا: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} .
إلى أن قال: (الشأن كله في امتثال أوامر اللَّه، فحيثما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره ولو وجهنا في كل يوم مرات إلى جهات متعددة،

فنحن عبيده وفي تصرفه وخدّامه حيثما وجهنا توجهنا، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمد صلوات اللَّه وسلامه عليه وأمته عناية عظيمة، إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم الخليل عليه السلام، ولهذا قال: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142] .
جاء كلامه هذا في سياق تفسيره لقوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142].
وفي تفسيره لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] قال: (إنَّما حولناكم إلى قبلة إبراهيم عليه السلام واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع معترفون لكم بالفضل. . . ولما جعل اللَّه هذه الأُمَّة وسطًا خصَّها بأكمل الشرائع، وأقوم المناهج، وأوضح المذاهب) .
وأورد في تفسير قوله تعالى: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142] حديث أم المؤمنين عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: قال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا اللَّه لها فضلوا عنها، وعلى القبلة التي هدانا اللَّه لها وضلوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام: آمين” ، والمقصود بالضمير في “يحسدوننا” يعني: أهل الكتاب.

وقد تحدث ابن قيم الجوزية عن حادثة تحويل القبلة في كثير من المواضع من كتبه وما صاحب هذه الحادثة من إرهاصات، وما اشتملت عليه من حكم ودلائل، منها:
أ- إنَّ مشروعية الصلاة إلى بيت المقدس إنَّما كانت أولًا بسبب كونها قبلة الأنبياء وبعث محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- بما بعثوا به (وبما يعرفه أهل الكتاب، وكان استقبال بيت المقدس مقررًا لنبوته، وأنه بعث به الأنبياء قبله، وأنَّ دعوته هي دعوة الرسل بعينها، وليس بدعًا ولا مخالفًا لهم، بل مصدقًا لهم مؤمنا بهم، فلمَّا استقرت أعلام نبوته في القلوب، وقامت شواهد صدقه من كل جهة، وشهدت القلوب له بأنَّه رسول اللَّه حقًّا وإنْ أنكروا رسالته عنادًا وحسدًا وبغيًا، وعلم سبحانه أن المصلحة له ولأمته أن يستقبلوا الكعبة البيت الحرام أفضل بقاع الأرض وأحبها إلى اللَّه، وأعظم البيوت وأشرفها وأقدمها قرر قبله أمورًا كالمقدمات بين يديه لعظم شأنه فذكر النسخ أولًا) .
ويقول أحد المؤلفين في هذا الصدد: (إنَّ صلاته -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى بيت المقدس ثُمَّ تحوله إلى الكعبة في مكة ليوحي بأنَّه هو النبي الذي يجب أن يدين له أهل القبلتين، ويؤمن برسالته كل العالمين، حيث لم تكن دعوته دعوة محلية ولا رسالة إقليمية، وإلَّا لما احتاج إلى هذه السياحة التي جمعت له أطراف الأرض) .
والمؤلف يقصد بهذه السياحة قصة الإسراء وما حدث فيها من استقبال الأنبياء لمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم- وتقديمه عليهم إمامًا حيث صلى بهم في المسجد الأقصى، وقد انتزع المؤلف المذكور من هذه الحادثة: إقرار الأنبياء بنبوة

محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- وتفوقه عليهم في المكانة وعلو القدر، وأنّ إقرار كلِّ نبي ملزم لأمته وموجب عليها أن تقر برسالة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأن تقديمه في الصلاة بهم يوضح عالمية رسالته واعترافهم -صلوات اللَّه عليهم أجمعين – (بحقه في التقدم عليهم، ودعوة صريحة لأممهم بطاعته والائتمام به) .
كما ذكر بعض المفسرين أنَّ توجه محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- بالصلاة إلى بيت المقدس ثُمَّ تحوله إلى الكعبة من دلائل نبوته التي أَخبَرت بها الكتب السابقة .
ب- أن حادثة تحويل القبلة جاءت مؤكدة على التمايز بين المسلمين وأهل الكتاب، وأنَّ لكل أُمَّة منهم قبلة توليها، وأنَّ بعضهم لن يتبع بعض، وأنَّه لا مصلحة ترجى في موافقته بعدما ظهر منهم من الكبر والحسد والسخرية بالمسلمين، وأنَّهُم لن يرضوا عن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى يتبع ملّتهم .
قال اللَّه تعالى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 145].
ج- (إنَّه كما جعلهم أُمَّة وسطًا خيارًا اختار لهم أوسط وجهات الاستقبال وخيرها، كما اختار لهم خير الأنبياء، وشرع لهم خير الأديان، وأنزل عليهم خير الكتب، وجعلهم شهداء على الناس كلهم، لكمال فضلهم وعلمهم وعدالتهم، وظهرت حكمته في أن اختار لهم أفضل قبلة

وأشرفها؛ لتتكامل جهات الفضل في حقهم بالقبلة والرسول والكتاب والشريعة) .
10 – أمَّا ما زعمه (شاخت) في مفهوم الزكاة، وأنَّ الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- استعارها من الاستعمال اليهودي لها بمعنًى أوسع ممَّا تعنيه في معناها العربي قبل الإسلام، فإنَّ زعمه هذا يأتي في سياق دراسته للزكاة في الإسلام، وقد أكد الباحثون بأنَّ دراسته تلك غير دقيقة، وأنها اتسمت بالآتي:
أ- انتهج فيها (إطلاق تعميمات تحتاج إلى تقييد، أو إغفال تفصيلات مهمة تتعلق بمبدأ عام، أو استعمال عبارات مجملة بينما يقتضي المقام التعبير عن معنى واحد لا غير، وعدم الدقة في العبارة والفكرة) .
ب- استحوذ على فكره ومنطلقه في تلك الدراسة الربط بين مفهوم الزكاة في الإسلام ومفهومها في اليهودية ليدلل بذلك على أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- أخذه من اليهود، وأنَّه في سبيل ذلك حجَّرَ واسعًا، وجعل نفسه حبيسًا في أغلال المباحث اللفظية، ولم يتعدها إلى مقارنة المعاني والأحكام .
ج- خضع في منهجه هذا لذلك المنهج الشائع بين علماء اليهود وهو (الإصرار على نسبة كل الكلمات المشتركة بين اللغات السامية إلى اللغة العبريَّة) .
وإذا كانت دراسة (شاخت) للزكاة قد اتسمت بعدم الدّقّة، وانتقدت

من حيث المنهج ومن حيث المضمون، وتصدَّى لذلك أهل الاختصاص من علماء الأُمَّة الإسلاميَّة ، فإنَّ ما يهم هنا هو الرد على زعمه الخاص بأنَّ مفهوم الزكاة في الإسلام مقتبس ومنقول عن اليهود، والرد على ذلك من وجوه أبرزها الآتي:
أ- إنَّ اللغة العبريَّة والآراميَّة والعربية وغيرها تعود إلى اللغة الساميَّة، فإذا وجدت جذور مشتركة لبعض الكلمات في هذه اللغات فلا يعني ذلك أن إحدى اللغات المذكورة نقلت من الأخرى، ولا يُمكن الجزم بذلك فقد يكون سبب ذلك الاشتراك عودتها جميعًا إلى أصل واحد .
ب- لو فرض أن لفظ (زكاة) مقتبس من العبرية فإنَّ الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- ليس هو الذي نقله من العبريَّة إلى العربية، إذ أنَّ هذا اللفظ موجود في اللغة العربية قبل الإسلام، ولئن كان من معانيه في العربية ما يوافق بعض معانيه في العبرية مثل الطهر فإنَّ له معاني أخرى استقل بها في العربية، منها: (النماء والزيادة والبركة والصلاح والزكا والمدح) .
ويشترك من ناحية ثانية مع كلمات عدّة، مِمَّا يدل على عمق دلالته في

اللغة العربية وأصالته، بينما الكلمات المقترضة من لغة أخرى تكون جامدة، ومقطوعة الصلة بغيرها من الكلمات الأخرى في تلك اللغة التي نقلت إليها .
ج- جعل الإسلام للزكاة مفهومًا شرعيًّا متميِّزًا وهو زكاة الأموال وعروض التجارة بصفة محدَّدة ومقررة شرعًا، ويؤكد الباحثون بأنّ الإسلام استخدم هذا المعنى أو المفهوم الشرعي قبل الهجرة وبعدها.
د- مِمَّا سبق الرد به على شبهات المستشرقين التي تدور حول دعوى التشابه تبين أنَّ التشابه حدث بسبب وحدة المصدر، وحيث إنَّ الزكاة قد فرضت في الأديان والشرائع السابقة للإسلام؛ فإنَّ ذلك مدعاة للتشابه فيما بين أحكام تلك الأديان والشرائع وبين أحكام الإسلام، وفي سياق قصص الأنبياء والرسل الذين ذكرهم اللَّه جل وعلا لنبيه -صلى اللَّه عليه وسلم- ورد ما يبين مشروعية الزكاة في شرائعهم، كقوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ} [الأنبياء: 73]، وقوله عن عيسى عليه السلام: {وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا} [مريم: 31].
وإذا كانت هذه الأوجه كفيلة بدحض مزاعم (شاخت) وإسقاط الاحتجاج بها؛ فإنَّ هناك أوجهًا أخرى كثيرة تبين بجلاء استقلال تشريع الزكاة في الإسلام عما هو معهود في الشرائع السابقة للإسلام وعن النظم المعاصرة في المجتمعات الغربية، وهو ما يعرف بالضمان الاجتماعي، وأنَّه كما قال أحد الباحثين يُعَدُّ معجزة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- الاقتصادية .
وهذا التميُّز الذي اتسم به تشريع الزكاة في الإسلام ليس محصورًا في

ناحية دون أخرى بل في كل ناحية (سواء في صفته الإلزامية، أو في تحديده التفصيلي أو خصائصه الاقتصادية، أو في استخدامه للسلطة الاجتماعية في إعادة التوزيع من الأغنياء إلى الفقراء، أو في عزله الصارم لموارد الزكاة عن مالية الدولة العامَّة) .
ويُمكن الاقتصار في الرد على مزاعم (شاخت) بإيراد مثالين -فقط- يبين أحدهما أهمَّ الفروق بين تشريع الزكاة في الإسلام وبين الواجبات الدينية في الديانات الأخرى، ويبين الآخرُ الفارقَ بين تشريع الزكاة في الإسلام -أيضًا- وبين التشريعات المعاصرة للضمان الاجتماعي في الدول الصناعية .
أمَّا الأول: فإنَّ (الواجبات الدينية في الديانات الأُخرى هي أساس لتمويل وظيفة الوساطة الدينية، ولإعاشة رجال الدين وتشغيل وإنشاء المعابد) ، على حين تكون الزكاة في الإسلام مقصورة بالدرجة الأولى (على الفقراء، وقد حرمت الزكاة والصدقة عمومًا على النبي صلى اللَّه عليه وعلى آله، وعلى العلماء بالشريعة إلَّا أن يكونوا فقراء فيتقاضونها بصفة الفقر لا بصفة العلم والدين، بل اتفقت المذاهب الأربعة على أنَّه لا يجوز صرف الزكاة حتى لبناء المساجد، بل ينبغي بناؤها من غير أموال الزكاة) .

وأمَّا الثاني: فإنَّ (التشريعات المعاصرة للضمان الاجتماعي في الدول الصناعية (تولدت) نتيجة تعاظم القوة السياسية للفئات الاجتماعية المستفيدة منه، وتهديدها الصريح أو الضمني للمجتمع إن لم يستجب لمطالبها) ، على حين كان تشريع الزكاة في الإسلام أحد أركان الإسلام الخمسة، وجاء (جزءًا من نظام حياة متكامل أوحي إلى نبي أمّي) .
وقد لفت نظر بعض الباحثين ذلك الموقف الحازم الحاسم الذي وقفه أبو بكر الصديق -رضي اللَّه عنه- من مانعي الزكاة، وقال: (واللَّه لأقاتلنَّ من فرَّق بين الصلاة والزكاة) ، إذ كان ذلك الموقف (حدثًا فريدًا في تاريخ الإنسانية، وهو أن يخاطر مجتمع بوجوده فيدخل حربًا لمصلحة فقراء وضعفاء لم يكن لهم فيه وزن سياسي متميز، وما كانوا ليفكروا أو ليقدروا على التشويش أو إحداث القلاقل والاضطراب تأكيدًا لمصالحهم) .

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*