أثر الأخوة في تميز الأمة الإسلامية ، ووحدتها

أثر الأخوة في تميز الأمة الإسلامية ، ووحدتها .. جمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة اللَّه في إقامة دينه. . . وسره أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل، والميل إلى الدنيا حصل التنافس وفشا الخلاف

أثر الأخوة في تميز الأمة الإسلامية، ووحدتها

يعد أثر الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة -وفق ما انتهجه الإسلام في بنائها وما اقتضته دلالاتها ومنطلقاتها وأهدافها- في تميز الأمة الإسلامية من آيات اللَّه الدالة على قدرته كما قال تعالى: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ. . .} [الأنفال: 62 – 63]- قال ابن خلدون: (وجمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة اللَّه في إقامة دينه. . . وسره أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل، والميل إلى الدنيا حصل التنافس وفشا الخلاف، وإذا انصرفت إلى الحق، ورفضت الدنيا والباطل، وأقبلت على اللَّه اتحدت وجهتها، فذهب التنافس، وقل الخلاف، وحسن التعاون والتعاطف، واتسع نطاق الكلمة) .
ومن رحمته تعالى بهذه الأمة أن جعل نصرة الأخوة ووحدة الأمة التي هي من مقومات تميزها، تتمثل في أخلاق قائدها ومعلمها وهاديها وإمامها محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- إذ قال تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159]، وأرشده -جل وعلا- في الآية نفسها إلى عوامل الألفة ومظاهر اللين، فقال تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159].
وأدى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- الأمانة وبلغ الرسالة، ونصح الأمة، وكان في كل ذلك كما قال اللَّه عنه: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وبكلمة جامعة

وصفت أم المؤمنين عائشة -رضي اللَّه عنها- خلقه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: (كان خلقه القرآن) .
بهذه الأسوة الحسنة والقدوة الراشدة انداح أثر الأخوة الإسلامية في الأمة وتحققت به وحدتها، وشاع أثرها في الإنسانية، وكان الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- يؤكد على هذه الآصرة الفريدة، ويرسم منهجها الذي لا يوجد (على وجه الأرض نظام أو منهج يشبه المنهج الإسلامي أو يقاربه فضلًا عن أن يساويه) في منطلقاته وأهدافه ومراميه إزاء هذه الآصرة وتأثيرها في الأمة، شأنه في ذلك شأن جميع مقومات تميز الأمة وخصائصه وأهدافه ووسائله.
ومن أهم ما يبين أثر الأخوة في تميز الأمة الإسلامية وتحقيق وحدتها وفق المنهج الإسلامي وتطبيق الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- وصحابته الكرام الآتي:
أ- ما كان عليه الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه قبل الهجرة من الحب والتآخي فقد كان الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- (يغذي أرواحهم بالقرآن ويربي نفوسهم بالإيمان ويحثهم على الخضوع لرب العالمين في أداء ما افترضه عليهم من الصلاة خمس مرات في اليوم في طهارة بدن وخشوع قلب وخضوع جسم وحضور عقل؛ فيزدادون كل يوم سمو روح ونقاء قلب ونظافة خلق، وتحريرًا من سلطان الماديات ومقاومة للشهوات ونزوعًا إلى رب الأرض والسموات، ويأخذهم بالصبر على الأذى، والصفح الجميل، وقهر النفس، لقد رضعوا حب الحرب وكأنهم ولدوا مع السيف، وهم من أمة، من أيامها حرب البسوس وداحس والغبراء، وما يوم الفجار منهم ببعيد -ولكن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- يعالج –

بحكمته- ما في طبيعتهم السابقة من قسوة وشدة، يوجههم إلى أن يكفوا أيديهم ويقيموا الصلاة، فكان أن لانوا، ورقت طبائعهم وكفوا أيديهم وتحملوا من قريش ما تهيج به النفوس في غير جبن وفي غير عجز، ولم يسجل التاريخ حادثة دافع فيها مسلم في مكة عن نفسه بالسيف مع كثرة الدواعي الطبيعية إلى ذلك وقوتها، وذلك غاية ما روي في التاريخ من الطاعة والخضوع، حتى إذا تعدت قريش في الطغيان وبلغ السيل الزبى أذن اللَّه لرسوله ولأصحابه بالهجرة: وهاجروا إلى يثرب وقد سبقهم إليها الإسلام) .
ومنذ بعثته -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى زمن هجرته وما بينهما من تفصيلات تاريخية كانت نماذج الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة تتجلى في أجمل صورها في ميدان التربية والتعليم والتهذيب والتضحية والفداء ، ولا يتسع المجال لاستعراض تلك الصور أو معظمها، ولكن تكفي الإشارة إلى موقفين تجلت فيهما الأخوة الإسلامية بصورة لم يشهد التاريخ لها مثيلًا:
الأولى: ما يذكر في بعض مصادر السيرة من أنَّ عليًا بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- وكرم وجهه نام على فراش الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- لدى مغادرته داره في أعقاب

ليل مريع، أحاط أبناء القبائل المسلحون طيلة ساعاته بدار الرسول ينتظرون اللحظة التي سيطيحون فيها برأسه ويفرقون دمه بين القبائل.
قال ابن إسحاق: (فلمَّا كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه متى ينام، فيثبون عليه، فلمَّا رأى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مكانهم، قال لعلي بن أبي طالب: “نمْ على فراشي، وتسجَّ ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم. . . “، وخرج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأخذ حفنة من تراب في يده، وأخذ اللَّه على أبصارهم عنه فلا يرونه، فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم. . .) .
الثانية: اختيار أبي بكر الصديق -رضي اللَّه عنه-: ليكون رفيق النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأخاه في هجرته، وما صاحب ذلك من مشاعر الحب والفداء والتضحية والثقة في نصر اللَّه ووعد الحق، ولئن كان المجال لا يتسع لذكر تفاصيل ذلك؛ فإنَّ من المواقف الخالدة ما سجله القرآن الكريم حكاية عن أبي بكر إذ هو مع

الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- في الغار، ينظر إلى أقدام المشركين المطاردين الخانقين عند أسفل الغار، فيخاف ويحزن ليس على نفسه بل على الرسول نفسه، وعلى ما يمثله الرسول، فيقول له: (لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا) .
ويأتي رد الرسول صادرًا عن ذلك الإيمان القوي بعون اللَّه لعباده ودفعه عنهم وحمايته لهم: “يا أبا بكر، ما ظنك باثنين، اللَّه ثالثهما” ، ويعلن اللَّه -تبارك وتعالى- هذه الحماية التي لا حماية بعدها بقوله في كتابه: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 40].
وفي هاتين السورتين تتجلى معاني الأخوة بعمقها وشمولها، إذ تضمنت الفداء بالنفس والمال والأهل والثقة المطلقة بموعود اللَّه مع ما اكتنفتا من مشاعر الحب والإيثار، يقول ابن إسحاق: (انتهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبو بكر إلى الغار ليلًا، فدخل أبو بكر -رضي اللَّه عنه- قبل الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- فلمس الغار لينظر أفيه سبع أو حية يقي رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بنفسه) ، إنها قمة التضحية والفداء التي

لا تتأتى إلا بروح الأخوة الإسلامية وتأثيره، وهو ما كان من أبي بكر الصديق، ومن علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه-، ومن كافة الصحابة الكرام مع رسول الهدى -صلى اللَّه عليه وسلم- مما سطرته صفحات التاريخ -ولأبي بكر مزية في أخوة الإسلام ذكرها الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- في خطبة عرض فيها بقرب وفاته وكان مما جاء فيها: “إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته، لا يبقين في المسجد بابٌ إلا سُدَّ، إلا باب أبي بكر” . قال ابن رجب في معناه: (لما عرض الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- على المنبر باختياره للقاء على البقاء ولم يصرح، خفي المعنى على كثير ممن سمع، ولم يفهم المقصود غير صاحبه الخصيص به، ثاني اثنين إذا هما في الغار وكان أعلم الأمة بمقاصد الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، فلما فهم المقصود من هذه الإشارة بكى وقال: بل نفديك بأموالنا وأنفسنا وأولادنا، فسكن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- جزعه وأخذ في مدحه والثناء عليه على المنبر ليعلم الناس كلهم فضله، ولا يقع عليه اختلاف في خلافته. . .) .
ب- المؤاخاة التي شرعها الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار، وجعل منها (أساسًا لمبادئ العدالة الاجتماعية التي قام على تطبيقها أعظم وأروع نظام اجتماعي في العالم، ولقد تدرجت مبادئ هذه العدالة فيما بعد بشكل أحكام وقوانين شرعية ملزمة، ولكنها كلها إنما تأسست وقامت على الأخوة الإسلامية التي تأسست على حقيقة العقيدة الإسلامية، ولولا ذلك لما كان لتلك المبادئ أي أثر تطبيقي وإيجابي في شد أزر المجتمع

الإسلامي ودعم وحدته- لم يكن ما أقامه الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بين أصحابه من مبدأ التآخي مجرد شعار في كلمة أجراها على ألسنتهم، وإنما كان حقيقة عملية تتصل بواقع الحياة وبكل أوجه العلاقات القائمة بين الأنصار والمهاجرين) . لقد كانت المؤاخاة من أوائل الأعمال التي قام بها الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- عندما وصل إلى مهاجره، قال ابن إسحاق: (وآخى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فقال -فيما بلغنا. . . تآخوا في اللَّه أخوين أخوين، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب، فقال: هذا أخي، فكان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين الذي ليس له خطير ولا نظير من العباد وعلي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- أخوين، وكان حمزة بن عبد المطلب. . . وزيد بن حارثة، مولى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أخوين. . .) .
ومما يقوله ابن إسحاق في ذكر تفصيلات المؤاخاة: (فهؤلاء من سمي لنا ممن كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- آخى بينهم من أصحابه، فلما دون عمر بن الخطاب الدواوين بالشام، وكان بلال قد خرج إلى الشام، فأقام بها مجاهدًا، فقال عمر لبلال: إلى من تجعل ديوانك يا بلال؟ قال: مع أبي رويحة، لا أفارقه أبدًا، للأخوة التي كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عقد بينه وبيني، فضم إليه) .
وفيما أورده ابن إسحاق دليل على عمق هذه المؤاخاة ورسوخها في

نفوس صحابة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- كما أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- اتخذ في سبيلها من التدابير التشريعية والتنظيمية ما لم يسبق لمثله من قبل، ولعل وثيقة الموادعة التي كتبها الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بين المهاجرين والأنصار، ووادع فيها اليهود؛ تعطي دلالة حضارية بعيدة المدى وعميقة المعنى، ذلك أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- أرسى دعائم الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة وبين حقوقها ودعائمها، وأنها إحدى مقومات تميز الأمة الإسلامية، وقد ورد نص الوثيقة: (في كل كتب السيرة كاملة، وفي كثير من كتب السنة النبوية مجزأة) ، واستشهد بها بعض الباحثين في دراسة المجتمع الإسلامي، واستخلص منها حقائق كبرى في قيام الأمة الإسلامية المتميزة ، منها:
– (تأكيد وحدة الأمة الإسلامية وترابطها وتميزها من دون الناس بإيمانها الصحيح وإسلامها الواعي. . . وبأنها الأمة التي تحمل تبعة الدعوة، دعوة البشرية كلها إلى هذا الدين لتأكيد أنها خير أمة أخرجت للناس. . . وإعلاء عنصر الإيمان ورفع شأن المؤمنين. . . وأن المؤمن أعلى عناصر الوجود قدرًا وأرفعها ذكرًا عند اللَّه. . .) .
– (تكافل المسلمين وتكاتفهم في الحرب. . . (وأن المؤمنين لا يتركون مفدحًا بينهم) والمفدح: المثقل بالدين والكثير العيال، فهذا يرعاه إخوانه المسلمون ولا يتركونه لدين يفدحه ولا لنفقة عيال تعجزه،

هذا واجب المسلم نحو أخيه المسلم في السلم والأمن، فإذا كانت حرب وجهاد في سبيل اللَّه فإن المسلمين يتكافلون فيما بينهم، ويخفف بعضهم على بعض ما أصابهم من مغارم الحرب وتبعات الجهاد) .
– (إقرار المساواة بين المسلمين وتكافؤهم في المكانة والكرامة والحقوق. . . ويتضح ذلك من قول الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “وأن ذمة اللَّه واحدة يجير عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس” ومهما قال أصحاب النظريات والنظم من المتشدقين بالمساواة والعدالة، فلن يصلوا إلى أدنى ما يدل عليه قول الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “ويجير عليهم أدناهم” فأقل المسلمين مالًا أو جاهًا أو قوة كأكبر المسلمين مالًا أو جاهًا أو قوة يجير عليه فلا يرد إجارته) .
– (والأمة الإسلامية مطالبة أبدًا بأن تكون أبدًا مع الحق وضد الباطل ولو تمثل هذا الباطل في واحد منهم، يتضح ذلك من قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “وإن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثمًا أو عدوانًا فسادًا بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولد أحدهم” .

وبهذا أصبحت الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة شريعة تنتهج، ونظامًا يطبق ويقنن؛ فإن إطار الحقوق والواجبات وهذا (مما تميز به الإسلام على غيره من الأديان ومن النظم والنظريات، حتى إنَّ بعض العلماء يرون أن هذه المؤاخاة مما خص به رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- دون سائر الرسل عليهم السلام) .
وقد اتسمت هذه المؤاخاة بمظاهر كثيرة وتطبيقات رائعة، منها ما كان على مستوى الأمة، ومنها ما كان على مستوى الأفراد. . .
ويجمل الحديث عن بعض نماذجها فيما يأتي:
أولًا: لقد بلغ من تأثير المؤاخاة في بداية الأمر حد التوارت بين الإخوة في الدين بعد الموت، (وظلت كذلك حتى تغيرت بجعل هذا التوارث بين أولي الأرحام فحسب) ، فكان (ميراث الأنصاري يؤول بعد وفاته إلى أخيه المهاجر بدلًا من ذوي رحمه من الإخوة أو الأبناء أو النساء. . . واستمر ذلك حتى موقعة بدر التي حظي فيها المسلمون بمقادير لا بأس بها من الغنائم والأموال) ، ونزل قوله تعالى: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأحزاب: 6]- قال ابن عباس: (هذه الآية نسخ لما تقدم من الموالاة بالهجرة دون القرابة التي ليس معها هجرة) .
وقال ابن العربي: (إنه عموم في كل قريب بينته السنة بقوله: “ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر” حسبما ثبت في كتاب

اللَّه، وقال رسول اللَّه) وقال بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ. . .} [الأنفال: 74 – 75]: (هذه الآيات في بيان مدحهم وثوابهم. . . لأنهم صدقوا إيمانهم بما قاموا به من الهجرة، والنصرة، والموالاة، بعضهم لبعض، وجهادهم لأعدائهم من الكفار والمنافقين. . . وكذلك من جاء بعد هؤلاء من المهاجرين والأنصار، ممن تبعهم بإحسان فآمن وهاجر وجاهد في سبيل اللَّه، {فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ} [الأنفال: 75] لهم ما لكم وعليهم ما عليكم. فهذه الموالاة الإيمانية -وقد كانت في أول الإسلام- لها وقع كبير، وشأن عظيم، حتى أن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- آخى بين المهاجرين والأنصار أخوة خاصة، غير الأخوة الإيمانية العامة، وحتى كانوا يتوارثون بها، فأنزل اللَّه: {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأحزاب: 6] فلا يرثه إلا أقاربه من العصبات، وأصحاب الفروض، فإن لم يكونوا، فأقرب قراباته، من ذوي الأرحام، كما دل عليه عموم الآية الكريمة) .
ومما يستخلص من هذا الحدث الإسلامي الفريد في إطار العقيدة والأخوة والتشريع: (أن نظام الميراث الذي استقر أخيرًا، إنما هو نفسه قائم على أخوة الإسلام بين المتوارثين، إذ لا توارث بين دينين مختلفين، إلا أن الفترة الأولى من الهجرة وضعت كلًا من الأنصار والمهاجرين أمام مسؤولية خاصة من التعاون والتناصر والمؤانسة، بسبب مفارقة المهاجرين لأهلهم وتركهم ديارهم وأموالهم في مكة، ونزولهم ضيوفًا على إخوانهم

الأنصار في المدينة، فكان ما أقامه الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- من التآخي بين أفراد المهاجرين والأنصار ضمانة لتحقيق هذه المسؤولية، ولقد كان من مقتضى هذه المسؤولية أن يكون هذا التآخي أقوى في حقيقته وأثره من حقيقة أخوة الرحم المجردة، فلما استقر أمر المهاجرين في المدينة، وتمكن الإسلام فيها، وغدت الروح الإسلامية هي وحدها العصب الحقيقي الطبيعي للمجتمع الجديد في المدينة، أصبح من المناسب انتزاع القالب الذي كان قد صب فيه نظام العلاقة بين المهاجرين والأنصار إثر التقائهم في المدينة، إذ لا يخشى على هذا النظام بعد اليوم من التفكك والتميع في ظل الأخوة الإسلامية العامة وما يترتب عليها من المسؤوليات المختلفة، ولا ضير حينئذ أن يعود تأثير قرابة الرحم بين المسلمين من حيث كونها مؤثرًا زائدًا على قرابة الإسلام وأخوته) ، في إطار عقيدة التوحيد وتحت مظلة الشرع؛ ولأن في ذلك ما (يلبي جانبًا فطريًا في النفس الإنسانية، ولا ضرر من تلبية المشاعر الفطرية في النفس الإنسانية، ما دام أن ليس هناك ما يعارض هذه المشاعر من تكاليف الوجود الإسلامي) .
ثانيًا: بلغت مشاعر الأخوة وتأثيراتها بين المهاجرين والأنصار أعلى درجات الأخوة ومشاعر الوحدة من الإيثار والسماحة والنبل؛ ولذلك شواهد عدة سجلها التاريخ، وامتدحها اللَّه عز وجل في محكم التنزيل، وهي من الكثرة بمكان، تعج بها كتب السنة والسيرة والتاريخ والتراجم، سواء ما كان منها في صفوف الرعيل الأول من المهاجرين والأنصار، أو من جاء من بعدهم وسار على نهجهم واقتفى أثرهم في فهم عقيدة الإسلام واعتناقها، وطبق

شريعته وارتبط بآصرة الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة، ويكفي شاهدًا على ذلك قول الحق -تبارك وتعالى-: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]، فهذه صورة وضيئة صادقة تبرز أهم الملامح المميزة للأنصار، هذه المجموعة التي تفردت بصفات، وبلغت إلى آفاق، لولا أنها وقعت بالفعل، لحسبها الناس أحلامًا طائرة ورؤى مجنحة ومثلًا عليا قد صاغها خيال محلق) .
وبالرجوع إلى ما ذكره المفسرون في نزول بعض هذه الآية وما ذكروا من شواهد على الإيثار الذي وصف اللَّه به الأنصار تتحقق المقولة السابقة؛ من أن هذه الأفعال التي كانت من أثر الأخوة الإسلامية لو لم تحدث بالفعل ويتواتر خبر ذلك لكانت من نسج الخيال، وفي ذلك ما يبرز تميز الأمة الإسلامية على سائر الأمم، ومن هذه الشواهد:
– ما ذكره الواقدي من أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: لما تحول من بني عمرو بن عوف (في قباء) إلى المدينة تحول أصحابه من المهاجرين، فتنافست فيهم الأنصار أن ينزلوا عليهم حتى اقترعوا فيهم بالسهمان، فما نزل أحد منهم على أحد إلا بقرعة سهم) .
– أنزل الأنصار إخوانهم المهاجرين في منازلهم وأشركوهم في أموالهم وأحسنوا إليهم وآووا رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومنعوه من الأحمر

والأسود، وتبؤوا دار الهجرة والإيمان حتى صارت موئلًا ومرجعًا يرجع إليه المؤمنون، ويلجأ إليه المهاجرون، ويسكن حماه المسلمون إذ كانت البلدان كلها، بلدان حرب وشرك وشر، فلم يزل أنصار الدين يأوون إلى الأنصار، حتى انتشر الإسلام وقوي وجعل يزداد شيئًا فشيئًا) حتى إذا أفاء اللَّه على رسوله وغنم أموال بني النضير (دعا الأنصار وشكرهم فيما صنعوا مع المهاجرين. . . ثم قال: “إن أحببتم قسمت مما أفاء اللَّه علي من بني النضير بينكم وبينهم وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم” فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: بل تقسمه بين المهاجرين، ويكونوا في دورنا كما كانوا، ونادت الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: “اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار”) .
– وعن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: (قالت الأنصار: أقسم بيننا وبين إخواننا النخل قال: “لا” قال: “تكفوننا المؤونة وتشركوننا في التمر” قالوا: سمعنا وأطعنا) ، فهذه صورة أخرى من الإيثار الذي اتصفت به الأنصار فقد

أشركوا إخوانهم المهاجرين في أموالهم، ولم يقف الأمر عند ذلك، بل كفوهم مؤونة العمل وقاسموهم في ثمار أموالهم إجابة لقول الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “هم قوم لا يعرفون العمل -أي: في الزراعة- فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر” .
– وقال ابن كثير في تفسيره قوله تعالى: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} [الحشر: 9]: (أي: من كرمهم وشرف نفوسهم، يحبون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم. وقوله: {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} [الحشر: 9]: أي: ولا يجدون في أنفسهم حسدًا للمهاجرين فيما فضلهم اللَّه بهم، من المنزلة والشرف والتقديم في الذكر والرتبة) .
وقال القرطبي في معنى قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9]: (الإيثار هو تقديم الغير على النفس وحظوظها الدنيوية ورغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة، يقال: آثرته بكذا، أي: خصصته به وفضلته) ، وساق شواهد عدة على ذلك من تطبيقات الأنصار رضوان اللَّه عليهم، مما يؤكد أن أخوة الدين هي التي جعلت الأنصار يفتحون قلوبهم لإخوانهم المهاجرين قبل أن يفتحوا منازلهم .

– ومما أورده المفسرون في سبب نزول قوله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9] أنها نزلت في رجل من الأنصار (آثر ضيفه بطعامه وطعام أهله وأولاده، وباتوا جياعًا) ، وقيل: (أهدي لرجل من أصحاب الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- رأس شاة فقال: إن أخي فلانًا وعياله أحوج إلى هذا منا، فبعثه إلهم، فلم يزل يبعث به واحد إلى آخر حتى تداولها سبعة أبيات، حتى رجعت إلى أولئك) .
– وذكر ابن كثير صورة أخرى -وذكرها غيره- وهو: (الماء الذي عرض على عكرمة وأصحابه يوم اليرموك، فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه وهو

جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء فرده الآخر إلى الثالث، فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم ولم يشربه أحد منهم -رضي اللَّه عنهم- وأرضاهم) .
ومما ينبغي الإشارة إليه أن ذلك الإيثار الذي اتصف به الأنصار في صور كثيرة تفوق الحصر كانت تقابل من المهاجرين في إطار الأخوة الإسلامية نبلًا وسماحة خلق، من ذلك قصة عبد الرحمن بن عوف مع أخيه الأنصاري سعد بن الربيع، التي رواها البخاري؛ من أن سعدًا قال لعبد الرحمن: (إني أكثر الأنصار مالًا، فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك اللَّه لك في أهلك ومالك، أين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل من أقط وسمن، ثم تابع الغدو، ثم جاء يومًا وبه أثر صفرة، فقال النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-: “مهيم”؟ قال: تزوجت، قال: “كم سقت إليها”؟ قال: نواة من ذهب، أو وزن نواة من ذهب -شك إبراهيم) .
وهذا يبين ما كان عليه المهاجرون من سماحة الخلق والنبل، وأنهم قابلوا (إيثار إخوانهم وسماحتهم بتقدير كامل وسماحة مماثلة رافضين منذ البدء أن يكونوا اتكاليين على إخوانهم وعالة على أولئك الذين آووهم وقاسموهم) ، ولا يتعارض هذا المعنى مع قول الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- الذي سبق آنفًا: “هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر” ؛ لأن المقصود بذلك العمل في مجال الزراعة؛ ولأن المجتمع الإسلامي الوليد

مجتمع يكمل بعضه بعضه الآخر فهو (ما بين مهاجرين، قد هجروا المحبوبات والمألوفات، من الديار، والأوطان، والأحباب، والخلان والأموال، رغبة في اللَّه ومحبة لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . وبين أنصارهم؛ الأوس والخزرج الذين آمنوا باللَّه ورسوله طوعًا ومحبة واختيارًا. . .) ؛ ولذلك فإن اللَّه امتدح المهاجرين ووصفهم في الآية السابقة للآية التي وصف فيها الأنصار وامتدحهم بها إذ قال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 8]، (وهي صورة صادقة تبرز فيها أهم الملامح المميزة للمهاجرين) إلى جانب الصورة التي ذكرت عن الأنصار، وهما صورتان متكاملتان لتميز الأمة الإسلامية، وأن من مقوماته الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة التي تقوم على (مبدأ العطاء قبل الأخذ، وتشده أواصر العقيدة. . . ويوجهه الإيمان العميق في كل فاعلياته، ويقوده الرسول (الأسوة) الذي ضرب بتجرده وإيثاره وانسلاخه عن الأخذ وعطائه الدائم مثلًا عاليًا ومؤثرًا) .
وخلاصة القول: (أن تجربة المؤاخاة نجحت، وكان لابد لها أن تنجح ما دامت قد استكملت الشروط، وتهيأت لها الأسباب في القيادة والقاعدة على السواء وبغض النظر عن عدد الذين تآخوا عشرات كانوا أو

مئات أم ألوفًا) ومن هذه التجربة الرائدة في تاريخ البشرية بعامة انطلقت آثار الأخوة الإسلامية ووحدة الأمة في أقطار المعمورة وآفاقها (حتى غمر كل جزء من أجزائها وكل ركن من أركانها بدعاة ربانيين مخلصين مجاهدين مصلحين، مربين عارفين باللَّه، متحرقين لخلق اللَّه، باذلين نفسهم ونفيسهم لخير الإنسانية، وإنقاذها. . . أذكوا شعلة الحب الإلهي، وفجروا أنهار العلوم والآداب، والحكم والمعارف وعرفان، والإيمان والحنان، وأنشؤوا في نفوس البشر مقتًا جديدًا للظلم والجور، والعدوان والبغضاء. . . وضموا المنبوذين والمهجورين والمساكين الذين لفظهم المجتمع، وطردهم أهلهم وعشيرتهم، إلى صدورهم العامرة بالحب والحنان، إنك تجد آثارهم، وتلمس آياتهم على كل جزء من أجزاء البسيطة كمواقع المطر، لا يخلو منها بيت وبر ولا مدر) .

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*