أثر الاستشراق في الحروب الصليبية وأثرها في الاستشراق

أثر الاستشراق في الحروب الصليبية وأثرها في الاستشراق .. لم تكن الحروب الصليبيةإلا نتيجة واحدة لمقدمة واحدة هي الاستشراق

أثر الاستشراق في الحروب الصليبية وأثرها في الاستشراق

نشبت الحروب الصليبية ودارت رحاها بين الإسلام والنصرانية في فلسطين، واستمرت زهاء قرنين من الزمان من عام (489 هـ الموافق 1095 م)، إلى عام (690 هـ الموافق 1291 م) ، وإنها عند التحقيق جاءت إنفاذًا لقرارات أسهم في صنعها وتغذيتها الاستشراق اللاهوتي، فلم تكن الحروب الصليبية -كما يرى نجيب العقيقي (إلا نتيجة واحدة لمقدمة واحدة هي الاستشراق) .
ويذكر (ساذرن) (بأن رجالات الغرب كانوا يرقبون بقلق كيف تؤثر القيم الإسلامية على القيم المسيحية تأثيرًا مدمرًا عندما تواجهها، وقد رأى اللاهوتيون الغربيون فيما بعد أن حماية المسيحية من الإسلام لا تكون إلا بضربه عسكريًا والاستيلاء على أرضه أو إقناع معتنقيه باتخاذ المسيحية دينًا) .
ويقول -أيضًا-: (إن الإسلام يمثل مشكلة بعيدة المدى بالنسبة للعالم النصراني في أوروبا على المستويات كافة، فباعتباره مشكلة عملية استدعى الأمر اتخاذ إجراءات معينة كالصليبية والدعوة إلى النصرانية والتبادل

التجاري، باعتباره مشكلة لاهوتية تطلب بإلحاح العديد من الإجابات على العديد من الأسئلة، وفي هذا الصدد يقتضي معرفة الحقائق التي لم يكن من السهل معرفتها، وهنا ظهرت مشكلة تاريخية صار من المتعذر حلها كما ندر إمكانية تناولها دون معرفة أدبية ولغوية يصعب اكتسابها، وصارت المشكلة أكثر تعقيدًا بسبب السرية والتعصب والرغبة القوية في عدم معرفتها خشية الدنس) .
إن مقولة (ساذرن) هذه وأمثالها تكشف عن موقف العالم النصراني من الإسلام وأنه انطلق في مواجهته للإسلام من خطبة مدروسة أسهم في صياغتها الاستشراق اللاهوتي، تبدو فيها الحروب الصليبية صورة من طبيعة الصراع بين الإسلام والغرب النصراني قصد بها القضاء على المسلمين عسكريًا على الرغم من وجود تيار فكري داخل أوروبا يدعو إلى سنن الحرب الثقافية بدلًا من فكرة القضاء على المسلمين عسكريًا، (وقد ظل موقف أوروبا يتذبذب بين الدعوة إلى القضاء عسكريًا على المسلمين وعدم إضاعة الوقت في أي أمر يمكن أن يعرقل هذا الهدف وبين الدعوة إلى حربهم حربًا ثقافية، وقد امتد هذا الأمر من بعد الحروب الصليبية إلى بداية ما اصطلح عليه بعصر النهضة الأوروبية) .
ولكن صمود الإسلام في مواجهة أعدائه من النصارى وغيرهم كالتتار والمغول، وبعد انكفاء الحروب الصليبية منهزمة مدحورة دون تحقيق أهدافها من القضاء على الإسلام والمسلمين واجتثاثه من أصله، برزت أهمية الحرب الثقافية، وتأكدت مع مرور الزمن ولا سيما بعد نمو القوة

الإسلامية وتعاظمها على أيدي العثمانيين الذين طرقوا أوروبا من بوابتها الشرقية بعد فتح القسطنطينية في سنة (857 هـ – 1453 م)، ثم اقتحموا أوروبا إلى المجر واستولوا عليها، ومع أن الأوروبيين أصيبوا بخيبة أمل متلاحقة، ووقعوا في الإحباط إزاء إخفاق خططهم ضد الإسلام، إلَّا أن الاستشراق وقادة الصليبية قاما خلال مرحلة طويلة امتدت حتى نهاية المد الإسلامي في النصف الثاني من القرن التاسع الهجري -الخامس عشر الميلادي- بالعمل المتواصل على تحصين الغرب النصراني ضد عقيدة الإسلام وهديه وإعاقة انتشار دعوته في شعوب العالم الغربي .
أما المرحلة الثانية التي تبدأ منذ توقف المد الإسلامي ثم ما تلاه من الفترة التي أخذ فيها الانحسار عن أوروبا، حيث فقد المسلمون الأندلس نهائيًا، وذلك بسقوط غرناطة عام (897 هـ – 1492 م) ثم ما أعقب ذلك من ضعف العثمانيين على الجبهة الشرقية، فقد شهدت هذه المرحلة تغييرًا جوهريًا في موقف كل من الحضارتين الإسلامية والغربية، وبأن الخط البياني لكل منهما يأخذ اتجاهًا معاكسًا للآخر. . . وإزاء ما حل بالمسلمين من ضعف أصبح العالم الإسلامي يواجه أوروبا متغيرة عما كانت عليه في القرون الوسطى، واقترنت نهضتها بحركة استعمارية تتسم بعداوتها للإسلام والمسلمين، ورغبتها في الهيمنة على الأمة الإسلامية واستنزافها بحيث لا يختلف هذا الموقف الغربي في العصر الحديث عن الموقف في الماضي، ولا تنفك الرؤية الجديدة فيما سمي عصر النهضة عن الرؤية الغربية التي أفرزت الحروب الصليبية لعل من أصدق ما قيل في الموقف

السابق واللاحق أن الحركة الاستعمارية بما مارست من ضروب العداوات على المسلمين ليست إلا حملة أخرى جديدة من الحملات الصليبية .
والفرق بينها وبين الحرب الصليبية فيما يخص الاستشراق أن حركة الاستعمار اعتمدت إلى حد كبير على المستشرقين، وأصبحت فكرة حرب المسلمين ثقافيًا تحتل الأولوية بعد أن ثبت للغربيين من خلال تجاربهم الحربية أنَّهُ لا يمكن الانتصار على المسلمين عسكريًا إلا بعد غزوهم فكريًا ، وأدى هذا إلى مزيد من الاهتمام بالدراسات الاستشراقية والعمل على تطويرها.
وخلاصة القول: إن الحروب الصليبية كانت متأثرة بالاستشراق ومؤثرة فيه، حيث ظهرت الدعوة إلى الحروب الصليبية من وسط المستشرقين، وأسهم الاستشراق اللاهوتي في تعبئة الشعوب الغربية ضد الإسلام والمسلمين حتى بلغ الذروة في ذلك فكانت الحروب الصليبية.
هذا من ناحية تأثير الاستشراق في الحروب الصليبية، أما من ناحية تأثيرها في الاستشراق فإنها بنتائجها الواقعية التي آلت إليها كشفت للغرب عن قوة ذاتية الأمة الإسلامية وعجز الغرب عن إذابتها أو الهيمنة عليها أو إمكانية التعايش معها ندًا لند، وأدرك الغرب حقيقة أنه لا بد أن تكون الأمة الإسلامية هي الشاهدة على الأمم وما يعنيه ذلك من سيادتها وقيادتها للبشرية، عند ذلك ترجحت كفَّة حرب الأمة الإسلامية حربًا ثقافية، وهذا يعني غزوها في عقيدتها وفكرها قبل استعمارها وحربها حربًا عسكرية،

فإذا تَمَّ ذلك الغزو الثقافي فإن الغزو العسكري سينجح ويتحقق، وذلك ما حدث فيما بعد .
من هذا المنطلق كان تأثير الحروب الصليبية على الاستشراق، وفي ظل هذا الواقع تطورت حركة الاستشراق وازدهر عمل المستشرقين، وهذا ما يعالجه البحث الآتي في تناوله ما وقع للاستشراق من تطور في ظل دوافع الحركة الاستشراقية والأهداف المرتبطة بها، وما أصبحت عليه الدراسات الاستشراقية من نُمُوٍّ وتوسع.

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*