أخذ المال على الأذان والإقامة

أخذ المال على الأذان والإقامة

أخذ المال على الأذان والإقامة هو المبحث الثاني من فصل بعنوان أخذ المال على الصّلاة وما يتعلّق بها من بحث أخذ المال على أعمال القرب

أخذ المال على الأذان والإقامة

المبحث الثّاني : أخد المال على الأذان والإقامة

اتفق الفقهاء على أنّه إذا وجد متطوع بالأذان والإقامة أنّه لا يجوز أخذ الرزق عليهما من بيت المال، ولا أخذ الأجرة عليهما كذلك منه، أو من غيره.

وعلل الفقهاء ذلك: بأن الإمام في بيت المال كالوصي في مال اليتيم، والوصي لو وجد من يعمل في مال اليتيم متبرعًا، لم يجز أن يستأجر عليه؛ فكذلك الإمام .

قال الشّافعيّ رحمه الله تعالى: “وأحب أن يكون المؤذنون متطوعين، وليس للإمام أن يرزقهم، ولا واحدًا منهم، وهو يجد من يؤذن له متطوعًا ممّن له أمانة” .

وقال الإمام النووي: “قال أصحابنا: ولا يجوز أن يرزق مؤذنًا وهو يجد متبرعًا عدلًا” .

وقال ابن قدامة: “وإن وُجد متطوعٌ به، لم يرزق غيره؛ لعدم الحاجة إليه” .

وقد ذكر الفقهاء أنّه: إذا علم القوم حاجته فواسوه بشيء على سبيل البرّ والصلة والهدية، والمجازاة على إحسانه، أن ذلك جائز، إذ1/ يكن عن شرط؛

وذلك لأنّه فرّغ نفسه لحفظ المواقيت، وإعلامه لهم بالأذان، وهذا يجعله لا يتفرغ للكسب لنفسه وعياله .

فإذا لم يوجد متطوع به، جاز أخذ الرزق عليه، باتِّفاق الفقهاء .

قال ابن قدامة: “ولا نعلم خلافًا في جواز أخذ الرزق عليه” .

هذا ما يتعلّق بأخذ الرزق من بيت المال.

أمّا ما يتعلّق بأخذ الأجرة على الأذان والإقامة، فقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك على أقوال أشهرها ما يلي:

القول الأوّل: عدم جواز أخذ الأجرة على الأذان والإقامة، إِلَّا للضرورة ، والحاجة .

وإلى هذا ذهب: متأخرو الحنفية، وهو ما عليه الفتوى عندهم ، وهو قول عند الحنابلة ، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى .

القول الثّاني: لا يجوز مطلقًا أخذ الأجرة على الأذان والإقامة.

وإلى هذا ذهب الإمام أبو حنيفة، ومتقدمو أصحابه، وهو المذهب عندهم ، وهو قول ابن حبيب من المالكية ، ووجه عند الشّافعيّة ، وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة ، وإليه ذهب ابن حزم ، واختاره الشوكاني من المحققين (10).

القول الثّالث: يجوز أخذ الأجرة على الأذان والإقامة مطلقًا.

وبه قال المالكية ، وقد نصّ عليه الإمام مالك رحمه الله تعالى ، وهو الأصح عند الشّافعيّة ، ورواية عند الحنابلة .

القول الرّابع: يجوز الاستئجار على الأذان والإقامة للإمام، أو من أَذِنَ له الإمام، ولا يجوز ذلك لآحاد النَّاس.

وإلى هذا ذهب الشّافعيّة في وجه عندهم .

هذا حاصل أقوال الفقهاء في هذه المسألة.

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة القول الرّابع:

هذا القول وسط بين المانعين والمجيزين، ومن ثمّ فإن أدلته ستكون ذات شقين: – الشق الأوّل: أدلتهم على عدم الجواز لآحاد النَّاس.

وهذه الأدلة هي بعينها أدلة القائلين بعدم الجواز مطلقًا، وستأتي مفصلة بإذن الله تعالى.

الشق الآخر: أدلتهم على جواز ذلك للإمام خاصّة، أو من أذن له، ويمكن الاستدلال لهذا الشق كذلك بأدلة المجيزين مطلقًا، وستأتي كذلك مفصلة إن شاء الله تعالى.

ويمكن الاستدلال على هذا الشق – زيادة على أدلة المجيزين مطلقًا – بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

القياس على الرزق: وحاصل ذلك: أن الإمام كما يجوز له إعطاء الرزق على الأذان فكذلك يجوز له إعطاء الأجرة عليه، بجامع حصول المصلحة في كلٍ.

قال النووي: “وإذا جوزنا للإمام الاستئجار من بيت المال، فإنّما يجوز حيث يجوز الرزق، خلافًا ووفاقًا” .

ومعلوم أن ما تحت يد الإمام من أموال بيت المال، مصروف في وجوه المصالح الماسّة، والأذان منها .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا القياس بما يأتي:

أوَّلًا: قبل مناقشة هذا القياس يمكن مناقشة هذا القول بما يأتي:

إنَّ حصركم جواز الاستئجار على الأذان والإقامة في الإمام، أو من أذن له الإمام يؤدِّي إلى الحرج والضيق على المسلمين، وبيان ذلك: أننا لو سلمنا لكم قولكم هذا في حالة وجود الإمام، وتوفر المال تحت يد الإمام فإننا لا نسلم لكم ذلك في حالة عدم وجود الإمام، أو في حالة وجوده، ولكن قلّت الأموال في بيت المال، أو عدمت، فإنّه في هذه الحالة يلحق المسلمين ضيق وحرج، حيث يترتب على ذلك تعطل هذه الشعيرة، وهم في أشد الحاجة إليها، وكذلك تتعطل المساجد، وهذا خلاف ما أمر الله سبحانه وتعالى به ؛ قال تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ …} [النور: 36، 37].

ثانيًا: أدن القياس على الرزق قياس مع الفارق، فإن الأرزاق من بيت المال على المصالح مجمع على جوازها – كما سبق بيانه -، بخلاف الإجارة، وهناك فروق كثيرة بين الرزق والإجارة سبق ذكرها، فأغنى عن الإعادة، وعلى هذا يكون القياس غير صحيح .

ثالثًا: أن هذا قياس في مقابلة النص، والقياس قي مقابلة النص فاسد الاعتبار .

الدّليل الثاني:

قالوا: إنَّ الأذان عمل معلوم يرجع نفعه إلى عموم المسلمين فجاز الاستئجار عليه كتعليم القرآن .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا القياس بما يأتي:

أوَّلًا: إنَّ هذا قياس فاسد؛ لأنّه قياس في مقابلة النص، فإن الأذان قد ورد نصّ بالمنع من الاستئجار عليه، وهو حديث عثمان بن أبي العاص ، وسيأتي .

ثانيًا: يمكن مناقشة هذا القياس كذلك بأن القياس على القرآن قياس مع الفارق؛ فإن تعليم القرآن قد وردت بخصوصه نصوص تدل على جواز الاستئجار على تعليمه، ثمّ إنَّ حاجة النَّاس إلى تعليم القرآن أشد؛ لأنّه أصل الدِّين، وعماد

الشّريعة، وحجة الله على عباده، فعدم القول يحواز الاستئجار عليه يؤدِّي إلى تضييعه، وذهابه.

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثّالث:

استدل أصحاب هذا القول وهم المجوزون مطلقًا بأدلة من السُّنَّة والمعقول:

أ- أدلتهم من السُّنَّة:

الدّليل الأوّل:

عن عبد الله بن مُحيريز ، وكان يتيمًا في حجر أبي محذورة ، حتّى جهزه إلى الشّام، قال: قلت لأبي محذورة: إنِّي خارج إلى الشّام، وأخشى أن أُسأل عن تأذينك؟ فأخبرني أن أبا محذورة قال له: خرجت في نفر، فكنا ببعض طريق حنين، فقفل رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – من حنين، فلقينا رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – في بعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – بالصلاة عند رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – فسمعنا صوت المؤذن، ونحن عنه متنكبون، فظللنا نحكيه ونهزأ به، فسمع رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – الصوت، فأرسل إلينا حتّى وقفنا بين يديه، فقال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (أيكم الّذي سمعت صوته قد ارتفع؟)، فأشار القوم إليَّ، وصدقوا، فأرسلهم كلهم وحبسني؛ فقال:

(قم فأذن بالصلاة)، فقمت، فألقى عليّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – التأذين هو بنفسه قال:

(قل: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إِلَّا الله أشهد أن لا إله إِلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله).

ثمّ قال: “ارجع فامدد صوتك”، ثمّ قال: (قل: أشهد أن لا إله إِلَّا الله، أشهد أن لا إله إِلَّا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصّلاة، حي على الصّلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إِلَّا الله).

ثمّ دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، فقلت: يا رسول الله: مرني بالتأذين بمكة؛ فقال: (قد أمرتك به)، فقدمت على عتاب بن أسيد ، عامل رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – بمكة، فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -” .

وجه الاستدلال:

أن أبا محذورة لما انتهى من التأذين أعطاه رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – صرة فيها شيء من فضة في مقابل تأذينه. فدل ذلك على جواز أخذ الأجرة على الأذان .

مناقشة الاستدلال:

نوقش الاستدلال بالحديث من وجهين:

الوجه الأوّل:

أن قصة أبي محذورة كانت أول ما أسلم؛ لأنّه أعطاه حين علمه الأذان، وذلك قبل إسلام عثمان بن أبي العاص. وعلى هذا فحديث عثمان بن أبي العاص متأخر، والعبرة بالمتأخر .

الوجه الآخر:

أنّها واقعة حال يتطرق إليها الاحتمال، وأقرب الاحتمالات فيها أن يكون إنّما أعطاه من باب التأبيف لحداثة عهده بالإسلام، كما أعطى يومئذ غيره من المؤلِّفة قلوبهم، ووقائع الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سلبها الاستدلال لما يبقى فيها من الإجمال .

ب – أدلتهم من المعقول:

الدّليل الأوّل:

قياس المؤذن على العامل، أو الخليفة في جواز أخذ الأجرة؛ فكما أن العامل يأخذ أجرة على عمله فكذلك المؤذن يجوز له أخذ الأجرة على الأذان بجامع أن كلًا منهما عامل لمصلحة المسلمين.

قال ابن العربي : “والصّحيح جواز أخذ الأجرة على الأذان، والصلاة، والقضاء، وجميع الأعمال الدينية، فإن الخليفة يأخذ أجرته على هذا كله، وينيب

في كلّ واحد منها، فيأخذ النائب أَجْرَه، كما يأخذ المستنيب، والأصل في ذلك قول النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -: (ما تركت بعد نفقة عيالي، ومؤنة عاملي فهو صدقة) .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الاستدلال بما يأتي:

أوَّلًا: أن المراد بالعامل في الحديث هو الخليفة بعده- صلّى الله عليه وسلم -، وهذا هو المعتمد .

وعليه، فيكون ذلك من باب الأرزاق لا من باب الإجارات، والأرزاق على الأذان ونحوه مجمع على جوازها – كما سبق -، وكلامنا هنا حول الإجارة، فافترقا.

ثانيًا: أنّه قاس المؤذن على العامل، وهذا قياس في مصادمة النص الوارد عن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – في المنع من أجرة المؤذن، وهو حديث عثمان بن أبي العاص، وكذلك فتيا ابن عمر – كما سيأتي -، ولم يخالفه أحد من الصّحابة، فهو قياس فاسد. وعليه، فلا يجوز الاستدلال بهذا الحديث على ما نحن فيه .

الدّليل الثّاني:

أن الأذان شعار غير فرض، لا يلزم الأجير فجاز الاستئجار عليه .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا التعليل بما يأتي:

لا نسلم لكم أن الأذان والإقامة شعار غير فرض، ولكنهما فرضا كفاية، وقد يتعين، ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما إِلَّا عند الحاجة والضرورة، وتكون الأجرة حينئذ على مراعاة الأوقات، والذهاب، والمجيء، ونحوه ممّا يلزم الأذان .

الدّليل الثّالث:

أن الأذان عمل معلوم، يجوز أخذ الرزق عليه بلا خلاف؛ فجاز أخذ الأجرة عليه كسائر الأعمال … .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:

أوَّلًا: أن هذا قياس في مقابلة النص وهو حديث عثمان، والقياس في مقابلة النص باطل .

ثانيًا: أن قياس الأجرة على الرزق قياس مع الفارق، وقد سبق بالتفصيل بيان الفرق بين الرزق والإجارة، فأغنى عن إعادته هنا .

ثالثًا: أنّه لا يلزم من جواز أخذ الرزق جواز أخذ الأجرة، بدليل القضاء، والشهادة، فإنّه يجوز أخذ الرزق عليهما من بيت المال، أو من غيره، ولا يجوزْ أخذ الأجرة عليهما .

الدّليل الرّابع:

أنّه فعل يجوز التبرع به عن الغير فلا يكون كونه قربة مانعًا من الإجارة فيه قياسًا على الحجِّ عن الغير، وبناء المساجد، وكتب المصاحف، والسعاية على الزَّكاة .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة الاستدلال بهذا الدّليل القياسي بما يأتي:

أوَّلًا: أن القياس على الحجِّ لا يصح؛ لأنّه قياس في مقابلة النص، حيث ورد النص بالمنع من أخذ الأجرة على الأذان، وهو حديث عثمان بن أبي العاص السابق، والقياس في مقابلة النص باطل.

أجيب عن ذلك: بأن الحديث لا يدلُّ على التّحريم، بل هو محمول على الورع، ونحن نقول به .

ثانيًا: أن القياس على الحجِّ عن الغير، وبناء المساجد، ونحو ذلك، ممّا جاء في الدّليل قياس مع الفارق؛ فإن الحجِّ عن الغير ورد به النص – كما سيأتي في بابه -، وبناء المساجد لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة فيجوز أن يفعله المسلم، وغير المسلم، وما لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة جاز أخذ الأجرة عليه. وأمّا كتب المصاحف فإن الكتابة في نفسها عمل يصح الاستئجار عليه؛ إذ لا يشترط فيها نيّة القربة.

وأمّا السعاية على الزَّكاة، فإن أجرة الساعي منصوص عليها، ثمّ إنَّ أجره في مقابلة ما يبذله من جهد وتعب، جراء سعيه على الزَّكاة، بخلاف الأذان.

الدّليل الخامس:

أن الأذان فرض كفاية، ويقبل النِّيابة ولم يتعين عليه فجاز أخذ الأجرة عليه .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الاستدلال بما يأتي:

أن هذا قياس في مقابلة النص؛ فهو قياس فاسد حيث ورد النص بالمنع من أخذ الأجرة على الأذان، وهو حديث عثمان بن أبي العاص.

الدّليل السّادس:

أن الأذان نفع يصل إلى المستأجر فجاز أخذ الأجر عليه كسائر المنافع .

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: أن هذا قياس في مقابلة النص؛ فهو فاسد – كما تقدّم -.

ثانيًا: أنّه لا يلزم من وصول النفع للمستأجر جواز أخذ الأجرة بدليل القضاء والشهادة.

فإن نفعهما يصل إلى المستأجر، ومع ذلك فلا يجوز الاستئجار عليهما .

هذه أظهر أدلة هذا القول، وهناك أدلة أخرى لهم ذكرتها فيما تقدَّم مع أدلة القول الرّابع.

ثالثًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

القائلون بعدم جواز أخذ الأجرة على الأذان مطلقًا:

استدل هؤلاء بأدلة من السُّنَّة، وأقوال الصّحابة، والمعقول:

أ- أدلتهم من السُّنَّة:

الدّليل الأوّل:

عن عثمان بن أبي العاص قال: قلت: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي؛ قال – صلّى الله عليه وسلم -: (أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) . وفي رواية أخرى قال عثمان بن أبي العاص: (إنَّ من آخر ما عهد إليّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – أن أتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) .

وجه الاستدلال:

وجه الاستدلال من الحديث ظاهر حيث نهى النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – عثمان بن أبي العاص من اتخاذ مؤذن يأخذ على أذانه أجرًا، والنهي يقتضي التّحريم؛ فدل ذلك على عدم جواز أخذ الأجرة على الأذان.

مناقشة الاستدلال:

نوقش الاستدلال بالحديث بما يأتي:

أوَّلًا: أن هذا الحديث محمول على الندب؛ فالأمر في قوله – صلّى الله عليه وسلم -: (واتخذ) يفيد الندب، وليس الوجوب، حيث ندب النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – إلى اتخاذ المؤذنين الذين لايأخذون على الأذان أجرًا. وعليه فيكون أخذ الأجرة على الأذان ليس حرامًا ، ولكنه مكروه، وهو ما سيأتي بيانه في الجواب الرّابع.

ثانيًا: أن الحديث محمول على الورع، وليس على تحريم الأجرة على الأذان ؛ فإن ترك المؤذن الورع، وأخذ الأجرة، كان ذلك جائزًا.

ثالثًا: يمكن الجواب عن الاستدلال بالحديث كذلك بما يأتي:

أن الحديث ليس نصًا صريحًا في تحريم الأجرة على الأذان؛ إذ لو كان كذلك لقال – صلّى الله عليه وسلم -: لا تجوز الأجرة على الأذان، أو: لا يحل للمؤذن أخذ الأجرة على أذانه؛ إذ ليس يعقل أن تكون الأجرة على الأذان من المحرمات، ولا ينص الشارع على ذلك، وهو يرى أن الأذان متكرر في اليوم خمس مرات، وهو من شعائر الإسلام الظاهرة .

ثمّ إنَّ الحديث قد يدلُّ على أن أخذ الأجرة على الأذان كان معروفًا في عهده – صلّى الله عليه وسلم -، أو أنّه أوحى إليه بما يكون بعد ذلك من أخذ الأجرة على الأذان، فكان أن أرشد، وندب إلى اتخاذ المؤذن الّذي لا يأخذ أجرًا على أذانه، وترك من يأخذ ذلك.

رابعًا: أن هذا الحديث محمول على الكراهة، وليس على التّحريم؛ قال الخطابي: (أخذ المؤذن الأجرة على أذانه مكروه في مذاهب أكثر العلماء …) .

وقال أبو عيسى التّرمذيّ بعد إخراجه للحديث: (والعمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يأخذ المؤذن على الأذان أجرًا، واستحبوا للمؤذن أن يحتسب في أذانه) .

ب – أدلتهم من أقوال الصّحابة:

الدّليل الأوّل:

عن يحيى البكاء ، قال: قال رجل لابن عمر: إنِّي لأحبك في الله؛ فقال ابن عمر: لكني أبغضك في الله، قال: ولمَ؟ قال: إنك تتغنى في أذانك، وتأخذ عليه أجرًا .

وجه الاستدلال:

حيث أنكر ابن عمر رضي الله عنهما على الرَّجل أخذه الأجرة على الأذان، وعلل بغضه له بذلك، فلوكان أخذ الأجرة على الأذان جائزًا لم صرح له ابن عمر ببغضه؛ فدل ذلك على عدم جواز أخذ الأجرة على الأذان، ولم يخالف ابنَ عمر أحد من الصّحابة فيما فعله .

قال أبن حزم: “ولا يُعْرَف لابن عمر في هذا مخالف من الصّحابة” .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:

أوَّلًا: أن هذا الأثر لا يصح عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ وذلك لأنّ راوي هذا الأثر عن ابن عمر هو يحيى البكاء، وهو ضعيف، ضعفه جمع من أهل العلم .

ثانيًا: على فرض صحته، فإنّه قول صحابي، وقول الصحابي مختلف في حجيته؛ فمن العلماء من جعله حجة، ومنهم من لم يحتج به . وعلى ذلك فلا يمكن اعتبار هذا الأثر حجة على ما نحن فيه، وغاية ما فيه أنّه يستأنس به لهذا القول، ويدلُّ على أن من قال بعدم جواز الأجرة على الأذان مسبوق بقوله، ليس غير.

الدّليل الثّاني:

ما روي عن عبد الله بن مسعود-رضي الله عنه- أنّه قال: “أربع لا يؤخذ عليهن أجر: الأذان، وقراءة القرآن، والمقاسم، والقضاء” .

وجه الاستدلال:

حيث نفى ابن مسعود -رضي الله عنه- أن يؤخذ على الأذان أجر، وهذا النَّفْي لا يقال من قبيل الرأي، وإنّما هو عن توقيف، فدل على أن أخذ الأجرة على الأذان لا تجوز.

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:

أوَّلًا: أن هذا الأثر لا يصح عن ابن مسعود؛ لأنّه ليس من كلامه، إنّما هو من كلام القاسم بن عبد الرّحمن بن عبد الله بن مسعود، فكل من روى هذا الأثر رواه عن القاسم، وليس عن ابن مسعود .

ثانيًا: سلمنا أنّه ثابت عن مسعود، إِلَّا أنّه لا يعدو أن يكون قول صحابي، وقول الصحابي ليس بحجة -وقد تقدّم ذلك-.

جـ- أدلتهم من المعقول:

الدّليل الأوّل: أن الأذان من القرب الّتي يختص بأدائها المسلم، فإذا أداه وقع ثوابه له، ولهذا تتعين أهليته، فلا يجوز له أخذ الأجرة عليه من غيره، كما في الصوم، والصلاة .

ويمكن الجواب على ذلك بما يأتي:

أوَّلًا: أن قياس الأذان على الصوم، والصلاة قياس مع الفارق؛ فإنّه وإن كان قربة إِلَّا أن نفعه متعدَّ لغيره من المصلّين، ونفع الصوم، والصلاة قاصر على نفسه؛ فأخذ الأجرة عليه له وجه، ثمّ إنَّ الأجر إنّما يكون على حفظ الوقت، والذهاب، والمجيء، ونحو ذلك ممّا يتطلبه الأذان ممّا قد يشغله على قوته الواجب، ومما لا بد له من أمور معايشه.

ثانيًا: إنَّ قياس الأذان على الصوم والصلاة لا يصح؛ لأنّ الصوم من القرب الّتي جاء النص بأدائها عن الغير، كما في حديث عائشة رضى الله عنها، قالت: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) .

وسياتي تفصيل الكلام في مبحث الصِّيام، وقد أخذ بهذا الحديث جمع من أهل العلم، وهو من أخص العبادات البدنية الّتي يختص بأدائها المسلم.

ولأن الصّلاة من القربات الّتي حصل الخلاف في جواز النِّيابة فيها، وقد ذهب إلى جواز ذلك بعض العلماء، وقد سبق ذلك .

ثالثًا نسلم بأن ثواب العبادة له، ولكن ذلك لا ينافي أخذ الأجرة؛ فإن أخذ الأجرة هنا ليس على ذات العبادة، وإنّما لحبس نفسه على الأذان، وعلى ذهابه، ومجيئه، ورعايته للمواقيت، وما يأخذه إنّما هو للإعانة على الطّاعة، وتوفير القوت الواجب لنفسه وعياله؛ فإن المسب في هذه الحالة واجب عليه، فإن أخذ الأجرة بهذه النية فيكون قد أكل طيبًا، وعمل صالحًا .

الدّليل الثّاني: أن الاستئجار على الأذان يكون سببًا لتنفير النَّاس عن الصّلاة بالجماعة؛ لأنّ ثقل الأجر يمنعهم من ذلك، والى هذا أشار الرب جلَّ شأنّه في قوله تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ} [الطور: 40، القلم: 46] فيؤدِّي إلى الرغبة عن هذه الطاعات، وهذا لا يجوز .

مناقشة الإستدلال:

يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:

أولَا: لا نسلِّم أن الأجر على الأذان فيه ثقل على المصلّين؛ لأنّ المؤذن إذا أخذ قدر حاجته، ودفع المصلون قدر طاقتهم انتفى ثقل الأجر، ثمّ إنَّ الاستدلال على ذلك بالآية السابقة لا يصح؛ لأنّ الكلام في الآية عائد على الكفار ، وليس على المسلمين، فالكافر يثقله ذلك، أمّا المسلم فلا؛ لأنّه في دفعه للأجر محتسب مطيع لله تعالى، ومصلحة ذلك عائدة إليه في دينه، فلا يشعر بذلك الثقل إنَّ وُجد.

ثانيًا: سلمنا وجود ذلك الثقل، إِلَّا أن المصلحة المترتبة على دفع الأجرة للمؤذن أكبر، وحاجة النَّاس إليه أعظم من ثقل الأجر عليهم؛ لأنّ في ذلك تحصيلًا للطاعات، وذلك بالمحافظة على أوقات الصلوات، وإعمار المساجد بذكر الله تعالى، وعدم تعطيلها، وهذا من أعظم المصالح.

رابعًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

وهم القائلون بعدم جواز الاستئجار على الأذان والإقامة إِلَّا للضرورة، والحاجة.

وأدلة هذا القول تنقسم قسمين:

القسم الأوّل: أدلتهم على عدم الجواز في الأصل.

وأدلتهم على ذلك هي نفسها أدلة أصحاب القول الثّاني، وهم القائلون بعدم الجواز مطلقًا، وقد تقدمت.

القسم الآخر: أدلتهم على جواز الاستئجار للضرورة والحاجة.

وقد عللوا ذلك بتعليلات:

1 – ظهور التواني في الأمور الدينية، وكسل النَّاس في الاحتساب، فلو امتنع جواز الاستئجار على الأذان في هذه الحالة، لضاع الأذان، وتعطلت هذه الشعيرة، وترتب عليها تعطل المساجد، وفوات الجماعة .

2 – أن المؤذن المحتاج يتعين عليه الاكتساب لنفسه وعياله، والأذان لا يتعين عليه، فلا يمكن له ترك الواجب المتعين عليه لغير المتعين، فإذا نوى عمله هذا لله تعالى، وأخذ الأجرة على أذانه ليستعين بها على العبادة وطاعة الله، وتوفير الكفاية لنفسه وعياله، لئلا يمنعه الاكتساب لنفسه وعياله عن إقامة هذه الشعيرة والوظيفة

الشريفة، ولولا ذلك لم يأخذ أجرًا، فإنّه في هذه الحالة يكون قد جمع بين عبادتين، وهما الأذان والسعي على العيال، وإنَّما الأعمال بالنيات  قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “فإذا فعلها الفقير لله، وإنّما أخذ الأجرة لحاجته إلى ذلك، وليستعاين بذلك على طاعة الله، فالله يأجره على نيته، فيكون قد أكل طيبًا، وعمل صالحًا”

الترجيح:

بعد عرض الأقوال، وذكر أدلة كلّ قول، وما ورد عليها من مناقشات، وما أجيب به عنها يمكن القول بأن الاختلاف هنا قوي؛ وذلك لقوة ما استدل به كلّ فريق، والذي يظهر أن الراجح من هذه الأقوال وأقربها إلى الصواب، هو قول من قال بعدم جواز الاستئجار على الأذان والإقامة إِلَّا للضرورة والحاجة، وهم أصحاب القول الأوّل؛ وذلك لا يأتي:

أوَّلًا: قوة ما استدلوا به، سواء كان من المنقول، أو المعقول. أمّا ما استدلوا به على عدم الجواز في الأصل، أو لغير ضرورة أو حاجة فمن أقوى أدلتهم حديث عثمان بن أبي العاص، فإنّه حديث صحيح ثابت لا شك فيه، وهو نصّ في محل النزاع؛ لأنّ الأمر فيه للوجوب، فقوله – صلّى الله عليه وسلم -:

(واتخذ) أمر، والأمر المطلق للوجوب عند الجمهور ما لم يصرفه صارف إلى الندب، أو الإباحة ، والذين حملوه على الندب، أو الورع، أو الكراهة لم يذكروا لنا دليلًا على ذلك يمكن الأخذ به وترك دلالة هذا الحديث، وأمّا ما استدلوا به على جواز الاستئجار للضرورة والحاجة، فهو تعليل قوي لا يمكن دفعه؛ لأنّه إنَّ لم نقل به ترتب على ذلك تعطل هذه الشعيرة العظيمة، وهجر المساجد، وإضاعة صلاة الجماعة، وغير ذلك من المفاسد الّتي لا تخفى، وهذا كله يؤدِّي إلى إلحاق الحرج والضيق والضرر بالمسلمين، فكانت الحاجة والضرورة داعية إلى الأخذ بهذا القول.

ثانيًا: أن هذا القول فيه توسط، فهو أعدل الأقوال؛ وذلك لأنّ القول بالمنع مطلقًا يوقع المسلمين في الحرج والضيق كما تقدّم.

والقول بالجواز مطلقًا، فيه مخالفة لحديث رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – التصحيح الصريح في

المنع من الاستئجار على الأذان، وهو حديث عثمان بن أبي العاص المتقدم.

ثالثًا: أن هذا القول لا ترد عليه مناقشات كما ورد على أدلة أصحاب الأقوال الأخرى، فقد تمت مناقشتها جميعًا.

رابعًا: أن أصحاب هذا القول عندما أجازوا الاستئجار على الأذان في محل الضّرورة إنّما أجازوه على ملازمة المكان، والقيام على المسجد، ومراعاة المواقيت، وليس على ذات الأذان .

خامسًا: أن ترك الأمر للمحتسبين أمر لا ينضبط؛ لأنّه يترتب على ذلك ما يأتي:

1 – أن المحتسب لا يمكن إلزامه، وبالتالي إذا انقطع بعض الأوقات، أو انقطع بالكلية فلا يمكن محاسبته، وبالتالي يصبح الأمر فوضى، ويترتب على ذلك ما يترتب على القول يمنع الاستئجار مطلقًا.

2 – أن ذلك يعطي الفرصة لأهل البدع، والجهال، والفساق – كما في هذا الزّمان – للقيام بهذه الوظيفة الشريفة، وهذا خلاف ما ذكره أهل العلم من شروط المؤذن، وأنّه ينبغي أن يكون من أهل العدل، والأمانة، والسُّنَّة .

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*