أخد المال على الصِّيام

أخد المال على الصِّيام

أخد المال على الصِّيام هو المبحث الثاني من الفصل الثاني بعنوتن أخذ المال على الزكاة والصيام من بحث أخذ المال على أعمال القرب

أخد المال على الصِّيام

المبحث الثّاني : أخد المال على الصِّيام

المطلب الأوّل أخد المال على الصِّيام عن العاجز

المسألة الأولى: النِّيابة في الصوم عن العاجز:

الفرع الأوّل: النِّيابة عن العاجز في الصوم الواجب:

الصوم من أجل العبادات، وهو أحد أركان الإسلام العظام، وهو عبادة بدنية محضة، والأصل في كلّ عبادة بدنية أن يقوم العبد بأدائها بنفسه، امتثالًا لأمر الله تعالى، وأمر رسوله – صلّى الله عليه وسلم -، وتحقيقًا لمقصود هذه العبادة، هو امتحان المكلَّف بكسرنفسه بفعلها، تحقيقًا لعبوديته الحقة لله رب العالمين، ولا يقوم النائب مقامه في ذلك.

ومن أجل ذلك أجمع العلماء على أن الحي القادر على الصِّيام يجب عليه الصِّيام بنفسه، ولا يجزئ، ولا يجوز أن يقوم غيره مقامه في ذلك .
وأمّا العاجز عن الصِّيام فلا يخلو عجزه من أحد أمرين:

أوَّلًا: أن يكون عجزًا دائمًا.

ومثاله: العجز الناشئ عن كبر سن، أو مرض دائم لا يُرجى برؤه، ونحوهما. فهؤلاء لا صيام عليهم بالإجماع، ولا تجب عليهم الإنابة في ذلك.

ثانيًا: أن يكون عجزًا مؤقتًا.

كالعجز الناشئ بسبب السَّفر، أو المرض الطارئ، أو الحمل، أو الرضاع، ونحو ذلك. فهؤلاء يجب عليهم القضاء بعد زوال العذر المانع من الصوم، وليس لهم الإنابة، وكل ذلك لا خلاف فيه بين أهل العلم .

الميِّت” .

هل خولف هذا الإجماع؟

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في اختياراته: “وإن تبرع إنسان بالصوم عمن لم يطقه لكبره، ونحوه، أو عن ميت، وهما معسران توجه جوازه؛ لأنّه أقرب إلى المماثلة من المال. وحكى القاضي في صوم النَّذْر في حياة الناذر نحو ذلك” .

قال النووي: “وأجمعوا على أنّه لا يصام عن أحد في حياته، وإنّما الخلاف في فيلحظ من خلال كلام شيخ الإسلام أنّه يجيز النِّيابة في الصوم عن الحي بشروط:

الشرط الأوّل: أن يكون النائب متبرعًا، فإن كانت النِّيابة بعوض فلا تجوز.

الشرط الثّاني: أن يكون المنوب عنه عاجزًا عجزًا دائمًا، فإن كان عجزه مؤقتًا فلا تجوز النِّيابة عنه.

الشرط الثّالث: أن يكون المنوب عنه معسرًا لا يقدر على الفدية، فإن كان قادرًا على الفدية فلا تجوز النِّيابة عنه.

وقد علل شيخ الإسلام ذلك بقوله: “لأنّه أقرب إلى المماثلة من المال، ومعنى ذلك: أن صيام النائب في هذه الحالة أقرب إلى مماثلة الصِّيام الواجب على العاجز من مماثلة الفدية للصيام الواجب عليه، ولما كان صيام النائب في هذه الحالة أقرب إلى المماثلة من المال، أو الفدية توجه جوازه.

وعلى هذا، فإن ما ذكره شيخ الإسلام، وما حكاه القاضي أبو يعلى يخالف حكاية الإجماع السابق في أنّه لا تجوز النِّيابة عن الحي، سواء أكان قادرًا أم عاجزًا.

ولكن ما ذكره شيخ الإسلام يمكن مناقشته كما يلي:

أوَّلًا: أن هذا يخالف ما اتفق عليه الأئمة الأربعة، بل ما أجمع عليه العلماء – على ما ذُكر سابقًا – من أن النِّيابة في الصوم عن الحي لا تجوز سواء أكان

قادرًا أم عاجزًا على ما سبق تفصيله.

ثانيًا: أن النصوص الدالة على جواز النِّيابة في الصوم إنّما جاءت في حق الميِّت – على خلاف في ذلك كما سيأتي -، ولم يردّ نصّ واحد يدلُّ على جواز النِّيابة عن الحي.

ثالثًا: أن شيخ الإسلام ابن تيمية رغم وجود النصوص الكثيرة الدالة على جواز النِّيابة عن الميِّت في الصِّيام، ورغم صراحة بعضها- كما سيأتي- لم يأخذ بها إِلَّا في النَّذْر خاصّة – كما سيأتي -، فإن كانت النِّيابة عن الميِّت في الصوم لا تجوز عنده، فعدم الجواز عن الحي أولى.

الفرع الثّاني: النِّيابة عن العاجز في صوم التطوع:

اتفق العلماء على أنّه لا تجوز النِّيابة عن الحي في الصوم مطلقًا، سواء أكان صومًا واجبًا، أم صومَ تطوعٍ، وقد سبق نقل الإجماع على ذلك.

أمّا الصوم الواجب فقد تقدّم الكلام فيه، وأنّه لم يخالف أحد في ذلك إِلَّا ما نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وتقدم الكلام على ذلك أيضًا.

وأمّا صوم التطوع فقد شمله إجماع العلماء على عدم جواز النِّيابة فيه، إِلَّا أن الإمام ابن حزم خالف في ذلك، وذهب إلى جواز النِّيابة عن الغير في صوم التطوع، وأخذ الأجرة على ذلك .

وقد تقدّم نقل كلامه في مبحث النِّيابة في الصّلاة عن الغير، وذكر ما علل به، ومناقشته بما يغني عن الإعادة .

المسألة الثّانية: أخذ المال على الصوم الواجب عن العاجز

هذه المسألة مبنية على مسألة النِّيابة عن العاجز في الصوم الواجب، وقد تقدّم نقل الإجماع على عدم جواز ذلك.

وبناءً على ذلك فقد أجمع العلماء على عدم صحة الإجارة على صوم الفرض

عن الحي العاجز .

وأمّا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية من تجويز النِّيابة عن العاجز عجزًا دائمًا، فإنّه رحمه الله قد نصّ على أن يكون النائب متبرعًا؛ وعليه فإنّه في مسألة الأجرة يوافق قول جماهير العلماء، وبهذا تتفق كلمة العلماء على عدم جواز الإجارة في الصِّيام الواجب عن الحي .

ومن الأدلة على ذلك:

أوَّلًا: أن الصوم عبادة بدنية محضة، القصد منها امتحان المكلَّف، وإتعاب بدنه، وقهر نفسه الأمارة بالسوء، ولا يحصل ذلك بفعل النائب؛ فلا يجوز الاستئجار عليه .

ثانيًا: أن الأجر يكون عِوض الانتفاع، ولم يحصل لغيره ههنا انتفاع، فأشبه إجارة الأعيان الّتي لا نفع فيها، فالمنفعة في الصوم حاصلة للأجير لا للمستأجر، فلا يجوز الاستئجار على الصوم .

ثالثًا: الإجماع على عدم جواز النِّيابة عن العاجز في الصوم الواجب، وإذا كانت النِّيابة لا تجوز، فلا تجوز الإجارة في ذلك؛ لأنّ جواز الإجارة فرع عن صحة النِّيابة .

رابعًا: أن الصِّيام عن الغير قربة، والقربة، متى وقعت كانت للعامل، فلا يجوز له أخذ الأجر على عمل وقع له، كالصلاة .

المسألة الثّالثة: أخد المال على صوم التطوع عن العاجز:

سبق نقل اتفاق العلماء على عدم جواز النِّيابة في صوم التطوع عن العاجز.

ومآخذ العلماء في عدم جواز النِّيابة في صوم التطوع عن العاجز هي مآخذهم نفسها فيما يتعلّق بالنيابة في الصوم الواجب، وقد تقدّم ذكر إجماعهم، وما استدلوا به على هذا الإجماع.

– خالف في ذلك الإمام ابن حزم؛ فقد أجاز أخذ الأجرة على صوم التطوع عن العاجز.

قال ابن حزم: “وجائز للمرء أن يأخذ الأجرة على فعل ذلك عن غيره مثل أن يحج عنه التطوع، أو يصلّي عند التطوع، أو يؤذن عنه التطوع، أو يصوم عنه التطوع … ” .

وقد علل ابن حزم لرأيه بما يأتي:

أن صيام التطوع ليس واجبًا، لا على الأجير، ولا على المستأجر، فالعامل يؤدِّي هذا العمل عن غيره، فليس في عمله هذا طاعة ولا معصية، وأمّا المستأجر فإنّه ينفق ماله في ذلك تطوعًا لله تعالى، فله أجر ما اكتسب بماله .

وقد سبقت مناقشة هذا التعليل في مبحث الصّلاة، وما قيل في الصّلاة يقال في الصِّيام؛ إذ كلّ منهما عبادة بدنية محضة لا تجرى النِّيابة فيهما حال الحياة بإجماع العلماء .

المطلب الثّاني : أخذ المال على الصِّيام عن الميِّت

المسألة الأولى: النِّيابة في الصوم عن الميِّت:

الفرع الأوّل: تحرير محل النزاع

إذا مات المسلم، وقد وجب عليه صومٌ، سواء أكان صومًا من رمضان ، أم من نذر، أم من كفارة، فله حالتان:

الحالة الأولى:

أن يموت قبل تمكنه من قضاء ما وجب عليه من صوم، إمّا بسبب ضيق الوقت، وإما لقيام العذر من مرض، أو سفر، أو حيض، أو نفاس، ونحو ذلك.
ففي هذه الحالة لا شيء عليه، وتبرأ ذمته ممّا وجب عليه، ومن ثمّ فإنّه لا يصام عنه، ولا يطعم.

وهذا قول جمهور أهل العلم، في المذاهب الأربعة، وغيرهم .

واستدل الجمهور على ما ذهبوا إليه بما يأتي:

أوَّلًا: قالوا في تعليل ذلك: إنّه فرض لم يتمكن منه إلى الموت فسقط، حكمه كالحج .

قال ابن قدامة: “ولنا: أنّه حق لله تعالى، وجب بالشرع، مات من يجب عليه قبل إمكان فعله، فسقط إلى غير بدل كالحج .

ثانيًا: قالوا: إنَّ وقت أداء الصوم في حقه عدة من أيّام أخر بالنص، ولم يدركه؛ فلا يجب عليه شيء .

ثالثًا: أن المرض لما كان عذرًا في إسقاط أداء الصوم في وقته لدفع الحرج، فلأن يكون عذرًا في إسقاط القضاء أولى .

خالف أبو الخطّاب من الحنابلة فيما يتعلّق بالصوم عنه في هذه الحالة، فقال: “يحتمل أن يجب الصوم عنه، أو التكفير” .

وخالف في الإطعام طاووس ، وقتادة ، وشيخ الإسلام ابن تيمية؛ فقالوا: يجب الإطعام عنه، وعللوا ما ذهبوا إليه بما يأتي:

إنَّ الصِّيام يجب على المكلَّف قضاؤه، فإذا سقط القضاء بالعجز عنه، وجب البدل، وهو الإطعام قياسًا على الشّيخ الهرم إذا عجز عن الصوم، فإنّه يلزمه الإطعام .

وأجيب عن ذلك: بأنّه قياس مع الفارق؛ فإن الشّيخ الهرم حيٌّ من أهل التكليف، وقد توجه إليه الإطعام ابتداء عوضًا عن الصوم، فذمته مشغولة به، بخلاف الميِّت، فلا يجوز ابتداء الوجوب عليه .

الحالة الأخرى: إذا مات بعد تمكنه من قضاء ما وجب عليه من صيام، ولكنه فرط في القضاء حتّى مات .

في هذه الحالة، اختلفت أقوال العلماء، وتباينت تباينًا شديدًا؛ فمن قائل بوجوب الصوم عنه، ومن قائل بالاستحباب مطلقًا، ومن قائل بالمنع من الصِّيام عنه مطلقًا، ومن قائل باستحباب ذلك في النَّذْر دون غيره، وكل ذلك يأتي بيانه في الفرع الثّاني – إن شاء الله تعالى -.

الفرع الثّاني: حكم النِّيابة في الصوم عن الميِّت:

إذا مات السلم بعد تمكنه من قضاء ما وجب عليه من الصِّيام – سواء أكان هذا الصِّيام من رمضان، أم كان نذرًا، أم كفارة – فهل تجوز النِّيابة عنه في قضاء ما وجب عليه أم لا؟

وإذا قلنا بجواز النِّيابة، فهل يكون ذلك على سبيل الاستحباب أم على سبيل الوجوب؟

اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال أهمها أربعة أقوال:

* القول الأوّل: تجوز النِّيابة عن الميِّت في قضاء ما وجب عليه من صوم واجب سواء أكان صومًا من رمضان، أم من نذر، أم من كفارة؛ وذلك على سبيل الاستحباب.

وإلى هذا ذهب طاووس، والحسن البصري ، والزهري ، وقتادة، وأبو ثور . في قول، والشّافعيّ في القديم من مذهبه، هو الصحيح المختار عند المحققين من الشّافعيّة ؛ قال النووي بعد أن ذكر أن في المذهب قولين: ” … والثّاني: يستحب لوليه أن يصوم عنه، ويصح صومه عنه، ويبرأ به الميِّت، ولا يحتاج إلى إطعام عنه، وهذا القول هو الصحيح المختار الّذي نعتقده، وهو الّذي صححه

محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث … ” .

وهذا القول هو رواية عند الحنابلة .

* القول الثّاني: يجب قضاء ما على الميِّت من صيام، سواء أكان صوم فرض من قضاء رمضان، أم نذر، أم كفارة واجبة، وسواء أوصى به الميِّت أم لا.
وإلى هذا ذهب الظاهرية .

قال ابن حزم: “ومن مات وعليه صوم فرض من قضاء رمضان، أو نذر، أو كفارة واجبة، ففرض على أوليائه أن يصوموه عنه هم أو بعضهم، ولا إطعام في ذلك أصلًا، أوصى به أو لم يوص به، فإن لم يكن له ولي استؤجر عنه من رأس ماله من يصومه عنه، ولا بدّ، أوصى بكل ذلك، أو لم يوص، وهو مقدم على ديون النَّاس” .

* القول الثّالث: تصح النِّيابة عن الميِّت في قضاء ما وجب عليه من صوم النَّذْر فقط دون غيره من أنواع الصِّيام الواجب، وذلك على سبيل الاستحباب.
وإلى هذا ذهب أحمد في المنصوص عنه ، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة .

وقال به من السلف: ابن عبّاس رضي الله عنهما، والليث بن سعد ، وأبو عبيد ، واسحاق، وأبو ثور في قول آخر عنه ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم .

القول الرّابع: لا تصح النِّيابة عن الميِّت في الصوم مطلقًا، سواء أكان صومًا من رمضان، أم من نذر، أم من كفارة.

وإلى هذا ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشّافعيّة في الجديد ،

وهو اختيار ابن عقيل من الحنابلة .

سبب الخلاف بين الفقهاء:

يرجع سبب خلاف الفقهاء في هذه المسألة إلى ثلاثة أمور:

الأمر الأوّل: تعارض الروايات في الظّاهر، وأعني: الروايات الدالة على جواز النِّيابة مع الروايات الدالة على عدم الجواز على ما سيأتي بيانه.

الأمر الثّاني: أن الصّحابة الذين رووا الأحاديث الّتي تدل على جواز النِّيابة قد روي عنهم الإفتاء بخلاف ذلك؛ كابن عبّاس رضي الله عنهما، وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وسيأتي تفصيل ذلك.

الأمر الثّالث: معارضة القياس للأثر؛ فالقياس يقتضي ألَّا يصوم أحد عن أحد كالصلاة، وجاءت أحاديث تدل على جواز النِّيابة في الصوم، وهي كثيرة، فمن أخذ بالقياس منع، ومن أخذ بالنصوص أجاز على تفصيل في ذلك يأتي بيانه .

الأدلة والمناقشات:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الرّابع:

وهؤلاء هم القائلون بالمنع من النِّيابة في الصوم عن الميِّت مطلقًا، وقد استدلوا بأدلة من القرآن، والسُّنَّة، والأثر، والمعقول.

أ – الأدلة من القرآن:

الدّليل الأوّل: قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39].

وجه الاستدلال:

قالوا: دلت هذه الآية بعمومها على أن الإنسان ليس له إِلَّا سعيه، وعمله، ولا ينفعه سعي وعمل غيره؛ وعليه فإن صام عنه وليه، أو غيره فإن ذلك لا ينفعه .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الاستدلال بأن الآية مخصوصة بنصوص كثيرة، وقد تقدّم ذكر هذه النصوص، وما ورد عليها من اعتراضات، وما أجيب به عن هذه الاعتراضات، فأغنى ذلك عن الإعادة .

ولهؤلاء عمومات أخرى في معنى هذه الآية مثل قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [النجم: 38]، وقوله تعالى: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} [الأنعام: 164].

ووجه الاستدلال من هذه الآيات واحد، ويقال في مناقشتها ما قيل في الآية الَّتي قبلها .

ب – الأدلة من السُّنَّة:

الدّليل الأوّل: عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: “إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله، إِلَّا من ثلاث: إِلَّا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) .

وجه الدلادلة:

دل الحديث بظاهره على أن عمل المسلم ينقطع بموته، إِلَّا هذه الأشياء المستثناة، وليس منها قضاء الصِّيام عنه، فدلّ على عدم جواز النِّيابة عن الميِّت في الصِّيام.

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الاستدلال: بأن غاية ما يدلُّ عليه هو انقطاع عمل الإنسان نفسه، إِلَّا من هذه الأمور الثّلاثة، أمّا عمل غيره عنه فلا ذكر له في الحديث، ولا أنّه ينقطع كذلك بموت الإنسان .

فإن قيل: إنّه إذا انقطع عمل المرء نفسه، وإنه لا ينتفع بشيء من عمله إِلَّا بما استثنى فلأن ينقطع عنه عمل غيره أولى.

ويجاب عن ذلك:

بأن هذا الاعتراض منقوض بالدعاء، والصدقة، والحج، ونحو ذلك ممّا يصل الإنسان بعد موته من غيره .

الدّليل الثّاني: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (من مات وعليه صيام شهر، فليطعم مكان كلّ يوم مسكينًا) .

وجه الاستدلال:

دلّ الحديث بظاهره على أن من مات وعليه صيام أنّه يطعم عنه؛ فلو كانت النِّيابة جائزة لذكرها النّبيّ، فلما ذكر الإطعام، ولم يذكر الصِّيام عنه دل ذلك على عدم جوازه، وهو نصّ في المسألة.

وهذا الحديث محمول على الصوم الواجب فقط عند أصحاب القول الثّالث، فإنّه يطعم عنه، أمّا صوم النَّذْر فإنّه ينوب عنه في صومه كما سيأتي.

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: إنَّ هذا الحديث ضعيف سندًا؛ ففي سنده أشعث بن سوار ، ومحمد ابن عبد الرّحمن بن أبي ليلى ، وهما ضعيفان .

ثانيًا: إنّه لا يصح رفعه إلى النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -، بل هو موقوف على ابن عمر رضي الله عنهما .

الدّليل الثّالث: عن عبادة بن نُسي ؛ قال: قال النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -: (من مرض في رمضان، فلم يزل مريضًا حتّى مات، لم يطعم عنه، وإن صحَّ فلم يقضِه حتّى مات أطعم عنه) .

وجه الاستدلال:

حيث نصّ الحديث على الإطعام عن الميِّت دون الصِّيام عنه؛ فدل على عدم جوازه.

قال ابن حزم : “وأمّا حديث عبد الرزّاق فلا تحل روايته إِلَّا على سبيل بيان فسادها؛ لعلّل ثلاث فيه:

إحداها: أنّه مرسل .

والثّانية: أن فيه الحجاج بن أرطاة، وهو ساقط .

والثالثة: أن فيه إبراهيم بن يحيى، وهو كذاب .

وعليه، فإن هذا الحديث لا يصح الاستدلال به لهذه العلل.

جـ- الأدلة من الأثر:

الدّليل الأوّل: ما ورد عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه قال: (لا يصلّي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كلّ يوم مدًا من حنطة) .

وقد سبق ذكر وجه الاستدلال، وما ورد عليه من مناقشات، وما أجيب به في مبحث النيابة في الصّلاة، فأغنى عن الإعادة .

الدّليل الثّاني: ما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه قال: (لا يصلّين أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن إنَّ كنت فاعلًا، تصدقت عنه أو أهديت) .

وقد سبق ذكر وجه الاستدلال، ومناقشته، وما أجيب به عنه في مبحث النيابة في الصّلاة؛ فليراجَع .

الدّليل الثّالث: عن عمرة بنت عبد الرّحمن ؛ قالت: سألت عائشة رضي الله عنها، فقلت لها: إنَّ أمي توفيت وعليها رمضان، أيصلح أن أقضي عنها؟ فقالت: “لا، ولكن تصدقي عنها مكان كلّ يوم على مسكين، خير من صيامك عنها .

الدّليل الرّابع: ما رواه عمارة بن عمير ؛ قال: ماتت مولاة لابن أبي عصيفير عليها صوم شهر، فقالت عائشة رضي الله عنها: أطعموا عنها .

الدّليل الخامس: ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنّها قالت: “لا تصوموا عن موتاكم، وأطعموا عنهما” .

الدّليل السّادس: ما روي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه قال في رجل مات وعليه صيام من رمضان؛ قال: “أطعم عنه كلّ يوم نصف صاع من حنطة” .

وجه الاستدلال من هذه الآثار: أن هذه الآثار تدل على أن الميِّت يطعم عنه، ولا يصام عنه، وقد صرحت بعضها بالنهي عن الصوم عن الأموات” .

مناقشة الاستدلال بهذه الآثار:

أوَّلًا: أن هذه الآثار فيها مقال، ولا تسلم من الضعف؛ قال ابن حجر: ” … الآثار المذكورة عن عائشة، وعن ابن عبّاس فيها مقال” .

ثانيًا: لو سلَّمنا بصحة هذه الآثار فإنها لا تمنع الصِّيام عن الميِّت، إِلَّا أثر عائشة “لا تصوموا عن موتاكم”، وهو ضعيف جدًا .

ثالثًا: أن العبرة بما روى الراوي لا بما رآه، وقد روي عن عائشة، وابن عبّاس صحة الصوم عن الميِّت – كما سيأتي مفصلًا – .

د- الأدلة من المعقول:

الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ الصوم عبادة لا تجرى النيابة في أدائها في حالة الحياة، فكذلك بعد الموت كالصلاة .

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: أن هذا القياس في مقابلة النص، والقياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار؛ فقد وردت نصوص كثيرة في جواز الصِّيام عن الميِّت، وستأتي قريبًا .

ثانيًا: لو سلمنا بعدم المعارض للقياس فإنّه فاسد كذلك، لأنّه قياس في العبادات، والقياس في العبادات لا يصح .

ثانيًا: أدلة القول الثّالث:

استدل أصحاب هذا القول، وهم القائلون بجواز النيابة في صوم النَّذْر فقط دون غيره من الصوم الواجب بما يأتي:

يستدل هؤلاء على مذهبهم من جهتين:

الجهة الأولى: أدلتهم على المنع من النيابة في الصوم الواجب على الميِّت سوى صوم النَّذْر.

وهي نفسها أدلة من منع النيابة في الصوم مطلقًا، وقد تقدمت مفصلة.

الجهة الثّانية: أدلتهم على جواز النيابة في صوم النَّذْر.

وقد استدلوا على ذلك بأدلة من السُّنَّة، والآثار، والمعقول.

الدّليل الأوّل: من السُّنَّة:

عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: جاءت امرأة إلى رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – فقالت: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: (أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤَدِّي ذلك عنها) قالت: نعم؛ قال: (فصومي عن أمك) .

وجه الاستدلادل:

حيث جاء الحديث نصًا صريحًا في قضاء صوم النَّذْر عن الميِّت فيجب المصير إليه.

مناقشة الاستدلال:

ستأتي مناقشة هذا الحديث عند مناقشة أدلة القائلين بالاستحباب مطلقًا، مع ذكر باقي الروايات – إن شاء الله تعالى -.

الدّليل الثّاني: من الآثر:

عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: إذا مرض الرَّجل في رمضان، ثمّ مات، ولم يصم، أطعم عنه، ولم يكن عليه قضاء، وإن كان عليه نذر قضى عنه وليه” .

وجه الاستدلال:

دلّ هذا الأثر على أن النَّذْر يقضى عن الميِّت دون الفريضة، وهذا نصّ صريح من ابن عبّاس في المسألة.

الدّليل الثّالث: من المعقول:

قالوا: إنَّ النيابة تدخل في العبادة بحسب خفتها، والنذر أخف حكمًا؛ لكونه لم يجب بأصل الشّرع، وإنّما أوجبه الناذر على نفسه، ولهذا جازت النيابة في النَّذْر دون غيره .

وقد بين ابن القيم الفرق بين النَّذْر وبين واجب الشّرع الأصلّي، فقال: “وسر الفرق أن النَّذْر: التزام المكلَّف لما شغل به ذمته، لا أن الشارع ألزمه به ابتداءً فهو أخف حكمًا ممّا جعله الشارع حقًا له عليه، شاء أم أبى، والذِّمَّة تسع المقدور عليه، والمعجوز عنه، ولهذا تقبل أن يشغلها المكلَّف بما لا قدرة له عليه، بخلاف واجبات الشّرع، فإنها على قدر طاقة البدن، لا تجب على عاجز، فواجب الذِّمَّة أوسع من واجب الشّرع الأصلّي؛ لأنّ المكلَّف متمكن من إيجاب واجبات كثيرة على نفسه لم يوجبها عليه الشارع، والذِّمَّة واسعة، وطريق أداء واجبها أوسع من طريق أداء واجب الشّرع، فلا يلزم من دخول النيابة في واجبها بعد الموت دخولها في واجب الشّرع” .

ثالثًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

استدل أصحاب هذا القول وهم الظاهرية ومن وافقهم القائلون بوجوب قضاء ما على الميِّت من صيام مطلقًا بأدلة من القرآن، والسُّنَّة، وهذه الأدلة داخلة في أدلة أصحاب القول الأوّل القائلين باستحباب النيابة عن الميِّت في الصِّيام.

ولهذا فإنني سأذكر أدلة هذا القول مع أدلة القول الأوّل، وأبين وجه الاستدلال من هذه الأدلة على الوجوب، كما زعم أصحاب هذا القول، ثمّ أناقش ذلك – إن شاء الله تعالى -.

رابعًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

ذهب هؤلاء إلى استحباب النيابة عن الميِّت في قضاء ما وجب في ذمته من صوم. واستدلوا على ذلك بأدلة من القرآن، والسُّنَّة، والأثر، والمعقول.

أ – الأدلة من القرآن:

الدّليل الأوّل: قوله تعالى: {… مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النِّساء: 11،12].

وجه الاستدلال:

استدل العلماء بعموم هذه الآية في قوله تعالى: (أو دين) على أن الدِّين هنا يشمل ما كان حقًا لله، وما كان حقًا للآدمبين، وأنّه يستحب للولي قضاء ما على الميِّت من دين، ومنه دين الصِّيام الواجب في ذمته .

مناقشة الاستدلال:

نوقشت هذه الآية من قبل المانعين للنيابة، وقد سبق ذلك، وتمت مناقشتهم بما يغني عن الإعادة .

أمّا حمل ابن حزم هذه الآية على الوجوب ففيه نظر؛ لما يأتي:

إنَّ قضاء الصوم عن الميِّت إنّما هو دين يقضى عنه كبقية الديون، وقضاء الدِّين عن الميِّت لا يجب على الولي؛ لأنّه متعلّق بالتركة، فإن كانت له تركة وجب عليه قضاء ما على الميِّت من تركته، وإن لم يكن له تركة فلا شيء على الولي، ولكن يستحب له أن يقضي عنه؛ لتفريغ ذمته، وفكّ رهانه .

ب- الأدلة من السُّنَّة:

الدّليل الأوّل: عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – قال: (من مات وعليه صيام، صام عنه وليه) .
وفي رواية: (أيما ميت مات وعليه صيام، فليصمه عنه وليه) .

وجه الاستدلال:

هذا الحديمث نصّ على أن من مات وعليه صيام، فإن وليه يصوم عنه، سواء أكان الصوم من رمضان، أم من نذر، أم من كفارة؛ لأنّ قوله – صلّى الله عليه وسلم -: (صام عنه وليه) خبر بمعنى الأمر، وتقديره: فليصم عنه وليه، وهذا ما جاء مصرحًا به في رواية أحمد، وهذا الأمر للاستحباب عند الجمهور .

وقد أخذ ابن حزم بظاهر الحديث، وحمل الأمر فيه على الوجوب، ويجاب عن ذلك بما يأتي:

أوَّلًا: أن الاستحباب جاء مصرحًا به في رواية عند البزار حيث روى الحديث بزيادة: “إن شاء” . وهذه الزيادة تدفع الوجوب الّذي قاله ابن حزم .

ثانيًا: أنّه في بعض الروايات – كما سيأتي- شبهه النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – بالدين، وقضاء الدِّين إنّما يتعلّق بتركة الميِّت، لا بوليه؛ فإذا لم يخلف تركة فلا يجب على الولي شيء، ولكن يستحب له ذلك على سبيل الصلة له والمعروف .

ثالثًا: اتفاق العلماء على أن ذلك مستحب، وليس بواجب، حتّى إنَّ بعضهم ادعى الإجماع على ذلك .

الدّليل الثّاني: عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: جاء رجل إلى النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله: إنَّ أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال – صلّى الله عليه وسلم -: (لو

كان على أمك دين، أكنت قاضيه عنها؟) قال: نعم؛ قال: (فدين الله أحق أن يقضى) .

وفي رواية: جاءت امرأة إلى النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – … فذكر الحديث .

وفي رواية: قالت امرأة: إنَّ أختي ماتت … .

وفي رواية: قالت امرأة للنبي – صلّى الله عليه وسلم -: ماتت أمي وعليها صوم خمسة عشر يومًا … .

وفي رواية: وعليها صوم شهرين متتابعين … .

وفي رواية: إنَّ أمي ماتت وعليها صوم نذر … .

وجه الاستدلال من النصوص السابقة:

هذه النصوص صريحة في قضاء الصوم عن الميِّت، وقد شبهه النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – بالدين، بل جعله أحق من قضاء الدِّين.
وهذه النصوص جاء في معظمها ذكر الصوم مطلقًا، فدل على أن الصوم الواجب يقضى عن الميِّت، سواء أكان صومًا من رمضان، أم من نذر، أم من كفارة.

وهذه الأحاديث تدل على استحباب القضاء على الولي؛ لأنّ النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – شبه ذلك بالدين، وقضاء الدِّين عن الميِّت إذا لم يخلف تركة مستحب، وذلك على سبيل الصلة له والمعروف .

وقد استدل بهذه الروايات ابن حزم على وجوب النيابة عن الميِّت في قضاء ما عليه من صوم ، وقد تقدّم الجواب عن ذلك، وذكر ما يصرف ما ظاهره الوجوب من هذه الأدلة إلى الاستحباب.

ومما يدلُّ على أن مطلق الصوم يقضى عن الميِّت، وأنّه تجوز النيابة فيه: أن السؤال عن الصوم جاء محتملًا لصور كثيرة، فيحتمل أن يكون عن رمضان، أو عن كفارة، أو عن نذر، وقد أجاب النّبيّ بلفظ عام دون أن يستفصل السائل، أو السائلة عن نوع الصوم ممّا يدلُّ على أن الحكم عام شامل لجميع الصور.
وقد بنى العلماء على ذلك القاعدةُ المعروفة، وهي: أن ترك الاستفصال في قضايا الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال .

ثمّ إنّه – صلّى الله عليه وسلم – قد علل الحكم بعلة عامة شاملة للنذر وغيره، وهي كونه دَيْنًا .

الدّليل الثّالث: عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه – رضي الله عنهما -، قال: بيَّنَّا أنا جالس عند رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -، إذ أتته امرأة، فقالت: إنِّي تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، قال: فقال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (وجب أجرُك، وردها عليك الميراث).

قالت: يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر، أفاصوم عنها؟ قال – صلى الله عليه وسلم -: (صومي عنها).

قالت: إنها لم تحج قط، أفأحج عنها؟ قال: (حجي عنها) .

وجه الاستدلال:

في هذا الحديث أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – المرأة بالصوم عن أمها، وقد أطلق السائلة، ولم تحدد صوم الشهر برمضان، أو غيره، ولم يستفصل منها النبي – صلى الله عليه وسلم -، والقاعدة المقررة: “أن ترك الاستفصال في قضايا الأحوال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال”، فدل ذلك على أن النيابة عن الميت في قضاء ما عليه من صوم تصح مطلقًا، سواء أكان ما عليه من رمضان، أم غيره، حيث جاء الإطلاق في السؤال، والإطلاق في الجواب، فدل على أن الحكم عام في كل صوم واجب.

مناقشة الاستدلال بالأحاديث السابقة عمومًا وبحديثي عائشة وابن عباس خصوصًا:

نوقشت الأحاديث السابقة التي رواها ابن عباس، وكذلك عائشة رضي الله عنهم بما يأتي:

أولاً: ما أجاب به المانعون مطلقًا:

وقد أجابوا بما يأتي:

أ – أن هذه الروايات مضطربة.

وبيان ذلك: أنه في بعض الروايات كان السائل رجلاً، وفي بعضها كانت السائلة امرأة، وفي بعض الروايات كان المسؤول عنها أختًا، وفي بعض الروايات كانت أمًا، ومرة وقع السؤال عن مطلق الصوم، ومرة عن نذر؛ فمن أجل هذا الاضطراب لا يحتج بهذه الروايات .

الجواب عن هذا الوجه من المناقشة:

1 – أن حديث عائشة لا اضطراب فيه بأي وجه من الوجوه.

2 – أما حديث ابن عباس، فيمكن الجواب عن دعوى الاضطراب فيه بما يأتي: أن الروايات المختلفة عن ابن عباس إنما كانت قصصًا مستقلة سئل عنها النبي – صلى الله عليه وسلم -، فظن المانعون أن هذه القصص واحدة اضطرب الرواة فيها عن سعيد بن جبير، فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – سأله رجل عن صوم كان على أمه فأجابه، وسألته امرأة عن صوم على أمها فأجابها، وسألته امرأة عن صوم كان على أختها فأجابها، ومرة كان الصوم المسؤول عنه شهرًا، ومرة شهرين، ومرة خمسة عشر يومًا، ومرة كان الصوم مطلقًا، ومرة كان مقيدًا بالنذر، وقد أجاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن كل ذلك باستحباب النيابة عنهم في قضاء ما لزمهم من صوم، ويكفي في صحة هذه الأحاديث رواية أصحاب الصحيحين لها .

ب- أجاب المانعون كذلك بأن هذه الأحاديث منسوخة.

وبيان ذلك: أن ابن عباس، وعائشة رضي الله عنهم قد رُوِي عنهما القول بعدم الصيام عن الميت، مما يدل على أن العمل على خلاف هذه الروايات، فدل ذلك على أنها منسوخة .

قال الطحاوي : ” … ثم وجدنا ابن عباس، وعائشة بعد النبي – صلى الله عليه وسلم – قد تركا ذلك، وقالا بضده، وهما المأمونان على ما رويا، العدلان فيما قالا، فعقلنا بذلك

أنهما لم يتركا ما قد سمعاه من النبي – صلى الله عليه وسلم – في ذلك إلا إلى ما هو أولى، مما قد سمعاه من النبي – صلى الله عليه وسلم – … “، ثم ساق الطحاوي بعض الروايات عنهما في النهي عن الصوم عن الميت، والأمر بالإطعام، وقد تقدم ذكر أهم هذه الروايات في أدلة المانعين.

ثم قال: ” … فكان قول ابن عباس وعائشة هذا دليلاً على أنهما قالا ما قالا فيما رويناه عنهما في هذه الآثار، والحكم عندهما فيما قالاه في ذلك ما قالاه فيه، ولا يجوز أن يكون ذلك منهما إلا بعد ثبوت نسخ ما سمعاه من النبي – صلى الله عليه وسلم – … ” .

الجواب عن هده الدعوى:

1 – أنه أمكن الجواب عن هذه الآثار المروية عنهما، وقد تقدم ذلك .

2 – أن العبرة عند العلماء بما روى الراوي عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، لا بما رآه هو .

وقد بين ذلك ابن حجر، فقال: “والراجح أن المعتبر ما رواه، لا ما رآه؛ لاحتمال أن يخالف ذلك لاجتهاد، ومستنده فيه لم يتحقق، ولا يلزم من ذلك ضعف الحديث عنده، وإذا تحققت صحة الحديث لم يترك المحقق للمظنون” .

جـ- دعوى التأويل:

أجاب المانعون عن هذه الأحاديث بأنها ليست على ظاهرها، بل المراد بالصوم عن الميت فيها: هو ما يقوم مقامه، وهو الإطعام عنه .
قال ابن العربي: “وقد كان الآدمي يقضي عبادته من الصوم في حياته ببدنه إمساكًا، وكان أيضًا يقضيها بماله في وقت، وفي حال تصدقًا، وإطعامًا؛ فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – للولي: صم عنه الصيام الذي تمكن النيابة فيه، وهو الصدقة عن التفريط في الصيام .

وبين الماوردي المراد بالنصوص السابقة، فقال: “فأما ما رووه من الأخبار، فالمراد بها فعل ما ينوب عن الصيام من الإطعام” .

الجواب عن دعوى التأويل:

1 – أن هذا تأويل باطل؛ لأنه لا توجد ضرورة تدعو إليه، ولا يوجد مانع يمنع العمل بظاهر هذه النصوص، مع تظاهرها، وعدم المعارض لها .

2 – أن حمل هذه النصوص على المجاز – وهو الإطعام- لا يصح؛ لأنه صرف للفظ عن ظاهره بغير دليل صحيح .

3 – أن هذا التأويل لا يليق بمقام النبوة، والبلاغ عن رب العالمين؛ فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – هو أفصح من نطق بالضاد، وهو الرسول المكلَّف بالبيان، والبلاغ، وتمييز الأحكام، فهل يليق – صلى الله عليه وسلم -، أن يكون قد كُلَّف ببيان الحكم للناس، وأنه الإطعام، فيعدل عن ذلك إلى المجاز، فيذكر الصيام، ولا يذكر الإطعام تلبيسًا على الناس، وإيقاع المكلفين في الحرج والمشقة، ولا شيء يمنعه من التصريح بالإطعام؛ فهذا كلام باطل في الشرع، والعقل، ورحم الله الشافعي إذ يقول: “وبالتقليد أَغْفَلَ من أغفل، والله يغفر لنا ولهم” .

د- أن هذه الأحاديث ليس عليها العمل عند أهل المدينة” .

وهذا ما أجاب به المالكية عن هذه الأحاديث، فقالوا: إن الذي عليه العمل عند أهل المدينة هو الإطعام دون الصيام .

والجواب عن ذلك:

أن الحجة إنما هي في ما جاءنا عن النبي – صلى الله عليه وسلم -، لا بما رآه أهل المدينة، وهذه حجة لا يتمسك بها منصف في مقابلة الأحاديث الصحيحة الصريحة .

ثانيًا: ما أجاب به الذين حملوها على النذر فقط:

ناقش أصحاب القول الثالث هذه النصوص، بأنها محمولة على صوم النذر، والنصوص الواردة في النيابة في الصوم عندهم على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: ما جاء فيه الصيام مطلقًا، وأنه يطعم عنه، كما في حديث ابن عمر السابق .

والحكم في هذا القسم أنه يحمل على الصوم الواجب بأصل الشرع، وهو صوم رمضان والكفارة؛ فهذا يطعم عنه .

القسم الثاني: ما جاء فيه ذكر النيابة في الصوم مطلقًا، ولم يذكر فيه الإطعام،

كما في بعض روايات حديث ابن عباس السابق، وحديث عائشة، فهذا القسم يحمل على صوم النذر جمعًا بين الأدلة، وحملاً للمطلق منها على المقيد بالنذر، وللعام منها على الخاص .

القسم الثالث: ما جاء فيه ذكر النيابة في الصوم مقيدًا بالنذر، كما في الرواية السابقة، عن ابن عباس في المرأة التي سألت النبي – صلى الله عليه وسلم – أن أمها ماتت، وعليها صوم نذر … .

فهذه الرواية، وما ورد من آثار عن الصحابة في صوم النذر عن الميت تكون مقيدة للإطلاق الذي جاء في أحاديث القسم الثاني.

ويجاب عن ذلك:

بأن الأحاديث ليس بينها تعارض حتى يجمع بينها؛ فحديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي جاء فيه السؤال عن صوم النذر، إنما هو صورة مستقلة سأل عنها من وقعت له، وأما حديث عائشة رضي الله عنها فهو تقرير قاعدة عامة، وقد جاء في حديث ابن عباس ما يؤيد هذا العموم، وهو قوله – صلى الله عليه وسلم -: (فدين الله أحق أن يقضى) .

وعلى هذا، فإن رواية ابن عباس التي جاء فيها تخصيص الصوم بالنذر يكون الحكم فيها من باب التنصيص على بعض صور العام، وذلك لا يقتضي التخصيص، ولا التقييد، كما هو المقرر في علم الأصول .

جـ- أدلتهم من الأثر:

الدليل الأول: عن طاووس؛ قال: إذا مات الرجل، وعليه صيام رمضان قضى عنه بعض أوليائه. قال معمر : وقاله حماد .

الدليل الثاني: عن طاووس: أن امرأة ماتت، وعليها صوم سنة، وتركت زوجها، وبنيها ثلاثة؛ قال طاووس: صوموا عنها سنة كلكم .

وجه الاستدلال:

دل هذان الأثران على أن الميت يصام عنه الصوم الواجب، سواء أكان من رمضان، أم من غيره.

د- أدلتهم من المعقول:

قالوا: إن الصيام عبادة تجب الكفارة بإفسادها؛ فجاز أن يقضى عنه بعد الموت كالحج .

مناقشة هذا القياس:

يمكن مناقشة هذا القياس بأنه قياس على مختلف فيه؛ فإن النيابة عن الميت في الحج مختلف فيها، وعلى هذا لا يصح القياس.

والجواب: أنه لا يشترط أن يكون حكم الأصل متفقًا عليه بين الأمة، بل يكفي اتفاق الخصمين عليه، وحكم الأصل هنا متفق عليه بين الجمهور في الجملة .

الترجيح:

بعد عرض الأقوال، وذكر أدلةكل فريق، وما ورد عليها من مناقشات، وما أجيب به عن هذه المناقشات، يتبين بجلاء رجحان القول الأول القاضي بصحة النيابة، عن الميت فيما وجب في ذمته، من صوم واجب؛ سواء أكان صومًا من رمضان، أم من كفارة، أم من نذر. وأن ذلك مستحب، وليس بواجب.

ومما يؤكد ترجيح هذا القول ما يأتي:

* أولاً: قوة أدلته، حيث جاءت أدلته نصيّة صريحة في الدلالة على صحة النيابة عن الميت في الصوم مطلقًا، وبألفاظ لا تحتمل غير ذلك؛ نحو قوله – صلى الله عليه وسلم – في حديث عائشة: (من مات وعليه صوم صام عنه وليه) .

وفي حديث بريدة قوله للمرأة التي سألت عن صوم شهر كان على أمها، وقد ماتت؛ فقال – صلى الله عليه وسلم -: (صومي عنها)، وهذه النصوص معظمها في الصحيحين، أو في أحدهما .

* ثانيًا: ضعف ما استدل به أصحاب الأقوال الأخرى، وقد أمكن مناقشتها بما يوهن من حجيتها.

الفرع الثالث : من تصح منه النيابة عن الميت

لا خلاف بين العلماء الذين قالوا بصحة النيابة عن الميت في صوم ما وجب عليه من رمضان، أو من كفارة، أو من نذر، أن الولي ينوب عن الميت في ذلك ؛ وذلك لتصريح النصوص بذلك، كما في حديث عائشة السابق، وهو قوله – صلى الله عليه وسلم -: (من مات، وعليه صيام، صام عنه وليه) .

ولكن، اختلف العلماء في حكم النيابة من الأجنبي عن الميت، هل تصح، وهل يلزم فيها إذن الولي، أم لا يلزم ذلك؟ اختلفوا في ذلك على قولين:

القول الأول: يصح صوم الأجنبي، ولا يلزم فيه إذن الولي.

وإلى هذا ذهب الشافعية في قول ، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة ، وهو اختيار البخاري ، وبه جزم أبو الطيب الطبري ، وهو قول ابن حزم عند عدم الولي .

القول الثاني: لا يصح صوم الأجنبي عن الميت ، إلا بإذن الميت، أو بإذن الولي. وإلى هذا ذهب الشافعية في الأصح عندهم ، وهو قول عند الحنابلة .

الأدلة والمناقشة:

أولاً: أدلة القول الثاني:

استدل من قال بعدم صحة صوم الأجنبي عن الميت إلا بإذن الميت، أو بإذن الولي بما يأتي:

الدليل الأول: حديث عائشة السابق: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) .

وجه الاستدلال:

أن النبي – صلى الله عليه وسلم – خص الولي بالذكر في صحة النيابة، فيقتصر عليه؛ لمناسبة الولاية لذلك، ولأن الأصل عدم جواز النيابة في الصوم، فيقتصر على ما ورد به النص .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الاستدلال بأن ذكر الولي في الحديث إنما خرج مخرج الغالب، فإن الغالب هو أن ينوب الولي عن قريبه في قضاء ما عليه، ومما يدل على عدم اختصاص ذلك بالولي أن النبي – صلى الله عليه وسلم – شبهه بقضاء الدين، والدين لا يختص بالقريب .

الدليل الثاني: قالوا: إن الأصل عدم جواز النيابة في الصوم؛ لأنه عبادة لا

تدخلها النيابة في الحياة، فلا تدخلها بعد الموت كالصلاة، فإذا كان الأصل عدم جواز النيابة، فيجب الاقتصار على ما ورد به النص .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا القياس بما يأتي:

أولاً: القياس على الصلاة قياس فاسد؛ لأنه جاء في مقابله النص الصريح، وهو قوله: – صلى الله عليه وسلم – (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) . وغيره من النصوص؛ وعليه، فلا يعتد بهذا القياس.

ثانيًا: لا نسلم لكم أن الصلاة لا تدخلها النيابة بعد الموت، بل تقدم في مبحث الصلاة أن النيابة تدخل في صوم النذر بعد الموت، بل إن بعض العلماء يرى دخول النيابة في الصلاة مطلقًا بعد الموت .

ثالثًا: أن ذكر الولي في الحديث إنما جاء على الغالب، كما تقدم.

الدليل الثالث: القياس على الحج، فكما أن الحج لا يصح عن الميت من الأجنبي إلا بإذن الولي، فكذلك الصوم .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا التعليل بأن الحج عبادة مالية؛ فالنيابة فيه من الأجنبي تشبه قضاء الدين، بخلاف الصوم؛ فإنه عبادة بدنية محضة .

ثانيًا: أدلة القول الأول:

الدليل الأول: حديث ابن عباس رضي الله عنهما السابق، والذي جاء فيه قوله – صلى الله عليه وسلم -: (فدين الله أحق أن يقضى) .

وجه الاستدلال:

حيث شبه النبي – صلى الله عليه وسلم – قضاء الصوم عن الميت بالدين، وقضاء الدين لا يختص بالولي، فيجوز للأجنبي قضاء الصوم عن الميت سواء أذن الولي أم لا .

الدليل الثاني: عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن امرأة ركبت البحر، فنذرت إن الله سبحانه وتعالي نجاها أن تصوم شهرًا، فأنجاها الله سبحانه وتعالي فماتت قبل أن تصوم، فأتت ذات قرابة لها النبي – صلى الله عليه وسلم -، فأمرها أن تصوم عنها .

وجه الاستدلال:

أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أمر القريبة بالصوم عن قريبتها، ولم يستفصل منها؛ فدل على العموم، وأن ذلك لا يتوقف على ولاية المال، أو العصوبة، أو الإرث، فدل على أن الأمر في ذلك واسع، فلو صام أجنبي صح لهذا العموم .

الدليل الثالث: ما ورد عن الحسن البصري أنه قال فيمن مات وعليه صوم ثلاثين يومًا: قال: إن صام عنه ثلاثون رجلاً يومًا واحدًا جاز .

الدليل الرابع: قالوا: إن الصيام من الأجنبي تبرع، والتبرع يشبه قضاء الدين عن الميت، والدين لا يلزم فيه إذن الميت أو وليه .

الترجيح:

من خلال عرض الأدلة للقولين، وما ورد عليها من مناقشات يتبين رجحان القول الأول القاضي بصحة النيابة من الأجنبي عن الميت في قضاء ما وجب عليه من صيام؛ وذلك لما يلي:

أولاً: قوة ما استدلوا به، حيث جاءت أدلتهم قوية؛ لأن معظمها أدلة نقلية واضحة الدلالة على المراد.

ثانيًا: أنه أمكن مناقشة أدلة القول الآخر مما أوهن من دلالتها.

ثالثًا: أن المقصود من المسألة هو: إبراء ذمة الميت، وفكّ رهانه، وهذا يحصل بالولي وبغيره؛ كقضاء دينه .

رابعًا: تصريح النصوص بأن ما على الميت من صوم إنما هو دين، وإذا كان دينًا فلا يختص الولي بقضائه .

المسألة الثانية: أخذ الأجرة على قضاء الصيام عن الميت

هذه المسألة مبناها على مسألة النيابة في الصوم، وقد تقدم معنا أن من مات وعليه صوم واجب فإن له حالتين:

الحالة الأول: أن يموت وهو غير مفرط في قضاء ما وجب عليه، وفي هذه الحالة لاشيء عليه البتة، لا صيام، ولا إطعام، إلا أنه قد خالف بعض أهل العلم في الإطعام كما سبق، إلا أنهم فيما يتعلق بالصوم فلا خلاف إلا ما ذكره أبو الخطاب من أنه يحتمل الصوم عنه.

 

وبناءً على ما سبق، فإنه لا تجوز الإجارة على الصوم عن الميت في هذه الحالة؛ لأن الصوم لا يجب عليه أصلاً، ومن ثم لا شيء على وليه، ولا يجب في تركته شيء إن لم يكن له ولي.

الحالة الثانية: أن يموت وقد فرط في قضاء ما وجب عليه، وقد تقدم أن للعلماء في ذلك أربعة أقوال تعود في مجملها من حيث جواز النيابة وعدمها إلى قولين: قول يجيز النيابة، وقول لا يجيزها على تفصيلات بينهم في ذلك، كما تقدم.

أما من لا يجيز النيابة فلا يجيز الإجارة قولاً واحدًا، وأما من يجيز النيابة فقد اختلفوا في جواز الإجارة على الصيام عن الميت على قولين قول يجيزها، وقول لا يجيزها، والبعض أطلق في الجواز، والبعض خص بالنذر، فتحرر الأقوال بناء على ما سبق كما يأتي:

القول الأول: تصح الإجارة على الصوم الواجب على الميت بالنذر فقط دون غيره من الصوم الواجب بأصل الشرع.

وإلى هذا ذهب الحنابلة – على الصحيح من المذهب – .

قال المرداوي: “واعلم أنه إذا كان له تركة وجب فعله، فيستحب للولي الصوم، كله أن يدفع إلى من يصوم عنه – من تركته، عن كل يوم مسكينًا، وجزم به في القاعدة الرابعة والأربعين بعد المائة ، فإن لم يكن له تركة لم يلزمه شيء” .

القول الثاني: تصح الإجارة على الصوم الواجب على الميت مطلقًا سواء أكان صومًا من رمضان، أم من نذر، أم من كفارة. وإليه ذهب الشافعية في الصحيح المختار من مذهبهم ، وإليه ذهب الظاهرية؛ قال ابن حزم: “ومن مات وعليه صوم فرض من قضاء رمضان، أو نذر أو كفارة واجبة ففرض على أوليائه أن يصوموه عنه هم أو بعضهم … فإن لم يكن له ولي استؤجر عنه من رأس ماله من يصومه عنه، ولا بد، أوصى بكل ذلك، أو لم يوص وهو مقدم على ديون الناس” .

القول الثالث: لا تصح الإجارة على الصوم عن الميت مطلقًا، سواء أكان صومًا من رمضان، أم من كفارة، أم نذر.

وإلى هذا ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية في الجديد من مذهبهم ، ووافقهم الحنابلة في الصوم الواجب بأصل الشرع، وهو صوم رمضان والكفارة .

واختار هذا القول ابن عقيل من الحنابلة .

الأدلة والمناقشة:

أولاً: أدلة القائلين بالمنع مطلقًا:

وهؤلاء هم أصحاب القول الثالث، وقد استدلوا على ذلك بما يأتي:

1 – الأدلة الدالة على المنع من النيابة في الصوم عن الميت:
ووجه الدلالة من هذه النصوص ظاهر، وهو: أنه إذا امتنعت النيابة، امتنعت الإجارة؛ لأن صحة الإجارة على الصوم عن الميت إنما هي فرع عن صحة النيابة، فإذا كانت النيابة لا تصح فكذلك الإجارة .

2 – استدلوا كذلك إضافة إلى ما سبق ببعض الأدلة العقلية منها:

الدليل الأول: قالوا: إن الصيام من فروض الأعيان، وفرض العين لا يجوز الاستئجار عليه .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا التعليل بأنه محمول على فرض العين الواجب بأصل الشرع، كصوم رمضان، وصوم الكفارة، أما صوم النذر فإنه مما أوجبه الإنسان على نفسه، وأشغل به ذمته، فهو دين فيقضى كقضاء دينه، وعليه فلا مانع من الاستئجار عليه لإبراء ذمته .

الدليل الثاني: إن العبد فيما يعمله من القربات والطاعات عامل لنفسه؛ قال الله: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)} [فصلت: 46]، الجاثية: 15]، ومن عمل لنفسه لا يستحق الأجر على غيره .

الدليل الثالث: قالوا: إن الثواب موعود للمطيع على الطاعة، فينتفع الأجير بعمله، فلا يستحق الأجر .

مناقشة الاستدلال بهذين الدليلين:

يمكن مناقشة هذين الدليلين: بأن النصوص جاءت بصحة الصوم عن الميت، وهذا يلزم منه انتفاع الميت بذلك، وسقوط هذا الدين عنه، فالقول بأن النائب هنا عامل لنفسه كلام لا يصح.

وأما منع الأجرة فإنا نسلم لكم ذلك في الفرض الواجب بأصل الشرع. أما النذر فيصح الاستئجار عليه؛ ووجه ذلك أن النذر دين ألزم به الإنسان نفسه، فيقضى عنه كيفية ديونه، فإن تعذر من يصوم عنه من ولي وغيره احتسابًا، فإنه يتعين حينئذ الاستئجار طريقًا لإبراء ذمته .

الدليل الرابع: قالوا: إن الصيام قربة تحتاج إلى نية، والقرب التي تحتاج إلى نية لا يجوز الاستئجار عليها؛ لأن القصد منها هو امتحان المكلف بكسر نفسه بفعلها، ولا يقوم الأجير مقامه في ذلك .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الدليل بأن النيابة عن الميت قد ثبتت بالنص، وإذا صحت النيابة جاز أن يقوم الأجير مقامه في أداء ما وجب عليه، أما كسر نفس المكلف بفعلها .. فإنما ذلك محمول على الحي، لا على الميت؛ فالجهة منفكة.

الدليل الخامس: قالوا: إن الأجر عوض الانتفاع، ولم يحصل لغيره ههنا انتفاع؛ فأشبه إجارة الأعيان التي لا نفع فيها .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا التعليل بما يأتي:

أولاً: لا نسلم لكم بعدم حصول المنفعة للمستأجر، بدليل صحة النيابة، وقد ثبتت بالنص، ولو لم يحصل للميت انتفاع ماكان لصحة النيابة معنى.
ثانيًا: أن هذا التعليل محمول على الصوم عن الحي، لا على الميت، ومحمول على صوم الفرض عن الميت دون النذر؛ لأن الذين استدلوا به هم الحنابلة، وهم يقولون بصحة الإجارة على صوم النذر عن الميت .

ثانيًا: أدلة القائلين بصحة الإجارة على الصوم عن الميت مطلقًا:

وهؤلاء هم أصحاب القول الثاني، وقد استدلوا بأدلة كثيرة، وهي على قسمين:

القسم الأول: هي الأدلة الدالة على صحة النيابة عن الميت في قضاء ما وجب في ذمته من صوم واجب، وإذا صحت النيابة جازت الإجارة ، ولهم في ذلك قاعدة هي: “أن كل ما تدخله النيابة من العبادة يجوز الاستئجار عليه وما لا فلا” .

القسم الثاني: بعض الأدلة العقلية، ومنها:

الدليل الأول: قالوا: إن أخذ الأجرة على الصيام عن الميت، لم يأت عنه نهي

فهو داخل في عموم أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بالمؤاجرة .

الدليل الثاني: قالوا: إن الاستئجار على الصوم استئجار على عمل معلوم غير متعين على الأجير، فيجوز أخذ الأجرة عليه، وكونه عبادة لا ينافي ذلك قياسًا على بناء المسجد، وأداء الزكاة، وكتابه المصحف والفقه .

الدليل الثالث: القياس على الحج، فكما أنه يصح الاستئجار على الحج، فكذلك الصوم عن الميت يصح الاستئجار عليه، بجامع أن كلا منهما عمل بدن، وللمال في إصلاح ما فسد منهما مدخل بالهدي، وبالإطعام وبالعتق .

ثالثًا: أدلة القائلين بصحة الإجارة على صوم النذر فقط:

وهؤلاء هم أصحاب القول الأول، وقد استدلوا بما يأتي:

أولاً: الأدلة الدالة على صحة النيابة عن الميت في قضاء ما عليه من صوم النذر، سواء أكانت أدلة عامة مخصصة عندهم بالأدلة التي جاء فيها التصريح بصوم النذر، أم كانت أدلة خاصة بصوم النذر على ما سبق تفصيله في مبحث النيابة.

ثانيًا: استدلوا ببعض الأدلة الأخرى منها:

* قالوا: إن النذر ليس واجبًا بأصل الشرع، وإنما أوجبه العبد على نفسه فصار بمنزلة الدين الذي استدانه، ولهذا شبهه النبي – صلى الله عليه وسلم – بالدين في حديث ابن عباس رضي الله عنهما – والدين تدخله النيابة .

وعليه، فإن الولي يفعله إن شاء، أو يدفع مالاً لمن يفعله عنه .

أما أدلتهم على المنع من الإجارة على الصوم الواجب بأصل الشرع فهي نفسها أدلة المانعين مطلقًا، وقد تقدمت.

الترجيح:

بعد ذكر الأدلة، وما ورد عليها من مناقشات، إضافة إلى ما سبق ذكره في مبحث النيابة من أدلة مفصلة عن النيابة في قضاء الصوم عن الميت، يتبيّن رجحان القول الأول القاضي بجواز الاستئجار على قضاء صوم النذر عن الميت الذي تمكن من أدائه، ولكن فرط في ذلك حتى أدركه الأجل.

ويعود هذا الترجيح إلى ما يأتي:

أولاً: قوة هذا القول من حيث الاستدلال والنظر، وهذا يرجع إلى قوة الأدلة التي تمسكوا بها، إضافة إلى ما سبق من صحة النيابة عن الميت في قضاء ما عليه من صوم مطلقًا، ومنه صوم النذر حيث جاءت الأدلة صريحة صحيحة غاية ما تكون في الصحة والصراحة في الدلالة على المطلوب، وهذا يؤكد قوة هذا القول ورجحانه على ما سواه.

فإن قال قائل: فما وجه التفريق بين الصوم الواجب بأصل الشرع وصوم النذر من حيث صحة الإجارة على الأخير دون الأول؟

قيل له: إن الصوم من العبادات البدنية المحضة، بل هو من أخص العبادات البدنية ، والأصل عدم دخول النيابة فيه كالصلاة، إلا أننا خالفنا هذا الأصل؛ لورود النص الصحيح الصريح في صحة النيابة، بما لا يحتمل التأويل.

فلما كان حكم الإجارة على الصوم فرقنا بين الصوم الواجب بأصل الشرع

وصوم النذرة لوجود الفرق بينهما شرعًا، وعقلاً.

فأما الشرع: فلأن الله تعالى لم يوجبه على المكلف، وإنما أوجبه العبد على نفسه، وفرق بين ما يوجبه الله تعالى على العبد، وما يوجبه العبد على نفسه .

وأما العقل: فلأن الديون المالية تصح فيها النيابة إجماعًا، وكذلك الاستئجار عليها، وقد تقدم ذلك.

وإذا نظرنا إلى نذر الصوم وجدناه أقرب إلى الديون المالية منه إلى العبادات البدنية؛ ووجه ذلك:

1 – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – شبهه بالدين كما في حديث ابن عباس .

2 – ولكون العبد أوجبه على نفسه، صار بمنزلة الدين الذي استدانه . فلما كان صوم النذر بهذه المنزلة، ولما فيه من شائبة المال هذه فقد تم التفريق بينه وبين الصوم الواجب بأصل الشرع، فقيل بجواز الاستئجار على قضاء صوم النذر عن الميت دون الصوم الواجب بأصل الشرع .

* ثانيًا: ضعف أدلة الأقوال الأخرى؛ وذلك لأن مبناها في عدم صحة الإجارة على عدم صحة النيابة، وقد تقدم أن القول بعدم صحة النيابة قول لا دليل عليه من الشرع، بل هو قول يخالف أدلة الشرع الصحيحة الصريحة في صحة النيابة. ثم إنه أمكن مناقشة أدلتهم فيما يتعلق بعدم صحة الإجارة على الصوم بما يضعف من دلالتها.

* ثالثًا: أن هذا القول جاء وسطًا بين الأقوال الأخرى، فهو أولى الأقوال بالقبول؛ لأن من منع مطلقًا ليس معه نص يمنع الإجارة، بل تمسك بعمومات الأدلة، وببعض الأدلة العقلية، وكل هذه أمكن مناقشتها بما يضعف الاستدلال بها.

وأما من أجاز مطلقًا فقد أمكن حمل أدلته على النذر جمعًا بين الأدلة، وكذلك أمكن دفع هذا الإطلاق بالتفريق بين صوم النذر والصوم الواجب بأصل الشرع شرعًا وعقلاً.

* رابعًا: أن هذا القول جاء متمشيًا مع مقاصد الشريعة وحكمها؛ وبيان ذلك:

1 – إن الأخذ بهذا القول فيه تبرئة لذمة الميت، وفكّ لرهانه، حيث ألزم نفسه بما لم يلزمه به الله تعالى .

2 – فيه محافظة على حكم الصوم وفوائده، والإبقاء على مقاصده الشرعية الكثيرة؛ لأننا لو قلنا بالجواز مطلقًا لأدى ذلك إلى التهاون، والتكاسل عن أداء هذه الفريضة العظيمة، وما على المكلف إلا أن يوصي بقضاء ما عليه من صوم، وفي هذا تضييع لهذه الفريضة، كما لا يخفى.

ولو قلنا بالمنع مطلقًا لبقيت ذمة الميت مشغولة بما ألزم به نفسه، والأصل المسارعة بتبرئة ذمته، وفكّ رهانه حتى ينعم في قبره وأخرته؛ لقوله – صلى الله عليه وسلم -: (والذي نفسي بيده لو أن رجلاً قُتِلَ في سبيل الله، ثم أُحْييَ، ثم قتل، ثم أُحيي، ثم قتل، وعليه دين ما دخل الجنة حتى يُقضى عنه دينه) .

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*