أخد المال على الوديعة

أخد المال على الوديعة

أخد المال على الوديعة هو المبحث الرّابع من الفصل الأوّل أخذ المال على المعاملات ، الباب الثّاني أخد المال على المعاملات والولايات الشرعية من بحث أخذ المال على أعمال القربات

أخد المال على الوديعة

المبحث الرّابع أخد المال على الوديعة

عقد الوديعة عند الفقهاء من عقود الإرفاق والإحسان والأمانة والتبرع، وهو سورة من صور التعاون على البرّ والتقوى بين المسلمين .

أمّا ما يتعلّق بأخذ الأجرة على عقد الوديعة فبيان ذلك في المطلبين التالبين:

المطلب الأوّل اشتراط الأجرة على عقد الوديعة

لا خلاف بين الفقهاء في أن الأصل في الوديعة أنّها من عقود التبرعات الّتي تقوم على الرفق والمعونة والإحسان وتنفيس الكربة، وقضاء الحاجة، فمن قام بحفظها لصاحبها تبرعًا واحتسابًا للأجر من الله تعالى، فإن ذلك من أحب الأعمال وأفضلها وأن العبد يؤجر على ذلك من الله تعالى.

أمّا إذا شرط الوديع أجرة على الوديعة في مقابل حفظها، وحرزها فقد اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:

القول الأوّل:

لا يجوز أخذ الأجرة على الوديعة سواء أكانت أجرة حفظها أم أجرة حرزها.

وإلى هذا ذهب الحنابلة ، وبعض الشّافعيّة .

القول الثّاني:

يجوز أخذ الأجرة على حرز الوديعة، أمّا أخذ الأجرة على حفظها فلا يجوز.

وإلي هذا التفصيل ذهب المالكية .

القول الثّالث:

يجوز مطلقًا أخذ الأجرة على حفظ الوديعة وعلى حرزها.

وإلى هذا ذهب الحنفية ، وجمهور الشّافعيّة، وهو الصحيح عندهم .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّالث:

استدل أصحاب هذا القول على جواز أخذ الأجرة على الحفظ والحرز بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

قالوا: إنَّ الواجب على الوديع هو أصل القبول للوديعة، دون إتلاف منفعته، ومنفعة حرزة في الحفظ بلا عوض .

الدّليل الثّاني:

قالوا: يجوز أخذ الأجرة على الوديعة وإن كانت متعينة، قياسًا على أخذ الأجرة على تعليم الفاتحة وسقي اللبأ وإنقاذ الغريق وإن كانت متعينة بجامع أن كلا منها واجب متعين على المرء فعله .

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

استدل من قال بالتفصيل بما يأتي:

قالوا: أمّا عدم أخذ الأجرة على الحفظ فذلك لما يأتي:

1 – إنَّ حفظ الوديعة نوع من الجاه وهو لا يؤخذ عليه أجرة كالقرض والضمان .

2 – إنَّ عادة النَّاس أنّهم لا يأخذون لحفظ الودائع أجرة ، وأمّا جواز أخذ الأجرة على الحرز فلأنّه لا يلزمه بذل منفعة حرزه بدون عوض .

ثالثًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

استدل أصحاب هذا القول على المنع مطلقًا من أخذ الأجرة على الوديعة بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

قالوا: إنَّ الأجر إنّما يكون في الإجارة على حفظ المال لا على الوديعة، وفي هذه الحالة يكون الآخذ أجيرًا لا وديعًا .

الدّليل الثّاني:

قالوا: إذا أخذت الأجرة على الحفظ، فإن الوديعة في هذه الحالة تخرج عن اسمها، فلا تكون وديعة وإنّما هو إجارة على حفظ مال .

فهذه أدلة أصحاب هذا القول ويستدل لهم كذلك بأدلة أصحاب القول الثّاني، وهي الأدلة على عدم جواز أخذ الأجرة على حفظ الوديعة.

الترجيح:

الّذي يظهر رجحانه من الأقوال السابقة هو القول الأوّل القاضي بالمنع من أخذ المال على الوديعة، وذلك لما يأتي:

أوَّلًا: قوة أدلته بالمقارنة بأدة الأقوال الأخرى.

ثانيًا: أن هذا القول هو الّذي يتفق مع طبيعة عقد الوديعة؛ إذ هو عقد تبرع

ومعروف وإحسان وقربة إلى الله تعالى، فأخذ الأجرة عليه ينافي طبيعته ومقصوده.

ثالثا: أننا إذا جوزنا أخذ الأجرة على الوديعة، فإننا بذلك نخرجها من بابها إلى باب آخر، وهو: حفظ المال بأجرة، وهذا ليس بمقصود هنا.

المطلب الثّاني التطبيق المعاصر لعقد الوديعة

من التطبيقات المعاصرة لعقد الوديعة ما يسمى (بالودائع المصرفية) أو (الوديعة البنكية)، والكلام حولها على النحو التالي من خلال المسائل التالية:

المسألة الأولى: التعريف بالوديعة البنكية

عُرّفت الوديعة البنكية بتعريفات عديدة من أهمها: أن الوديعة البنكية هي: “مبلغ من النقود يودع لدى البنوك بوسيلة من وسائل الإيداع، فينشئ وديعة تحت الطلب أو لأجل محدد اتفاقًا، ويترتب عليه من ناحية البنك، الالتزام بدفع مبلغ معين من وحدات النقد القانونية، للمودع أو لأمره لدى الطلب أو بعد أجل” .

المسألة الثّانية: أنواع الودائع البنكية

تتنوع الودائع المصرفية وذلك بحسب تاريخ استردادها إلى ثلاثة أنواع:

النوع الأوّل: الودائع الجارية (تحت الطلب):

وهي المبالغ الّتي يودعها أصحابها في البنوك، ويجوز لهم سحبها واستردادها متى شاؤوا، وبدون سابق إخطار،

ويلتزم البنك بردها فورًا إذا طولب بذلك.

وهذا النوع لا تدفع البنوك لأصحابه فائدة، وذلك؛ لأنَّ المصارف لا تستطيع الاعتماد على هذا النوع من الودائع في تمويل نشاطها المصرفي،

ولما تقتضيه الضّرورة من احتفاظ البنك في خزانته بأموال كافية لدفع قيمتها عند الطلب .

النوع الثّاني: الودائع الثابتة (الودائع لأجل):

هي عبارة عن المبالغ الّتي يضعها أصحابها في البنك بناء على اتفاق بينهما، بعدم سحب المودع لها أو شيئًا منها إِلَّا بعد مضي فترة زمنية محددة متفق عليها. وعليه فإن العميل لا يتمكن من سحب وديعته إِلَّا بعد انتهاء المدة المحددة، وتقوم المصارف بدفع فوائد على هذا النوع من الودائع، وتكون هذه الفوائد ثابتة وينسبه معينه في المائة تختلف حسب المدة المنصوص عليها في العقد، ويزيد مقدار هذه الفائدةُ كلما زادت المدة المحددة .

النوع الثّالث: ودائع التوفير

وهي عبارة عن المبالغ الّتي يودعها أصحابها في البنك بغرض التوفير والادخار، وينشئون بها حسابًا في دفتر خاص (دفتر التوفير) توضح فيه إيداعات ومسحوبات صاحبه.

وتوجد حدود للسحب اليومي من الرصيد في هذا الدفتر، ولا يمكن لصاحبه سحب كامل رصيده دفعة واحدة .

ومن الملاحظ أن هذا النوع من الودائع ذو طبيعة مزدوجة إذ يلتقي مع الودائع الجارية في إمكان السحب منها متى شاء المودع لكن في الحدود المتفق عليها، كما أنّها تلتقي مع الودائع لأجل في أن المودع لا يمكنه سحبها دفعة واحدة، وكذلك فإن البنك يدفع فوائد عليها للموفرين كما الحال في الودائع لأجل .

المسألة الثّالثة: التكييف الفقهي للودائع المصرفية

بعد التعريف بالودائع المصرفية وبيان أنواعها يتبين أن هذه الودائع ليست ودائع حقيقية بالمفهوم الشرعي للوديعة، وإنّما هي سورة من صور الإقراض،

فالودائع المصرفية في حقيقتها تنطوي على عقد قرض وتسميتها بالوديعة لا يغير هذه الحقيقة، وذلك لأنّ الوديعة الشرعية لها خصائص وآثار تميزها، ومن ذلك:

1 – أن الوديع يلتزم بحفظ الوديعة ويلتزم بردها بذاتها فإن تصرف فيها فإن ذلك يعد خيانة للأمانة، بينما العرف في المصارف أنّهم يملكون الوديعة ويتصرفون فيها ولا يحتفظون بعينها ويضمنون مثلها.

2 – أن الوديعة إذا تلفت بقوة قاهرة من غير تعد ولا تفريط من المودَع أو ضاعت بغير صفة فلا ضمان عليه، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء.

أمّا في غير المصارف فإننا نجد أنّهم ملزمون بردها وضامنون لها، ولو تلفت بغير تفريط.

3 – لو أفلس المصرف، ففي هذه الحالة لا يعامل المودع على أساس أنّه مالك للوديعة فتكون له الأولوية على الغرماء، ولكنه يعامل في هذه الحالة على أساس أنّه دائن عادي يخضع لقسمة غرمائه.

ممّا سبق يتبين أن هذه الخصائص المميزة لعقد الوديعة الشرعية لا تسري على الوديعة المصرفية، وأن حقيقتها الظاهرة أنّها قرض لا وديعة بالمفهوم الشرعي . ومما يؤيد هذا أن الإيداع المصرفي لم يكن من أجل الحفظ كما هو الشأن في الوديعة الشرعية، وإنّما انطوى على إذن صريح باستعمال الوديعة ، والوديعة هنا نقدية، وهي ممّا يهلك بالاستعمال فتصبح قرضًا يملكه البنك ويتحمل خطر هلاكه

ولو بقوة قاهرة ، بقي أن إطلاق اسم الوديعة على هذه الأموال الّتي تتلقاها البنوك، حتّى اشتهرت باسم الودائع المصرفية، لا يغير من حقيقتها وهي كونها قرضًا، وإنّما أطلق عليها اسم الودائع؛ لأنّها تاريخيا بدأت بشكل ودائع وتطورت خلال تجارب البنوك واتساع أعمالها إلى قروض، فظلت تحتفظ من الناحية اللفظية باسم الودائع، وإن فقدت المضمون الفقهي لهذا المصطلح .

وقد ذهب البعض إلى التفريق بين أنواع الودائع ففرقوا بين الوديعة الجارية (تحت الطلب)، وبين الوديعة لأجل، فعدوا الوديعة المؤجلة قرضًا، والوديعة تحت الطلب وديعة حقيقية بالمعنى الشرعي للوديعة .

وفي الحقيقة أن هذا تفريق بعيد لا يلتفت إليه؛ لأنَّ ما ذكر سابقًا عن حقيقة الوديعة الشرعية لا يمكن بحال أن يسري على أحكام الوديعة الجارية (تحت الطلب)، فلا يمكن للوديعة تحت الطلب أن تكون وديعة حقيقية إِلَّا إذا توفرت فيها جميع خصائص وسمات الوديعة الشرعية وهذا لا يقول به أحد.

وذهب البعض إلى تكييف الوديعة المصرفية على أنّها إجارة شرعية بناءً على أن بعض الفقهاء عد الوديعة الشرعية بأجرة من قبيل الإجارة وقد عللوا ذلك: بأن عقد الإجارة ينصب على بيع المنفعة أي الخدمة وهي هنا تتمثل في قيام المصرف بأداء خدمة (منفعة) لعميله من حيث تولية حفظ النقود أو المستندات المودعة بمعرفة العميل وإعادتها إليه عند الطلب أو في الأجل المحدد حسب الاتفاق، ومن ثمّ تعتبر هذه الأعمال مشروعة والأجرة المحددة لها باتِّفاق المصرف والعميل مشروعة أيضًا .

وهذا الرأي كما هو واضح ظاهر البطلان لما يأتي:

أوَّلًا: أن الأجرة على الوديعة مختلف فيها بين الفقهاء، وتقدم أن الراجح عدم جواز أخذ الأجرة على الوديعة.

ثانيًا: أن الأجرة على الوديعة -على القول بجوازها- إنّما هي على مجرد الحفظ والحرز، أمّا البنك فإنّه يتصرف في الوديعة ويتملكها بمجرد وضعها في البنك ويجني فوائدها وأرباحها، وعليه فإن عمل الوديع غير عمل البنك.

ثالثًا: أن الواقع في الودائع المصرفية أن الّذي يدفع هو البنك حيث يقوم بدفع فائدة محددة للوديع كما تقدّم بيان ذلك. وعليه فإن تخريج الودائع البنكية على أنّها إجارة كلام لا يستقيم ولا يمكن أن تسري على الودائع البنكية أحكام الإجارة الشرعية، ولا يتفق هذا مع واقع عمل البنوك.

المسألة الرّابعة: حكم الفوائد المأخوذة على الودائع المصرفية تقدّم أن الصحيح الّذي ذهب إليه جلَّ الفقهاء المعاصرين والباحثين أن الودائع بأنواعها ما هي إِلَّا قروض من العميل للبنك.

وعليه فإن الفائدةُ الّتي يدفعها البنك للعميل تدخل في نطاق الرِّبَا المحرم إذ تعد هذه الودائع عبارة عن إقراض بفائدة.

أمّا في الودائع إلى أجل:

فإنها تعد إقراض إلى أجل بفائدة ففيها ربا الفضل وربا النسيئة فأمّا ربا الفضل: فالزيادة الّتي يدفعها المصرف للمودع بناءً على الاتفاق السابق بينهما تعتبر ربا صريحًا؛ لأنّه سلف وزيادة.

وأمّا ربا النسيئة فلتأجيل ما يدفعه المصرف (المقترض) للمودع (المقرض)، وهذا من الرِّبَا المحرم بالكتاب والسُّنَّة الإجماع .

وأمّا في الودائع الجارية:

فإن رب المال وإن كان لا يتقاضى فائدة عليها من البنك إِلَّا أن هذا النوع من الودائع تترتب عليه محاذير شرعية كثيرة منها:

1 – أنّها تعد قرضًا؛ لأنَّ ملكية العميل تزول نهائيًا عن المبلغ الّذي وضعه لدى البنك، ويصبح للبنك السلطة الكاملة على التصرف فيه، وهذا ما لا يتفق مع طبيعة الوديعة الشرعية .

2 – أن إيداع هذه الأموال في البنوك الربوية، يساعد هذه البنوك على استغلالها بالرِّبَا، وهذا فيه أكبر عون على الإثم والعدوان، والتعاون على الإثم أمر محظور بنص القرآن يجب الابتعاد عنه .

وعليه فإن المسلم الّذي يحتاط لدينه ويريد الابتعاد بماله عن الحرام فعليه أن يتحرى الحلال الطيب في ماله، وفي كلّ شؤونه، فإن كان عنده فضل مال يريد الحفاظ عليه فعليه أن يلجأ أوَّلًا إلى المصارف الإسلامية الّتي لا تتعامل بالرِّبَا المحرم، فإن تمكن من استئجار الخزائن الحديدية ليدع فيها أمواله فهذا طيب وإلا وضعها في الحسابات الجارية أو تحت الطلب، دون أن يأخذ عليها أي فائدة، والله تعالى أعلم.

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*