أخد المال على متعلّقات الجهاد

أخد المال على متعلّقات الجهاد

أخد المال على متعلّقات الجهاد هو المبحث الثالث والأخير من فصل أخذ المال على الجهاد من كتاب أخذ المال على أعمال القرب

أخد المال على متعلّقات الجهاد

المبحث الثّالث أخد المال على متعلّقات الجهاد

المطلب الأوّل أخد المال على المرابطة

المرابطة في سبيل الله، من أجل الأعمال، وأعظم الطاعات، جاء في فضل الرِّباط في سبيل الله نصوص كثيرة ، قال أحمد: “ليس يعدل الجهاد عندي، والرباط شيءٌ … ” .

والمرابطة كالجهاد فيما يخصه من أحكام، وإن كان الجهاد أفضل من المرابطة؛ لما فيه من العناء، والتعب، والمشقة.

قال الإمام أحمد: ” … فالرِّبَا ط عندي أصل الجهاد، وفرعه، والجهاد أفضل منه، للعناء، والتعب، والمشقة” .

وكان حق هذه المسألة أن تكون ضمن كلّ ما سبق من مباحث، فإن الحديث عن أحكام الجهافى، والمجاهدين، يدخل فيه المرابطة، والمرابطون، وقد نصّ على ذلك الفقهاء، كما سيأتي، ووإنّما قدمت ما يتعلّق بالقتال، وأخرت المرابطة؛ لكون الجهاد أشد خطرًا، وأعظم أثرًا، وأكثر أحكامًا، وله أحكام تخصه دونها، ولكون المرابطة من توابع الجهاد ، فقدمت المتبوع، وأخرت التابع، وإن كانت تدخل لزامًا في معظم ما سبق من مباحث.

أخذ المرابطين من الزَّكاة:

المرابطون في الثغور هم جند المسلمين، وهم المجاهدون. وعلى هذا، فإنهم يأخذون من سهم (وفي سبيل الله) .

قال الدردير عند حديثه عن مصارف الزَّكاة: “ويعطى منها المجاهد، ويدخل فيه الجاسوس، والمرابط، ولو كان غنيًا … وهذا معنى قوله تعالى: {وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ} .

وقال أبو يعلى: “وأمّا سهم (سبيل الله) فهم الغزاة يدفع إليهم قدر نفقة ذهابهم وعودهم” .

أخذ المرابطين من بيت المال:

يأخذ المرابطون كذلك من بيت المال، من مصرف الفيء؛ قال ابن قدامة: “وذكر القاضي أن أهل الفيء هم أهل الجهاد من الرابطين في الثغور، وجند المسلمين، ومن يقوم بمصالحهم” .

وكل ما سبق هو محل اتفاق بين الفقهاء، وقد تقدّم ذلك مفصلًا؛ فلا حاجة لإعادته .

أخذ العوض على المرابطة:

الأموال الّتي تكون على سبيل النفقة في سبيل الله، والتي هي من الجهاد بالمال، لا حرج على المرابط في الأخذ منها؛ لأنّ الله تعالى قد رغب في النفقة، ووعد عليها الأجر العظيم، وكذلك فعل نبيّنا – صلّى الله عليه وسلم – ممّا يدلُّ على أن الأخذ من هذه النفقة لاحرج فيه، وقد تقدّم أن أخذ المجاهدين من هذا المال جائز بلا خلاف .

ويبقى ما كان على سبيل العوض عن المرابطة؛ كالاستئجار عليها، وأخذ الجعل إذا كان على سبيل المعاوضة.

فالذي عليه العلماء أن حكم المرابطة في ذلك حكم الجهاد. هذا الّذي يظهر من أقوالهم؛ قال البلقيني : سئلت عن الاستئجار للمرابطة عوض الجندي، فأفتيت بفساد الإجارة، كالاستئجار للجهاد” .

المطلب الثّاني أخذ المال على حفظ الغنيمة

حفظ الغنيمة، والقيام على شؤونها حتّى تقسم بين الغانمين، من واجبات الإمام؛ فإذا احتاجت إلى من يحفظها، ويقوم على رعايتها، أو احتاجت إلى من يقسمها بين الغانمين، فإنّه يجب على الإمام القيام بذلك.

فإن وجد من يتطوع بذلك، فلا يستأجر غيره؛ لأنّ تصرفه عليها تصرف مصلحة؛ كولي اليتيم، ولا مصلحة للغانمين في الاستئجار مع وجود المتطوع.

وإن لم يجد متطوعًا بذلك، فله أن يستأجر من يقوم بذلك، يعطيه أجرة المثل، من الغنيمة، ويبدأ بها قبل النفل ، وقبل القسمة.

وقد جوز الفقهاء ذلك بلا خلاف بينهم .

قال ابن قدامة: “إنَّ الغنيمة إذا احتاجت إلى من يحفظها، أو يسوق الدواب الّتي هي منها، أو يرعاها، أو يحملها، فإن للإمام أن يستأجر من يفعل ذلك، ويؤدِّي أجرتها منها” .

وقال محمّد بن الحسن: ” … وكذلك لو استأجر من يقسم بين الغانمين بأجر معلوم، فذلك جائزا ” .

واستدل الفقهاء على ذلك بما يأتي:

الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ حفظ الغنيمة ليس من عمل الجهاد، وهو معلوم في نفسه؛ فيجوز الاستئجار عليه ببدل معلوم .

الدّليل الثاني: قالوا: إنَّ الاستئجار لحفظ الغنيمة، والقيام عليها، من مؤنتها؛ فهو كعلف الدواب، وطعام السبي، يجوز للإمام بذله، ويجوز للأجير أخذه .

الدّليل الثّالث: قالوا: إنَّ الأجير إنّما أجر نفسه لفعل بالمسلمين إليه حاجة، فعلت له أجرته، كما لو أجر نفسه على الدلالة على الطريق .

المطلب الثّالث ما يستحقه المعاون في الجهاد

المعاون في الجهاد صنفان:

الصنف الأوّل: الأجير للخدمة في الغزو.

الصنف الثّاني: التجار، والصُّناع الذين يحتاج إليهم الجيش.

الصنف الأوّل: الأجير للخدمة في الغزو:

لا خلاف بين العلماء في أن الأجير للخدمة في الغزو، يستحق أجرته بمقتضى عقد الإجارة ؛ لأنّ المعقود عليه معلوم ببيان المدة، والبدل معلوم، وليس في هذا العقد من معنى الطّاعة، وإقامة الفرض، فيصح الاستئجار .

ويؤيد ذلك: ما جاء في حديث يعلى بن منية ، قال: أذن رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – بالغزو، وأنا شيخ كبير، ليس لي خادم، فالتمست أجيرًا يكفيني، وأُجري له سهمه، فوجدت رجلًا، فلما دنا الرحيل أتاني، فقال: ما أدري ما السهمان، وما يبلغ سهمي؟ فسم لي شيئًا كان السهم أم لم يكن، فسميت له ثلاثة دنانير، فلما

حضرت غنيمته أردت أن أجري له سهمه، فذكرت الدنانير، فجئت النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -، فذكرت له أمره، فقال: (ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إِلَّا دنانيره الّتي سمي) .

وجه الاستدلال:

حيث دلّ الحديث بظاهره على أن للأجير للخدمة أجره الّذي سمى .

فإذا ثبت أن للأجير أجرة عمله، فهل إذا حضر الوقعة يسهم له كبقية المقاتلين؟ أم أنّه لا حق له في الغنيمة؟
لا يخلو الأجير للخدمة في الغزو من حالتين:

الحالة الأولى: إذا قاتل مع المقاتلين:

اختلف العلماء في حكم الإسهام في هذه الحالة على قولين:

القول الأوّل: إنّه يسهم له من الغنيمة.

وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الحنفية ، والمالكية ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة ، وهو قول اللَّيث، والثوري .

القول الآخر: إنّه لا يسهم له.

وبه قال بعض الشّافعيّة .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

قالوا: لا يسهم له؛ لأنّه لم يقصد الجهاد، إنّما قصد الإجارة .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا التعليل بأن ذلك، وإن كان حالة خروجه أجيرًا، إِلَّا أن حضوره الصف، وقتاله، وتعريض نفسه للهلاك، دليل على أنّه قصد الجهاد والغزو، وأخلص نيته؛ وعلى ذلك، فإنّه يستحق الغنيمة، كغيره من المقاتلين.

ثانيًا: أدلة الجمهور: استدلوا بما يأتي:

الدّليل الأوّل: أن الأجير ممّن خوطب بالجهاد؛ فإذا قاتل أسهم لي كغير الأجير .

الدّليل الثّاني: أنّه ليس في كونه أجيرًا أكثر من أنّه عوض على منافعه، وذلك لا يمنع السهم له، إذا قاتل كالذي يحج ومعه تجارة، أو يؤاجر نفسه للخدمة؛ لأنّ ذلك لا يمنع صحة الحجِّ .

الدّليل الثّالث: أنّهم قاتلوا، ومن قاتل يستحق الغنيمة، كغير الأجير .

الدّليل الرّابع: أنّهم شهدوا الوقعة، والغنيمة لمن شهد الوقعة، كما جاء عن

أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – أنّه قال: “إنَّ الغنيمة لمن شهد الوقعة” . وروي مثله عن عمر – رضي الله عنه -، وعن علي – رضي الله عنه – .

الترجيح:

الراجح هو ما ذهب إليه الجمهورة لقوة ما استدلوا به، وضعف ما استدل به أصحاب القول الثانى، حيث أمكن الجواب عنه، ومناقشته.

الحالة الأخرى: إذا حضر الأجير الوقعه ولم يقاتل:

إذا حضر الأجير الوقعة، ولم يقاتل، فهل يستحق السهم من الغنيمة؟ أم ليس له حق فيها؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأوّل: لا يسهم للأجير من الغنيمة إذا لم يقاتل.

وبه قال الحنفية ، وهو قول للشافعي، واختاره الغزالي ، والبغوي ، وهو رواية عن الإمام أحمد ، وبه قال الأوزاعي، وإسحاق، والثوري، والليث بن سعد .

القول الآخر: يسهم للأجير للخدمة في الغزو، بشرط أن يكون قد خرج بنية الجهاد، وتكثير سواد المسلمين.

وبه قال المالكية ، وهو رواية عن الإمام أحمد هي المذهب .

وبه قال ابن حزم .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

الدّليل الأوّل: الأثر المروي عن أبي بكر، وعمر، وعلي – وقد تقدّم – وهو: “إنّما الغنيمة لمن شهد الوقعة” .

وجه الاستدلال:

أن هؤلاء الصّحابة الأجلاء، وكلهم من الخلفاء الراشدين، قد أفتوا، وأخبروا أن الغنيمة لمن شهد الوقعة؛ فدلّ على أن كلّ من حضر الوقعة له سهمه من الغنيمة، قاتل أو لم يقاتل.

الدّليل الثّاني:

أنّهم بحضورهم الوقعة، قد كثروا سواد المسلمين، وحصلت منهم المعاونة، وهذا المعنى يُستحق به السهم من الغنيمة .

ثانيًا: أدلة القول الأوّل:

استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:

الدّليل الأوّل: قوله تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [المزمل: 20].

وجه الاستدلال:

حيث فرّق سبحانه وتعالي بين حكم من يخرجون لأجل الفضل، وبين من يخرجون لأجل القتال في سبيل الله؛ فدلّ على أن الأجير الّذي خرج لأجل الأجرة لا سهم له .

الدّليل الثّاني: حديث يعلى بن منية السابق، حيث قال قال له النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -: (ما أجد له في غزوته هذه في الدنيا والآخرة إِلَّا دنانيره الّتي سمى) .

وجه الاستدلال:

حيث دلّ الحديث بظاهره على أن الأجير لا يستحق السهم من الغنيمة، إنّما له أجره الّذي سمى .

الترجيح:

من خلال ذكر أدلة القولين، وبالنظر فيها، يتبين أن الراجح هو القول الأوّل، وأنّه لا يسهم للأجير؛ وذلك لما يأتي:

أوَّلًا: قوة ما استدلوا به، سواء من كتاب الله، أم سنة رسوله – صلّى الله عليه وسلم -، وحديث يعلى بن منية حديث صحيح، وهو نصّ صريح في المسألة.

على أنّه يمكن التوفيق بينه وبين أدلة أصحاب القول الآخر، بأن تحمل أدلتهم على من خرج بنية الغزو، وتكثير السواد، معينًا للمقاتلة بقدر ما يستطيع، فهو ردء للمقاتلين.

وأمّا ما جاء في حديث يعلى فيمكن حمله على الأجير الّذي خرج للأجرة، وليس في قصده، ولا نيته الجهاد، ولا تكثير السواد، وإنّما قصده الأجرة فقط.
وعليه، فمن خرج، وكانت نيته الجهاد، وتكثير السواد فإنّه يسهم له، وأمّا من خرج لا بنية الجهاد، ولا تكثير السواد، فلا يسهم له.

الصنف الآخر: التجار والصنَّاع.

التجار والصناع، كالخياط، والخباز، والبيطار، والحداد، والإسكاف، ونحوهم من كلّ من خرج بغرض التجارة، إذا شهدوا الوقعة، هل يستحقون السهم من الغنيمة، قاتلوا أم لم يقاتلوا؟ أم إنّه لا حق لهم في السهم مطلقًا؟

أم إنّه لا حق لهم فيه إِلَّا بالقتال؟

اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:

القول الأوّل: لا حق لهم في السهم، إِلَّا إذا قاتلوا.

وبهذا قال الحنفية ، والمالكية ، وهو المذهب عند الشّافعيّة .

القول الثّاني: يسهم لهم مطلقًا قاتلوا أم لا إذا شهدوا الوقعة، وكان قصدهم الجهاد.

وهذا قول عند الشّافعيّة ، وهو قول الإمام أحمد، وعليه الأصحاب .

القول الثّالث: لا يسهم لهم بحال، قاتلوا أم لم يقاتلوا.

وبهذا قال بعض الشّافعيّة .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة القول الثّالث:

استدل من قال لا يسهم له بحال بما يأتي:

قالوا: إنَّ هؤلاء بعضور الوقعة، إنّما حضروا بغرض التجارة، فلم يقصدوا الجهاد، وإنّما قصدوا فضل التجارة؛ فلا حق لهم في الغنيمة .

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

استدل هؤلاء بما يأتي:

الدّليل الأوّل: قالوا: إذا حضر هؤلاء الوقعة استحقوا الغنيمة قياسًا على غيرهم من المجاهدين الذين لم يتجروا؛ لأنّ هؤلاء كان قصدهم من الخروج هو الجهاد والتجارة له تبع، فهم مشتغلون بالجهاد، وإنّما يشتغلون بالتجارة عند فراغهم منه .

الدّليل الثّاني: القياس على الحاج، إذا قصد الحجِّ، ثمّ اتجر، كان له حجه، ولا تؤثر فيه تجارته؛ فكذلك التجار والصناع، إذا قصدوا الجهاد كان لهم سهمهم من الغنيمة، ولا تؤثر فيه التجارة .

الدّليل الثّالث: أثر عمر السابق: “الغنيمة لمن شهد الوقعة” .

ووجه الاستدلال:

أن التجار والصناع إذا شهدوا الوقعة استحقوا سهمهم من الغنيمة، قاتلوا أم لا.

ثالثًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

استدل هؤلاء بما يأتي:

الدّليل الأوّل: حديث يعلى بن منية السابق، وقد تقدّم ذكر وجه الاستدلال به، وهو أن من خرج بغرض الفضل، سواء أكان من الإجارة، أم من التجارة أنّه لاسهم له من الغنيمة، إنّما له ما خرج لأجله فقط .

الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ سبب الاستحقاق من الغنيمة، إنّما هو المجاورة على قصد القتال، ولم يوجد منهم؛ لأنّهم قصدوا التجارة، لا إعزاز الدِّين، وإرهاب العدو.

فإن قاتلوا: استحقوا السهم؛ لأنّهم بالمباشرة ظهر أن قصدهم القتال، والتجارة تبع له، فلا يضره، كالحج، إذا اتجر في طريق الحجِّ، لاينقص أجره .

الترجيح:

من خلال ما تقدّم من أدلة يظهر رجحان القول الأوّل؛ لقوة ما استدلوا به، فإن حديث يعلى بن منية صريح في المنع من الإسهام لمن خرج بقصد الاتجار، أو تحصيل الفضل بالتجارة؛ لأنّ السهم إنّما يكون للمقاتلة الذين خرجوا مجاهدين بأنفسهم وأموالهم، قاصدين إعلاء كلمة الله، وإعزاز الدِّين، وإرهاب العدو .

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*