أخذ المال على إجارة المصحف وبيعه

أخذ المال على إجارة المصحف وبيعه

أخذ المال على إجارة المصحف وبيعه هو المطلب الرّابع من المبحث الأوّل أخد المال على القرآن الكريم في الفصل الخامس أخذ المال عله القرآن الكريم والعلّوم الشرعية

أخذ المال على إجارة المصحف وبيعه

المبحث الأوّل أخذ المال على القرآن الكريم

المطلب الرّابع أخذ المال على إجارة المصحف وبيعه

المسألة الأولى: بيع المصحف وشراؤه

الفرع الأوّل بيع المصحف للمسلم

اختلف العلماء في حكم بيع المصحف للمسلم وشرائه منه على أقوال ثلاثة:

القول الأوّل:

يصح بيع المصحف للمسلم وشراؤه منه بلا كراهة.

وبهذا قال الحنفية ، والمالكية ، والشّافعيّة على اتفاق بينهم في صحة شرائه بلا كراهة، وأمّا البيع فوجهان، أحدهما أنّه لا يكره كذلك .

وهذا القول هو إحدى الروايات عن الإمام أحمد ، وهو مذهب الظاهرية .

القول الثّاني:

يصح بيع المصحف للمسلم وشراؤه منه مع الكراهة.

وهذا القول هو الصحيح من المذهب عند الشّافعيّة، نصّ عليه الشّافعيّ إِلَّا أن الكراهة عندهم مختصة بالبيع دون الشراء .

وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها جمع من الحنابلة ، قال المرداوي في تصحيح الفروع: (وعليه العمل ولا يسع النَّاس غيره) .

القول الثّالث:

يحرم بيع المصحف ولا يصح، أمّا شراؤه فيجوز:

وهذا القول هو الرِّواية المشهورة عن الإمام أحمد وهو المذهب عند الحنابلة .

قال ابن قدامة: “قال أحمد: لا أعلم في بيع المصاحف رخصة، ورخص في شرائها، وقال: الشراء أهون” .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة القول الثّالث:

استدل أصحاب القول الثّالث بالقائلون بالمنع من بيع المصحف وعدم صحة ذلك بأدلة من الأثر والمعقول:

أ – الدّليل من الأثر:

عن سالم بن عبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:

لوددت أن الأيدي قطعت في بيع الصاحف .

وجه الاستدلال:

دلّ كلام ابن عمر السابق على أن بيع المصاحف لا يجوز، حيث ودّ ابن عمر أن تقطع الأيدي في بيعها، واليد لا تقطع إِلَّا في السّرقة، والسّرقة محرّمة لا تجوز، فكذلك بيع المصحف.

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: أن هذا قول صحابي، وقول الصحابي مختلف في حجيته .

ثانيًا: أن هذا محمول على ما إذا كان الصحف يبتذل بالبيع والشراء، فإن هذا لا يجوز؛ لأنّه ينافي التعظيم والتكريم لكتاب الله تعالى .

ب – الدّليل من المعقول:

قالوا: إنَّ المصحف يشتمل على كلام الله تعالى، وكلام الله تعالى تجب صيانته، وفي بيعه إهانة له وابتذال فيحرم بيعه .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الدّليل، بأنّه لا يسلم أن بيع المصحف فيه إهانة له وابتذال، بل إنَّ المنفعة في بيعه ظاهرة، وهي تيسير الحصول على كتاب الله لكل أحد، وفي هذا من تبليغ الدِّين والدعوة إلى الله ما لا يخفى، والنفوس المسلمة قد جبلت على حب

كتاب الله وتعظيمة، فلا يتصور من مسلم أن يقدم على إهانة كتاب الله، ثمّ لو وقع هذا لكان كفرًا بالله العظيم.

أمّا جواز شراء المصحف، فقد استدلوا له بما يأتي:

قال ابن قدامة: “وأمّا الشراء فهو أسهل؛ لأنّه استنقاذ للمصحف وبذل لماله فيه فجاز، كما أجاز شراء رباع مكّة، واستئجار دورها من لا يرى بيعها ولا أخذ أجرتها” .

ثانيًا: أدلة القول الثّاني:

استدل أصحاب هذا القول، القائلون بصحة بيع المصحف وشرائه مع الكراهة بأدلة من الآثار:

الدّليل الأوّل:

عن سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كان ابن عمر يمر بأصحاب المصاحف، فيقول: بئس التجارة .

الدّليل الثّاني:

ما رواه عبد الله بن شقيق قال: كان أصحاب رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – يكرهون بيع المصاحف .

الدّليل الثّالث:

عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود أنّه كره شراء المصاحف وبيعها .

وجه الاستدلال:

حيث جاءت هذه النصوص صريحة عن أصحاب النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – أنّهم كانوا يكرهون بيع المصاحف، فدل ذلك على أن بيع المصاحف وشراءها مكروه.

قال البيهقي: “وهذه الكراهة على وجه التنزيه تعظيمًا للمصحف على أن يبتذل بالبيع أو يجعل متجرًا” .

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: يمكن مناقشة هذه اللآثار بأنّها عبارة عن أقوال صحابة، وقول الصحابي مختلف في حجيته.

ثانيًا: أن هذه الآثار معارضة بالأدلة الدالة على الإباحة. وستأتي مفصلة إن شاء الله تعالى.

ثالثًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

استدل أصحاب هذا القول القائلون بأنّه يجوز بيع المصحف وشراؤه بلا كراهة بأدلة من القرآن الكريم والأثر والمعقول:

أ – الأدلة من القرآن الكريم:

الدّليل الأوّل:

قال تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275].

وجه الاستدلال:

حيث أباح الله تعالى في هذه الآية الكريمة البيع، فيدخل في ذلك بيع المصحف حيث لم يردّ نهي عن بيعه يخرجه من عموم هذه الآية.

الدّليل الثّاني:

قال تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119].

وجه الاستدلال:

قال ابن حزم في وجه الاستدلال بهذه الآية: “فبيع المصاحف كلها حلال؛ إذ لم يفصل لنا تحريمه، وما كان ربك نسيًا، ولو فصل تحريمه لحفظه الله تعالى حتّى تقوم به الحجة على عباده” .

ب – الأدلة من الأثر:

الدّليل الأوّل:

عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: رُخص في بيع المصاحف .

الدّليل الثّاني:

عن مالك بن دينار: أن عكرمة باع مصحفًا له وأن الحسن كان لا يرى به بأسًا .

الدّليل الثّالث:

عن مطر الورَّاق قال: أتنهوني عن بيع المصاحف وقد كان حبرا هذه الأُمَّة أو

قال: فقيها هذه الأُمَّة لا يريان به بأسًا: الحسن والشعبي .

الدّليل الرّابع:

عن الحسن: أنّه كان لا يرى بأسا ببيع المصاحف واشترائها .

الدّليل الخامس:

عن الشّعبيّ أنّه سئل عن ذلك، فقال: إنّما يبتغى ثمن ورقة وأجر كتابة .

وفي رواية: إنهم ليسوا يبيعون كتاب الله، وإنّما يبيعون الورق وعمل أيديهم .

وجه الاستدلال بهذه الآثار:

هذه الآثار تدل صراحة على جواز بيع المصاحف وشرائها بلا كراهة.

جـ – الأدلة من المعقول:

الدّليل الأوّل:

قالوا: إنَّ المصحف طاهر منتفع به، فجاز بيعه وشراؤه كسائر الأموال .

الدّليل الثّاني:

إنَّ الّذي يباع إنّما هو الورق أو الكاغد أو القرطاس والمداد الأديم إن كانت مجلدة ومحلاة، وأمّا العلم فلا يباع؛ لأنّه ليس بجسم .

الترجيح:

بعد ذكر الأدلة وما ورد عليها من مناقشات فالذي يظهر هو رجحان القول الأوّل وهو جواز بيع المصحف وشرائه بلا كراهة، وذلك لما يأتي:

أوَّلًا: قوة أدلة هذا القول، حيث استدلوا بآيات من كتاب الله ومن الأثر والمعقول، وأدلتهم من القرآن قوية، ولا ترد عليها مناقشة؛ إذ الأصل حل البيع إِلَّا ما حرّمه الله تعالى، ولا يوجد نصّ يحرم بيع المصاحف، وأمّا الكراهة فمعللة بالابتذال والامتهان، وهذا إذا حدث لا يخالف أحد في حرمته وعدم حل بيعه حينئذ.

ثانيًا: ضعف أدلة الأقوال الأخرى حيث لا تخرج عن كونها بعض الآثار والتعليلات، وقد أمكن مناقشتها بما يضعف من دلالتها.

ثالثًا: إنَّ الحاجة داعية إلى بيع وشراء المصاحف، لما في ذلك من تيسير الاطلاع على كتاب الله قراءة وتدبرًا وحفظًا، وتيسيره لكل مسلم ولا يسع النَّاس غير هذا؛ لأنّ تيسير المصحف لكل أحد مجانًا أمر متعذر خاصّة في هذا الزّمان الّذي كثر فيه المسلمون، وتفرقوا في البلاد.

رابعًا: أن البيع إنّما هو واقع على الورق والتجليد والطباعة، وليس على كلام الله تعالى.

خامسًا: أن القول يحواز البيع والشراء للمصحف بلا كراهة هو الّذي عليه عمل المسلمين في الماضي وإلى يومنا هذا.

الفرع الثّاني بيع المصحف لغير المسلم

تناول الفقهاء حكم هذه المسألة من جهتين:

الجهة الأولى: حكمها التكليفي:

والذي يظهر من كلام الفقهاء أنّه لا خلاف بينهم في حرمة بيع المصحف لغير المسلم، حتّى عند من صحح البيع، كما سيأتي:
وقد عللوا ذلك: بأن بيع المصحف للكافر فيه امتهان للمصحف وابتذال، وهذا لا يجوز .

الجهة الثّانية: الحكم الوضعي:

والمراد حكم عقد البيع من حيث الصِّحَّة والفساد، وقد اختلف الفقهاء في حكم صحة بيع المصحف لغير المسلم على قولين:

القول الأوّل:

لا يصح بيع المصحف لغير المسلم، وإذا وقع فالعقد باطل.

وإلى هذا ذهب أكثر أصحاب الإمام مالك رحمه الله ، قال الحطاب: “قال سحنون وأكثر أصحاب مالك: ينقض البيع … ” .

وهو القول المشهور عند الشّافعيّة ، قال الإمام النوويّ: “أمّا إذا اشترى الكافر مصحفًا، ففيه طريقان مشهوران:

أحدهما: وبه قطع المصنِّف وجماعة أنّه على القولين، كالعبد، أصحهما: أنّه لا يصح البيع … والطريق الثّاني: القطع بأنّه لا يصح البيع، وقطع به جماعة وصححه آخرون” .

وبهذا القول قال الحنابلة ، قال المرداوي: ” … فأمّا إنَّ كان كافرًا، فلا يجوز بيعه له قولًا واحدًا” .

القول الثّاني:

أن بيع المصحف للكافر إذا وقع صح، وأجبر الكافر على إزالة ملكه عنه.

وبهذا قال الحنفية ، قال صاحب ملتقى الأبحر : “ولو شرى كافر عبدًا مسلمًا أو مصحفًا صح، ويجبر على إخراجهما من ملكه” .

وهو القول المشهور عند المالكية ، قال الحطاب: “فمذهب المدوّنة أن البيع يمضي ويجبر الكافر على إخراج ذلك عن ملكه … ، وصرح المازري بأنّه المشهور” .

وهو قول عند الشّافعيّة ، قال النوويّ: “إذا اشترى الكافر مصحفًا ففيه طريقان مشهوران، أحدهما: … أنّه على القولين كالعبد أصحهما أنّه لا يصح البيع والثّاني: يصح … ” .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:

قالوا: أمّا كون البيع يصح فلأن الكافر أهل للشراء، والمصحف محل له فيصح البيع .

وأمّا كونه يجبر على إخراجه من ملكه ويمنع استدامة ملكه عليه؛ فلأن في تملك الكافر للمصحف إهانة لكتاب الله وابتذال له، وهذا لا يجوز، فيجبر على إزالة ملكه عنه .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الاستدلال بأنّه إذا كان تملك المصحف إهانة له وابتذال فلا فائدة من تصحيح بيعه، ولذلك منع العلماء من بيع المصحف للكافر، ولو كان يعظمه وعللوا ذلك: بأن مجرد تملكه له يعد إهانة .

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

استدل أصحاب هذا القول وهم القائلون ببطلان بيع المصحف للكافر بأدلة من السُّنَّة والمعقول.

أ – أدلتهم من السُّنَّة:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – نهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو) .

وفي رواية: (وأنّه – صلّى الله عليه وسلم – كان ينهى أن يُسافر بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن يناله العدو) .

وفي رواية: “عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (لا تسافروا بالقرآن، فإني لا آمن أن يناله العدو) .

وجه الاستدلال:

دلت هذه الروايات على أنّه لا يجوز السَّفر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم، فدلّ ذلك على أنّه لا يصح بيعه للكافر من باب أولى .

ب – الأدلة من المعقول:

الدّليل الأوّل:

قالوا: إنَّ الكافر يمنع من استدامة ملكه على المصحف، فيمنع من ابتداء ملكه له كسائر ما يحرم بيعه .

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ الكافر يمنع من استدامة ملكة على المصحف، فيمنع من ابتداء ملكه له قياسًا على نكاحه للمسلمة .

الترجيح:

بعد ذكر أقوال الفقهاء في هذه المسألة وما استدلوا به وما ورد على هذه الأدلة من مناقشات يتضح رجحان القول الأوّل القاضي ببطلان بيع المصحف للكافر، وذلك لما يأتي:

أوَّلًا: قوة ما استدل به أصحاب هذا القول، حيث جاءت الروايات من الستة صحيحة وصريحة في النّهي عن تمكين الكفار من المصحف بأي نوع من أنواع التمكين سواء أكان ذلك بالسفر به إلى بلادهم أم بالبيع من باب أولى.

ثانيًا: أن ما استدل به أصحاب القول الآخر أمكن الجواب عنه وبيان عدم حجيته.

ثالثا: أن أصحاب القول الآخر متفقون على وجوب إخراج المصحف من ملكية الكافر له وعدم صحة استدامة ملكه له. فالنتيجة واحدة، وعليه فلا فائدة من القول بصحة البيع في هذه الحالة.

المسألة الثّانية: إجارة المصحف

إذا دفع المسلم مصحفه إلى غيره ليقرأ فيه مقابل أجرة يأخذها على ذلك فهل يجوز؟

اختلف الفقهاء في حكم ذلك على ثلاثة أقوال:

القول الأوّل:

يباح تأجير المصحف للقراءة فيه.

وبهذا قال المالكية ، جاء في المدوّنة الكبرى لسحنون : “قلت: أرأيت المصحف هل يصح أن يستأجره الرَّجل يقرأ فيه؛ قلت: لا بأس بذلك قلت: لم

جوزته؟ قال: لأنَّ مالكًا قال: لا بأس ببيع المصحف، فلما جوز مالك بيعه جازت فيها الإجارة” .

وهو قول الشّافعيّة ، قال النوويّ: “تجوز إجارة المصحف والكتب لمطالعتها والقراءة فيها” .

وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد، هي وجه في المذهب .

قال ابن قدامة: “وفي إجارة المصحف وجهان … الثّاني: تجوز إجارته” .

وقال المرداوي: “في جواز إجارة المصحف ليقرأ فيه ثلاث روايات الكراهة، والتحريم والإباحة، أطلقهن في الفروع، والخلاف هنا مبني على الخلاف في بيعه، أحدها: لا يجوز وهو المذهب، الثّاني: يجوز. وقيل يباح” .

القول الثّاني:

يكره تأجير المصحف للقراءة فيه.

وهذا القول هو إحدى الروايات عن الإمام أحمد كما تقدّم من قول المرداوي

القول الثّالث:

لا يجوز تأجير المصحف للقراءة فيه.

وبهذا قال الحنفية ، قال الموصلّي في الاختيار: “ولو استأجر مصحفًا أو كتابًا ليقرأ منه لم يجز ولا أجرة له” .

وهذا القول هو إحدى الروايات عن أحمد، هي المذهب كما تقدّم ذلك في كلام المرداوي.

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّالث:

استدل أصحاب هذا القول القائلون بتحريم استئجار المصحف للقراءة فيه بما يأتي:

1 – استدل هؤلاء بالأدلة الدالة على المنع من بيع المصحف وشرائه، وقد تقدّمت هذه الأدلة مفصلة .

وجه الاستدلال من هذه الأدلة:

قالوا: إذا كان بيع المصحف محرمًا فإجارته محرّمة كذلك؛ لأنَّ ما لا يجوز بيعه لا تجوز إجارته، قال المرداوي: “ما حرم بيعه حرم إجارته” .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذه الأدلة بأنّه لا يسلم أن بيع المصاحف لا يجوز حيث تقدّم أن الراجح هو جواز بيعها وشرائها بلا كراهة ، وعليه فلا يصح الاستدلال بتلك الأدلة على المنع من إجارة المصحف.

2 – استدلوا كذلك ببعض الأدلة الأخرى ومنها:

الدّليل الأوّل:

قالوا: إنَّ في عدم إجارة المصحف إجلالًا لكلام الله تعالى وكتابه عن المعارضة به وابتذاله بالأجرة في الإجارة .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الدّليل: بأنّه لا يسلم أن في إجارة المصحف ابتذال لكتاب الله تعالى، أو عدم إجلال له؛ لأنَّ الإجارة ليست واقعة على كلام الله تعالى إنّما الإجارة واقعة على الورق، وما بذل من جهد وعمل، ثمّ إنَّ الإجارة ليس فيها في -حدّ ذاتها- ابتذال، بل هي أمر شرعه الله تعالى لمصالح عظيمة.

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنّه ليس في إجارة المصحف أكثر من النظر إلى المصحف، ولا تجوز الإجارة لمثل ذلك، بدليل أنّه لا يجوز أن يستأجر سقفًا لينظر إلى عمله وتصاويره، أو شمعًا ليتجمل به .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الدّليل بأن النظر في المصحف ليس كالنظر في غيره، فإن النظر في المصحف يحتاج إليه للقراءة والحفظ، والنسخ منها ونحو ذلك من الفوائد العظيمة المطلوبة شرعًا، وهو انتفاع مقصود محتاج إليه بخلاف النظر إلى السقف، ونحوه فلا حاجة إليه، وعليه فلا يصح القياس على هذه الأشياء فإنّه قياس مع الفارق .

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

استدل هؤلاء بالأدلة الدالة على كراهة بيع المصحف وقد سبق ذكرها وما ورد عليها من مناقشات .

ثالثًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

استدل أصحاب هذا القول بأدلة من السُّنَّة والمعقول:

أ – الدّليل من السُّنَّة:

عن عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (إنَّ أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) .

وجه الاستدلال:

أن هذا الحديث خرج مخرج العموم فيدخل فيه إجارة الصحف، فتباح.

ب- الأدلة من المعقول:

الدّليل الأوّل:

إنَّ إجارة المصحف انتفاع مباح يحتاج إليه وتجوز الإعارة له، فجازت إجارته كسائر المنافع .

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ المصحف يجوز بيعه فتجوز إجارته قياسًا عليه .

الترجيح:

بعد ذكر الأدلة وما ورد عليها من مناقشات يظهر أن القول الأوّل القائل بإباحة إجارة المصحف هو الراجح لما يأتي:

أوَّلًا: قوة ما استدلوا به حيث استدلوا بأدلة من السُّنَّة المعقول، والدّليل من السُّنَّة دلالته ظاهرة على إباحة الأجرة.

ثانيا: أنّه أمكن مناقشة أدلة الأقوال الأخرى، حيث جاءت في معظمها أدلة ضعيفة في الدلالة على المطلوب.

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*