أخذ المال على الإمامة والخطابة

أخذ المال على الإمامة والخطابة

أخذ المال على الإمامة والخطابة هو المبحث الثالث من فصل بعنوان أخذ المال على الصّلاة وما يتعلّق بها من بحث أخذ المال على أعمال القرب

أخذ المال على الإمامة والخطابة

المبحث الثّالث : أخذ المال على الإمامة والخطابة

أوَّلًا: أخذ المال على الإمامة:

الإمامة في الصّلاة من خير الأعمال، وأفضلها، ولا أدل على ذلك من أن

الّذي يتولاها هم خير النَّاس وأفضلهم، وكان على رأس من تولاها يوم شرعت:

رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -، ثمّ تولاها بعده خلفاؤه الراشدون، ثمّ ما زال يتولاها بعد ذلك أهل العلم والفضل المتصفون بالعدالة، وحسن القراءة، وغير ذلك من الصفات الّتي يلزم توفرها لمن يتولى هذا المنصب.

ولما كانت الإمامة بهذه المكانة كان لا بد من معرفة حكم أخذ المال عليها فأقول:

لا خلاف بين العلماء أن ما يُعطاه الإمام في الصّلاة من غير شرط جائز، سواء كان ما يُعطاه رزقًا، أم وقفًا، أم على سبيل الهدية، والبر، والصلة على إحسانه . قال ابن نجيم: ” … فإن لم يشارطهم على شيء لكن عرفوا حاجته فجمعوا له في كلّ وقت شيئًا كان حسنًا، ويطيب له” .

وقال ابن قدامة: “ولا بأس أن يدفعوا إليه من غير شرط” .

وقال البهوتي في الكشاف: “فإن دفع إلى الإمام شيء وبغير شرط، فلا بأس نصًا، وكذا لو كان يعطى من بيت المال، أو من وقف” .

وأمّا الإجارة على الإمامة في الصّلاة فقد اختلف الفقهاء في حكمها على أربعة أقوال:

القول الأوّل: لا يجوز أخذ الأجرة على الإمامة في الصّلاة إِلَّا للضرورة والحاجة.

والى هذا القول ذهب المتأخرون من الحنفية ، وهو قول عند الحنابلة ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .

القول الثّاني: لا يجوز مطلقًا أخذ الأجرة على إمامة الصّلاة.

وإلى هذا القول ذهب متقدمو الحنفية ، والشّافعيّة في الأصح ، والحنابلة في المشهور في المذهب ، والظاهرية .

القول الثّالث: يجوز أخذ الأجرة على الإمامة بشرط أن ينضم إليها الأذان، أو القيام على المسجد، فأمّا إنَّ كانت مفردة فلا يجوز.

وإلى هذا ذهب المالكية في المشهور عندهم، ومنع ذلك ابن حبيب من المالكية .

القول الرّابع: يجوز مطلقًا أخذ الأجرة على الإمامة.

وإلى هذا ذهب ابن عبد الحكم من المالكية، وتبعه بعض المالكية ، وهو وجه

عند الشّافعيّة ، ورواية عند الحنابلة .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة من قال بالجواز مطلقًا وهم أصحاب القول الرّابع:

استدل هؤلاء بما يأتي:

الدّليل الأوّل: أن الأجرة على إمامة الصّلاة هي في مقابلة التزامه للمكان المعين للصلاة، والإتيان إليه، وتكلفه ذلك، وهو غير مأمور به عينًا، ولذا جاز أخذ الأجرة عليه .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:

1 – أن دليلكم هذا يلزم منه عدم جواز الأجرة على ذات الإمامة في الصّلاة، وهذا ينقض مذهبكم القائل بالجواز.

2 – أن ما ذكرتموه من تكلف الإمام الصّلاة في مكان معين – إلخ، أمر زائد على ما نحن بصدده؛ إذ أن خلافنا حول ذات الإمامة وأخذ الأجرة عليها، وهذا يدخل فيه من كلان مجاورًا للمسجد، وهو من أهله.

فهل تقولون إنّه قي هذه الحالة لا يجوز له أخذ الأجرة على الإمامة؟ فإن قلتم ذلك فقد تقضتم مذهبكم، وإن قلتم بالجواز فقد أبطلتم دليلكم.

الدّليل الثّاني: قياس الإمامة في الصّلاة على الأذان في جواز الاستئجار عليها بجامع أن كلًا منهما شعار غير فرض .

مناقشة الاستدلال:

1 – إنَّ قياس الإمامة على الأذان قياس مع الفارق، وبيان ذلك:

أن الأذان فيه كلفة غالبًا، بخلاف الإمامة، ثمّ إنَّ فضيلة الإمامة وفائدتها تحصل للإمام، وليس للمستأجر، وهي تحصيل فضيلة الجماعة بخلاف الأذان.

2 – ثمّ إننا لا نسلم لكم بأن الأذان شعار، بل هو واجب كفائي، وقد يتعين والاستئجار عليه إنّما يكون في حالة الضّرورة والحاجة، ويكون حينئذ على مراعاة الأوقات وغير ذلك ممّا يلزم الأذان.

3 – إننا لا نسلم لكم كذلك بأن الأذان يجوز أخذ الأجرة عليه مطلقًا؛ لأنّ الأذان، قد ورد النص بالمنع من الاستئجار عليه ، وإنّما جوزنا ذلك في حالة الضّرورة الحاجة فقط.

الدّليل الثّالث: قياس الإمام في الصّلاة على الخليفة في جواز الأجرة بجامع أن كلًا منهما عامل لمصلحة المسلمين.

قال ابن العربي : “والصّحيح جواز أخذ الأجرة على الأذان والصلاة والقضاء، وجميع الأعمال الدينية، فإن الخليفة يأخذ أجرته على هذا كله، وينيب في كلّ واحد منها، فياخذ النائب أجره كما يأخذ المستنيب، والأصل في ذلك قول النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -: (ما تركت بعد نفقة عيالى ومؤنة عاملي فهو صدقة) .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:

1 – أن قياس الإمام في الصّلاة على الخليفة قياس مع الفارق، فإن ما يأخذه الخليفة هو من قبيل الأرزاق، وهي مجمع على جوازها كما سبق بيان ذلك، وخلافنا إنّما هو في الأجرة، والرزق خلاف الأجرة فافترقا .

2 – يمكن مناقشة هذا الاستدلال كذلك بأننا لو سلمنا أن ما يأخذه الخليفة على عمله هو أجرة، فإننا لا نسلم أنّه يأخذه على الإمامة، بل يأخذه على أعمال الخلافة والإمامة العظمى، وهي كثيرة جدًا، ثمّ هو قد حبس نفسه طول الوقت لمصلحة المسلمين، وخلافنا هنا إنّما هو الأجرة على ذات الإمامة، ثمّ إنَّ الإمام في الصّلاة مصلٍ لنفسه، فهو كالمنفرد، والصلاة تلزمه، بخلاف الخليفة فإن الخلافة لا تلزمه.

الدّليل الرّابع: أن الإمامة في الصّلاة من فروض الكفاية؛ فيجوز أخذ الأجرة عليها، كالعاملين على الزَّكاة .

وبيان ذلك: أن العاملين على الزَّكاة: وهم الذين يقومون بتحصيلها، وجمعها، وتوزيعها على المستحقين، يأخذون أجرة على عملهم، وعملهم هذا فرض كفاية، فدل على أن ما كان من فروض الكفاية فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه، والإمامة في الصّلاة من فروض الكفاية فجاز أخذ الأجرة عليها .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:

1 – أن هذا قياس مع الفارق، فلا يصح؛ فإن ما يأخذه العاملون على الزَّكاة منصوص عليه من الشارع؛ قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60] بخلاف الإمامة في الصّلاة؛ فإن الاستئجار عليها مختلف فيه، والأكثر على منعه – كما سيأتي -.

2 – أن الزَّكاة عبادة مالية تصح النِّيابة فيها، فيجوز أخذ الأجرة عليها، بخلاف الصّلاة فإنّه لا تجوز النِّيابة فيها، فلا يجوز أخذ الأجرة عليها .

3 – ثمّ إنَّ الإمامة في الصّلاة، وإن كانت فرض كفاية، فإن الإمام فيها عامل لنفسه؛ فهو كالمنفرد، بخلاف العاملين على الزَّكاة، فهم يعملون لغيرهم .

ثانيًا: أدلة القول الثّالث:

وهم الذين قالوا بجواز أخذ الأجرة على الإمامة بشرط أن يكون معها الأذان، والقيام على المسجد، فإذا كانت مفردة فلا يجوز.

استدل هؤلاء بما يأتي:

* قالوا: إنَّ الإجارة هنا إنّما وقعت على الأذان، والإقامة، وقيامه على المسجد، لا على الإمامة في الصّلاة، والأذان لا يلزمه، فيصح أخذ الأجرة عليه، فإذا ضم الأذان إلى الإمامة قرب العقد من الصِّحَّة .

جاء في المدوّنة: “وإنّما جوز مالك هذه الإجارة؛ لأنّه إنّما أوقع الإجارة في هذا على الأذان، والإقامة، وقيامه على المسجد، ولم يقع من الإجارة على الصّلاة بهم قليل، ولا كثير” .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:

أوَّلًا: أن مقتضى دليلكم أن الأجرة على الإمامة منفردة لا تصح، وهذا هو مشهور مذهبكم، فإذا انضم إلى الإمامة الأذان صحت الإجارة على الأذان، وبطلت في الإمامة في هذه الحالة كذلك.

ثانيًا: إنكم لم توقعوا الإجارة على الإمامة في الصّلاة، وإنّما أوقعتموها على الأذان، والقيام على المسجد، وخلافنا معكم إنّما هو حول الإجارة على الإمامة، وليس على الأذان، والقيام على المسجد.

ثالثًا: إننا لا نسلم لكم بأن الإجارة على الأذان تصح مطلقًا، بل هي لا تصح إِلَّا للضرورة، وإذا كانت الإجارة على الأذان لا تصح بطل ما ذهبتم إليه من صحة الإمامة على الصّلاة تبعًا للأذان.

ثالثًا: أدلة القول الثّاني:

وأصحاب هذا القول هم الذين ذهبوا إلى أنّه: لا يجوز مطلقًا – أخذ الأجرة على إمامة الصّلاة. وقد استدل هؤلاء بأدلة من السُّنَّة، والمعقول:

أ- دليلهم من السُّنَّة:

وهو حديث عثمان بن أبي العاص قال: قلت: يا رسول الله، أجعلني إمام قومي. قال – صلّى الله عليه وسلم -: (أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ مؤذنًا لا ياخذ على أذانه أجرًا) .

وفي رواية: قال عثمان: (إنَّ من آخر ما عهد إليّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – أن أتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) .

وجه الاستدلال:

حيث منع النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – عثمان من اتخاذ المؤذن الّذي ياخذ أجرة على أذانه؛ فإذا امتنع في الأذان، امتنع في الإمامة من باب أولى؛ لكونها أدخل في باب القرب، والتعلّق بالذِّمَّة .

مناقشة الاستدلال:

نوقش الاستدلال بالحديث بما يأتي:

1 – أن الحديث محمول على الورع، وليس على تحريم الأجرة على الإمامة .

2 – أن الحديث محمول على الندب، وليس على وجوب اتخاذ المؤذن المحتسب . وقد تقدّم ذلك مفصلًا، والجواب عنه .

ب- أدلتهم من المعقول:

الدّليل الأوّل: إنَّ الإمام في الصّلاة خليفة للرسول – صلّى الله عليه وسلم – في الإمامة، والرسول – صلّى الله عليه وسلم – لم يأخذ أجرة على ذلك؛ قال تعالى: {قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى} [الشورى: 23]، فكذلك خليفته – وهو الإمام – ينبغي أن يكون مثله، فلا يأخذ على إمامته أجرًا .

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: قياس الإمام في الصّلاة على الرسول – صلّى الله عليه وسلم – قياس مع الفارق؛ لأنّ الرسول – صلّى الله عليه وسلم – هو المبلغ عن ربه، وهو الّذي جاءنا بالحقال في هو دين الإسلام، وعدم أخذه الأجرة على ذلك إنّما هو خاص به – صلّى الله عليه وسلم – بنص الآية.

ثانيًا: أن العلماء متفقون غلى جواز الرزق على الإمامة، والرسول – صلّى الله عليه وسلم – ما كان يأخذ رزقًا عليها، فدلّ ذلك على أن هناك فرقًا بين الرسول – صلّى الله عليه وسلم – وبين خلفائه على إمامة الصّلاة ونحوها من الأعمال الدينية.

ثالثًا: ثمّ إنَّ الآية خطاب لغير المسلمين؛ فهي لشركي قريش ونحوهم، والضمير في قوله تعالى (عليه) يراد به تبليغ دعوة التّوحيد الّتي هي دين الإسلام لهؤلاء المشركين .

رابعًا: إننا منعنا أخذ الأجرة على الإمامة، ولم نجوزها إِلَّا عند الضّرورة والحاجة.

الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الإمام عمله لله تعالى، والله تعالى يثيبه على هذه الطّاعة، فنفع عمله لنفسه، فلا يصير مسلمًا إلى المستأجر، وعليه فلا يستحق الأجر عليه ، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} [فصلت: 46].

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:

1 – نسلم لكم بأن نفع عمل الإمام له، ولكن المراد بهذا النفع هو الثّواب، لا الأجرة، بدليل قوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ}، والثواب غير أخذ الأجرة

فافترقا ثمّ إنَّ نفع عمل الإمام يرجع إلى المأموم لأنّه بالإمامة يحصل ثواب الجماعة، وهذا نفع يرجع إليه بسبب عمل الإمام وهو الإمامه، وعليه فإن الإمام يستحق الأجرة على عمله.

2 – إنَّ الأجرة المأخوذة على الإمامة ليست على ذات الإمامة، ولكنها في مقابل الالتزام في المكان المعين .

الدّليل الثّالث: إنَّ القربة متى حصلت، وقعت عن العامل، ولهذا تعتبر أهليته، فلا يجوز له أخذ الأجرة من غيره، كما في الصوم، والصلاة .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:

1 – إنَّ المراد بالقربة هنا حصول الثّواب، وكلامنا هنا عن الأجرة؛ فافترقا.

2 – إنَّ القياس على الصوم والصلاة قياس مع الفارق؛ فالإمامة لا تتعين عليه، وينتفع بها المأمومون، بخلاف الصوم والصلاة فإنهما يتعينان عليه ولا يتعدى نفعهما غيره.

الدّليل الرّابع: إنَّ من شرط الإمامة في الصّلاة كونها قربة إلى الله تعالى، فلم يجز أخذ الأجر عليها، كما لو استأجر قومًا يصلون خلفه الجمعة، أو التراويح .

الدّليل الخامس: إنَّ هذه الأعمال يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة؛ إذ إنها تصح من المسلم دون الكافر، فلا يجوز إيقاعها إِلَّا على وجه التقرب إلى الله تعالى، وإذا فعلت بعروض لم يكن فيها أجر بالاتفاق؛ لأنّ الله تعالى إنّما ياقبل من العمل ما أريد به وجهه لا ما فعل لأجل عروض الدنيا .

رابعًا: أدلة أصحاب القول الأوَّل:

وهم القائلون يحواز الأجرة على الإمامة في الصّلاة للضرورة والحاجة، فإن كانت هناك ضرورة أو حاجة وإلا فلا يجوز ذلك.

وأدلة هؤلاء تنقسم قسمين كما سبق بيانه في مبحث الأذان:

القسم الأوّل: ما يتعلّق بعدم الجواز في الأصل.

وأدلتهم على ذلك هي أدلة أصحاب القول الثّاني نفسها، وقد تقدمت مفصلة .

القسم الآخر: ما عللوا به على جواز الاستئجار على الإمامة للضرورة والحاجة.

وهذه التعليلات هي التعليلات نفسها الَّتي عللوا بها على جواز الاستئجار على الأذان للضرورة، والحاجة، وحاصلها: هو ظهور التواني في الأمور الدينية، وكسل النَّاس في الاحتساب، فلو امتنع الجواز تعطلت المساجد، وضاعت صلاة الجماعة، وهذا خلاف ما أمر به الشارع.

وحينئذ يجوز للإمام أخذ الأجرة على إمامته، فإذا فعلها لله تعالى، وأخذ الأجرة لحاجته إليها، ويستعين بها على العبادة، لأنّ الكسب على العيال واجب،

فالله تعالى يأجره على نيته، ويكون قد أكل طيبًا، وعمل صالحًا؛ لأنّه جمع بين عبادتين، وهما الإمامة، والسعي على العيال، وإنّما الأعمال بالنيات .

الترجيح:

بالنظر فيما سبق من أدلة وما ورد عليها من مناقشات، والجواب عنها، يظهر رجحان القول الأوّل، وهو أنّه لا يجوز أخذ الأجرة على الإمامة في الصّلاة إِلَّا للضرورة والحاجة، وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية، واختاره له مذهبًا، وذكر أنّه أقوى الأقوال، وأقربها إلى الصواب ؛ ويعود سبب رجحان هذا القول لما يأتي:

1 – قوة ما استدلوا به من النقول، والمعقول؛ فحديث عثمان بن أبي العاص دلالته قوية في ذلك، وبيان ذلك أن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – لما نهى عن اتخاذ المؤذن الّذي يأخذ أجرة على أذانه دلّ ذلك على أن الإمامة لا يؤخذ عليها الأجر من باب أولى؛ وذلك لكونها أدخل في باب القربة من الأذان، وأشدّ تعلّقًا بذمة المكلَّف من الأذان .

2 – إنَّ ما استدل به أصحاب الأقوال الأخرى عبارة عن تعليلات عقلية أمكن مناقشتها، والردّ عليها.

3 – إنَّ هذا القول أقرب إلى مقاصد الشّريعة ومصالحها؛ لأنّ فيه المحافظة على الدِّين من جهة إقامة صلاة الجماعة، وإحياء المساجد، فإن القول بالمنع مطلقًا يترتب عليه إضاعة صلاة الجماعة، وتعطّل المساجد، وهذا لا يخفى فساده.

4 – إنَّ هذا القول أعدل الأقوال؛ لتوسطه بين المانعين مطلقًا، والمجوزين مطلقًا، فإن القول بمنع الاستئجار على الإمامة مطلقًا يوقع في الحرج، والضيق، والمشقة على المسلمين.

والقول بالجواز مطلقًا ينافي قصد القربة إلى الله، وإخلاص العمل له، وبخاصة إذا لم يقصد العمل إِلَّا للأجرة، وأمّا إذا قصد العمل لله، وللأجرة فإن ذلك فيه ما فيه؛ قال ابن القيم رحمه الله : “كمن يصلّي بالأجرة فهو لو لم يأخذ الأجرة صلّى، ولكنه يصلّي لله وللأجرة فهذا لا يقبل منه العمل، كان وإنت النية شرطًا في سقوط الفرض وجب عليه الإعادة، فإن حقيقة الإخلاص الّتي هي شرط في صحة العمل والثواب عليه لم توجد، والحكم المعلق بالشرط عَدَم عند عَدَمه؛ فإن الإخلاص هو تجريد القصد طاعة للمعبود، ولم يؤمر إِلَّا بهذا، فإذا كان هذا هو المأمور به فلم يأت به بقي في عهدة الأمر. وقد دلت السُّنَّة الصريحة على ذلك كما في قوله – صلّى الله عليه وسلم -: (يقوك الله – عَزَّ وَجَلَّ – يوم القيامة: أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمن عمل عملًا أشْرَك فيه غيري فهو كله للذي أشرك به) .

وهذا هو معنى قوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].

ثانيًا: أخذ المال على الخطابة :

ونلحظ أن بعض العلماء ألحقها بالإمامة في الحكم ، وبعضهم ألحقها بالأذان .

وعلى كلّ حال، فالحكم فيهما واحد؛ إِلَّا أنّها بالإمامة ألصق، وأبيق، حيث إنها من عمل الإمام، وتابعة للصلاة، سواء كلان ذلك في خُطبة الجمعة أم غيرها؛ إذ هي في صلاة الجمعة شرط لصحة الجمعة ، وفي غيرها سنة تبعًا للصلاة؛ كما في العيدين، والكسوف، والاستسقاء .

قال ابن قدامة: “والسُّنَّة أن يتولى الصّلاة من يتولى الخطبة؛ لأنّ النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – كان يتولاهما بنفسه، وكذلك خلفاؤه من بعده” .

فدلّ ذلك على أنّها من عمل الإمام في الصّلاة؛ وعليه فحكمها حكم الإمامة – والله أعلم-.

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*