أخذ المال على الاعتكاف

أخذ المال على الاعتكاف

أخذ المال على الاعتكاف هو المبحث الثالث من الفصل الثاني أخذ المال على الزكاة والصيام من بحث أخذ المال على أعمال القرب

أخذ المال على الاعتكاف

المبحث الثالث : أخذ المال على الاعتكاف

المطلب الأول أخذ المال على الاعتكاف عن الحي

المسألة الأولى: النيابة في الاعتكاف عن الحي

الاعتكاف من أجل القرب إلى الله تعالى؛ لأن فيه انقطاعًا عن الخلق وحظوظ النفس، وإقبالاً على الله تعالى، والاشتغال به وبذكره، بحيث يصير ذكره وعبادته وحبه والإقبال عليه محل هموم القلب وخطراته، حتى يصبح أنسه بالله وحده بدلاً من أنسه بالخلق، فيستقيم بذلك قلبه، ويصلح عمله مما يعود عليه بالخير في دينه ودنياه.

والاعتكاف عبادة بدنية محضة، لا مدخل للمال فيها، ولهذا فقد اتفق العلماء على أنه لا تجوز النيابة فيه عن الحي مطلقًا، سواء كان ذلك في حال القدرة أم في حال العجز .

والأدلة على هذا الاتفاق ما يأتي:

الدليل الأول: قالوا: إن الاعتكاف عبادة تتعلق ببدن من هي عليه، فلا تصح النيابة فيها في حال الحياة مطلقًا .

الدليل الثاني: قالوا: إن الاعتكاف من العبادات البدنية المحضة، والمقصود من الاعتكاف هو إتعاب النفس والجوارح بالأفعال المخصوصة من حبس النفس على طاعة الله، والذكر، والدعاء، والصلاة، ونحو ذلك، وبفعل النائب لا يتحقق شيء من ذلك فلم تجز النيابة فيه مطلقًا .

المسألة الثانية: الإجارة في الاعتكاف عن الحي

تقدم معنا أن الاعتكاف لا تصح فيه النيابة في حال الحياة، ولذا اتفق الفقهاء على عدم صحة الإجارة على الاعتكاف عن الغير في الحياة مطلقًا ، ويدل على هذا الاتفاق ما يأتي:

الدليل الأول: أن الاعتكاف من العبادات البدنية المحضة التي لا تصح فيها النيابة في حال الحياة مطلقًا، فلا تصح فيه الإجارة ؛ لأن صحة الإجارة فرع عن صحة النيابة .

الدليل الثاني: أن الأجر عوض الانتفاع، ولم يحصل لغيره ههنا انتفاع، فأشبه إجارة الأعيان التي لا نفع فيها .

الدليل الثالث: قالوا: إن الاعتكاف قربة من القربات، والعبد فيما يفعله من القربات عامل لنفسه؛ قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ (46)} [فصلت: 46]، ومن عمل لنفسه لا يستحق الأجر على غيره .

الدليل الرابع: قالوا: إن القربة تقع عن العامل، قال تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39] فلا يجوز له أخذ الأجرة من غيره كالصوم والصلاة .

المطلب الثاني : أخذ المال على الاعتكاف عن الميت

المسألة الأولى: النيابة عن الميت في الاعتكاف

تقدم معنا أن الاعتكاف سنة، ولا يجب إلا بالنذر إجماعًا ، وعلى هذا فإن المراد بمسألتنا هنا هو: إذا نذر المسلم اعتكافًا، ثم مات قبل أدائه، فهل يصح أن ينوب غيره عنه في أدائه أم لا؟

اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: يستحب للولي أن يقضي عنه

وبهذا قال إبن عباس، وعائشة، وابن عمر – رضي الله عنهم – ، وهو قول عند الشافعية ، وبه قال الحنابلة في الصحيح من المذهب عندهم . وهو قول أهل الظاهر .

القول الثاني: لا تصح النيابة عن الميت في قضاء ما عليه من اعتكاف.

وإليه ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشافعية في المشهور من المذهب ، وهو إحدى الروايتين عند الحنابلة .

الأدلة والمناقشة:

أولاً: أدلة القائلين بالمنع: وهؤلاء هم أصحاب القول الثاني، وقد استدلوا بما يأتي:

أولاً: استدلوا بالأدلة الدالة على المنع من النيابة في الصلاة عن الميت، وكذلك الأدلة الدالة على المنع من الصوم عن الميت، حيث أفادت هذه الأدلة بعمومها عدم صحة النيابة عن الميت في الاعتكاف.

ومن هذه الأدلة:

الدليل الأول: قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)} [النجم: 39]، ونحوها من الآيات مثل قوله تعالى: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38)} [النجم: 38]، وقوله تعالى: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا (164)} [الأنعام: 164]، وقوله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ (46)} [فصلت: 46]. وغيرها من الآيات.
ووجه الاستدلال من هذه الآيات:

أن هذه الآيات أفادت أن الإنسان لا ينفعه إلا سعيه وعمله هو، وعليه فإن عمل غيره، وسعيه لا ينفعه، ومن ذلك إذا اعتكف عنه بعد موته .

الدليل الثاني: حديث أبي هريرة: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث …) . وليس من الثلاث اعتكاف غيره عنه … .
ثانيًا: لهم أدلة أخرى منها:

الدليل الأول: قالوا: إن الاعتكاف من العبادات البدنية المحضة، والمقصود من هذه العبادات هو إتعاب النفس والجوارح بالأفعال المخصوصة، وهذا لا يحصل بفعل النائب .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا التعليل بما يأتي:

أن هذا الاستدلال منقوض بالصلاة والصوم، حيث تقدم ذكر الأدلة على صحة النيابة في الصلاة إذا كانت نذرًا، ومطلقًا في الصوم، وهي من العبادات البدنية المحضة، فبطل هذا التعليل.

الدليل الثاني: قالوا: تمنع النيابة في الاعتكاف قياسًا على الصوم، بجامع أن كلاً، منهما عبادة بدنية مختصة ببدن من هى عليه .
مناقشة الاستدلال:

أولاً: يناقش هذا التعليل بما نوقش به التعليل السابق.

ثانيًا: إن كون الاعتكاف عبادة بدنية لا يمنع النيابة؛ فإن كل عمل إذا أمر به الشارع أن يعمله المرء عن غيره وجب ذلك، سواء أكان من عبادة الأبدان المحضة أم لا . وقد دلت النصوص على جواز ذلك كما سيأتي.

ثانيًا: أدلة المجيزين:

وهؤلاء هم أصحاب القول الأول، وقد استدلوا بما يأتي:

أولاً: الأدلة الدالة على جواز النيابة في صلاة النذر، والصيام، ومن هذه الأدلة:

الدليل الأول: قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ (11)} [النساء: 11].

الدليل الثاني: قوله – صلى الله عليه وسلم -: (فدين الله أحق أن يقضى) .

وقد تقدم ذكر وجه الاستدلال من هذه النصوص، وما ورد عليها من مناقشات، وما أجيب به عن هذه المناقشات .

ثانيًا: لهم أدلة أخرى منها:

الدليل الأول: عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أن سعد بن عبادة الأنصاري – رضي الله عنه – استفتى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في نذر كان على أمه، فتوفيت قبل أن تقضيه، فأفتاه أن يقضيه عنها، فكانت سنة بعد .

وجه الاستدلال: أن كلمة (نذر) في الحديث جاءت مطلقة؛ فتشمل نذر الاعتكاف، وعليه فإنه يقضى عن الميت، قال ابن حزم: “وهذا عموم لكل نذر طاعة فلا يحل لأحد خلافه” .

الدليل الثاني: عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أمه نذرت أن تعتكف عشرة أيام فماتت ولم تعتكف، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: اعتكف عن أمك .

وفي رواية: “اعتكف عنها، وصم” .

وفي رواية: “صم عنها واعتكف عنها” .

وجه الاستدلال: أن هذا الأثر يدل صراحة على أن الولي يعتكف عن ميته.

الدليل الثالث: عن عامر بن مصعب ، أن عائشة رضي الله عنها، اعتكفت عن أخيها بعدما مات .

وجه الاستدلال: يدل فعل عائشة رضي الله عنها على أن الاعتكاف تصح فيه النيابة، حيث قامت هي بفعل ذلك عن أخيها.

قال ابن مفلح : “وروي عن عائشة، وابن عمر، وابن عباس، ولم يُعرف لهم مخالف من الصحابة” .

الدليل الرابع: ما جاء عن طاووس أنه سئل عن امرأة ماتت وعليها أن تعتكف سنة في المسجد الحرام، ولها أربعة بنين كلهم يحب أن يقضي عنها؛ قال طاووس: اعتكفوا أربعتكم في المسجد الحرام ثلاثة أشهر، وصوموا” .

الدليل الخامس: القياس على الصوم ، فكما أنه تصح النيابة عن الميت في الصوم فكذلك الاعتكاف بجامع أن كلاً منهما كف، ومنع .

الترجيح:

من خلال عرض أدلة الفريقين، وما ورد عليها من مناقشات يتبين رجحان القول الأول القاضي بصحة النيابة عن الميت في قضاء ما لزمه من اعتكاف؛ وذلك لما يأتي:

أولاً: قوة أدلة أصحاب هذا القول، حيث استند هذا القول إلى أدلة نقلية من الكتاب، والسنة، والأثر، ظاهرة الدلالة على صحة النيابة في الاعتكاف.

ثانيًا: أن أدلة القول الآخر أمكن مناقشتها مما يضعف الاستدلال بها.

ثالثًا: أن هذا القول هو المنقول عن الصحابة، والتابعين، حيث أفتوا به، وطبقته أم المؤمنين عن أخيها، وذلك كله دون أن يُعرف لهم مخالف.

المسألة الثانية: الإجارة على الاعتكاف عن الميت

إذا تعذر وجود الولي بموت، أو أي مانع آخر، أو أنه أبى أن يعتكف عن ميته، ولم يتبرع أجنبي بذلك، فهل يجوز استئجار من يقضي عن الميت ما وجب عليه من اعتكاف، وذلك إذا كان قد خلف تركة.

اختلف العلماء في حكم الاستئجار على الاعتكاف عن الميت على قولين:

القول الأول: تصح الإجارة على الاعتكاف عن الميت.

وإلى هذا ذهب الشافعية في قول ، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة ، وهو قول الظاهرية .

قال ابن النجار: “من خلف الميت الناذر مالاً، وجب فعل ما نذره؛ لثبوته في ذمته، كوجوب قضاء الدين مع ترك الميت لما يوفيه، فيفعله وليه إن شاء، أو يدفع مالاً، لمن يفعل عنه” .

وقال ابن حزم: “ومن مات وعليه نذر اعتكاف، قضاه عنه وليه، أو استؤجر من رأس ماله من يقضيه عنه، لا بد من ذلك” .

القول الثاني: لا تصح الإجارة على الاعتكاف عن الميت.

وإليه ذهب من منع النيابة في الاعتكاف، وهم:

الحنفية ، والمالكية ، والشافعية في المشهور في المذهب ، وهو قول عند الحنابلة .

الأدلة والمناقشة:

أولاً: أدلة المانعين: أدلة هؤلاء على منع الإجارة على الاعتكاف جاءت على قسمين:

القسم الأول من الأدلة: الأدلة الدالة على المنع من النيابة، وإذا امتنعت النيابة امتنعت الإجارة؛ لأن صحة الإجارة فرع عن صحة النيابة، فما لا تصح فيه النيابة لا تصح فيه الإجارة كلما تقدم .

القسم الثاني من الأدلة: ما سبق ذكره من تعليلات عند ذكر أدلة المانعين من الإجارة على الصوم مطلقًا، وكذا أدلة المانعين من الإجارة على الصلاة مطلقًا، وقد تقدم كل ذلك مفصلاً.

ثانيًا: أدلة المجيزين: وهؤلاء هم أصحاب القول الأول. وقد استدلوا بما يأتي:

أ – الأدلة الدالة على صحة النيابة في الاعتكاف عن الميت، فإن قضاه عنه الولي، وإلا استؤجر مِن رأس ماله مَن يقضيه عنه .

ب – ما تقدم من أدلة وتعليلات عند ذكر أدلة جواز الإجارة على صلاة النذر، وصيام النذر، فكل هذه ترد من باب واحد، ويجمعها ضابط واحد، وهو كونها منذورة، فما استدل به على صحة الإجارة هناك يستدل به على صحة الإجارة هنا سواء بسواء .

الترجيح:

من خلال ما تقدم من أدلة، وما ذكر من تفصيل في مسألة النيابة في الاعتكاف يتبين رجحان القول بجواز الاستئجار على الاعتكاف؛ لما يأتي:

أولاً: أن الاعتكاف تدخله النيابة على القول الراجح كما تقدم، وإذا صحت النيابة – صحت الإجارة.

ثانيًا: قوة ما استدلوا به، وبخاصة تشبيه النذر بالدين، والدين يثبت في الذمة فيفعله الولي إن شاء، أو يدفع مالاً لمن يفعله عن الميت .

ثالثًا: أمكن مناقشة أدلة المخالفين بما يضعف الاستدلال بها – والله أعلم-.

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*