أخذ المال على الجنازة

أخذ المال على الجنازة

أخذ المال على الجنازة هو المبحث الخامس من الفصل الأوّل أخذ المال على الصّلاة وما يتعلّق بها في الباب الأوّل أخذ المال على العبادات

أخذ المال على الجنازة

المبحث الخامس : أخذ المال على الجنازة (تجهيز الميِّت ودفنه)

الجنازة : المراد بها الميِّت، ونعني بأخذ المال عليها: على تجهيزها حتّى توارى التراب، والتجهيز يشمل أشياء كثيرة هي: غسل الميِّت، وتكفينه، والصلاة عليه، وحمله، ودفنه.

وقد اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على أن تجهيز الميِّت، ودفنه فرض كفاية؛ إذا قام به البعض سقط عن بقية المكلفين، وإذا تركه الجميع أثموا جميعًا .

قال النووي: “غسل الميِّت فرض كفاية، وكذا التكفين، والصلاة عليه، والدفن بالإجماع” .

وأمّا نفقات التجهيز فإنها تكون من تركة الميِّت، إنَّ ترك مالًا، وهي تقدّم على

كلّ الحقوق المتعلّقة بالتركة؛، فإن لم يخلف مالًا، فحينئذٍ يجب تجهيزه على من وجبت عليه نفقته في حال حياته، فإن لم يوجد، فيجب تجهيزه في بيت مال المسلمين، فإن لم يوجد، أو وجد ولكن تعذر الأخذ منه، إمّا لخلوه من الأموال، أو لأي سبب آخر، فتكون نفقة تجهيزه على عامة المسلمين فرض كفاية على الغني منهم .

وأمّا أخذ الأجرة على تجهيز الميِّت، ودفنه، فقد اتفق الفقهاء – رحمهم الله تعالى – على أنّه لا يجوز أخذ الأجرة على الصّلاة على الجنازة .

وعللوا ذلك بما يأتي:

أن صلاة الجنازة عبادة، وهي من جنس الصّلاة المتميزة بصورتها للعبادة، والصلاة لا تفعل لغير العبادة، ولهذا منع الاستئجار عليها .

فأمّا غير الصّلاة نحو: غسل الميِّت، وتكفينه، وحمله، ودفنه، فقد اختلف الفقهاء في حكم أخذ الأجرة عليها على ستة أقوال:

القول الأوّل: يجوز الاستئجار على تجهيز الميِّت، ودفنه ما لم يتعين عليه ذلك، فإذا تعين عليه بأن لا يوجد معه غيره فلا يجوز الاستئجار على قيامه بهذا العمل.

وإلى هذا ذهب الحنفية ، والمالكية ، في المشهور عندهم، وهو قول عند الشّافعيّة .

القول الثّاني: يجوز الاستئجار على التكفين، والحمل، والدفن. أمّا الغسل فلا يجوز الاستئجار عليه.

وإلى هذا ذهب بعض الحنفية ، وهو قول قوي عند الحنابلة .

القول الثّالث: يكره أخذ الأجرة على تجهيز الميِّت، مطلقًا، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة .

قال المرداوي: “يكره أخذ الأجرة للحمل، والحفر، والغسل، ونحوه على الصحيح من المذهب” .

القول الرّابع: يكره أخذ الأجرة على تجهيز الميِّت من غير حاجة، فإن كانت هناك حاجة فيجوز بلا كراهة.

وهو رواية عند الحنابلة .

القول الخامس: يَجوز أخذ الأجرة على تجهيز الميِّت، ودفنه مطلقًا، سواء كان فرض كفاية، أو فرض عين.

وإلى هذا ذهب الشّافعيّة، وهو المذهب عندهم، فإذا كان فرض كفاية فلا خلاف، وأمّا إذا تعين فيجوز كذلك على الأصح عندهم ، وهذا القول رواية عند الحنابلة .

القول السّادس والأخير: لا يجوز أخذ الأجرة على تجهيز الميِّت مطلقًا.

وإلى هذا مال بعض الحنفية ، وهو رواية عند الحنابلة .

هذا حاصل أقوال الفقهاء في هذه المسألة، ويلحظ هنا التفاوت الكبير في الحكم، فبينما يرى البعض المنع مطلقًا يرى البعض الآخر الجواز مطلقًا، وبين هذين القولين أربعة أقوال متفاوتة، ويرجع ذلك إلى عدم وجود نصّ في المسألة، واختلاف مدارك الحكم في نظر الفقهاء، كما سيظهر من خلال الأدلة، والمناقشة، وكلها أدلة عقلية – كما سيأتي -.

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة القائلين بعدم الجواز مطلقًا، وهم أصحاب القول السّادس:

استدل هؤلاء بما يأتي:

الدّليل الأوّل: أن تجهيز الميت، ودفنه طاعة لله تعالى، والطاعة لا يجوز الاستئجار عليها، سواء تعينت عليه أم لا .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الاستدلال بما يلي:

1 – لا نسلم لكم أن تجهيز الميِّت يكون طاعة دائمًا؛ فقد يكون طاعة، وقد لايكون؛ لأنّه لا يختص أن يكون فاعله من أهل القربة، وحينئذ يجوز الاستئجار عليه؛ لأنّ ما لا يختص أن يكون فاعله من أهل القربة يجوز الاستئجار عليه .

2 – سلمنا لكم أن تجهيز الميِّت طاعة؛ وذلك حين يقوم به المسلم طاعة لله -عَزَّ وَجَلَّ-، فحيث يكون فرض كفاية فإنّه يجوز الاستئجار عليه؛ لأنّه غير مقصود بفعله في الأصل، فلا تعود منفعته عليه .

الدّليل الثّاني: أن تجهيز الميِّت، وان كان فرض كفاية ابتداءً، إِلَّا أنّه عند المباشرة له يصبح فرض عين، كالجهاد، وفرض العين لا يجوز الاستئجار عليه .
مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:

1 – لا نسلم لكم بأن من يباشر تجهيز الميِّت يتعين عليه، بدليل أنّه لو أراد أحد أن يقوم مقامه في تجهيز الميِّت، لم يمتنع على من يباشر تجهيزه الترك في هذه الحالة .

2 – سلمنا لكم أن من يباشر التجهيز يصبح فرض عين عليه، إِلَّا أنّه لا يكون كالجهاد؛ لوجود الفرق بين التجهيز، والجهاد؛ وذلك من عدة وجوه:-

الوجه الأوّل: أن الجهاد يشترط فيه النية، بخلاف تجهيز الميِّت .

الوجه الثّاني: أن مؤن التجهيز إنّما تجب في مال الميط بالأصالة، ثمّ في مال من تلزمه نفقته في حال الحياة، ثمّ في مال المياسير من المسلمين، فلم يقصد الأجير بنفسه، حتّى يقع عنه، أمّا عروض تعينه عليه فلا يضر كالمضطر، فإنّه يتعين إطعامه مع تغريمه البدل .

الوجه الثّالث: أنّه في الجهاد: من حضر الصف تعين عليه، فلا يجوز انصرافه بحال، كان لم مجتج إليه بوجه، ولو قام غيره مقامه، بخلاف من تعين عليه التجهيز، فله الانصراف إذا وجد من يقوم مقامه .

ثانيًا: أدلة القائلين بالجواز مطلقًا، وهم أصحاب القول الخامس:

وقد استدلوا على ما ذهبوا إليه بما يأتي:

الدّليل الأوّل: أن تجهيز الميِّت عبادة، لا يشترط فيه النية؛ فجاز الاستئجار عليه .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:

أن الأصل في العبادة أن تكون لله، ابتغاء الثّواب، والأجر من عنده، والمسلم إذا قام بهذا العمل فإنّه ينويه لله حتّى يحصل على الأجر، ولهذا اشترط كثير من العلماء في العبادة: النية -كما سبق بيانه- .

أمّا إذا قام المسلم بهذا العمل، ولم ينوه، فإنّه حينئذ لا يكون عبادة، بل يكون في حكم العادة؛ لأنّ من أسباب مشروعية النية: التفريق بين العبادة والعادة .

الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ فعل الأجير واقع عن المستأجر، فجاز الاستئجار عليه؛ وذلك لأنّ من شروط الإجارة أن تكون المنفعة حاصلة للمستأجر .

الدّليل الثّالث: قالوا: إنَّ تجهيز الميِّت فرض كفاية لم يتعين عليه، ويقبل النياية، فجاز أخذ الأجرة عليه .

الدّليل الرّابع: أن مؤن التجهيز إنّما تجب في مال الميِّت أصالة، ثمّ في مال من تجب عليه نفقته في بيت مال المسلمين، ثمّ في مال أغنياء المسلمين على من علم منهم فرض كفاية، وفرض الكفاية لا يتعلّق في الأصل بعين كلّ مكلَّف، فلم يُقصد الأجير بنفسه؛ وعليه فلا يقع الفعل عنه .

الدّليل الخامس: قالوا: إنَّ تجهيز الميِّت فرض كفاية، فيجوز أخذ الأجرة عليه قياسًا على العامل على الزَّكاة، فإن ما يأخذه عامل الزَّكاة هو أجرة على الأصح .

الدّليل السّادس: أن تجهيز الميِّت إذا تعين فإنّه يجوز أخذ الأجرة عليه قياسًا على إطعام المضطر، فإنّه يجب إطعامه مع تغريمه البدل .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:

أوَّلًا: لا نسلم لكم جواز أخذ الأجرة على تجهيز الميِّت إذا أصبح فرض عين، لهل نقول لا يجوز أخذ الأجرة في هذه الحالة قياسًا على فرض العين ابتداءً .

ثانيًا: إنَّ هذا قياس مع الفارق؛ فإن المضطر إذا لم يأكل هلك، فيترتب على عدم إطعامه فوات نفس، بخلاف المتعين لتجهيز الميِّت، فإنّه لا يترتب على عدم إعطائه أجرة فوات نفسه.

ثالثًا: لا نسلم لكم أن المضطر يجب تغريمه في كلّ حال، بل يُغرم إذا أمكن ذلك، كذلك الميِّت لا يمكن تغريمه، إذا تعذر تحصيل نفقات تجهيزه بالترتيب الّذي معنا، وحينئذ يصبح تجهيزه فرض عين، فلا تصح الإجارة عليه.

ثالثًا: أدلة القائلين بكراهة أحد الأجرة على تجهيز الميِّت من غير حاجة:

وهم أصحاب القول الرّابع: وقد استدل هؤلاء بما يأتي:

أ- أدلتهم على أنّه يكره مطلقًا لغير حاجة:

الدّليل الأوّل: أن أخذ الأجرة على تجهيز الميِّت يذهب بالأجر من الله تعالى على هذا العمل .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الدّليل: بأن أخذ الأجرة على تجهيز الميِّت لا يلزم منه ذهاب الأجر من الله تعالى، بل يمكن الجمع بينهما، بأن ينوي بعمله هذا وجه الله،

والإحسان للميت، والأجرة تكون في مقابل جهده، وعمله، وحبس نفسه على هذا العمل.

الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ تجهيز الميِّت قربة، والأصل في القرب أن تفعل لوجه الله بدون أجر. ولذا فإنّه يكره أخذ الأجرة على تجهيز الميِّت .

مناقشة الاستدلال:

مناقشة هذا الدّليل قريبة من مناقشة الدّليل الأوّل.

الدّليل الثّالث: قالوا: إنَّ تجهيز الميِّت من أعمال البرّ، وأخذ الأجرة عليه يورث تمني موت المسلمين، فيشبه الاحتكار .

مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا التعليل بما يأتي:

إنَّ ذلك بعيد، ولا يكون إِلَّا ممّن لا يخاف الله، بل كلّ همه جمع المال، أمّا السلم الحق فإنّه لا يفعل ذلك، بل يخلص عمله لله، وأمّا الأجر فمقابل جهده، وعمله، وحبس نفسه لهذا العمل.

ب – أمّا كونه يجوز بلا كراهة مع الحاجة: فإن التعليل بالحاجة هنا ظاهر.

ووجه ذلك: أن من قام بتجهيز الميِّت، وهو فقير، فإنّه إنَّ فعل ذلك لله تعالى، وابتغاء مرضاته، وإنّما أخذ الأجرة لحاجته، لينفق منها على نفسه، وعياله؛ لأنّ الكسب على العيال واجب، فإن الله تعالى يأجره على نيته، ويكون قد أكل طيبًا وعمل صالحًا .

وقد سبق تفصيل ذلك في بابي: الأذان والإقامة .

وأمّا كونه ياخذ من بيت المال فلأن بيت المال معدّ للمصالح، وتجهيز الميِّت من المصالح .

رابعًا: أدلة من قال بالكراهة مطلقًا:

وهؤلاء هم أصحاب القول الثّالث، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة.

أمّا أدلتهم فقد سبق ذكرها؛ إذ هي أدلة القول السابق نفسها، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.

خامسًا: أدلة من قال بجواز الاستئجار على تجهيز الميِّت إِلَّا الغسل فلا يجوز:

وهؤلاء هم أصحاب القول الثّاني، وقد استدلوا بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

أن غسل الميِّت واجب، بخلاف الحمل، والدفن، والاستئجار على الواجب لا يجوز .

مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:

لا نسلم لكم بأن الحمل، والدفن غير واجبين، بل نقول: إنَّ تجهيز الميِّت من غسل، وحمل، ودفن، ونحو ذلك فرض كفاية، وذلك بالإجماع، كما سبق بيانه ، فإذا جاز الاستئجار على الحمل، والدفن جاز على الغسل كذلك. وذلك ما لم يصبح فرض عين كما سيأتي.

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ الحمل، والدفن لا يشترط فيمن يقوم بهما أن يكون من أهل القربة، فجاز الاستئجار عليهما، بخلاف الغسل، فإنّه يشترط فيه ذلك، ولذا فلا يجوز الاستئجار عليه .

مناقشة الاستدلال: نوقش هذا الدّليل بما يأتي:

لا نسلم بأن الغسل يشترط فيمن يقوم به أن يكون من أهل القربة، بل نقول إنّه لا يختص أن يكون فاعله من أهل القربة؛ وذلك لصحته من الكافر .

الدّليل الثّالث:

قالوا: إنَّ الغسل يشترط له النية، فلا يجوز الاستئجار عليه، بخلاف الحمل، والدفن، والتكفين، فإنّه لا يشترط لها نيّة .
مناقشة الاستدلال:

لا نسلم لكم بأن الغسل يشترط له النية؛ وذلك لصحته من الكافر – وقد سبق ذلك – ، وإذا فعله المسلم فإنّه ينويه؛ وذلك لحصول الثّواب، وكذلك الحمل، والدفن، وخلافه.

سادسًا: أدلة من قال بجواز الاستئجار ما لم يصبح فرض عين:

وهؤلاء هم أصحاب القول الأوّل، وأدلة هؤلاء ذات شقين:

الشق الأوّل: ما يتعلّق بالاستئجار على تجهيز الميِّت ما لم يتعين، أي: عندما يكون فرض كفاية، والأدلة على هذا الشق قد تقدمت، ولا حاجة بنا إلى إعادتها هنا .

والشق الآخر: ما يتعلّق بالمنع من الاستئجار على تجهيز الميِّت إذا أصبح فرض عين. وقد استدلوا على ذلك بما يأتي:

الدّليل الأوّل: أن تجهيز الميِّت إذا تعين على شخص، فإنّه يصبح في حقه فرض عين، وفرض العين لا يجوز الاستئجار عليه، قياسًا على فرض العين ابتداءً .

الدّليل الثّاني: قالوا: إنّه قام بواجب، وليس لمن قام بواجب أخذ الأجرة عليه .

الترجيح:

بعد ذكر الأدلة وكما ورد عليها من مناقشات، يظهر رجحان القول الأوّل، وهو قول من قال بجواز الاستئجار على تجهيز اليت إذاوإن فرض كفاية، أمّا إذا أصبح فرض عين فلا يجوز ذلك.

ومن أسباب ترجيح هذا القول ما يأتي:

أوَّلًا: قوة ما علل به أصحاب هذا القول، فإن القول بجواز الاستئجار إذا كان التجهيز فرض كفاية قول قوي، وعليه جمهور العلماء من جميع المذاهب، وتعليلات العلماء لذلك قوية جدًا،

وأمّا ما عللوا به لنع ذلك إذاوإن التجهيز فرض عين، فإنّه تعليل قوي جدًا؛ لأنّ فروض الأعيان لا يجوز الاستئجار عليها بالاتفاق .

ثانيًا: أن هذا القول يجمع بين أقوال العلماء المختلفة في هذه المسألة، وبيان ذلك: أن من قالوا بالمنع يمكن حمل قولهم على ما إذا كان تجهيز الميت فرض عين، وأمّا من قالوا بالكراهة – سواء كانت مطلقة، أو مقيدة – فإن الكراهة لا تنافي الجواز، بل تفيد الأفضلية، والاستحباب للتجهيز مجانًا ابتغاء الأجر، والمثوبة من الله تعالى،

وهذا لا يخالف فيه أحد من العلماء، وأمّا من قالوا بالجواز مطلقًا، فإنهم لا يخالفون إِلَّا في حالة التعين، وقد أمكن الجواب عما استدلوا بما يزيل التعارض.

ثالثًا: أنّه أمكن الجواب عما استدل به المخالفون من أدلة ممّا أضعف من دلالتها.

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*