أخذ المال على الزَّكاة

أخذ المال على الزَّكاة

أخذ المال على الزَّكاة هو المبحث الأول من الفصل الثاني بعنوان أخذ المال على الزكاة والصيام من بحث أخذ المال على أعمال القرب

أخذ المال على الزَّكاة

المبحث الأوّل : أخذ المال على الزَّكاة

المطلب الأوّل النِّيابة في الزَّكاة

لا خلاف بين العلماء في جواز النِّيابة في الزَّكاة؛ لأنّ الغرض منها هو سدّ خلة المحتاج، وذلك يحصل نيابة، وعليه فيجوز الإنابة فيها في حالة الاختيار والضرورة .

قال القرافي: “الأفعال قسمان: منها ما يشتمل فعله على مصلحة مع قطع النظر عن فاعله، كردّ الودائع، وقضاء الديون، وردّ الغصوبات ، وتفريق الزكوات … ونحوها، فيصح في جميع ذلك النِّيابة إجماعًا” .

وقال ابن قدامة: “وأمّا العبادات فما كان منها له تعلّق بالمال، كالزكاة، والصدقات، والمنذورات، والكفارات، جاز التوكيل في قبضها وتفريقها، ويجوز للمخرج التوكيل في إخراجها، ودفعها إلى مستحقها …. ” .

المطلب الثّاني : العاملون على الزَّكاة

جاء ذكر العاملين على الزَّكاة مصرحًا به في القرآن الكريم عند ذكر الأصناف الذين تكون فيهم الزَّكاة، والصدقات، وهو ما يسمى عند العلماء: (مصارف الزَّكاة).

قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60].

والعاملون على الزَّكاة معروفون منذ عهد النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – وإلى يومنا هذا، فما زال النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – يبعث العاملين على الزَّكاة لجمعها، ومن ثمّ وضعها في مستحقيها، وعلى ذلك سار خلفاؤه من بعده؛ وبناءً عليه فقد عرف العلماء العاملين عليها، ووضعوا لهم ضابطًا، وهذا ما سأبينه فيما يأتي:

* تعريف العاملين على الزَّكاة:

عرفهم العلماء بتعريفات عدة نذكر بعضًا منها:

التعريف الأوّل: عرفهم الماوردي، فقال: “هو من ولاه الإمام قبضها، وتفريقها، نيابة عن أهل الصدقات” .

التعريف الثّاني: عرفهم ابن قدامة بانهم: “هم الذين يبعثهم الإمام لأخذ الزَّكاة من أربابها، وجمعها، ونقلها، ومن يعينهم ممّن يسوقها، ويرعاها، ويحملها،

وكذلك الحاسب، والكاتب، والكيال، والوزان، والعداد، وكل من يحتاج إليه فيها” .

التعريف الثّالث: عرفهم ابن حزم بأنّهم: “هم العمال الخارجون من عند الإمام الواجبة طاعته” .

وبالنظر في تعريف العلماء للعاملين على الزَّكاة نجد أن عبارتهم كلها تدور حول معنى واحد، وهو أنّهم: “هم الذين يوليهم الإمام جمع الزَّكاة، والقيام عليها، حتّى تصل إلى مستحقيها”؛ فكل من يحتاج إليه الإمام فيها فهو من العاملين عليها.

قال ابن بطّال: “اتفق العلماء على أن العاملين عليها: السعاة المتولون لقبض الصَّدقة” .

ويلحظ من خلال تعريف العلماء للعاملين عليها أنّهم يشترطون أن يكون العامل مرسلًا من قبل الإمام، أو من يقوم مقامه، فإذا أطلق لفظ العامل انصرف الذهن إلى من يوليه الإمامُ، أو نائبه قبض الصَّدقة، والقيام على أمرها، وشؤونها حتّى تصل إلى مستحقيها.

وبناءً عليه، فإنّه لا يصح إطلاق لفظ “العامل” على غير من يرسله الإمام، أو نائبه. قال ابن حزم: “وقد اتفقت الأُمَّة على أنّه ليس كلّ من قال: أنا عامل عاملًا،

وقد قال عليه الصّلاة والسلام: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ) . فكل من عمل من غير أن يوليه الإمام الواجبة طاعته، فليس من العاملين عليها، ولا يجزئ رفع الصَّدقة إليه” .

ومما سبق يتضح لنا جليًا أن العامل مخصوص بمن يرسله الإمام، أو نائبه.

بناءً على ما سبق، فإنّه لو قام شيخ قبيلة – مثلًا -، أو كبير عائلة، أو أحد الأغنياء الكبار بتكليف شخص، أو أشخاص بجمع الزَّكاة، وتفريقها على مستحقيها، فإن هذا الشخص، أو الأشخاص لا يدخلون تحت مسمى (العاملين عليها)، بل يدخلون تحت باب الوكالة، ويكون هذا الشخص وكيلًا عن أصحاب الأموال في إيصال الزَّكاة إلى مستحقيها.

وقد تقدّم أن النِّيابة في الزَّكاة جائزة بالإجماع، وعليه فإن الوكيل يجوز له حينئذ أخذ الأجرة على عصله من أرباب الأموال، لا من الزَّكاة؛ وذللث بصفته وكيلًا، لا عاملًا.

قال المرداوي: “لو وكل غيره في تفرقة زكاته لم يدفع إليه من سهم العامل” .

أمّا إذا قام الشخص نفسه بتأدية زكلاة ماله، فإنّه حينئذ لا يدخل تحت مسمى العامل، ولا يحل له أخذ شيء منها في مقابل عمله؛ لأنّ تأدية زكاة ماله واجب عليه متعين، ولا يجوز أخذ الأجرة على الواجب العيني .

المطلب الثّالث : مقدار ما يأخذه العاملون على الزَّكاة

اتفق الفقهاء – رحمهم الله تعالى – على أن العامل على الزَّكاة يستحق العِوض على عمله، كما أنّهم اتفقوا على أن هذا العِوض يكون على قدر جهده، وعمله، وعنائه، وسعيه.

كما اتفقوا على أنّه إذاوإن هذا العِوض مساويًا لثُمن الزَّكاة فإنّه يأخذه كاملًا.

واتفقوا كذلك على أنّه إذا كان ما يستحقه على عمله أقل من الثّمن فإنّه يأخذ قدر عمله، ثمّ يُردّ الباقي على أصحاب السهمان.

واتفقوا كذلك على أنّه إذا كان سهم العاملين أقل ممّا يسحقونه فإنّه يُزاد لهم، ويكمل لهم قدر استحقاقهم دون التقيد بالثّمن .

ولكنهم اختلفوا في الزيادة على الثّمن؛ هل تؤخذ هذه الزيادة من أموال الزَّكاة؟ أم تكون في بيت المال؟.

اختلفوا في ذلك على أقوال أهمها ثلاثة أقوال:

القول الأوّل: إنّه يتمم له من أموال الزَّكاة؛ فياخذ ثمنه كاملًا وما زاد على الثّمن فمن أموال الزَّكاة.

وإلى هذا ذهب الحنفية ، والمالكية ، وهو المذهب عند الشّافعيّة ، والصّحيح من المذهب عند الحنابلة .

القول الثّاني: إنّه يتمم له من بيت المال من سهم المصالح.

وإلى هذا ذهب الإمام مالك في قول ، وهو قول عند الشّافعيّة نصّ عليه الإمام، وهو قول عند الحنابلة .

القول الثّالث: إنَّ الأمر في ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام، فإن شاء تمم لهم من أموال الزَّكاة، وإن شاء تمم لهم من سهم المصالح من بيت المال.

فيتخير الإمام من ذلك بحسب المصلحة، بل إنَّ للإمام أن يجعل أجرة العامل كلها في بيت المال، ويقسَم جميع أموال الزَّكاة على بقية الأصناف، إنَّ رأى في ذلك مصلحة.

وإلى هذا ذهب بعض الشّافعيّة ؛ قال الشيرازي: “ومن أصحابنا من قال: الإمام بالخيار، إن شاء تممه من سهم المصالح، وإن شاء من سهامهم … .

وبه قال بعض الحنابلة ؛ قال ابن قدامة: “وإن رأى الإمام أعطاه أجرة من بيت المال، أو يجعل له رزقًا في بيت المال، ولا يعطيه منها شيئًا فعل” .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّالث:

علل هؤلاء لما ذهبوا إليه بما يأتي:

التعليل الأوّل: قالوا: إنَّ بيت المال مُعدّ لمصالح المسلمين، وهذا من المصالح فجاز للإمام إعطاؤهم منه .

وإن أعطاهم من الزَّكاة فلا حرج عليه؛ لأنّ الله تعالى أخبر بسهمهم فيها كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ …} الآية [التوبة: 60].

ولأن العامل يعود نفعه، ويرجع أثره على أهل الصدقات، فكانت أجرته عليهم .

التعليل الثّاني: قالوا: إنَّ العامل على الزَّكاة فيه شبه بالحاكم؛ لأنّ الإمام يستوفي به حق الغير على وجه الأمانة، وفيه شبه بالوكيل، فخير الإمام بين حقيهما .

مناقشة التعليلات السابقة:

نوقشت التعليلات السابقة بما يأتي:

أوَّلًا: أن الله تعالى قد أخبر بسهمهم فيها نصًا، فكيف يخلفون عنه استقراءً وسبرًا.

ثانيًا: يمكن مناقشة هذه التعليلات كذلك: أن القول بتخيير الإمام في ذلك قول بالرأي والاجتهاد، وهذا الاجتهاد جاء في مقابلة النص، وهو قوله تعالى:

{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ….} الآية [التوبة: 60]، والاجتهاد في مقابلة النص باطل .

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

علل هؤلاء لما ذهبوا إليه بما يأتي:

قالوا: إنَّ الله تعالى جعل لكل صنف من الأصناف الثمانية سهمًا، فلو قسمنا الزيادة على الأصناف، فإننا بذلك نكون قد نقصنا حقهم، وفضلنا العامل عليهم،

وهذا خلاف ما نصت عليه الآية الكريمة؛ بناءً على ذلك فإن الإمام يعطي العامل من بيت المال .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا التعليل بما يأتي:

أن هذا التعليل مبني على أن المراد بآية الصدقات هو وجوب التسوية بين الأصناف الثمانية، وهذا غير مسلَّم؛ لأنّ الآية محمولة على بيان مواضع الصدقات، ومصارفها، والمختصين بها، لا على وجوب التسوية بين الأصناف الثمانية، ويدلُّ على ذلك ما يأتي:

أوَّلًا: حديث معاذ حين بعثه النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – حيث قال له: (إنك تقدّم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله -عَزَّ وَجَلَّ-، فإذا عرفوا الله، فأخبرهم أن اللهَ فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا، فاخبرهم أن الله فرض عليهم زكاةً تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم …) .

وجه الاستدلال:

حيث لم يذكر النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – إِلَّا صنفًا واحدًا من أصناف الزَّكاة، ولم يذكر بقية الأصناف؛ فدلّ على أنّها ليست مقسومة بالسوية على الأصناف. وعليه فإنّه يجوز دفعها لصنف، أو صنفين، ويكون حق العامل في بيت المال.

ثانيًا: عن قبيصة بن المخارق الهلالي قال: تحملت حمالة، فأتيت رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – أساله فيها، فقال – صلّى الله عليه وسلم -: (أقم حتّى تأتينا الصَّدقة، فنأمر لك بها) .

وجه الاستدلال:

حيث دلّ الحديث على جواز صرف الزَّكاة إلى صنف واحد، ولو وجب صرفها إلى جميع الأصناف لم يجز صرفها إلى صنف واحد.

وهناك أدلة كثيرة وشواهد من القرآن الكريم يمكن الاستدلال بها على عدم وجوب التسوية بين الأصناف الثمانية، وجواز الاقتصار على صنف واحد، أو بعض الأصناف، ومن ذلك:

ثالثًا: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 25].

رابعًا: قوله تعالى: {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 271].

حيث دلت هاتان الآيتان الكريمتان على جواز صرف الزَّكاة إلى بعض الأصناف، فدل ذلك على عدم وجوب التسوية بين الأصناف الثمانية، أو استيعابهم .

خامسًا: أنّه نقل الإجماع على ذلك؛ أعني: إجماع الصّحابة على جواز الاقتصار في صرف الزَّكاة على صنف واحد، وأنّه لا يجب استيعاب جميع الأصناف .

وبناءً على ما تقدّم فلا يلزم إعطاء العامل على الزَّكاة منها، بل يجوز دفع الزَّكاة كلها للفقراء، وإعطاء العامل من بيت المال من سهم المصالح.

ثالثًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

استدل هؤلاء على ما ذهبوا إليه بما يأتي:

الدّليل الأوّل: قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا …} الآية [التوبة: 60].

وجه الاستدلال:

أن الله تعالى أخبر عن حق العامل على الزَّكاة أنّه من الزَّكاة، فيأخذه كاملًا منها، سواء أكانت أجرته أكثر من سهمه أم أقلّ؛ عملًا بظاهر النص .

الدّليل الثّاني: أن عمل العاملين على الصدقات يعود نفعه، ويرجع أثره على أهل الصدقات؛ لأنّه يعمل لهم، فكانت أجرته كاملة عليهم .

الترجيح:

بالنظر فيما سبق من الأقوال، وما استدلوا به يظهر رجحان القول الأوّل، وهو أن العامل على الزَّكاة يأخذ حقه كاملًا من الزَّكاة: ثمنه، وما زاد على الثّمن – على ما سبق تفصيله – في محل النزاع.

ويرجع سبب ترجيح هذا القول لما يأتي:

أولًا: قوة هذا القول دون ما عداه من الأقوال؛ وذلك لأنّه جاء على مقتضى النص القرآني الّذي جعل ما يستحقه العامل على الزَّكاة في الزَّكاة نفسها، لا في بيت المال.

ثانيًا: أنّه أمكن مناقشة بقية الأقوال الأخرى بما أضعفها، وأوهن من حجيتها.

ثالثًا: أن القول بجعل ذلك في بيت المال إنّما هو بالاجتهاد والرأي، وهو مبني على أن أجرة العامل قد تجحف بحق الأصناف الأخرى، وهذا لا يتأتى إِلَّا إذا كانت الأموال الزكوية قليلة جدًا بحيث يعجز سهم العاملين عن مبلغ أجرة العامل، وهذا نادر جدًا، والنادر لا حكم له، ولذا قال الشّافعيّ: “وقلما يكون أن يعجز سهم العاملين عن مبلغ أجرة العامل” .

ولذا كان الأخذ بهذا القول هو الأرجح تمشيًا مع ظاهر النص.

رابعًا: أن هذا القول فيه عدل، وإنصاف لكل الأصناف الزكوية، فإن العامل إذا كان سهمه أكثر من أجرته ردت الزيادة على بقية الأصناف، وهذا هو الغالب، فكان من العدل أنّه إذا عجز سهمه عن أجرته – وهذا نادر – أن يكمل له من سهام بقية الأصناف.

ثمرة الخلاف:

تظهر ثمرة الخلاف في هذه المسألة فيما يأتي:

أوَّلًا: إذا استغرق ما يأخذه العامل كل الزكاة، أو معظمها فما الحكم؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأوّل: إنّه لا يزاد على نصف ما جمعه، فإذا كان أجر العامل يستغرق كلّ ما يجمعه، أو معظمه فإنّه لا يأخذ إلا النصف فقط؛ أي: نصف ما جمعه، وإلى هذا ذهب الحنفية .

وعللوا ذلك: بأن التنصيف هو عين الإنصاف فلا يزاد على النصف .

ويمكن مناقشة هذا التعليل:

بأن هذا كلام لا دليل عليه؛ فإن للعامل أجرته على قدر جهده، وعمله، وإذا كانت أجرته تستغرق ما جمعه، أو أكثره فللإمام أن يعطيه من بيت المال، أو يعطيه أجرته كاملة ممّا جمعه، ويعطي الفقراء ونحوهم من بيت المال ما يكفيهم، أمّا أن ينقص أجر العامل بدون وجه فلا؛ لأنّ ما يأخذه أجرة، وعوض عن عمله، وجهده، لا على سبيل المواساة، فيأخذه كاملًا.

القول الآخر: قالوا: إنَّ العامل يأخذ أجره كاملًا، وإن استغرق ذلك كل ما جمعه.

وإلى هذا ذهب المالكية .

وعللوا ذلك: بأن ما يأخذه إنما هو أجرة عمله، فيأخذ أجرته كاملة، وإن استغرقت كل ما جمعه .

الترجيح:

الذي يظهر أن الأمر في ذلك راجع للإمام، فإن للعامل أجره كاملًا؛ لأنه عوض عمله وجهده، فإن رأى الإمام إعطاءه الزكاة كلها، أو معظمها إن كانت قدر عمله، فله ذلك، ويعطي بقية الأصناف من بيت المال كفايتهم، وإن رأى إبقاء الزَّكاة لبقية الأصناف، وإعطاء العامل من بيت المال فعل؛ وذلك حسب ما تقتضيه المصلحة.

ولعلّ هذه الحالة هي الّتي ينزل عليها قول من قال: إنَّ ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام، وكذا قول من قال: إنّه يكمل للعامل من بيت المال، أمّا إذا كانت هناك سعة، وكان سهم العامل يكفي أجرته، أو زيادة، فالترجيح هو ما قد سبق في أصل المسألة – والله أعلم -.

ثانيًا: إذا تلف ما جمعه العامل من الصدقات في يده قبل توزيعه على مستحقيه، فهل يضمن ذلك؟ وهل يستحق أجرة أم لا؟ أمّا المسألة الأولى وهي مسألة الضمان فإننا نفرق فيها بين حالتين:

الحالة الأولى: إذا كان التلف بسبب تفريط من العامل فإنّه في هذه الحالة يضمن ما تلف بيده، وليس له أجر على عمله.

وعللوا ذلك: بأنّه متعدٍ بفعله، فيضمن ما تلف بيده، ويسقط أجره. وبهذا قال جمهور أهل العلم .

الحالة الأخرى: إذا كان التلف وقع بغير تفريط من العامل فإن جمهور العلماء على أن العامل لا يضمن في هذه الحالة .

وقد عللوا ذلك بما يأتي:

قالوا: إنَّ العامل في هذه الحالة أمين كالوكيل، وناظر مال اليتيم إذا تلف المال في يده بلا تفريط فلا يضمن .

وأمّا أجرته في هذه الحالة فقد اختلفوا في دفعها إليه على قولين:

القول الأول: إنه يستحق الأجرة، وتكون في بيت المال.

وإليه ذهب جمهور العلماء من المالكية ، والشافعية ، والحنابلة .

وقد عللوا ما ذهبوا إليه بما يأتي:

1 – قالوا: إنَّ العامل أجير، ولأن بيت المال معدّ لمصالح المسلمين، وهذا منها .

2 – أنّه استحق بعمله ما شرط له، فإذا تعذر دفعه من مال الزَّكاة وجب من بيت المال .

القول الآخر: إنَّ حقه يسقط، ولا يستحق شيئًا في هذه الحالة. وإلى هذا ذهب الحنفية .

وعللوا ذلك بما يأتي:

أن نفقة العامل تسقط في هذه الحالة قياسًا على سقوط نفقة المضارب إذا هلك مال المضاربة بجامع أن كلًا من العامل، والمضارب تكون نفقته فيما تحت يده على سبيل الكفاية، فإن المضارب تكون نفقته في مال المضاربة، وكذلك العامل تكون نفقته في مال الزَّكاة الّذي يجمعه يأخذها على سبيل الكفاية، لا على سبيل الأجرة .

مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا التعليل بما يأتي:

أن هذا مبني على مذهب الحنفية في أن ما يأخذه العامل ليس أجرة عمله، وإنّما هو نفقته، أو رزقه، وهذا غير صحيح – كما سيأتي -؛ فالذي عليه جمهور أهل هو نفقته، أو رزقه، وهذا غير صحيح -كما سيأتي -؛ فالذي عليه جمهور أهل العلم أن ما يأخذه العامل هو أجرة، وهو لم يفرط، وقد استحق بعمله الأجرة، سواء كانت قد شرطت له أم كان له أجر المثل، فإن تعذر دفعها من مال الزَّكاة لتلفه، أعطي أجرة عمله من بيت المال؛ لأنّ بيت المال معدّ لمصالح المسلمين، وهذا منها.

الترجيح:

من خلال عرض الأقوال والأدلة، ومناقشة ما استحق منها المناقشة يتبين رجحان ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن أجرة العامل لا تسقط، وتكون في بيت المال؛ وذلك لقوة ما عللوا به، ولأنّه أمكن مناقشة ما ذهب إليه الحنفية.

المطلب الرّابع نوع ما يأخذه العاملون على الزَّكاة

بعدما تقدّم من اتفاق العلماء على أن العامل يأخذ ما يستحقه على عمله على الصدقات، وأن ذلك ليس مقدرًا بالثّمن، بل له بقدر عمله، وإن جاوز ذلك ثمن الزَّكاة.

بعد ذلك اختلف العلماء في ما يأخذه العامل من مال مقابل عمله؛ هل هو أجرة، أم رزق يأخذه على سبيل الكفاية؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأوّل: إنَّ ما يأخذه العامل هو أجرة.

وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء من المالكية ، والشّافعيّة ، والحنابلة .

القول الآخر: إنَّ ما يأخذه العامل إنّما هو رزق مقدَّر بالكفاية.

وبه قال الحنفية .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

الدّليل الأوّل: قياس العامل على القاضي والمقاتلة، فكما أن القاضي يأخذ رزقًا على عمله، فكذلك العامل، بجامع أن كلًا منهما قد فرغ نفسه للعمل لمصلحة المسلمين، فكل منهما قد انشغل بشيء من أعمال المسلمين ومصالحهم، فكانت كفاية كلّ منهما في مال من انشغل بعمله ومصلحته .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:

أن هذا قياس مع الفارق؛ فإن القاضي لما فرغ نفسه لمصلحة المسلمين، والقضاء بينهم كانت كفايته في بيت المال، وهذه الكفاية إنّما يأخذها على سبيل الإعانة على الطّاعة، لا على سبيل العوض والأجرة؛ فإن الأجرة على القضاء لا تجوز، وقد نُقل الإجماع على عدم الجواز ، أمّا العامل فإنّه يأخذ ذلك على سبيل العوض في مقابل عمله، ولهذا جاز له أخذها مع الغنى؛ لأنّها أجرة عمله، بخلاف القاضي.

الدّليل الثّاني: القياس على الزوجة، فكما أن الزوجة لما عطلت نفسها لحق زوجها كانت نفقتها في مال زوجها، فكذلك العامل؛ لأنّه عطل نفسه لمصلحة الفقراء، فكانت كفايته في مالهم .

ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بما يأتي:

أن هذا القياس لا يصح؛ لأنّه قياس مع الفارق، وهذا الفارق من جهتين:

الأولى: أن الزوجة إنّما تستحق النفقة بسبب التمكين من نفسها، فلا تجب لها النفقة حتّى ينضم إلى عقد النِّكاح التمكين من الوطء؛ لأنّه المقصود بالعقد .

الأخرى: أن ما يأخذه العامل ليس لمجرد حبس نفسه لمصلحة الفقراء، وإنّما في مقابل جهده، وعمله فما يأخذه، إنّما يأخذه على وجه العوض، فهو أجرة عمله، وليس رزقًا .

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

استدل هؤلاء بما يأتي:

الدّليل الأوّل: قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا} الآية [التوية: 60].

وجه الاستدلال:

قال ابن العربي مبينًا وجه الاستدلال من هذه الآية: “أن ما كان من فروض الكفايات فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه” .

الدّليل الثّاني: عن عطاء بن يسار أن رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – قال:

“لا تحل الصَّدقة لغني إِلَّا لخمسة: لغازٍ في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين فتُصُدِّق على المسكين فأهداها المسكين للغني) .

وجه الاستدلال:

دل الحديث على حلّ الصَّدقة للعامل عليها، وإن كان من الأغنياء؛ وذلك لأنّ ما يأخذه من الصَّدقة إنّما هو أجرة على عمله لا لفقره إذا لو كان صدقة ما حلت له مع الغنى .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الحديث بأنّه لا يصح؛ لأنّه مرسل، فقد رواه عطاء بن يسار عن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – مباشرة، وعطاء تابعي. وعلى هذا فلا يصح الاحتجاج بهذا الحديث.

الجواب عن هذه المناقشة:

أجيب عن علة الإرسال بأن الحديث قد جاء موصولًا؛ فقد رواه أبو داود ،

وابن ماجه ، عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري، عن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – فصح بذلك الحديث .

الدّليل الثّالث: عن بُسر بن سعيد، عن ابن الساعدي المالكي، أنّه قال: استعملني عمر بن الخطّاب – رضي الله عنه – على الصَّدقة، فلما فرغت منها، وأديتها إليه أمر لي بعُمالة ، فقلت: إنّما عملت لله، وأجري على الله؛ فقال: خذ ما أُعطيت، فإني عملت على عهد النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – فعملني، فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: “إذا أُعطيت شيئًا من غير أن تسأل فكُلْ وتصدَّق” .

وجه الاستدلال:

أن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – وخلفاءه من بعده قد جعلوا أجرة لمن يعمل على الزَّكاة بدليل قول عمر – رضي الله عنه – في الحديث: “عملت … فعملني … ” فلما عمل أعطاه النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – أجرة عمله .

الترجيح:

بعد عرض أدلة كلّ فريق، وذكر ما ورد عليها من مناقشات، وما أجيب به عن هذه المناقشات يتبين رجحان القول الأوّل، وأن ما يأخذه العامل على الزَّكاة إنّما هو أجرة، وليس رزقًا؛ وذلك لما يأتي:

1 – قوة أدلة أصحاب القول الأوّل؛ حيث جاءت كلّ أدلتهم نقلية من الكتاب والسُّنَّة.

2 – ضعف أدلة أصحاب القول الثّاني؛ حيث جاءت كلها أدلة عقلية أمكن مناقشتها بما يخرجها عن دلالتها.

3 – أن ابن عبد البرّ قد نقل إجماع العلماء على أن ما يأخذه العامل إنّما هو أجرة عمله، وليس رزقًا .

ثمرة الخلاف:

يظهر للخلاف ثمرة في مسألتين:

المسألة الأولى: هل يأخذ العامل على الزَّكاة منها إنَّ كان من ذوي القربى؟ والمراد بذوي القربى: إذا كان العامل من آل بيت النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -، سواء أكان من بني هاشم أم من بني عبد المطلب.

اتفق العلماء على أن ذوي القربى إذا استعملهم الإمام على الزَّكاة، وأعطاهم

أجرتهم من غيرها فإن ذلك جائزلهم، ولا حرج في استعمالهم، ولا في إعطائهم .

أمّا إذا كان ما يأخذونه على عملهم من الزَّكاة فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأوّل: لا يجوز إعطاء ذوي القربى على عملهم من الزَّكاة.

وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الحنفية ، والمالكية ، والشّافعيّة ، والحنابلة .

القول الآخر: يجوز إعطاء ذوي القربى على عملهم في الزَّكاة منها.

وإليه ذهب بعض الحنفية ، والشّافعيّة ، والحنابلة .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: استدل من قال بالجواز بما يأتي:

الدّليل الأوّل: أن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – بعث عليًا إلى اليمن مصدقًا، وفرض له، ولو لم يحل للهاشمي لما فرض له .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الاستدلال بما يأتي:

إنَّ عليًا بعثه النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – إلى اليمن قاضيًا، والقاضي إنّما يُعطى من بيت المال، لا من الصدقات، ومما يدلُّ على أنّه بعث عليًا قاضيًا ما رواه حنش عن علي – رضي الله عنه – قال: (بعثني رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – إلى اليمن قاضيًا …) الحديث .

الدّليل الثّاني: أن ما يأخذه العامل إنّما هو أجرة العمل، بدليل أنّها تحلّ للغني فيستوي فيها الهاشمي وغيره .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:

أوَّلًا: أن ما يأخذه الهاشمي على عمله على الزَّكاة – وإن كان أجرة – فإنّه لا يحل؛ وذلك لأنّها وسخ الزكي، والهاشمي أشرف النَّاس، وأخذ الزَّكاة – ولو على سبيل الأجرة على العمل – لا يخرجها عن ذلك .

ثانيًا: أن القياس على الغنى لا يصح؛ لأنّه قد ورد النص بحلّها للعامل إذا كان غنيًا، بخلاف الهاشمي – كما سيأتي -.

ثانيًا: أدلة من قال بعدم الجواز:

استدلوا بما يأتي:

الدّليل الأوّل: قوله – صلّى الله عليه وسلم – لعبد المطلب بن ربيعة، والفضل بن عبّاس رضي الله عنهما حين سألاه العمل على الصدقات حتّى يصيبوا منها كما يصيب النَّاس: (إنَّ هذه الصدقات إنّما هي أوساخ النَّاس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمدٍ) .

وجه الاستدلال:

أن هذا نصّ صريح في تحريم الصدقات على ذوي القربى، وإن كانوا من العاملين عليها، فلا تجوز مخالفته .

الدّليل الثّاني: عن أبي رافع : أن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – بعث رجلًا على الصَّدقة من بني مخزوم، فقال لأبي رافع: اصحبني فإنك تصيب منها؛

قال: لا، حتّى آتي رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – فأسأله. فانطلق إلى النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -، فسأله، فقال: (إنَّ الصَّدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم) .

وجه الاستدلال:

حيث بيَّن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – أن الزَّكاة لا تحل لآل محمّد، ولا لمواليهم؛ فدل على أنّه لا يجوز إعطاؤهم من الزَّكاة، ولو كان ذلك أجرة العمل عليها .

الترجيح:

من خلال ذكر أدلة كلّ فريق، وما ورد عليها من مناقشات يتبين لنا بوضوح رجحان القول الأوّل. وعليه فلا يجوز استعمال أحد من آل البيت، ولا من مواليهم على الصدقات، ولو كان ما يأخذونه أجرة على عملهم.

ومما يرجح هذا القول:

أوَّلًا: قوته؛ حيث جاءت أدلته كلها نصية، صريحة الدلالة على ما نحن بصدده.

ثانيًا: ضعف ما استدل به أصحاب القول الثّاني من أدلة؛ لكونها تعليلات أمكن مناقشتها، وإخراجها عن دلالتها.

المسألة الأخرى: هل يأخذ العامل على الزَّكاة منها، وإن كان غنيًا؟

لا خلاف بين العلماء في أنّه يجوز تولية العامل، وإن كان غنيًا، فلا يشترط فيه أن يكون فقيرًا .

وعمدة هذا الاتفاق ما يأتي:

أوَّلًا: حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: “لا تحل الصَّدقة لغني إِلَّا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها …) .

فهذا نصّ صريح على أن العامل عليها يعطى من الزَّكاة، وإن كان غنيًا. ثانيًا: أن ما يأخذه العامل إنّما هو أجرة عمله، فهو يأخذه على سبيل العوض، لا على سبيل المواساة، فجاز له أخذه مع الغنى .

ثالثًا: أن الله تعالى جعل العامل عليها صنفًا غير الفقراء، والمساكين؛ فلا يشترط وجود معناهما فيه، كما لا يشترط معناه فيهما .

رابعًا: الإجماع: قال ابن عبد البرّ: “وقد أجمع العلماء على أن الصَّدقة تحل لمن عمل عليها، وإن كان غنيًا” .

المطلب الخامس : الهدية ونحوها للعاملين على الزَّكاة

اتفق العلماء- رحمهم الله تعالى- على أنّه لا يجوز للعامل قبول هدية أرباب الأموال .

والأدلة على تحريم الهدية على العاملين على الزَّكاة كثيرة، وصريحة، فمن تلك الأدلة:

الدّليل الأوّل: ما رواه أبو حميد الساعدي؛ قال: “استعمل النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – رجلًا من بني أسدّ يقال له: ابن اللتبية ، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا لي، أُهديَ لي؛

قال: فقام رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال:

(ما بال العامل نبعثه، فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه، أو في بيت أمه حتّى ينظر أيهدى إليه أم لا،

والذي نفس محمّد بيده، لا ينال أحدٌ منكم منها شيئًا إِلَّا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر)،

ثمّ رفع يديه حتّى رأينا عُفرتي إبطيه، ثمّ قال: (اللَّهُمَّ هل بلغت؟) مرتين .

وجه الاستدلال:

قال النووي: “وفي هذا الحديث بيان أن هدايا العمال حرام وغلول؛ لأنّه خان في ولايته، وأمانته، ولهذا ذكر في الحديث عقوبته، وحمله ما أهدي إليه يوم القيامة، كما ذكر مثله في الغالّ، وقد بيّن – صلّى الله عليه وسلم – في الحديث نفسه السبب في تحريم الهدية عليه، وأنّها بسبب الولاية، بخلاف الهدية لغير العامل، فإنها مستحبة” .

الدّليل الثّاني: عن أبي حميد الساعدي، أن رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – قال: (هدايا العمال غلول) .

وجه الاستدلال:

حيث بيّن رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – أن هدايا العمال الّتي يأخذونها من أرباب الأموال حرام وغلول؛ لأنّه بقبوله للهدية من أرباب الأموال قد خان في ولايته، وأمانته.

الدّليل الثّالث: ما رواه بريدة ، عن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – أنّه قال: (من استعملناه على عمل، فرزقناه رزقًا، فما أخذ بعد ذلك فهو غلول) .
وجه الاستدلال:

حيث بين رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – أن ما أخذه العامل بعد رزقه، وأجرة عمله، حرام، وهذا يشمل الهدية، فكانت الهدية للعامل حرامًا لا يحل له أخذها.

الدّليل الرّابع: أن حدوث الهدية عند حدوث الولاية يدلُّ على أنّها من أجلها ليتوسل بها إلى ميل العامل ومحاباته، ليخفف عن المهدي، ويسوغ له بعض الواجب عليه، وهذا خيانة، وبخس للحق الواجب عليه استيفاؤه لأهله .

تنبيه:

استثنى بعض العلماء ثلاث حالات يجوز فيها للعامل أخذ الهدية:

الحالة الأولى: إنَّ أذن له الإمام في أخذها.

وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم .

واستدلوا على ذلك بما يأتي:

عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه – قال: بعثني رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – إلى اليمن، فلما سرت أرسل في أثري، فرددت، فقال: (أتدري لم بعثت إليك؟، لا تصيبن شيئًا بغير إذني، فإنّه غلول {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [آل عمران: 161]، لهذا دعوتك فامض لعملك) .

وجه الاستدلال:

حيث دلّ الحديث على أن الإمام لو أذن للعامل في الهدية جاز له قبولها .

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: أن هذا الحديث ضعيف الإسناد؛ ففي سنده داود بن يزيد الأودي؛ قال الحافظ ابن حجر: ضعيف .

ثانيًا: يمكن مناقشة هذا الحديث بما يأتي:

أن هذا الحديث محمول على ما شرطه له الإمام من أجر، فلا يأخذه حتّى يعطيه الإمام، أو يأذن له في الأخذ، فإن الإمام لا يأذن له إِلَّا فيما له فيه حق، فأمّا الهدية فقد جاءت النصوص الكثيرة لتحريمها كما تقدّم، فلا تدخل تحت الإذن؛ لأنّ النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – لا يأذن بالحرام.

الحالة الثّانية: إنَّ كان للمهدي عادة إهداء العامل قبل ولايته.

وإلى هذا ذهب بعض المالكية ، وبعض الشّافعيّة ، وبعض الحنابلة .

واستدلوا على ذلك بما يأتي:

أنّه لما كان يهدي إليه قبل ولايته عُلم أن الهدية للعامل بعد الولاية لم تكن من أجل الولاية؛ لوجود سببها قبل الولاية، بدليل وجودها قبلها .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا التعليل بما يأتي:

أوَّلًا: أن هذا التعليل عليل؛ وذلك لمصادمته لنصوص التّحريم الكثيرة المتقدمة، حيث جاءت عامة فتحرم الهدية على العامل، سواء أكانت ممّن له عادة بإهدائه قبل الولاية أم لا.

ثانيًا: أن الهدية قبل الولاية مستحبة، وبعد الولاية محرّمة، ولو صح التعليل لاستوى حكمها قبل الولاية وبعدها، وهذا لم يقل به أحد. بل قال أصحاب هذا القول: “يستحب للعامل في هذه الحالة التنزه عنها” .

الحالة الثّالثة والأخيرة: إنَّ كافأ العامل المهدي على هديته.

فإن كافأه بقدر هديته، أو قريب من ذلك، أو أكثر، فله أن يأخذها، ويتمولها. وإليه ذهب بعض المالكية ، ونص عليه الشّافعيّ رحمه الله تعالى .

أدلة أصحاب هذا القول:

لم أجد لهؤلاء دليلًا أو تعليلًا على ما ذهبوا إليه، إِلَّا أنّه يمكن الاستدلال لهم بما يأتي:

أن مكافاة المهدي في هذه الحالة تؤدي إلى انتفاء المحذور من قبول الهدية، ألَّا وهو استمالة قلب العامل، وحمله على مجاملة أصحاب الأموال على حساب مصلحة أصحاب الزَّكاة؛ فإذا كافأه انتفى المحذور، وفي هذه الحالة يجوز له قبول الهدية.

مناقشة الاستدلال:

يناقش ذلك بأن القول بقبول الهدية بشرط الكافأة يفتح الباب لقبول الهدايا، والتلاعب في ذلك بما يعود ضرره على أصحاب الصدقات، فيجب إغلاق هذا الباب سدًا للذريعة، وقطعًا لدابر الفساد، والمفسدين، وقطع الطريق على النفوس المريضة.

 

أخذ المال على أعمال القُرَب

 

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*