أخذ المال على الصلح

أخذ المال على الصلح

أخذ المال على الصلح هو المبحث الثّالث من الفصل الأوّل أخذ المال على المعاملات ، الباب الثّاني أخد المال على المعاملات والولايات الشرعية من بحث أخذ المال على أعمال القربات

أخذ المال على الصلح

أخذ المال على الصلح

المبحث الثّالث أخذ المال على الصلح

لا تخفى أهمية الصلح وما له من مكانة في الشّريعة الإِسلامية، وقد تواردت النصوص من الكتاب والسُّنَّة على أهميته وفضله ، لما يترتب عليه من المصالح الخاصة والعامة، وذلك لما فيه من قطع المنازعة بين المتخاصمين، وإزالة العداوة والبغضاء من القلوب وإشاعة المحبة والخير بين كافة أفراد المجتمع.

قال البهوتي: “الصلح من أكبر العقود فائدة، لما فيه من قطع النزاع والشقاق، ولذلك أبيح فيه الكذب” .

وأمّا ما يتعلّق بأخذ المال على الصلح، فالمراد به هنا هو من يقوم بالإصلاح بين الخصوم، هل يجوز له أخذ مال على عمله أم لا؟.

يتوقف حكم هذه المسألة على صفة من يقوم بمباشرة الصلح فقد يكون المباشر للصلح هو الإمام الأعظم أو نائبه، وقد يكون القاضي، وقد يكون إنسانًا صالحًا متبرعًا بذلك، وقد يكون محكمًا يختارونه وبيان ذلك كما في المطالب الآتية:

المطلب الأوّل الإمام الأعظم أو نائبه

إذا كان الّذي يباشر عملية الإصلاح بين الخصوم هو إمام المسلمين أو نائبه ففي هذه الحالة فإنّه لا يجوز له أخذ عوض على ذلك؛ لأنَّ الإصلاح بين الرعية من مهام عمله، ويدلُّ على ذلك ما يأتي:

الدّليل الأوّل:

حديث سهل بن سعد المتقدم قال: أن أهل قباء اقتتلوا حتّى تراموا بالحجارة، فأخبر رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – فقال: (اذهبوا بنا نصلح بينهم) .

وجه الاستدلال:

وجه الاستدلال من هذا الحديث ظاهر، حيث قام رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – وهو الإمام الأعظم للمسلمين بالصلح بين أهل قباء، فدلّ ذلك على أن الإصلاح بين المتخاصمين من عمل إمام المسلمين، والإمام لا يعتاض عن ذلك لما له من الكفاية في بيت المال بالإجماع وقد تقدّم ذلك .

الدّليل الثّاني:

عن سهل بن سعد – رضي الله عنه – قال: (كان قتال بين بني عمرو بن عوف فبلغ ذلك النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -، فصلّى الظهر ثمّ أتاهم يصلح بينهم) .

وفي رواية:

(أن ناسًا من بني عمرو بن عوف كان بينهم شيء، فخرج إليهم النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – في أناس من أصحابه يُصلح بينهم) .

وجه الاستدلال:

حيث دلّ الحديث على جواز مباشرة الحاكم الصلح بين الخصوم، وقد ترجم الإمام البخاريّ لهذا الحديث بقوله:

“باب الإمام يأتي قومًا فيصلح بينهم” ،

قال ابن المنير: “فقه التّرجمة التنبيه على جواز مباشرة الصلح بين الخصوم …

وعلى جواز ذهاب الحاكم إلى موضع الخصوم للفصل بينهم” .

فهذه الأحاديث تدل صراحة على أن الإمام الأعظم يباشر الصلح بين المسلمين فيما وقع بينهم من خصام أو عداوة وإن اضطره ذلك للذهاب إلى موضع الخصوم، وقد تقدّم أن الحاكم إنّما يأخذ نفقته ونفقة من يمونه،

وكل ما يلزم هذا المنصب الشريف من بيت المال، وهذا محلّ إجماع بين المسلمين كما سيأتي .

المطلب الثّاني القاضي أو من ينيبه

إذا قام القاضي بنفسه بمباشرة الصلح بين الخصوم أو أناب أحدًا من أعوانه للقيام بذلك، فإن ذلك من مهام القاضي وهو مندوب إلى الإصلاح بين الخصوم ويدلُّ لذلك:

الدّليل الأوّل:

قوله تعالى: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ} [النِّساء: 128].

وجه الاستدلال:

حيث دلت اللآية الكريمة أن الصلح خير، فكأن ردّ القاضي للخصوم حتّى يصطلحوا ردًا للخير .

الدّليل الثّاني:

ما روي عن عمر – رضي الله عنه – قال: (ردوا الخصوم حتّى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث الضغائن بين النَّاس) .

وجه الاستدلال:

دلّ الأثر على أنّه يستحب للقاضي رد الخصوم إلى الصلح، وأن لا يبادر إلى القضاء لما يترتب عليه من إبقاء الضغائن في النفوس، وعليه فإنّه إذا قام القاضي

بالصلح أو ندب أحد أعوانه من الصلحاء الموثوق بهم، فإن ذلك لا يوجب عوضًا؛ لأنَّ القاضي يأخذ رزقه من بيت المال على عمله وهذا من عمله وسيأتي تفصيل ذلك .

المطلب الثّالث إذا تطوع إنسان بذلك

إذا قام أحد أهل الخير والصلاح بالتدخل بين الخصوم، فأصلح بينهم فإن هذا من أحب الأعمال وأزكاها عند الله تعالى،

وفي هذه الحالة فإنّه لا يستحق عوضًا على عمله هذا وذلك لما يأتي:

الدّليل الأوّل:

قوله تعالى: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} [النِّساء: 114].

وجه الاستدلال:

دلت هذه الآية الكريمة على الترغيب في الإصلاح بين النَّاس وأن يقوم به الإنسان على وجه الاحتساب والإخلاص لله عَزَّ وَجَلَّ ابتغاء الثّواب الجزيل في الآخرة؛

لأنَّ من فعله لغير ذلك، فهو غير مستحق لهذا المدح والجزاء،

بل قد يكون غير ناج من الوزر، وهذا يدلُّ على أنّه لا يجوز أخذ العوض على الإصلاح بين النَّاس؛

لأنَّ أخذ العوض ينافي الاحتساب .

الدّليل الثّاني:

يمكن الاستدلال لذلك بأن من قام بالإصلاح متطوعًا بذلك، فإنّه يكون متبرعًا به، وعليه فلا يجوز أخذ العوض على عمله في هذه الحالة.

فإن غرم بسبب الإصلاح دينًا في ذمته، بأن يكون الصلح متوقفًا على المال،

فيلتزم ذلك المال في ذمته حتّى يتم الصلح وترتفع العداوة وتزول الخصومة، فإنّه في

هذه الحالة قد أتى معروفًا كبيرًا، فيعطي من أموال الزَّكاة ما يسد به دينه وما تفرغ به ذمته.
وقد دلّ على ذلك القرآن والسُّنَّة:

أ – القرآن:

قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [التوبة: 60].

وجه الاستدلال:

دلت الآية الكريمة في قوله تعالى: {وَالْغَارِمِينَ} على أن الغارم يعطي من الزَّكاة ما يوفي به دينه،

ومن ذلك الغارم لإصلاح ذات البين، قال الإمام القرطبي عند تفسير هذه الآية:

“ويجوز للمتحمل في صلاح وبر أن يعطي من الصَّدقة ما يؤدِّي ما تحمل به، إذا وجب عليه وإن كان غنيًا” .

ب – السُّنَّة:

عن قبيصة بن المخارق الهلالي – رضي الله عنه – قال:

تحملت حمالة فأتيت رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – أسأله فيها،

فقال: (أقم حتّى تأتينا الصَّدقة فنأمر لك بها) قال: ثمّ قال: (يا قبيصة إنَّ المسألة لا تحل إِلَّا لأحد ثلاثة:

رجل تحمل حمالة فعلت له المسألة حتّى يصيبها ثمّ يمسك … ” الحديث .

وجه الاستدلال:

دلّ الحديث على حل الزَّكاة للغارم لمصلحة غيره، وهو الغارم لإصلاح ذات البين، فيأخذ مقدار ما تحمله من الزَّكاة وإن كان غنيًا.

وإعطاء المتحمل لإصلاح ذات البين أو الغارم لمصلحة الغير هو مذهب جمهور العلماء من المالكية والشّافعيّة والحنابلة .

وقد استدلوا لمذهبهم بما تقدّم ذكره من أدلة.

وخالف الحنفية في ذلك فقالوا: إنَّ المتحمل لا يعطي من الزَّكاة إِلَّا إنَّ كان لا يملك نصابًا، فاضلًا عن دينه كغيره من المدينين .

وقد استدلوا لمذهبهم بما يأتي:

حديث معاذ حين بعثه النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – إلى اليمن فقال له:

(فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) .

وجه الاستدلال:

دلّ الحديث على أن الزَّكاة لا تعطى إِلَّا للفقراء وهم من لا يملكون مائتي درهم.

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: أن ذكر الفقراء في الحديث إنّما خرج مخرج الغالب؛ لأنّهم أكثر من تدفع إليهم الصَّدقة، وحقهم آكد من غيرهم .

ثانيًا: أن هذا الحديث عام مخصوص ، والذي خصصه قوله – صلّى الله عليه وسلم -: (لا تحل الصَّدقة لغني إِلَّا لخمسة وذكر منها: الغارم) .

ثالثًا: أن حصر ذلك في الفقراء فقط فيه إبطال لحق باقي الأصناف المنصوص عليها في آية الصدقات .

رابعًا: أن الغارم لإصلاح ذات البين، إنّما يوثق بضمانه، إذا كان مليئًا ولا ملاءة مع الفقر .

خامسًا: أن الغارم لمصلحة الغير يأخذ من الزَّكاة لحاجتنا إليه أشبه العامل والمؤلِّف .

وعليه فإن الراجح هو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من أن الغارم لإصلاح ذات البين يعطى من الزَّكاة قدر حمالته لوجود النص الصحيح الصريح في ذلك وهو حديث قبيصة المتقدم، والله تعالى أعلم.

المطلب الرّابع المحكَّم

التحكيم أحد طرق الإصلاح بين الخصوم، ووسيلة لإزالة الخصومة وحصول التوفيق بين أرباب النزاع.

وهو مشروع بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، فقد أجمع العلماء رحمهم الله تعالى على جواز التحكيم في أمور المسلمين،

قال الإمام النوويّ رحمه الله تعالى: ” … وقد أجمع العلماء عليه، ولم يخالف فيه إِلَّا الخوارج فإنهم أنكروا على علي التحكيم” .

وأمّا ما يأخذ المحكم من مال على تحكيمه فعلى النحو التالي:

أوَّلًا: أخذه بلا شرط:

إذا لم يشترط المحكَّم مالًا على تحكيمه، وقام الخصوم بإعطائه شيئًا من المال على سبيل الهدية، بعد انتهاء التحكيم مجازاة له على إحسانه فهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء .

ثانيًا: إذا اشترط المحكم أجرًا على عمله:

إذا اشترط المحكم أجرة على عمله، فقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك على قولين:

القول الأوّل:

يجوز أخذ الجعل على التحكيم لا الأجرة.

وإلى هذا ذهب المالكية ، والشّافعيّة ، والحنابلة ، واختاره ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى .

القول الثّاني:

لا يجوز أخذ الجعل على التحكيم. وهذا مقتضى مذهب الحنفية .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة القول الثّاني:

استدل هؤلاء بما يأتي:

الحنفية لهم أصل في المنع من الاستئجار على الطاعات وهو: أن كلّ طاعة يختص بها المسلم لا يجوز الاستئجار عليها .

ومن المعلوم أن التحكيم طاعة بل ومن أجل الطاعات، ولم يستثن المتأخرون من ذلك سوى تعليم القرآن والآذان والإمامة وتعليم الفقه للضرورة ،

فعلم من ذلك أن التحكيم لا يجوز أخذ العوض عليه.

قال المرغيناني: “والأصل أن كلّ طاعة يختص بها السلم لا يجوز الاستئجار عليها عندنا” .

وقال ابن عابدين: ” … جميع ما قدمناه هو مذهب أئمتنا الثّلاثة ومن تبعهم من مشايخ المذهب المتقدمين،

وحاصله منع الاستئجار والجعالة على شيء من الطاعات سواء كانت واجبة أم لا” .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة أصل الحنفية هذا بأنكم قد جوزتم الاستئجار على كثير من الطاعات كالآذان والإمامة والتعليم ونحو ذلك للضرورة،

والتحكيم يدخل في ذلك نظزا لأهميته الشديدة وحاجة النَّاس الماسة إليه لقطع النزاع وفصل الخصومات وإزالة الشحناء،

وحفظ الحقوق مع كثرة ما يقع من ذلك بين النَّاس في كلّ يوم

فكانت حاجتهم إلى التحكيم ضرصرة، وقد لا يوجد المحتسب فيتعطل هذا المنصب فتكثر العداوة والبغضاء بين النَّاس وربما تسفك الدماء.

ثانيًا: أدلة القول الأوّل:

استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

قالوا: إنَّ التحكيم عمل مباح، لا يتعين عليه، فجاز أخذ الأجرة عليه كسائر الأعمال المباحة .

الدّليل الثّاني:

قالوا: يجوز للمحكم أخذ الجعل على التحكيم كالقاضي لحاجة النَّاس ولئلا يتعطل هذا المنصب وتضييع الحقوق .

الدّليل الثّالث:

القياس على القاسم، فكما أنّه يجوز للقاسم أخذ الأجرة على القسمة فكذلك المحكم،

بجامع أن عمل كلّ منهما يؤدِّي إلى فض النزاع بين المتخاصمين، وليس لهما رزق من بيت المال على هذا العمل .

الترجيح:

الّذي يظهر من خلال ما سبق هو رجحان القول الأوّل القاضي بجواز أخذ الجعل على التحكيم،

لقوة ما علل به هؤلاء، وللفارق بين المحكم والقاضي، ولكون التحكيم عمل لا يلزم كلا الطرفين فهو أقرب إلى المباحات، والله تعالى أعلم.

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*