أخذ المال على القتال

أخذ المال على القتال

أخذ المال على القتال هو المبحث الثاني من الفصل الرّابع الذي بعنوان أخذ المال على الجهاد من بحث أخذ المال على أعمال القرب

أخذ المال على القتال

المبحث الثّاني أخذ المال على القتال

المطلب الأوّل استئجار المسلم للقتال

الجهاد في سبيل الله، حكمه في الأصل أنّه فرض كفاية ، وقد يتعين في حالات ذكرها العلماء .

فإذا كان الجهاد فرض عين، فإنّه لايجوز الاستئجار عليه باتِّفاق أهل العلم، حكمه في ذلك حكم فروض الأعيان الّتي لايجوز الاستئجار عليها؛ كصلاة الإنسان لنفسه، وصيامه لنفسه، وحجه لنفسه .

أمّا إذا كان الجهاد فرض كفاية، فقد اختلف العلماء في حكم الاستئجار عليه على قولين:

القول الأوّل: المنع مطلقًا من الاستئجار على الجهاد؛ سواء أكان المستأجر هو الإمام، أم غيره من أفراد الرعية، وسواء أكان الأجير ممّن يلزمه الجهاد في الأصل، وهو المسلم الحر، أم كان ممّن لايلزمه الجهاد في الأصل؛ كالعبد، والمرأة.

وإلى هذا القول ذهب الحنفية ؛ قال السرخسي: ” … واستئجار المسلم على الجهاد باطل” ، وهو الذهب عند المالكية، كما في الدونة .

قال ابن القاسم: “والذي يؤاجر نفسه في الغزو، أن ذلك لا يجوز في قول مالك، وهو رأي، أنّه لا يجوز ….. .

وهو مذهب الشّافعيّة، قال النووي: “لا يجوز أن يستأجر الإمام، ولا أحد الرعية مسلمًا للجهاد … ” .

وهذا القول هو المشهور من الذهب عند الحنابلة ، قال ابن النجار الفتوحي: “ولاتصح الإجارة على الجهاد على الأصح” .

القول الثّاني: يجوز الاستئجار على الجهاد، إذا كان فرض كفاية؛ سواء كان المستأجر الإمام، أم غيره، وسواء أكان الأجير ممّن يلزمه الجهاد؛ كالمسلم الحر، أم ممّن لا يلزمه؛ كالعبد، والمرأة.

وإلى هذا القول ذهب بعض المالكية ، وخصه ابن عبد البر بالإمام خاصّة؛ قال: “ولاباس أن يستأجر الغازي يغزو معه، ولاحرج على من آجر نفسه منه” .

وما ذهب إليه ابن عبد البر هو قول الصَّيدلُّاني من الشّافعيّة؛ قال النووي: “وعن الصَّيدلُّاني: أنّه يجوز للإمام أن يستأجره، ويعطيه أجره من سهم المصالح”

وهذا القول هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد وحمه الله تعالى، وهو قول الخرقي، وإليه مال ابن قدامة في المغني .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

استدل أصحاب هذا القول، وهم القائلون بالجواز، بأدلة من السُّنَّة، والمعقول:

أ – أدلتهم من السُّنَّة:

الدّليل الأوّل: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – قال: (للغازي أجره، وللجاعل أجرهُ، وأجر الغازي) .

وجه الاستدلال:

حيث أجاز النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – الجعل على الجهاد؛ وذلك بإثبات الأجر للغازي، فإذا جاز الجعل على الجهاد جاز أخذ الأجرة عليه؛ لأنّها في معناه.

مناقشة الاستدلال:

نوقش الاستدلال بهذا الحديث من عدة وجوه:

الأوّل: أن هذا الحديث محصول على من يجوز الغازي التطوع؛ أي: أن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – قد أخبر بحصول الأجر الأخروي لمن أراد أن يجوز غازيًا، من غير أن يشترط عليه أن يغزو بما أعطاه، فيكون الغزو تطوعًا، لا استئجارًا .

الثّاني: يمكن مناقشة هذا الحديث كذلك: بأنّه خاص بالجعل على القتال،

وقياس الاستئجار على الجعالة قياس مع الفارق، فإن باب الجعالة أوسع من باب الإجارة، حيث إنها تصح مع جهالة العمل، والمدة، والعامل، بخلاف الإجارة، وقد سبق بيان ذلك مرارًا .

الثّالث: لو سلمنا جواز القياس على الجعالة، فإنّه لا يصح هنا؛ لأنّ الجعالة على الجهاد مختلف فيها، كما سيأتي، والقياس على أمر مختلف فيه لا يصح؛ فإن من شرط القياس أن يكون حكم الأصل متفقًا عليه، وقد سبق بيان ذلك .

الدّليل الثّاني: عن جبير بن نفير ؛ قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (مثل الذين يغزون من أمتي، ويأخذون الجعل يتقوون به على عدوهم مثل أم موسى ترضع ولدها، وتأخذ أجرها) .

وجه الاستدلال:

وجه الاستدلال من هذا الحديث كسابقه، وحاصله قياس الإجارة في الجهاد على الجعالة في الجواز بجامع أن كلا منهما من عقود العاوضة.

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: يناقش هذا الحديث بما نوقش به الحديث السابق.

قال السرخسي مبينًا المراد بالحديث: “يعني أن الغزاة يعملون لأنفسهم؛ قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ} [الإسراءِ: 7]، ثمّ يأخذون الجعل من إخوانهم من المؤمنين ليتقووا به على عدوهم، وذلك لهم حلال، كما أن أم موسى كانت تعمل لنفسها في إرضاع ولدها، وتأخذ الأجرة من فرعون تتقوى بها على الإرضاع، وكان ذلك حلالًا لها” .

ثانيًا: أن الحديث مرسل؛ فهو أحد أنواع الحديث؛ الضعيف، فلا يحتج به .

ثالثًا: الحديث ضعيف؛ في إسناده إسماعيل بن عياش ، وقد ضعفه جماعة من أهل العلم، وترهوا حديثه.

ب – أدلتهم من المعقول:

الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ الجهاد أمر لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة؛ فصح الاستئجار عليه، كبناء المساجد .

مناقشة الاستدلال:

إنَّ قياس الجهاد على بناء المساجد قياس مع الفارق؛ فلا يصح. وبيان ذلك:

1 – أن الجهاد فرض على المسلمين في الجملة؛ فهو إمّا فرض كفاية، وإما فرض عين، فإذا كان الجهاد بهذه المثابة فهو من هذا الجانب قربة يختص بفعلها المسلم دون الكافر، وأمّا جواز فعله من الكافر فمحل خلاف بين العلماء في جواز الاستعانة بالكفار في الحرب مع المسلمين، وإن جاز فللضرورة، وحكم الضّرورة حكم خاص يختلف عن الحكم في الحالات العادية .

ثمّ إنَّ فعل الكفار حين الاستعانة بهم ليس بجهاد، فإن الجهاد ينال به الثّواب، والكافر ليس من أهل الثّواب، والجهاد ممّا يتقرب به العبد إلى ربه، وهم لايتقربون بذلك، بخلاف المسلم .

2 – أن القياس على بناء المساجد لا يصح؛ لأنّ البناء ممّا لا يختص بفعله المسلم، وفعل البناء في نفسه ليس بقربة، ولهذا جاز فعله من الكافر .

الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الجهاد إذا كان فرض كفاية فإنّه لا يتعين عليه، فيجوز أن يؤجر نفسه عليه، كالعبد .

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: أن الجهاد، كان كان فرض كفاية في الأصل، إِلَّا أنّه متى حضر الصف تعين عليه، ولا يجوز أخذ الأجرة على فرض العين .

ثانيًا: أن القياس على العبد قياس مع الفارق؛ فلا يصح؛ لأنّ العبد لا يلزمه الجهاد في الأصل، سواء أكان فرض عين، أم فرض كفاية؛ لأنّه محبوس لخدمة سيده، فلا يملك التصرف في نفسه بالجهاد، ولا بغيره، إِلَّا أن يأذن له، فلا يصح قياس الحر عليه.

ثالثًا: أنّه لا حاجة بالمسلم الحر، أو غيره؛ لأخذه الأجرة على جهاده، لأنّ الجهاد قربة إلى الله حضّ الله تعالى عليها، ورغب فيها، ثمّ بإمكان المجاهد الأخذ من بيت المال، أو من الزَّكاة، أو النفقة من إخوانه القادرين، فيأخذ من هذه المصارف حاجته، وحاجة عياله، وما يلزمه من نفقة، ونحو ذلك .

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

استدل أصحاب هذا القول – وهم جمهور أهل العلم – الذين منعوا الاستئجار على الجهاد بأدلة كثيرة من المعقول، ومن هذه الأدلة:

الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ الغزو يتعين بعضوره، على من كان من أهله، فإذا تعين عليه الفرض، لم يجز أن يفعله عن غيره، كمن عليه حجة الإسلام، لا يجوز أن يحج عن غيره، وعليه فالاستئجار عليه لا يجوز .

الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الجهاد، دان كان فرضًا على الكفاية، فكل من باشره يكون مؤديًا فرضًا، والاستئجار على أداء الفرض باطل، كالاستئجار للصلاة .

الدّليل الثّالث: قالوا: إنَّ الجهاد عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، فلا تصح الإجارة عليه، كالصلاة .

الدّليل الرّابع: قالوا: إنَّ الجهاد حق لله تعالى، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه .

الترجيح:

بعد عرض أقوال الفقهاء في هذه المسألة، وذكر أدلتهم، وبيان ما ورد عليها من مناقشات، يتبين أن القول القاضي بالمنع من الاستئجار على الجهاد هو الراجح، ويعود هذا الترجيح إلى الأسباب التالية:

أوَّلًا: قوة القول القاضي بالمنع لقوة أدلته، حيث جاءت الأدلة الّتي عللوا بها متفقة مع أصول الشّرع، وقواعده العامة،

ومن ذلك أن فروض الأعيان الّتي تطلب من كلّ فرد بعينه، لا يجوز لغيره فعلها عنه كما في صلاة الإنسان لنفسه، وحجه لنفسه، وصيامه لنفسه،

ومن ذلك: الجهاد، فإن الأئمة متفقون على أنّه إذا حضر الصف تعين عليه، فكيف يسوغ له بعد ذلك أخذ العوض عليه.

ثانيًا: ضعف ما استدل به المجيزون، فإنّه أمكن مناقشة جمجع ما استدلوا به من أحاديث، وأدلة عقلية ممّا أضعف من دلالتها، وأخرجها عن حجيتها.
ثالثًا: أنّه لا حاجة بالمرء لأنّ ياخذ أجرًا على غزوه، وذلك لما يأتي:

1 – كثرة الموارد المالية للجند من زكاة، وعطاء، ونحو ذلك.

2 – أن الله تعالى حث أهل الخير، وأصحاب الأموال على الإنفاق في سبيله، ووعد على ذلك الثّواب العظيم ،

ممّا يوفر للغازي كلّ ما يحتاج إليه في خاصّة نفسه، ومن يعول، وما يحتاج إليه من عتاد، وسلاح بما لا يكون معه حاجة، أو ضرورة تدفعه إلى إجارة نفسه على عمل من أجل وأعظم القرب إلى الله تعالى.

المطلب الثّاني أخذ الجعل على الجهاد

أوَّلًا: المرإد بالجعل :

من خلال النظر في كلام العلماء حول الجعائل في باب الجهاد، يتبين أن الجعل يردّ عندهم على معنبين:

أحدهما: على معنى النفقة في سبيل الله، وعليه فتكون الجعالة هنا ليست على بابها من كونها عقد معاوضة.

والعنى الآخر: أن يكون بمعنى المعاوضة، فتكون على بابها، وسنفصل القول في المعنبين على النحو التالي:

* المعنى الأوّل: أن يكون على معنى النفقة في سبيل الله:

وهذا المعنى هو الّذي يُعرف عند الفقهاء بـ (الجهاد بالمال) ، وحكم هذا النوع من الجهاد كحكم الجهاد بالنفس، ولافرق، فقد يكون فرض عين، وقد يكون فرض كفاية. وهذا النوع قد جاء الشّرع بالترغيب فيه، والحض عليه، والوعد عليه بالثواب الجزيل في الآخرة، ومن ذلك:

1 – قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ

عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال: 60]

2 – قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 261].

3 – قوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41].

4 – عن زيد بن خالد الجهني – رضي الله عنه -، عن النّبيّ – رضي الله عنه – أنّه قال: (من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلفه في أهله بخير فقد غزا) .

وغير ذلك من النصوص الكثيرة الدالة على فضل الجهاد بالمال، وإعانة الغازي في سبيل الله.

قال الإمام ابن قيم الجوزية مبينًا هذا النوع عند حديثه عن فقه وفوائد غزوة تبوك: “ومنها: وجوب الجهاد بالمال، كما يجب بالنفس،

وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، وهي الصواب الّذي لا ريب فيه، فإن الأمر بالجهاد بالمال شقيق الأمر بالجهاد بالنفس في القرآن، وقرينه،

بل جاء مقدمًا على الجهاد بالنفس في كلّ موضع، إِلَّا موضعًا واحدًا، وهذا يدلُّ على أن الجهاد به أهم وآكد من الجهاد بالنفس،

ولا ريب أنّه أحد الجهادين، كما قال النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -: (من جهز غازيًا فقد غزا)،

فيجب على القادر عليه، كما يجب على القادر بالبدن، ولا يتم الجهاد بالبدن إِلَّا ببذله،

ولا ينتصر إِلَّا بالعدد والعُدد، فإن لم يقدر أن يكثر العدد وجب عليه، أن يمد بالمال والعدة …. .

وقال ابن تيمية رحمه الله: “ومن عجز عن الجهاد ببدنه، وقدر على الجهاد بماله، وجب عليه الجهاد بماله، هو نصّ أحمد في رواية أبي الحكم،

وهو الّذي قطع به القاضي في أحكام القرآن في سورة براءة عند قوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} فيجب على الموسرين النفقة في سبيل الله …. ” .

فإذا قصر الأغنياء، والقادرون في النفقة في سبيل الله، أو كان ما ينفقونه لا يسد حاجة الجند من النفقة والعتاد، فهل للإمام أن يفرض على القادرين من الرعية من المال ما يسد به حاجة المجاهدين من نفقة، وسلاح، وغير ذلك؟

لا خلاف بين المذاهب في جواز ذلك للإمام، ولكن بشرط خلو بيت المال من الأموال الّتي تكفي حاجة الجند .

قال محمّد بن الحسن: “لو أراد الإمام أن يجوز جيشًا، فإن كان في بيت المال سعة، فينبغي له أن يجهزهم بمال بيت المال، ولايأخذ من النَّاس شيئًا، وإن لم يكن في بيت المال سعة كان له أن يتحكم على النَّاس بما يتقوى به الذين يخرجون للجهاد” .

وقال الشاطبي: “إنا إذا قررنا إمامًا مطاعًا مفتقرًا إلى تكثير الجنود لسدّ الثغور، وحماية الملك المتسع الأقطار، وخلا بيت المال، وارتفعت حاجات الجند إلى ما لا يكفيهم فللإمام – إذا كان عدلًا – أن يوظف على الأغنياء ما يراه كافيًا لهم في الحال إلى أن يظهر بيت المال” .

هذه بعض نقول أهل العلم في هذه المسألة، وهناك نقول أخرى عن بقية المذاهب، ممّا يؤكد سلطة الإمام في التصرف على الرعية بما يحقق المصلحة عملًا بالقاعدة الشرعية: “تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة” .

وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أنّه يجب على القادرين في هذه الحالة تجميع المال اللازم؛ لدفع العدو، قال: إنَّ المسلمين إذا احتاجوا إلى مال يجمعونه لدفع عدو وجب على القادرين الاشتراك في ذلك” .

بناء على ما سبق، فقد عرّف الحنفية الجعل؛ فقالوا في تعريفه:

“هو أن يكلف الإمام النَّاس بأن يقوي بعضهم بعضًا بالسلاح، والكراع، وغير ذلك من النفقة، والزاد” .

وفي تعريف آخر:

“هو ما يضربه الإمام للغزاة على النَّاس بما يحصل به التقوي للخروج إلى الحرب” .

وهذا النوع من الجعل لاحرج على المجاهدين في أخذه، بل قد يجب عليه الأخذ إذا كان هذا هو سبيله للتقوي على الجهاد في سبيل الله، ودفع العدو، والذَّبّ عن حياض الإسلام، ونصرة دين الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وهذا لا نزاع فيه بين العلماء .

قال ابن بطّال: “إنَّ أخرج الرَّجل من ماله شيئًا، فتطوع به، أو أعان الغازي على غزوه بفرس، ونحوها، فلا نزاع فيه” .
ويدلُّ على هذا:

أوَّلًا: النصوص الكثيرة الّتي سبق ذكرها في وجوب الجهاد بالمال، والترغيب في ذلك، فهي دالة على جواز أخذ المجاهد من هذا المال ما يتقوى به على الجهاد، فيكون هو مجاهدًا بنفسه، وصاحب المال مجاهدًا بماله .

ثانيًا: النصوص النبوية الّتي استدل بها من أجاز الاستئجار على الغزو.

ومن تلك النصوص:

1 – حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (للغازي أجره، وللجاعل أجره، وأجر الغازي) .

وجه الاستدلال:

حيث أخبر النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – بأن للجاعل، وهو من يقوم بتجهيز الغزاة، وبذل النفقة في ذلك، أن له أجرين: أجر ما أنفق، وأجر مثل أجر من غزا، قال البغوي: “فيه ترغيب للجاعل، ورخصه للمجعول له”.

2 – حديث جبير بن نفير عن أبيه، قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: “مثل الذين يغزون من أمتي، ويأخذون الجعل يتقوون به على عدوهم، مثل أم موسى ترضع ولدها، وتأخذ أجرها” .

وجه الاستدلال:

حيث بين النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – أن الذين يغزون، ويأخذون الجعل بغرض الاستعانة به على الجهاد، أن ذلك جائز؛ قال السرخسي: “يعني أن الغزاة يعملون لأنفسهم؛ قال تعالى: {إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ} [الإسراءِ: 7]، ثمّ يأخذون الجعل من إخوانهم من المؤمنين، ليتقووا به على عدوهم، وذلك لهم حلال، كما أن أم موسى كانت تعمل لنفسها في إرضاع ولدها، وتأخذ الأجرة من فرعون تتقوى به على الإرضاع، وكان ذلك حلالًا لها” .
ثالثًا: ما ورد من ذلك عن الصّحابة – رضي الله عنه -:

1 – عن جرير بن عبد الله البجلي – رضي الله عنه -، أن معاوية كتب إليه في بعث ضربه: “أمّا بعد: فقد رفعنا عنك، وعن ولدك الجُعل”. فكتب إليه جرير:

إنِّي بايعت رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – على الإسلام، فأمسك رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – بيدي، فاشترط عليّ: (النصح لكل مسلم)، فإن أنشط في هذا البعث نخرج فيه، وإلا، أعطينا من أموالنا ما ينطلق المنطلق” .

قال المسعودي : هذا أحسن ما سمعناه في الجعائل (5).

وجه الاستدلال:

حيث دلّ هذا الأثر على مشروعية الجُعل للغازي على سبيل النفقة، والإعانة على الغزو في سبيل الله تعالى، حيث ذكر جرير ما ذكره، ولم ينكره معاوية .
2 – عن مجاهد قال: قلت لابن عمر: العزوَ؛ قال: إني أُحب أن أعينك بطائفة من مالي، قلت: أوسع الله على. قال: إنَّ غِناك لك، وإني أحب أن يكون من مالٍ في هذا الوجه .

وجه الاستدلال:

حيث دلّ قول ابن عمر عن مشروعية الجعل للغازي إذا كان على سبيل النفقة، والإعانة على الجهاد في سبيل الله.

المعنى الثّاني: أن تكون على معنى المعاوضة:

وعلى هذا المعنى تكون الجعالة على بابها، ومعناها العروف عند أهل العلم .

وقد عرّف العلماء الجعالة على الجهاد، بعدة تعريفات منها:

التعريف الأوّل: “هي أن يعطي شخص متخلف عن الجهاد مقدارًا من المال، لمن

يخرج إلى الجهاد نائبًا عنه” .

التعريف الثّاني: “هي ما يجعله القاعد من الأجرة لمن يغزو عنه” .

يتضح من خلال التعريفين السابقين للجعل على الجهاد، أن الجعل هنا عبارة

عن أجرة لمن ينوب عن صاحبه في الغزو، وليس على سبيل النفقة، والإعانة على الغزو، كما تقدّم بيان ذلك .

وأخذ الجعد على الجهاد على معنى الإجارة، والعوض على الجهاد، حكمه عند الفقهاء، حكم الإجارة على الجهاد، سواء بسواء، وبيان ذلك:

أن الجهاد إذا كان فرض عين، فلا يجوز أخذ الجعل عليه، وقد سبق بيان ذلك في مبحث الإجارة على الجهاد.

قال ابن قدامة: “والجعالة تساوي الإجارة … في أن ما جاز أخذ العوض عليه في الإجارة من الأعمال جاز أخذه في الجعالة، وما لا يجوز أخذ الأجرة عليه في الإجارة مثل الغناء، والزمر، وسائر المحرمات، لا يجوز أخذ الجعل عليه، وما يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، ممّا لا يتعدى نفعه فاعله كالصلاة، والصيام، لا يجوز أخذ الجعل عليه، فإن كان ممّا يتعدى نفعه كالأذان، والإقامة، والحج، ففيه وجهان كالروايتين في الإجارة …. ” .

فإن كان الجهاد فرض كفاية فقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأوّل: لا يجوز مطلقًا أخذ الجعل على الجهاد.

وإليه ذهب الحنفية ، وبعض المالكية ، والشّافعيّة ، وهو قياس المذهب عند الحنابلة .

القول الثّاني: يجوز الجعل على الجهاد.

وبه قال جمهور المالكية، وهو المذهب، ويتخرج قولًا لبعض الحنابلة .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

استدل من أجاز الجعل على الجهاد بعدة أدلة من السُّنَّة، والمعقول، وقد تقدمت أدلتهم في مبحث الأجرة على الجهاد؛ ذلك أنّه لما كان الجعل هنا بمعنى الأجرة، بل هو في الحقيقة أجرة كما نصّ عليه كثير من أهل العلم ، وكان حكمه حكم الأجرة، بل إنَّ ما استدلوا به على جواز الأجرة على الجهاد إنّما هي أدلة صريحة على الجعالة، كما في حديث عبد الله بن عمرو، وحديث جبير بن نفير، عن أبيه، وقد تقدّم بيان وجه الاستدلال من هذه الأحاديث، وذكر ما ورد عليها من مناقشات، بما يغني عن الإعادة .

وإن ممّا استدلوا به كذلك على جواز الجعل على الجهاد:

قالوا: إنَّ الحاجة داعية إلى أخذ الجعل على الجهاد، وفي المنع منه تعطيل للجهاد، ومنع له ممّن فيه للمسلمين نفع، وبهم إليه حاجة؛ فينبغي أن يجوز .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:

أنّه لا حاجة للمسلم في أخذ الجعل على جهاده في سبيل الله -عَزَّ وَجَلَّ- فإن الله تعالى قد وسع في مصادر النفقة للمجاهدين، كما سبق بيان ذلك، فإن تعطلت كلّ هذه المصادر، فتكون هذه حالة ضرورة، فلا حرج على المسلم حينئذ الأخذ، ولكن بنية النفقة، وتجهيز نفسه، وإعدادها للجهاد، لا بنية العوض، واستفضال المال، حتّى يكون جهاده خالصًا لوجه الله تعالى، وينال به الثّواب؛ لأنّ العمل إذا عمل للأجرة

والدنيا، لم يعد قربة، بل يكون على أحسن أحواله من المباحات ، ولا ينبغي للمسلم فعل ذلك؛ لأنّه يعرض نفسه للهلاك في ميدان المعرفة؛، ولا يمكن أن يكون ذلك لمجرد الحصول على بعض المال.

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

استدل أصحاب هذا القول بأدلة كثيرة منها:

أوَّلًا: أدلتهم على المنع من الإجارة في الجهاد، فإنّه تقدّم بيان أن الجعالة هنا بمعنى الإجارة، فالأدلة على المنع منهما واحدة .

ثانيًا: لهم بعض الأدلة الأخرى منها:

الدّليل الأوّل: عن ابن سيرين، عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: “كان القاعد يمتع الغازي، فأمّا أن يبيع الرَّجل غزوه، فلا أدري ما هو” .

وجه الاستدلال:

حيث شبه ابن عمر رضي الله عنهما من يأخذ الجعل على غزوه بمن يبيع غزوه، وأن ذلك أمر لايعرف، وقد ذكر ذلك على وجه الإنكار، والتحقير لفاعله؛ فدل على أن الجعل على الجهاد لا يجوز.

الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الخارج يملك لحضور الوقعة سهمه من الغنيمة، ولو صحت الجعالة لملكها صاحبها دونه .

الترجيح:

يترجح ممّا سبق بعد عرض الأدلة، وما ورد عليها من مناقشات، وبعد معرفة

الراجح في مسألة الإجارة على الحجِّ أن الراجح هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأوّل من أن الجعل على الغزو لا يجوز؛ وذلك لما يأتي:

قوة ما عللوا به، وضعف ما استدل به أصحاب القول الآخر؛ حيث أمكن مناقشة أدلتهم بما يضعف من دلالتهم على ما ذهبوا إليه، ويقال في ترجيح هذا القول ما قيل في ترجيح المنع من الإجارة؛ إذ هما من باب واحد، وقد سبق بيان ذلك.

المطلب الثّالث إعطاء الأجير من الغنيمة

للأجير في الغزو حالان:

الأوّل: أن يكون استؤجر للخدمة.

الآخر: أن يكون استؤجر ليقاتل.

والذي نعنيه في هذه المسألةُ هو الآخر، وهو الأجير للقتال، وقد سبق تفصيل القول في حكم الاستئجار على القتال، وحكم الجعل عليه كذلك.

وعلى هذا فإن هذه المسألةُ تعد فرعًا عن المسألتين السابقتين؛ بمعنى: أن من أخذ الأجرة، أو الجعل على القتال، هل يستحق سهمه من الغنيمة أم لا؟

الخلاف هنا كالخلاف السابق في مسألة الجعل، والإجارة:

فمن ذهب إلى منع الإجارة، والجعل على الجهاد، قالوا: تبطل الإجارة، أو الجعالة، وترد الأجرة، أو الجعل، ويكون للمقاتل سهمه من الغنيمة.

وإلى هذا ذهب الحنفية ، وبعض المالكية ، وهو أحد الوجهين عند الشّافعيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة ، وهو اختيار الخلال (5) من أصحاب الإمام أحمد.

ومن ذهب إلى صحة الإجارة، والجعل على القتال قالوا: لا سهم له، بل له الأجرة، أو الجعل، أمّا الغنيمة فلا.

وإلي هذا ذهب جمهور المالكية، وهو المذهب ، وهو الوجه الآخر عند الشّافعيّة، وبه جزم البغوي ، وهو قول عند الحنابلة .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

استدل من قال بأنّه لا سهم للأجير للقتال بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

قالوا: لأنّه أعرض عن الجهاد بالإجارة، ولم يحضر مجاهدًا، إنّما حضر أجيرًا؛ فلا سهم له في الغنيمة .

الدّليل الثّاني: قالوا: إنّه لما كان غزوه بعوض كان واقعًا عن غيره؛ فلا يستحق شيئًا من الغنيمة (5).

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذه التعليلات بما يأتي:

أوَّلًا: أنّه بعضوره القتال تعين عليه، وأصبح من أهله؛ فيستحق الغنيمة، كغير الأجير.

ثانيًا: أن القول بأن جهاده واقع عن غيره لا يصح؛ لأنّه بعضور القتال يصبح جهاده له، وواقع عن نفسه، لا عن غيره؛ للاتفاق على أنّه إذا حضر الصف تعين عليه القتال، كما سبق بيانه.

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

استدل أصحاب هذا القول، وهم القائلون إنّه يسهم للأجير للقتال بما يأتي:

الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ غزو الأجير وقع بغير عوض؛ فيكون جهاده واقعًا عن نفسه، لا عن غيره، فيستحق سهمه من الغنيمة .

الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الاستئجار لما بطل، صار كأن لم يكن، فيكون السهم للغازي .

الترجيح:

الّذي يظهر هو رجحان القول الأوّل، وأنّه يسهم للأجير، وتبطل أجرته، فيرد الأجرة، ويستحق سهمه من الغنيمة، ويؤيد ذلك:

1 – أنّه إذا أبطلنا الأجرة، أو الجعل، فيكون غزوه بغير عوض، فيستحق سهمه، كغيره من المجاهدين الذين يغزون بغير عوض.

2 – أنّه بعضور المعركة يصبح القتال فرضًا عليه، وواقعًا عنه، لا عن غيره، فإذا كان جهاده واقعًا عنه فإنّه يستحق السهم من الغنيمة، كغيره من المجاهدين، ولايستحق الأجرة .

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*