أخذ المال على القرض

أخذ المال على القرض

أخذ المال على القرض هو المبحث الأول من الفصل الأوّل أخذ المال على المعاملات ، الباب الثّاني أخد المال على المعاملات والولايات الشرعية من بحث أخذ المال على أعمال القربات

أخذ المال على القرض

المبحث الأوّل أخذ المال على القرض

لا خلاف بين الفقهاء في أن القرض أحد أهم عقود الإرفاق والإحسان والبر والتبرع، وهو قربة بل ومن أجلّ القرب إذا كان بضوابطه وشروطه الشرعية، وذلك لما فيه من إيصال النفع للمقترض، وقضاء حاجته، وتفريج كربته .

والناظر في حياة النَّاس يجد الحاجة إليه عامة، فما من أحد إِلَّا وهو محتاج إليه في معاملاته، سواء أكان مقرضًا أم مستقرضًا، ومن هنا فقد اعتنى الفقهاء به عناية

خاصّة، فبينوا أحكامه وضبطوا مسائله، ومن أهم المسائل الّتي عني بها الفقهاء هي مسألة أخذ العوض على القرض سواء أكان ذلك في سورة زيادة صريحة أم كان في سورة زيادة غير صريحة يمكن أن يتمثل في هدية أو عقد آخر أو اشتراط أي منفعة يحتال بها على الوصول إلى الزيادة أو المنفعة على القرض.

وكان سبب هذه العناية بأحكام القرض وبخاصة مسألة العوض عليه هو أن الزيادة أو الفائدةُ المحرمة تخرج القرض من دائرة البرّ والإحسان والإرفاق، إلى براثن الرِّبَا المحرم، وحرمة الرِّبَا وخطره على المسلم في الدنيا والآخرة من الأمور المعلومة بالضرورة.

وسأتناول الكلام على أخذ المال على القرض في المطالب التالية:

المطلب الأولى اشتراط الزيادة على القرض

أجمع العلماء على أنّه إذا شرط المقرض على المقترض زيادة أو هدية أو منفعة أن ذلك لا يجوز والزيادة على القرض تكون ربا، ويترتب على ذلك فساد عقد القرض، سواء أكانت هذه الزيادة في القدر، بأن يردّ المقترض أكثر ممّا أخذ من جنسه، أم بأن يزيد هدية من مال آخر، أم كانت هذه الزيادة في الصِّفَة بأن يردّ المقترض أجود ممّا أخذ .

قال ابن عبد البرّ: “وكل زيادة في سلف أو منفعة ينتفع بها المسلف فهي ربا،

ولو كانت قبضة من علف، وذلك حرام إنَّ كان عن شرط” .

وقال ابن المنذر: “أجمعوا على أن المسلِف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة على ذلك ربا” .

بالإضافة إلى الإجماع السابق على تحريم الزيادة على القرض فقد استدل الفقهاء على ذلك بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

عن أنس – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (إذا أقرض أحدكم قرضًا فأهدى إليه طبقًا، فلا يقبله أو حمله على دابة فلا يركبها، إِلَّا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك) .

وجه الاستدلال:

حيث منع النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – المقرض من قبول هدية المقترض أو منفعته، ما لم يكن بينهما عادة جارية بذلك قبل القرض، فدلّ ذلك على أن أي منفعة أو هدية تكون بسبب القرض أنّها محرّمة .

الدّليل الثّاني:

عن فضالة بن عبيد – رضي الله عنه – أنّه قال: “كلّ قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الرِّبَا” .

قال الإمام البيهقي : “وروينا في معناه عن عبد الله بن مسعود وأبي ابن كعب، وعبد الله بن سلام وابن عبّاس” .

الدّليل الثّالث:

قالوا: إنَّ موضوع عقد القرض الإرفاق والقربة، فإذا اشترط المقرض فيه زيادة أو حقًا لنفسه، خرج عن موضوعه فمنع صحتَه؛ لأنّه يكون بذلك قرضًا للزيادة، لا للإرفاق والقربة .

الدّليل الرّابع:

قالوا: إنَّ الزيادة المشروطة تشبه الرِّبَا؛ لأنّها فضل، لا يقابله عوض، والتحرز عن حقيقة الرِّبَا، وعن شبهة الرِّبَا واجب .

المطلب الثّاني الزيادة على القرض مع عدم الاشتراط

إذا أقرض الرَّجلُ الرجلَ فقضاه المقترض بأجود أو أكثر ممّا أخذ أو ببلد آخر ونحو ذلك، ولم يكن ذلك عن شرط أو جرى به عرف، فقد اختلف الفقهاء في حكم ذلك على قولين:

القول الأوّل:

يجوز رد القرض بأفضل أو أكثر منه إذا لم يكن ذلك عن شرط أو جرى به عرف.

وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية ، والمالكية ، والشّافعيّة والحنابلة .

القول الثّاني:

لا يجوز ذلك، بل يجب رد المثل دون زيادة.

وإلى هذا ذهب بعض الصّحابة منهم ابن عبّاس وابن عمر ، وهو وجه عند الشّافعيّة في الربويات خاصّة، وذكر أبو الخطّاب: أنّه رواية في المذهب .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

استدل هؤلاء على المنع من الزيادة على القرض إنَّ لم تكن عن شرط بما يأتي:

قالوا: إنّه إنَّ أخذ فضلًا كان قرضًا جر منفعة وهذا لا يجوز؛ لأنَّه ربا .

وستأتي مناقشة هذا التعليل ضمن أدلة الجمهور.

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

استدل الجمهور على الجواز بأدلة كثيرة من السُّنَّة والمعقول.

أ – أدلتهم من السُّنَّة:

الدّليل الأوّل:

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: كان لرجل على رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – سنّ من الإبل، فأغلظ له، فهمّ به أصحاب النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – فقال – صلّى الله عليه وسلم -: (دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا، واشتروا له بعيرًا فأعطوه إياه)، وقالوا: لا نجد إِلَّا أفضل من سنه، قال: (اشتروه فأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء) .

وجه الاستدلال:

حيث دلّ فعل النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – على جواز وفاء ما هو أفضل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد .

الدّليل الثّاني:

عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنه – قال: أتيت النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – وهو في المسجد، فقال: (صل ركعتين) وكان لي عليه دين فقضاني وزادني .

وجه الاستدلال:

حيث دلّ فعل النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – على جواز الزيادة على القرض إذا لم يكن ذلك عن شرط.

الدّليل الثّالث:

قالوا: إنَّ المقرض لم يجعل تلك الزيادة عوضًا في القرض ولا وسيلة إليه ولا إلى استيفاء دينه فحلت، كما لو لم يكن قرض .

الدّليل الرّابع:

قالوا: إنَّ الرِّبَا اسم لزيادة مشروطة في العقد، ولم توجد، فدلّ ذلك على جوازها .

الترجيح:

الراجح من القولين هو قول الجمهور لقوة ما استدلوا به، حيث جاءت أدلتهم نصية، فحديث أبي هريرة وحديث جابر صريحة في جواز الزيادة بدون اشتراط، فهي نصّ في محلّ النزاع.

المطلب الثّالث الهدية ونحوها للمقرض

تتبع الفقهاء رحمهم الله تعالى جميع الطرق والمنافذ الّتي قد يدخل منها أرباب القلوب المريضة للوصول إلى أخذ الزيادة المحرمة على القرض، ومن هذه الطرق الّتي قد تفضي إلى قلب القرض من وسيلة إحسان وإرفاق وبر وقربة إلى وسيلة لأكل الرِّبَا المحرم: طريق الهدية.

والهدية مستحبة في الأصل وهي من طرق المحبة والألفة والبر بين المسلمين، ولكنها إذا اتخذت وسيلة للمحرم، فإنها تكون حينئذ محرّمة وذلك؛ لأنَّ الوسائل لها حكم المقاصد.

أمّا حكم الهدية على القرض فيمكن حصر القول في ذلك على النحو التالي:

– اتفق الفقهاء رحمهم الله على أن الهدية من المقترض للمقرض إذا لم تكن من أجل القرض ولم تكن عن شرط، وقد جرت بها العادة قبل القرض أنّها في هذه الحالة تكون جائزة ولا حرج على المقرض في قبولها .

جاء في الفتاوى الهندية: (ولا بأس بهدية من عليه القرض، والأفضل أن يتورع من قبول الهدية، إذا علم أنّه يعطيه لأجل القرض، وإن علم أنّه يعطيه لا لأجل القرض، بل لقرابة أو صداقة بينهما لا يتورع) .

وقال ابن عبد البرّ: “وكره مالك أكل هدية الغريم إِلَّا أن يكون ذلك بينهما معروفًا قبل السلف أو يعلم أن هديته ليست لمكان الدِّين” .

قال الشربيني: “ولا يكره للمقرض أخذه -أي الزائد بلا شرط- ولا أخذ هدية المستقرض بغير شرط” .

وقال ابن قدامة: “وإن فعل ذلك من غير شرط، قبل الوفاء لم يقبله ولم يجز قبوله إِلَّا أن يكافئه أو يحسبه من دينه، إِلَّا أن يكون شيئًا جرت العادة به بينهما، قبل القرض” .

وقال ابن حزم: “وهدية الّذي عليه الدِّين إلى الّذي له عليه الدِّين حلال وكذلك ضيافته إياه، ما لم يكن شيء من ذلك عن شرط، فإن كان شيء عن شرط فهو حرام” .

وقد استدل الفقهاء على ذلك بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إليّ كراع لقبلت) .

وجه الاستدلال:

دلّ الحديث بعمومه على قبول الهدية سواء أكانت من الغريم أم من غيره، قال ابن حزم: “فهذا عموم لم يخص -عليه السّلام- من ذلك غريمًا من غيره” .

الدّليل الثّاني:

عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (إذا أقرض أحدكم قرضًا فأهدى إليه طبقًا فلا يقبله، أو حمله على الدابة، فلا يركبها ولا يقبله، إِلَّا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك) .

وجه الاستدلال:

حيث دلّ الحديث على أن الهدية من المقترض للمقرض إذا كانت لأجل عادة جارية بينهما قبل التداين فلا بأس بقبولها .

الدّليل الثّالث:

عن ابن سيرين أن عمر أسلف أبي بن كعب عشرة آلاف درهم، فأهدى إليه أبي بن كعب من ثمرة أرضه، فردها عليه ولم يقبلها، فأتاه أبي، فقال: لقد علم أهل المدينة أني من أطيبهم ثمرة؛ وإنه لا حاجة لنا، فبم منعت هديتنا؟ ثمّ أهدى إليه بعد ذلك فقبل .

الدّليل الرّابع:

قالوا: إنَّ المقترض لم يجعل تلك الزيادة عوضًا في القرض ولا وسيلة إليه ولا إلى استيفاء دينه، أشبه ما لم يكن قرض، فدلّ ذلك على جواز قبول الهدية من المقترض إذا لم تكن عن شرط، ولا مواطأة .

قال ابن القيم: رحمه الله “فكان رد عمر لما توهم أن تكون هديته بسبب القرض، فلما تيقن أنّها ليست بسبب القرض، قبلها، وهذا فصل النزاع في مسألة

هدية المقرض” .

أمّا إذا كانت الهدية عن شرط، فقد أجمع العلماء على المنع منها وأنّها عين الرِّبَا، قال ابن المنذر: “أجمعوا على أن المسلف إذا شرط على المستسلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة على ذلك ربا” .

وقد تقدّم مستند هذا الإجماع، وما استدل به الفقهاء على المنع من الهدية أو الزيادة في المسألة الأولى فأغنى عن الإعادة .

المطلب الرّابع اشتراط عقد آخر في القرض

من الذرائع المفضية إلى الرِّبَا المحرم: اشتراط عقدًا آخر في عقد القرض كبيع أو إجارة أو مزارعة أو مساقاة أو قرض آخر وقد اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على المنع من ذلك، وعدوا ذلك من الشروط الفاسدة، وذلك لمنافة هذه العقود لمقتضى عقد القرض. وقد استدلوا على المنع من ذلك بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدة، قال، قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (لا يحل سلف وبيع) .

وجه الاستدلال:

قال ابن القيم رحمه الله تعالى مبينا وجه الاستدلال من هذا الحديث: “وحرم الجمع بين السلف والبيع لما فيه من الذريعة إلى الربح في السلف بأكثر ممّا أعطى، والتوسل إلى ذلك بالبيع أو الإجارة كما هو الواقع … وكل ذلك سدًا لذريعة أخذ الزيادة في القرض الّذي موجبه ردّ المثل” .

وقال رحمه الله: “وأمّا السلف والبيع، فإنّه إذا أقرضه مائة إلى سنة ثمّ باعه ما يساوي خمسين بمائة، فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الّذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك” .

الدّليل الثّاني:

قالوا: ولأنّهما جعلا رفق القرض ثمنًا، والشرط لغو، فيسقط بسقوطه بعض الثّمن، ويصير الباقي مجهولًا، قال الخطابي: “وذلك فاسد؛ لأنّه إنّما يقرضه على أن يحابيه في الثّمن، فيدخل الثّمن في حدّ الجهالة” .

الدّليل الثّالث:

قالوا: إنَّ القرض ليس من عقود المعاوضة، وإنّما هو من عقود البرّ والمكارمة، فلا يصح أن يكون له عوض، فإن قارن القرض عقد معاوضة كان له حصة من العوض، فخرج عن مقتضاه، فبطل وبطل ما قارنه من عقود المعاوضة .

الدّليل الرّابع:

قالوا: إذا كان القرض غير مؤقت فهو غير لازم للمقرض والبيع وما أشبهه من العقود اللازمة، كالإجارة والنِّكاح لا يجوز أن يقارنها عقد غير لازم لتنافي حكميهما .

الدّليل الخامس:

قالوا: ولأنّه شرط عقد في عقد فلم يجز، كما لو باعه داره بشرط أن يبيعه الآخر داره .

المطلب الخامس القروض البنكية

القروض البنكية لها صور وأشكال وهي في مجملها لا تخلو من حالتين:

الحالة الأولى: أن تكون ضمن خدمات مصرفية:

وأمثلة ذلك خطاب الضمان والاعتمادات المستندية، وخطابات الاعتماد الشخصية ونحو ذلك، وقد تقدّم معنا أن هذه الخدمات الّتي تقدمها البنوك تنتهي -غالبًا- إلى قروض ربوية، وقد سبق الحديث عنها مفصلًا.

الحالة الثّانية: أن تكون هذه القروض بصورة مباشرة:

وهذه الحالة هي موضوع حديثنا، وهي من أخطر ما تقوم به البنوك وهي في نفس الوقت من أبسط صور الاعتمادات المصرفية، ولا يبعد القول بأن معاملات البنوك تكاد تنحصر في الاتجار بالديون إقراضًا واقتراضًا وإن تعددت الصور والأشكال في ذلك.

فالبنك يقوم باقتراض الودائع من عملائه -وهذا هو الراجح كما تقدّم- ثمّ يقوم بدوره بإقراض حصيلة هذه الودائع أو الديون للمتمولين أو للمستثمرين، وكل ذلك يتم وفق فائدة محددة متفق عليها سلفًا .

وسيكون البحث في القروض البنكية على النحو التالي:

أوَّلًا: تعريف الإقراض البنكي:

الإقراض البنكي هو: “اتفاق يسمح بموجبه المصرف لشخص فتح له اعتمادًا، بسحب المبالغ المعينة في هذا الاعتماد، خلال مدة معينة، أو يتفق مع المصرف على أن يدفع هذا الأخير قيمة الاعتماد لشخص آخر يعينه العميل” .

والتعريف السابق تركز على فتح الاعتماد سواء كان القرض لنفس العميل أم كان لشخص آخر يحدده العميل.

والتعريف السابق يشمل سورة واحدة من صور الأقراض البنكي وهي فتح الاعتماد.

وهناك سورة أخرى وهي عملية القرض العادي المباشر من البنك للعميل فيتقدم العميل بطلبه للبنك، ويتسلم بموجبه مقدارًا محددًا من المال . وقد عرف الباحثون هذا النوع من الإقراض بأنّه: “هو تسليم النقود مباشرة للعميل، وتحديد أجل للرد، واتفاق على سعر الفائدةُ، وبيان الضمانات إذا اشترطت لذلك” .

والفرق بين القرض النقدي المباشر وبين فتح الاعتماد يتلخص في النقاط التالية:

1 – المقترض يتسلم قيمة القرض بأكملها بعد توقيع العقد مباشرة بينما فاتح الاعتماد يسحب ما يشاء عن طريق شبكات أو غيرها في خلال المدة المسموح بها للاعتماد.

2 – المقترض يتسلم القرض كله، بينما فاتح الاعتمادات قد يتسلم القرض كله وقد لا يتسلمه وقد يتسلم البعض فقط دون البعض الآخر.

3 – المقترض يدفع كامل الفائدةُ على كامل المبلغ، بينما فاتح الاعتماد لا يحاسب إِلَّا على الأرصدة المدينة الّتي تم سحبها بالفعل.

4 – المقترض يردّ كامل المبلغ والفوائد، بينما فاتح الاعتماد لا يردّ إِلَّا ما قد سحبه بالفعل، ونسبة الفائدةُ المستحقة على المبلغ المسحوب فقط .

ثانيًا: تكييف الإقراض المصرفي في الفقه الإِسلامي:

القرض في المعاملات البنكية وغيرها من الأنظمة الحديثة يعد أول عقد ربوي، فهو يعد أصل كلّ العقود الربوية المعاصرة.

وبالنظر في أحكام الشّريعة نجد الأمر على العكس فإن القرض لا يعد أصلًا من أصول العقود الربوية، إذ البيع هو الأصل في جميع أنواع الرِّبَا.

ويأتي الكلام عن القرض الربوي الّذي يجر منفعة للمقرض، تابعًا للكلام عن البيع الربوي، فالبيع الربوي يشمل القرض الربوي، ويدخل في عموم النصوص المحرمة للبيع الربوي.

من هذا المنطلق فقد خرج الفقهاء المعاصرون الإقراض البنكي على أنّه أحد عقدين:

العقد الأوّل: عقد قرض.

وهذا التخريج بعيد وإن سمته المصارف قرضًا، فلا يجوز أن يكون قرضًا عند الفقهاء؛ لأنَّ القرض في الشّرع إنّما هو دفع مبلغ من المال لآخر على وجه الإرفاق والمعونة على أن يردّ المقترض بدله دون شرط زيادة على القرض أو جريان عرف بهذه الزيادة أو أي طريقة أخرى للحصول على الزيادة، على ما سبق بيانه في الكلام حول القرض الشرعي.

أمّا القرض المصرفي فهو دفع مبلغ لشخص على أن يرده مع فائدة يتفقان عليها فهذا مغاير تمامًا للقرض الشرعي .

العقد الثّاني: عقد بيع:

وهذه التّسمية هي الّتي جاءت بها النصوص؛ لأنَّ القرض البنكي يتضمن معاوضة مالية بين نقدين -غالبًا- أحدهما عاجل، والآخر آجل على وجه المغالبة، وقصد التنمية والاستثمار، وقد سمى النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – مثل هذا بيعًا ومن ذلك:

1 – عن عثمان بن عفان – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – قال: (لا تبيعوا الدّينار بالدينارين، ولا الدرهم بالدرهمين) .

2 – عن أبي بكرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إِلَّا سواء بسواء، والفضة بالفضة إِلَّا سواء بسواء، وبيعوا الذهب بالفضة، والفضة بالذهب كيف شئتم) .

وجه الاستدلال من الحديثين:

أن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – سمى مبادلة المال بالمال على وجه الزيادة بيعًا .

ثالثًا: حكم الإقراض المصرفي في الفقه الإِسلامي:

إذا خُرّج الإقراض المصرفي على أنّه قرض فهو حرام بالإجماع؛ لأنّه قرض جر نفعًا مشروطًا، وهذا هو عين الرِّبَا، وتقدم بيان حكم ذلك والأدلة على تحريمه، وأن هذا محلّ إجماع بين الفقهاء لا خلاف بينهم في ذلك.

وإذا خُرج على أنّه بيع، فهو من البيوع المحرمة، لتضمنه ربا الفضل وربا النسيئة. أمّا ربا الفضل فللزيادة الّتي يدفعها المقترض بالإضافة إلى ما اقترضه بناءً على الشرط المتفق عليه مع الصّرف

وأمّا ربا النسيئة فلتأجيل ما يدفعه المقترض للمصرف وفاءً للدين وقد يعجز المقترض عن الوفاء في الميعاد فيمتد الأجل ويلزمه دفع فائدة عن الدِّين الأصلّي، وما أضيف إليه من الفوائد قبل امتداد الأجل فيكون ربا مركبًا .

ومن الأدلة الدالة على تحريم ذلك وأنّه متضمن للربا بنوعيه ما يأتي:

الدّليل الأوّل:

عن عبادة الصامت – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير والتّمر بالتّمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل سواء بسواء يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد) .

الدّليل الثّاني:

عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتّمر بالتّمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء) .

الدّليل الثّالث:

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (الذهب بالذهب، وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، والفضة بالفضة وزنًا بوزن، مثلًا بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا) .

وجه الاستدلال من النصوص السابقة:

حيث نهى النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، متفاضلًا، حالًا أو مؤجلًا، ونهى عن بيع الذهب بالفضة، والفضة بالذهب مؤجلًا، والنهي يقتضي التّحريم، والقرض المصرفي قد يكون مبادلة ذهب بذهب أو فضة بفضة مع التأجيل، والزيادة فيتحقق فيه ربا الفضل والنساء، وقد يكون مبادلة ذهب بفضة أو فضة بذهب مع التأجيل فيتحقق فيه ربا النِّساء وعلى هذا فيكون داخلًا في عموم ما دلت عليه الأدلة السابقة من النّهي .

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*