أخذ المال على القضاء والشهادة

أخذ المال على القضاء والشهادة

أخذ المال على القضاء والشهادة هو المبحث الثّاني من الفصل الثّاني أخذ المال على الولايات الشرعية من الباب الثّاني أخد المال على المعاملات والولايات الشرعية

أخذ المال على القضاء والشهادة

المبحث الثّاني أخذ المال على القضاء والشهادة

وفيه مطلبان:

المطلب الأوّل أخذ المال على القضاء

وفيه أربع مسائل:

المسألة الأوّلى: ما يأخذه القاضي من مال على قضائه

القضاء من أجل الولايات الشرعية، وأرفعها مكانة، وأشدها خطرًا، وأعظمها أثرًا في المجتمع، وذلك لما يترتب عليه من حصول الاستقرار واستتباب الأمين وظهور العدل، وانحسار الظلم، وإنهاء الخصومة فيصبح النَّاس بذلك آمنين على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم.

وقد وفرت الشّريعة الغراء لهذا المنصب الرفيع، كلّ عوامل النجاح والاستقرار والثبات، بما يكفل للقاضي القيام بعمله على أحسن وجه.

وقد اعتنى الفقهاء رحمهم الله تعالى بأحكام القضاء، كما بينوا آداب القاضي، ومن ذلك ما يأخذه القاضي من مال على منصب القضاء وهذا هو المراد بالبحث في

هذه المسألة، وتفصيل ذلك في الفروع التالية:

الفرع الأوّل: أخذ الرزق على القضاء من بيت المال:

تفاوتت أنظار الفقهاء في هذه المسألة فمنهم من أطلق جواز أخذ الرزق من بيت المال على القضاء سواء أكان القاضي غنيًا أم فقيرًا، تعين عليه القضاء أم لا، ومنهم من فرق بين الغني والفقير فمنع من الأخذ مع الغني وأجاز الأخذ مع الفقر، وعلى هذا فإن القاضي لا يخلو من حالتين:

الحالة الأولى: إذا كان القاضي فقيرًا:

في هذه الحالة اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على أنّه يجوز للقاضي إنَّ كان فقيرًا محتاجًا أن يأخذ الرزق من بيت المال على قضائه، فيأخذ ما يكفيه وعياله، وأنّه ينبغي للإمام أن يوسع على القاضي وعلى عياله في ذلك .

وعمدة هذا الاتفاق ما يأتي:

الدّليل الأوّل:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما استخلف أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، واحترف للمسلمين فيه .

وجه الاستدلال:

دل الأثر على أن من شغل بأمر المسلماين فله أن يأكل هو وعياله من بيت المال ما يكفيهم بالمعروف، إنَّ لم تكن له كفاية في ماله؛ لأنّ الصديق – رضي الله عنه – كان كاسب أهله فلما انقطع عن الكسب بسبب الخلافة لم تعد له كفاية فكانت كفايته في مال المسلمين والقاضي مثله لانقطاعه عن الكسب لنفسه وعياله بسبب القضاء والانشغال بأمر المسلمين فكانت كفايته في مالهم.

الدّليل الثّاني:

ما روي عن عمر – رضي الله عنه – قال: إنِّي أنزلت مال الله تعالى مني بمنزلة مال اليتيم، إنَّ استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف .

وجه الاستدلال:

يمكن توجيه الاستدلال بأنّه لما جاز للخليفة الارتزاق مع الحاجة، لانشغاله بأمر المسلمين، فكذلك القاضي.

الدّليل الثّالث:

قالوا: إنَّ القاضي قد فرغ نفسه لعمل المسلمين، فلا بد له من الكفاية ولا كفاية له، فكانت كفايته وكفاية عياله في بيت المال .

الدّليل الرّابع:

قالوا: إنَّ القاضي محبوس بحق العامة، فكان عاجزًا عن الكسب، فلو لم يأخذ كفايته لنفسه وعياله ومن يمونهم من أهله وأعوانه احتاج أن يأخذ من أموال النَّاس فيأخذ الرشوة وذلك حرام .

الحالة الأخرى: إذا كان القاضي غنيًا:

إذا كان القاضي غنيًا غير محتاج للرزق من بيت المال فهل يجوز له في هذه الحالة الارتزاق من بيت المال أم لا؟

اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأوّل:

يجوز للقاضي أخذ الرزق من بيت المال وإن كان غنيًا. وإلى هذا ذهب الحنفية في الأصح ، والحنابلة في الصحيح من المذهب ، وهو قول الظاهرية .
القول الثّاني:

لا يجوز للقاضي أخذ الرزق من بيت المال إنَّ كان غنيًا، وإلى هذا ذهب بعض الحنفية ، وبه قال المالكية ، والشّافعيّة ، وهو وجه عند الحنابلة وإليه مال ابن القيم رحمه الله تعالى .

سبب الخلاف:

بين الإمام ابن قيم الجوزية سبب الخلاف في هذه المسألة فقال رحمه الله تعالى: “أصل هذه المسألة عامل الزَّكاة وقيم اليتيم فإن الله تعالى أباح لعامل الزَّكاة جزأ منها فهو يأخذه مع الفقر والغنى … وأمّا ناظر التيم فالله تعالى أمره بالاستعفاف مع الغنى وأباح له الأكل بالمعروف مع الفقر … والحاكم (القاضي) فرع متردد بين أصلّين، عامل الزَّكاة وناظر اليتيم، فمن نظر إلى عموم الحاجة إليه وحصول الصلحة العامة به ألحقه بعامل الزَّكاة فيأخذ الرزق مع الغنى، كما يأخذه عامل الزَّكاة، ومن نظر إلى كونه راعيًا منتصبًا لمعاملة الرعية بالأحظ لهم ألحقه بولي اليتيم، إنَّ احتاج أخذ، وإن استغنى ترك” .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة القول الثّاني:

استدل أصحاب هذا القول، القائلون بعدم جواز أخذ الرزق على القضاء من بيت المال مع الغنى بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

إنَّ القضاء يختص فاعله أن يكون من أهل القربة فلم يجز أخذ الأجرة عليه كالصلاة .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:

أن هذا الدّليل لا يصح إيراده هنا؛ لأنّه خاص بالمنع من الاستئجار على القضاء، وهذا لا خلاف فيه، وإنّما الكلام هنا عن الرزق، وهو جائز على أعمال القرب؛ لأنّه ليس من باب المعاوضة، إنّما هو من باب الإعانة على الطّاعة.

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ القاضي إنّما يأخذ الرزق من بيت المال لحاجته إليه، فإذا كان غنيًا، فلا حاجة له إلى أخذ الرزق، فلا يجوز .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:

أن القاضي لا يأخذ الرزق لحاجته فقط وإنّما يأخذ؛ لأنّه حبس نفسه لمصلحة المسلمين، ولم يردّ نصّ يخص الرزق بالعامل الفقير فقط دون الغني، بل وردت كثير من الأدلة تدل على جواز أخذ العامل للرزق مطلقًا غنيًا كان أم فقيرًا، وستأتي هذه الأدلة مفصلة عند ذكر أدلة أصحاب القول الأوّل.

الدّليل الثّالث:

قالوا: إنَّ عدم أخذ الرزق إذا كان القاضي غنيًا، أبلغ في المهذَّبة وأدعى للنفوس إلى اعتقاد التعظيم والجلالة .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:

أن القاضي إنّما يأخذ الرزق من بيت المال، وبيت المال جهة عامة وأمواله مصروفة في مصالحع المسلمين العامة، وهذا منها، فالأخذ منه لا يترتب عليه شيء ممّا ذكر في الدّليل، وإنّما قد يردّ ذلك إذا كان ما يأخذه القاضي من الخصوم وليس من بيت المال.

الدّليل الرّابع:

قالوا: إنَّ القاضي كولي اليتيم، لا يجوز له أخذ الرزق من بيت المال على القضاء، إِلَّا إذا كان فقيرًا، فالوصي يعمل في مال اليتيم كما أن القاضي يعمل للمسلمين، فكل منهما منتصبًا لمعاملة الرعية بالأحظ لهم، فإن احتاج أخذ وإن استغنى ترك .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الدّليل بأن القاضي فرع متردد بين أصلّين، عامل الزَّكاة وناظر اليتيم، وإلحاقه بعامل الزَّكاة أولى لعموم الحاجة إلى القاضي وحصول المصلحة العامة به، وللأدلة الدالة على جواز الرزق مع الغني وستأتي عند ذكر أدلة القول الأوّل.

ثانيًا: أدلة القول الأوّل:

استدل أصحاب هذا القول بأدلة كثيرة من السُّنَّة والأثر والمعقول.

أ – أدلتهم من السُّنَّة:

الدّليل الأوّل:

عن عبد الله بن السعدي – رضي الله عنه – أنّه قدم على عمر بن الخطّاب – رضي الله عنه – من الشّام، فقال عمر: ألم أحدّث أنك تلي من أعمال النَّاس أعمالًا، فإذا أعطيت العُمالة كرهتها؟ فقلت: بلى، فقال عمر – رضي الله عنه -: فما تريد إلى ذلك؟ فقلت: إنَّ لي أفراسًا وأعبدًا وأنا بخير، وأريد أن تكون عُمَالتي صدقة على المسلمين، فقال له عمر: لا تفعل، فإني

كنت أردت مثل الّذي أردت، فكان رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه مني، فقال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (خذه فتموله، وتصدق به، ما جاءك من هذا المال،

وأنت غير مشرف، ولا سائل فخذه، وما لا تتبعه نفسك) .

وجه الاستدلال:

دل الحديث على أن من شغل بشيء من أعمال المسلمين، جاز له أخذ الرزق على عمله ذلك كالولاة والقضاة وجباة مال الفىء وعمال الصَّدقة ونحوهم لإعطاء رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – عمر العُمالة على عمله، ولا فرق في ذلك بين الغني والفقير لأنَّ ابن السعدي وعمر كانا من الأغنياء ومع ذلك أخذا الرزق على عملهما .

الدّليل الثّاني:

عن جابر أن رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – استعمل عتّاب بن أسيد على مكّة وفرض له عُمالته أربعين أوقية من فضة .

وجه الاستدلال:

حيث دلّ فعل النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – مع عتاب بن أسيد على جواز أخذ الرزق على العمل في مصلحة المسلمين دون فرق بين غنى وفقير، حيث لم يستفصل عن حالة أسيد من حيث الفقر والغنى. فدلّ ذلك على الجواز مطلقًا فكذلك القاضي؛ لأنَّ كلا منهما عامل للمسلمين.

ب – الأدلة من الآثار

الدّليل الأوّل:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما استخلف أبو بكر الصديق – رضي الله عنه -، قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجزُ عن مؤونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال واحترف للمسلمين فيه .

الدّليل الثّاني:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما أستخلف عمر – رضي الله عنه – أكل هو وأهله .

وجه الاستدلال من الأثرين السابقين:

حيث دل فعل الصّحابة رضي الله عنهم على أن من عمل للمسلمين فإنّه يأكل من أموالهم من بيت المال، والقاضي قد شغل بعمل المسلمين فيأكل من بيت المال غنيًا كان أم فقيرًا .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذه الآثار بما يأتى:

أن الصّحابة رضي الله عنهم إنّما أكلوا بقدر الحاجة والضرورة أي مع الفقر والحاجة لا مع الغني بدليل قول عمر – رضي الله عنه -: “إنَّ استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف” .

الجواب عن المناقشة:

أجيب عن هذه المناقشة بأن فعل عمر – رضي الله عنه – محمول على الورع، إذ الخليفة ليس

كالوصي، ولكن عمر بورعه جعل نفسه كالوصي ، ويؤيد هذا فعل عمر بعد ذلك، حيث فرض الرزق لمن تولى القضاء ووسع عليهم في ذلك كما سيأتي.

الدّليل الثّالث:

ما ورد أن عمر – رضي الله عنه – رزق شريحًا وسلمان بن ربيعة الباهلي على القضاء .

الدّليل الرّابع:

عن ابن أبي ليلى قال: بلغني أن عليًا رزق شريحًا خمسمائة .

الدّليل الخامس:

ما روي أن عمر – رضي الله عنه – كتب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيده رضي الله عنهما حين بعثهما إلى الشّام، أن انظروا رجالًا من صالحي من قبلكم، فاستعملوهم على القضاء وأوسعوا عليهم وارزقوهم واكفوهم من مال الله .

وجه الاستدلال من الآثار السابقة:

حيث دل فعل الصّحابة رضي الله عنهم على جواز إرزاق القضاة من بيت المال مطلقًا غنيا كان أم فقيرًا، إذ لم يردّ في هذه الآثار تقييد ذلك بالفقير دون الغني.

جـ – الأدلة من المعقول:

الدّليل الأوّل:

قالوا: إنَّ بالناس حاجة إلى القضاء، ولو لم يجز فرض الرزق للقاضي، لتعطل القضاء، وضاعت الحقوق .

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ القاضي يجوز له أخذ الرزق على القضاء وإن كان غنيًا قياسًا على عامل الزَّكاة، بجامع عموم الحاجة إلى كلّ منهما، وحصول المصلحة العامة بهما .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الدّليل بأنّه قياس القاضي على عامل الزَّكاة قياس مع الفارق وبيان ذلك: “أن عامل الزَّكاة مستأجر من جهة الإمام لجباية أموال المستحقين لها وجمعها فما يأخذه بعمله كمن يستأجره الرَّجل لجباية أمواله، وأمّا الحاكم فإنّه منتصب لإلزام النَّاس بشرائع الرب تبارك وتعالى وأحكامه، وتبليغها إليهم فهو مبلغ عن الله تعالى عَزَّ وَجَلَّ بفتياه، ويتميز عن المفتي بالإلزام بولايته وقدرته، والمبلغ عن الله تعالى الملزم للأمة بدينه لا يستحق عليهم شيئًا، فإن كان محتاجًا فله من الفيء ما يسد حاجته” .

الترجيح:

بعد عرض الأقوال وذكر ما استدل به أصحاب كلّ قول، وما ورد على هذه الأدلة من مناقشات وما أجيب به عنها يتبين بوضوح رجحان القول الأوّل وهو جواز أخذ الرزق على القضاء من بيت المال وإن كان القاضي غنيا، وذلك لما يأتي:

1 – قوة ما استدل به أصحاب هذا القول، حيث جاءت أدلتهم في معظمها صريحة في الدلالة على المطلوب، ومن ذلك حديث ابن السعدي حيث جاء نصا صريحًا في جواز الأخذ مع الغنى، بل في استحباب ذلك.

2 – أن هذه السنن الصحيحة الصريحة جاءت مؤيدة بفعل أصحاب النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – حيث اتخذوا القضاة وارزقوهم من بيت المال ووسعوا عليهم في ذلك كما تقدّم.

3 – أن أخذ الرزق مع الغنى أعون في العمل وألزم للنصيحة من التارك، قال ابن حجر مبينا ذلك: “أن الأخذ أعون في العمل وألزم للنصيحة من التارك؛ لأنّه إنَّ لم يأخذ كان عند نفسه متطوعًا بالعمل فقد لا يجدُّ جدّ من أخذ ركونًا إلى أنّه غير ملتزم بخلاف الّذي يأخذ فإنّه يكون مستشعرًا بأن العمل واجب عليه، فيجدّ جدّه فيها” .

4 – أن بعض العلماء نقل الإجماع على جواز الرزق على القضاء مطلقًا دون تفريق بين غنى وفقير ومن ذلك:

1 – قال أبو علي الكرابيسي : “لا بأس للقاضي أن يأخذ الرزق على القضاء عند أهل العلم قاطبة من الصّحابة ومن بعدهم، وهو قول فقهاء الأمصار، لا أعلم

بينهم اختلافًا” .

2 – نقل الحافظ ابن حجر الإجماع عن بعض العلماء فقال: “وقال غيره: أخذ الرزق على القضاء إذا كانت جهة الأخذ من الحلال جائز إجماعًا، ومن تركه إنّما تركه تورعًا” .

3 – قال القرافي: “القضاة يجوز أن يكون لهم أرزاق من بيت المال على القضاء إجماعًا” .

5 – أن أدلة القول الآخر جاءت كلها أدلة عقلية، وقد أمكن مناقشتها جميعًا بما يضعف من دلالتها، وعلى فرض التسليم بعد مناقشتها فإنها لا تنهض لمعارضة الأدلة النصية من السُّنَّة والأثر الّتي استدل بها أصحاب القول الأوّل. وعلى هذا فإنّه ينبغي للإمام أن يعطي القاضي كفايته وكفاية من يعول من بيت المال، ويوسع عليه في ذلك، ويكفيه همّ دنياه ممّا يجعله مرتاح البال خالي الذهن، ومن نظر في الصفات المطلوية في القاضي، وما يجب أن يكون عليه حال القضاء بين النَّاس أيقن بصحة هذا القول. والله تعالى أعلم.

الفرع الثّاني أخذ الرزق على القضاء من الخصوم

إذا تعذر رزق القاضي من بيت المال، إمّا لخلوه من المال أو لقلتها أو لأيّ سبب آخر، فهل يجوز للقاضي في هذه الحالة أخذ الرزق على قضائه من الخصوم؟

أوَّلًا: إذا كان غنيًا:

اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على أن القاضي إذا كان له ما يكفيه وعياله فليس له أخذ شيء من الخصوم (المتداعبين) .

واستدلوا لذلك بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

قالوا: إنَّ الأخذ من الخصوم مع عدم الحاجة يعد من أكل أموال النَّاس بالباطل فلا يجوز .

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ الأخذ من الخصوم يورث تهمة في حق القاضي، ويؤدِّي إلى الميل في الحكم فلا يجوز .

الدّليل الثّالث:

قالوا: إنَّ عدم أخذ القاضي الرزق من الخصوم، أبلغ في المهذَّبة وأدعى للنفوس

إلى اعتقاد التعظيم والجلالة، وعليه فلا يجوز أخذ الرزق من الخصوم مع الكفاية .

ثانيًا: إذا كان القاضي فقيرًا:

إذا كان القاضي فقيرًا ليس له كفاية من ماله، فهل يجوز له في هذه الحالة الأخذ من أعيان الخصوم أم لا؟

اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:

القول الأوّل:

يجوز الأخذ من أعيان الخصوم إذا كان يقطعه النظر عن الاكتساب مع صدق الحاجة، وذلك بشروط ثمانية .

وإلى هذا ذهب الإمام الماوردي من الشّافعيّة .

القول الثّاني:

لا يجوز مطلقًا أخذ الرزق على القضاء من أعيان الخصوم، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الحنفية ، والمالكية والشّافعيّة وهو وجه عند الحنابلة .

القول الثّالث:

يجوز مطلقًا أخذ الرزق من أعيان الخصوم.

وبه قال بعض الشّافعيّة ، وهو المشهور من المذهب عند الحنابلة .

الأدلة والمناقشة

أوَّلًا: أدلة القول الثّالث:

الدّليل الأوّل:

قالوا: إنّه إذا لم يأخذ من الخصمين مع حاجته، أدى ذلك إلى تعطيل القضاء والفصل بين النَّاس ولا سبيل إلى التعطيل لما يترتب على ذلك من المفاسد .

الدّليل الثّاني:

القياس على التحكيم، فكما يجوز أخذ الرزق من الخصمين على التحكيم فكذلك القضاء؛ لأنَّ كلا منهما عمل مباح .

الدّليل الثّالث:

القياس على الوصي وأمين الحاكم، فكما أنّه يجوز للوصي وأمين الحاكم الأكل من مال اليتيم بقدر الحاجة فكذلك القاضي؛ لأنّه مع عدم الرزق من بيت المال لا يتعين عليه الحكم فجاز أخذ الرزق من الخصوم بقدر الحاجة .

ثانيًا: أدلة القول الثّاني:

استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:

قالوا: إنَّ أخذ الرزق من أعيان الخصوم على القضاء بينهم يورث تهمة في حق القاضي ويؤدِّي إلى الميل في الحكم، فيمنع ذلك سدًا لذريعة أخذ الرشوة على الحكم، وما يترتب على ذلك من الميل والجور في الأحكام .

ثالثًا: أدلة القول الأوّل:

استدل الماوردي لما ذهب إليه بما يأتي:

أن أخذ القاضي للرزق من الخصمين إنّما هو للضرورة والحاجة لئلا يتعطل القضاء، وبالتالي تضيع الحقوق، وتكثر الخصومات.

والقول بالجواز عند الماوردي للضرورة مقيد بثمانية شروط لا بد من توفرها، قال الماوردي: “وإن كان يقطعه النظر عن اكتساب المال مع صدق الحاجة جاز له الارتزاق منهم على ثمانية شروط” .

ثمّ ساق رحمه الله تعالى الشروط الثمانية على النحو التالي:

الشرط الأوّل:

أن يعلم به الخصمان قبل التحاكم إليه، فإن لم يعلما به إِلَّا بعد الحكم لم يجز أن يرتزقهما.

الشرط الثّاني:

أن يكون رزقه على الطالب والمطلوب، ولا يأخذه من أحدهما، فيصير به متهما.

الشرط الثّالث:

أن يكون عن إذن الإمام لتوجه الحق عليه، فإن لم يأذن به الإمام لم يجز.

الشرط الرّابع:

أن لا يجد الإمام متطوعًا، فإن وجد الإمام متطوعًا لم يجز.

الشرط الخامس:

أن يعجز الإمام عن دفع رزقه، فإن قدر عليه لم يجز.

الشرط السّادس:

أن يكون ما يرتزقه من الخصوم غير مؤثر عليهم، ولا مضر بهم، فإن أضر بهم أو أثر عليهم لم يجز.

الشرط السابع:

أن لا يستزيد على قدر حاجته، فإن زاد عليها لم يجز.

الشرط الثّامن:

أن يكون قدر المأخوذ مشهورًا يتساوى فيه جميع الخصوم، وإن تفاضلوا في المطالبات؛ لأنّه يأخذه على زمان النظر فلم تعتبر مقادير الحقوق، فإن فاضل بينهم فيه لم يجز، إِلَّا أن يتفاضلوا في الزّمان فيجوز.

ثمّ قال رحمه الله تعالى: “وفي مثل هذا مضرة تدخل على جميع المسلمين، ولئن جازت في الضرورات، فواجب على الإمام وكافة المسلمين أن تزال مع الإمكان، إمّا بأن يتطوع منهم بالقضاء من يكون من أهله، واما أن يقام لهذا بكفايته؛ لأنّه لا كانت ولاية القضاء من فروض الكفايات كان رزق القاضي بمثابة ولايته” .

الترجيح:

بعد ذكر الأقوال وعرض الأدلة لكل قول يتبين أن القول الراجح هو القول الأوّل القائل بجواز أخذ الرزق من الخصمين للضرورة بعد توفر الشروط الثمانية المذكورة.

ولكن الّذي يظهر أنّه لا تعارض بين هذه الأقوال وذلك لما يأتي:

1 – أنّه يمكن حمل قول من منع مطلقًا على غير المحتاج، قال زكريا الأنصاري

الشّافعيّ: “واستشكل عدم جواز ذلك بأن الرافعي رجح في الكلام على الرشوة جوازه وأسقطه النوويّ ثمّ، ويجاب: بأن ما هناك في المحتاج وما هنا في غيره” .

2 – وأمّا قول من جوز مطلقًا فإنهم قد عللوا ذلك بالحاجة والضرورة.

وبهذا تأتلف الأقوال في القول بجواز أخذ الرزق من الخصوم للحاجة والضرورة. وأمّا ما ذكر من شروط، فإنّه يلاحظ أن هذه الشروط عبارة عن ضوابط شرعية تحكم عمل القاضي، وتضبط مسألة أخذ الرزق من غير بيت المال، وكل ذلك حتّى لا يدب الشرّة في نفس القاضي إلى أموال النَّاس، فينفتح بذلك باب الرشوة في الحكم، وهذا فيه من الفساد ما فيه، والفقهاء لا يخالفون في ذلك بل هم أحرص النَّاس على نزاهة القاضي وإعفافه وضبط سلوكه، بما يضمن عدم الميل في الحكم.

وعليه فإن هذا القول يعد أعدل الأقوال وأولاها بالترجيح، لقوته وإحكامه وعدم مخالفة الأقوال الأخرى له في حقيقة الأمر. والله تعالى أعلم.

الفرع الثّالث الاستئجار على القضاء

اختلف الفقهاء في حكم الاستئجارعلى القضاء على قولين:

القول الأوّل:

لا يجوز مطلقًا الاستئجار على القضاء.

وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء، فبه قال الحنفية ، والمالكية ، وهو المذهب عند الشّافعيّة ، وبه قال الحنابلة .

وقد نقل بعض الفقهاء الاتفاق على هذا القول، ومن ذلك:

قال ابن قدامة: “وأمّا الاستئجار على القضاء فلا يجوز … ، ولا نعلم فيه خلافًا” .

وقال ابن حجر: “واتفقوا على أنّه لا يجوز الاستئجار عليه” .

وقال الإمام القرافي: “ولا يجوز أن يُستأجروا على القضاء إجماعًا”

وهذه الاتفاقات محل نظر لوجود الخلاف، كما هو ظاهر.

القول الثّاني:

يجوز الاستئجار على القضاء. وبه قال بعض الشّافعيّة وهو وجه في المذهب ، وذلك إذا عين ما يقضي به وعليه ، وبه قال الظاهرية، وخصوه بالإمام فقط دون غيره .

قال الإمام النوويّ: “ولا يجوز عقد الإجارة على القضاء، وفي فتاوى القاضي حسين وجه أنّه يجوز، والمذهب الأوّل، وبه قطع الجمهور” .
وقال ابن حزم: “وإجارة الأمير من يقضي بين النَّاس مشاهرة جائزة” .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة القول الثّاني:

استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

أن الاستئجار على القضاء داخل في عموم أمره – رضي الله عنه – بالمؤاجرة فيجوز .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الاستدلال بما يأتي:

أن هذا العموم مخصوص بالأدلة الكثيرة على المنع من الاستئجار على القضاء، وستأتي.

الدّليل الثّاني:

أن القاضي إذا عين ما يقضي به وعليه، انتفت الجهالة فيصح الاستئجار .

مناقشة الاستدلال:

أن تحريم الاستئجار على الاقضاء ليس لوجود الجهالة في عقد الإجارة فقط، وإنّما لأدلة أخرى كثيرة كما سياتى.

ثانيًا: أدلة القول الأوّل:

استدل أصحاب هذا القول بأدلة كثيرة وهي:

الدّليل الأوّل:

ما روي عن عمر – رضي الله عنه – أنّه قال: لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ أجرًا ولا صاحب مغنمهم .

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ القضاء قربة يختص فاعله أن يكون من أهل القربة فلا يجوز الاستئجار عليه كالصلاة .

الدّليل الثّالث:

قالوا: إنَّ القضاء لا يعمله الإنسان عن غيره، وإنّما يقع عن نفسه فأشبه الصّلاة فلا يجوز الاستئجار عليه .

الدّليل الرّابع:

قالوا: إنَّ القضاء عمل غير معلوم، يتعذر ضبطه، فلا يجوز الاستئجار عليه للجهالة .

الدّليل الخامس:

قالوا: إنَّ أخذ الأجرة على القضاء يؤدِّي إلى دخول التهمة في الحكم بمعاوضة صاحب العوض، فيكون كمن أخذ رشوة على الحكم، وعليه فيمتنع الاستئجار لذلك .

الترجيح:

بعد ذكر الأدلة وما ورد عليها من مناقشات يتبين رجحان القول الأوّل القاضي بالمنع من الاستئجار على القضاء، وذلك لما يأتي:

1 – قوة ما استدل به أصحاب هذا القول.

2 – ضعف ما استدل به أصحاب القول الآخر حيث أمكن متاقشة ما استدلوا به بما يوهن من دلالته.

3 – أنّه قد نقل الإجماع والاتفاق بين العلماء على المنع من الاستئجار على القضاء، كما سبق ذكر ذلك.

الفرع الرّابع الهدية للقاضي

للهدية أثر بالغ على الإنسان حيث تسكن إليها النفوس، وتستمال بها القلوب وقد شرعت في الأصل بين المسلمين، لإشاعة المحبة والرّحمة وإزالة الضغائن من الصدور .

ولما كانت الهدية لها تأثير على النفوس والقلوب فقد بيَّن الفقهاء حكمها وبخاصة لأصحاب الولايات الشرعية.

ومن أخطر هذه الولايات، ولاية القضاء، وقد تناول الفقهاء حكم الهدية للقاضي، وتفصيل ذلك عندهم على النحو التالي:

أوَّلًا: إذا كانت الهدية من الخصمين أو أحدهما:

اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على أنّه يحرم على القاضي قبول الهدية من الخصمين أو أحدهما مطلقًا، على أي وجه كانت هذه الهدية .

وقد استدلوا على ذلك بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

عن أبي حميد الساعدي قال: استعمل النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – رجلًا من بني أسدّ يقال له ابن اللتبيَّة على الصَّدقة، فلما قدم، قال: هذا لكم وهذا أهدي لي، قال: فقام رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وقال:

(ما بال العامل نبعثه فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمّه حتّى ينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمَّد بيده، لا ينال أحدٌ منكم منها شيئًا إِلَّا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر) .

وجه الاستدلال:

حيث دلّ الحديث على تحريم الهدية الّتي سببها الولاية، ومن ذلك ولاية القضاء، ويلحق بالهدية الاستقراض والاستعارة ممّن يحرم عليه قبول هديته وكذا سائر التبرعات فتحرم المحاباة ونحوها .

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ حدوث الهدية عند حدوث الولاية، يدلُّ على أنّها من أجلها ليتوسل بها إلى ميل الحاكم معه في الحق، فلم يجز قبولها منه كالرشوة .

الدّليل الثّالث:

قالوا: إنَّ أخذ الهدية يسبب الولاية، من أكل أموال النَّاس بالباطل فلا تجوز مطلقًا .

الدّليل الرّابع:

قالوا: إنَّ الهدية تورث إذلال المهدي إليه، وفي ذلك ضرر القاضي ودخول الفساد عليه .

الدّليل الخامس:

قالوا: إنَّ الهدية تؤدي إلى سكون النفس للمهدي فيميل القاضي في حكمه وهذا لا يجوز .

الدّليل السّادس:

قالوا: إنَّ الهدية للقاضي تطفئ نور الحكمة عنده ، وعليه فإن القاضي إذا فقد نور الحكمة حرم التوفيق والسداد في أحكامه.

ثانيًا: إذا كانت الهدية ممّن ليست له خصومة:

إذا كانت الهدية للقاضي ممّن ليست له خصومه عند القاضي فلها حالتان:

الحالة الأولى: أن تكون من خواص قرابته أو صحبته أو ممّن جرت له عادة بمهاداته قبل الولاية.

إذا كانت الهدية للقاضي من خواص قرابته كالوالد والولد والعمة والخالة ونحوهم من كلّ ذي رحم محرم، أو من خواص صحبته المقربين له أو ممّن جرت له عادة بمهاداته قبل الولاية، ففي هذه الحالة لا خلاف بين الفقهاء في جواز قبول القاضي للهدية .

واستدلوا لذلك بما يأتي:

قالوا: إنَّ الهدية في هذه الحالة لم تكن من أجل الولاية لوجود سببها قبل الولاية من قرابة أو صحبة أو صلة، بدليل وجود هذه الهدايا قبل الولاية، وعليه فلا حرج على القاضي في قبولها .

الحالة الثّانية: إذا كانت الهدية ممّن ليس من خواص قرابته أو صحبته أو ممّن ليست له عادة بمهاداته قبل الولاية.

وفي هذه الحالة لا يجوز للقاضي قبول الهدية باتِّفاق الفقهاء .

وعلل الفقهاء ذلك بما يأتي:

أن الهدية يقصد بها في الغالب استمالة قلبه، ليعتني به في الحكم فتشبه الرشوة .

والأولى للقاضي في كلّ ما سبق سد باب قبول الهدايا؛ لأنّها تورث إذلال المهدي، وإغضاء المهدي إليه، وتوقع التهمة، وتؤدي إلى أن يطمع فيه النَّاس .

ويستثنى من ذلك: الهدية من ذوي الرّحم المحرم، ممّن ليست له خصومة، فالأولى قبولها لصلة الرّحم، ولأن في ردها قطيعة للرحم وهذا لا يجوز . والله تعالى أعلم.

المسألة الثّانية: ما يأخذه أعوان القاضي

القاضي لا يمكنه العمل بمفرده، بل لا بد له من أعوان يعينونه على الفصل بين النَّاس، خاصّة في هذا الزّمان الّذي كثرت فيه الخصومات ويتمثل أعوان القاضي في كتّاب العدل، وكتات الضبط وكتّاب سجل الأحكام، والكتاب من أهم أعوان القاضي ولهذا نصّ العلماء على أنّه يستحب للقاضي أن يتخذ كاتبًا أو كتّابا؛ لأنّهم من هيبة المنصب من عون وإسعاف، وضبط الأقارير والدعاوي وتنظيم محاضر الجلسات وتحديد مواعيد الجلسات وغير ذلك من الأعمال المهمة الّتي تناط بكتاب القاضي.

ومن الأعوان كذلك: الشُّرَط ومهمتهم الوقوف بين يدي القاضي أو القيام حسب استدعاء الحال لمنع النَّاس من التقدم بين يديه أو إساءة الأدب.

كذلك من أعوان القاضي المترجم الّذي يقوم بترجمة اللغات المختلفة إلى العربيّة أو العكس حسب اقتضاء المقام.

وغير ذلك نحو: كتاب الصادر والوارد، وكتاب الأرشيف، ومُحَضِّر خصوم، وهيئة خبراء (نظر) وحاسب ومسّاح ونسّاخ على الآلات الحديثة وغيرهم ممّا يحتاج إليهم القاضي في تأدية عمله على الوجه الأكمل .

وأمّا ما يتعلّق بالحقوق المالية لأعوان القاضي وما يستحقونه على عملهم فالقول فيها على النحو التالي:

أوَّلًا: الرزق من بيت المال:

اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على أن أعوان القاضي يجوز لهم أخذ الرزق من بيت المال كالقاضي .

واستدل الفقهاء لذلك بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

القياس على القاضي، فكما يجوز للقاضي أخذ الرزق من بيت المال فكذلك أعوانه، بجامع أن الكل يعمل في مصلحة المسلمين، فتكون كفايتهم في أموال بيت مال المسلمين .

الدّليل الثّاني:

أن أعوان القاضي محبوسون بحق العامة، فهم عاجزون عن الكسب، فلو لم يأخذوا الرزق من بيت المال، احتاجوا أن يأخذوا من أموال الخصوم فيأخذوا الرشوة وذلك حرام .

الدّليل الثّالث:

قالوا: يجوز لأعوان القاضي أخذ الرزق من بيت المال، وذلك لئلا تشره أنفسهم إلى أموال النَّاس وهذا لا يجوز .

الدّليل الرّابع:

أن عمل أعوان القاضي من المنافع الّتي تعم المسلمين، فجاز أخذ الرزق عليه من مالهم .

الدّليل الخامس:

قالوا: إنَّ أعوان القاضي، عملهم متصل بعمل القاضي فهو محتاج إليهم في كتب المحاضر وإحضار الخصوم، وكفاية القاضي في بيت المال، فما يتصل به لا بأس بأن يجعل رزقه في مال بيت المال .

ثانيًا: أجرة أعوان القاضي:

إذا تعذر رزق أعوان القاضي من بيت المال لأي سبب كان، فهل يجوز لهم أخذ الأجرة من الخصوم؟

الّذي يظهر أنّه لا خلاف بين المذاهب الفقهية في جواز أخذ الأجرة من الخصوم. قال السرخسي: “وإن رأي أن يجعل ذلك على الخصوم فلا بأس” .

وقال ابن فرحون: “فإن لم يصرف لهم شيء من بيت المال … فأحسن الوجوه أن يكون الطالب هو المستأجر” .

وقال النوويّ: “فإن لم يكن في بيت المال شيء واحتيج إليه لما هو أهم فإذ أتي المدعي بورقة تثبت فيها خصومته وشهادة الشهود وبأجرة الكاتب فذاك … ” .

ولم أجد نصًا عند الحنابلة في ذلك إِلَّا أنّه قد تقدّم أن المذهب هو جواز أخذ

القاضي للجعل من الخصمين إذا تعذر رزقه من بيت المال ، وعليه فإن جواز أخذ أعوانه أولى.

وأمّا الظاهرية فإنهم نصوا على استئجار الأمير للقاضي مشاهرة من بيت المال، وأن ما لا يتعين على المرء فعله يجوز أخذ الأجرة عليه، وعليه فإن مذهبهم لا يأبى الجواز وإن لم ينصوا عليه .

وقد استدل الفقهاء على ذلك بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

قالوا: إنَّ هذه الأعمال الّتي يقوم بها الأعوان لا يُستحق على القاضي مباشرتها، فجاز جعل أجرة ذلك على الخصوم؛ لأنَّ الأعوان يعملون لهم .

الدّليل الثّاني:

يمكن أن يستدل لهم كذلك:

بأن هذه الأعمال تختلف عن عمل القاضي، فإن القاضي منع من الأخذ من الخصوم حتّى لا يتطرق الميل إلى الحكم فيقع القاضي في الرشوة، وهذا فيه من الفساد ما فيه، أمّا عمل أعوان القاضي فلا حكم فيه فلا يخشى من الأخذ حصول الميل والفساد في الأحكام. والله تعالى أعلم.

المسألة الثّالثة: ما يأخذه المأذون الشرعي على عقود الأنكحة

مأذون عقود الأنكحة، أو المأذون الشرعي، يعد في الأصل من أعوان القاضي، إذ إنَّ عقد النِّكاح يعد من مهام القاضي ولكن لما كان القاضي مشغولًا بالنظر في قضايا المراجعين المتعددة شغلًا شديدًا ملك عليه كلّ وقته، وقد لا يوجد لديه متسع

لإجراء عقود النِّكاح، فقد أذن لبعض الأشخاص من ذوي الأهلية والعدالة ، في إجراء عقود الأنكحة، وكتابة الصكوك الخاصة بها، وتسجيل ذلك في دفاتر خاصّة معدة من قبل المحكمة، ثمّ تسليم ذلك إلى المحكمة لتوثيق تلك العقود وتسجيلها في سجلاتها.

إذن فوجود مأذون الأنكحة أمر تمليه المصلحة العامة، حتّى يتمكن القاضي من التفرغ للنظر فيما هو أهم من مجرد إجراء العقود وهو الفصل في المنازعات والخصومات ونحو ذلك .

ووظيفة مأذون الأنكحة وظيفة شريفة، إذ تتعلّق بعقد هو من أهم وأشرف العقود في الفقه الإسلامي، ألَّا وهو عقد النِّكاح، ولهذا فإنّه لا يباشره إِلَّا القاضي أو من ينوب منابه.

وبناء على ما سبق فإن بيان حكم أخذ المال على عقود الأنكحة يختلف باختلاف من هو قائم بإجراء هذه العقود وصفته، وهذا له حالات:

الحالة الأولى: إذا كان المباشر للعقد هو القاضي:

إذا كان الّذي قام بمباشرة العقد هو القاضي فإن هذا يكون من عمله ووظيفته، وقد تقدّم تفصيل القول فيما يأخذه القاضي على عمله من رزق وإجارة ونحوهما.

الحالة الثّانية: إذا كان المباشر للعقد هو مأذون الأنكحة:

وهذا هو محلّ البحث في هذه المسألة، ومأذون الأنكحة له حالان:

الأوّل: أن يكون موظفًا راتبًا لهذا العمل:

بمعنى أن وظيفته في المحكمة هي القيام بإجراء عقود الأنكحة وما يتعلّق بها، وفي هذه الحالة يكون أحد أعوان القاضي وقد تقدّم الكلام حول ما يستحقونه مفصلًا فأغنى عن الإعادة.

الثّاني: أن يكون غير موظف ولكن مأذون له في إجراء العقود:

إذا لم يكن المأذون موظفًا لهذا العمل، ولكن أذن له القاضي أو المحكمة، بإجراء عقود الأنكحة وفق ضوابط معينة، فلا يخلو:

إمّا أن يكون متبرعًا بعمله هذا، أو يكون غير متبرع ولكن أذن له القاضي بأخذ الأجرة على عمله من العاقد.

أوَّلًا: إذا كان المأذون متبرعًا:

فإنّه في هذه الحالة لا يجوز له أخذ أجرة على عمله؛ لأنّه أداه متبرعًا فلا يستحق شيئًا.

ثانيًا: إذا كان المأذون غير متبرع ولكن أذن له القاضي بالأخذ :

إذا كان المأذون غير متبرع، وأذن له القاضي بالأخذ من العاقد فلا بأس بذلك، وقد تقدّم أنّه يجوز أخذ الأجرة لأعوان القاضي، وهذا في حكمهم، وما يأخذه المأذون إمّا أن يكون مقدارًا من جهة القاضي أو غير مقدر.

فإن كان مقدرًا فلا يتعداه المأذون، بل يأخذ ما قدر له دون زيادة.

وإن كان غير مقدر من قبل القاضي، فإن مقدار ذلك يرجع إلى عرف النَّاس في تعاملاتهم.

ووجه جواز أخذ الأجرة على عقود الأنكحة ما يلي:

الدّليل الأوّل:

أن هذا العمل غير واجب عليه، وما لا يجب عليه يحل أخذ الأجرة عليه .

الدّليل الثّاني:

القياس على القاضي: فإن القاضي إذا كتب سجلًا أو محضرًا أو وثيقة جاز له أخذ الأجرة على ذلك، فكذلك المأذون يجوز له أخذ الأجرة على كتابة صك الزواج .

الدّليل الثّالث:

القياس على الصكاك -كاتب الصكوك- فإن الصكاك يجوز له أخذ أجر كتابة الصك ممّن يأخذ الصك فكذلك المأذون يجوز له أخذ الأجرة على كتابة صك الزواج من الزواج .

قال ابن عابدين: “وعلى هذا أجر الصكاك على من يأخذ الصك في عرفنا” .

الدّليل الرّابع:

القياس على القاضي، فإن القاضي يجوز له أخذ الأجرة على إجراء عقد النِّكاح فكذلك المأذون بجامع أن هذا العمل لا يجب عليهما .

قال ابن البزاز : “وإن كتب سجلًا أو تولى قسمة، وأخذ أجر المثل له ذلك، ولو تولى نكاح صغيرة، لا يحل له أخذ شيء؛ لأنّه واجب عليه، وكل ما وجب

عليه لا يجوز أخذ الأجر وما لا يجب عليه يحل أخذ الأجر، وذكر عن البقالي في القاضي يقول: إذا عقدت عقد البكر فلي دينار، ولو ثيبًا فلي نصفه، أنّه لا يحل له، إنَّ لم يكن لها ولي، ولو كان لها ولي غيره يحل بناءً على ما ذكرنا” .

الدّليل الخامس:

يمكن أن يستدل على جواز أخذ الأجرة على عقود الأنكحة كذلك بما يأتي: أن المأذون إنّما يأخذ الأجرة في مقابل ما يبذله من جهد في ذلك من الذهاب والمجيء إلى مكان العقد أو استقبال العاقدين في منزله، وما يتكلفه في سبيل ذلك، كذلك كتابته للصكوك، وتدوين ذلك في الدفاتر، ومراجعة المحاكم، وكذلك المخاطرة وتحمل المسؤولية إذ الأمر متعلّق بالأعراض، فكل ذلك ممّا يسوغ للمأذون أخذ الأجرة على عمله.

أمّا إنَّ أعطي من غير شرط فهذا من الحلال الطيب ولا حرج على المأذون في قبوله لحديث عبد الله بن السعدي المتقدم حيث جاء فيه قوله – صلّى الله عليه وسلم -: (ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه …) .

المسألة الرّابعة: ما يأخذه القسّام

القسّام أو القاسم من يتولى القسمة بين الشركاء فيقوم بتمييز نصيب كلّ واحد منهم، وتعبينه.

والقسمة من جنس عمل القاضي؛ لأنَّ بها يتم إنهاء الخصومات وقطع المنازعات، وتعبين الحقوق لأربابها، ولهذا شرعت بالإجماع، قال ابن قدامة:

“وأجمعت الأُمَّة على جواز القسمة” ، ولا خلاف بين الفقهاء في أنّها من المصالح العامة للمسلمين .

وأمّا ما يتعلّق بما يستحقه الماسم على عمله من رزق أو أجرة، فلا يخلو أن يكون القسام أو القاسم هو قسّام القاضي أو غيره ممّن ارتضاه الشركاء ليقسم بينهم، وتفصيل ما يستحقه كلّ منهما في الفروع التالية:

الفرع الأوّل ما يستحقه قسّام القاضي

قسّام القاضي أحد أعوانه وعمله من جنس عمل القاضي وعلى هذا فإن ما يأخذه على عمله لا يخلو أن يكون رزقًا من بيت المال أو أجرة من الشركاء إذا تعذر الرزق من بيت المال وبيان ذلك على النحو التالي:

أوَّلًا: الرزق من بيت المال:

لا خلاف بين الفقهاء على جواز أخذ القسام الرزق من بيت المال على عمله .

قال السرخسي: “الأولى أن يجعل كفاية قاسم القاضي في بيت المال ككفاية القاضي” .

وقال سحنون: “قلت: أفرأيت إنَّ جعل للقسام أرزاقًا من بيت المال، قال: لا بأس بذلك” .

قال الإمام الشّافعيّ: “ينبغي أن يعطى أجر القسام من بيت المال” .

وقال ابن قدامة: “وعلى الإمام أن يرزق القاسم من بيت المال” .

وقد استدل الفقهاء على ذلك بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

قالوا: إنَّ القسمة من جنس عمل القضاء من حيث إنّه يتم به قطع المنازعة فأشبه رزق القاضي .

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ منفعة نصب القاسم تعم العامة؛ لأنَّ القسمة من المصالحع العامة، فتكون كفايته في مالهم غرمًا بالغنم .

الدّليل الثّالث:

قالوا: إنَّ القاسم بمنزلة كاتب القاضي، ورزق الكاتب في بيت المال فكذلك القاسم بجامع أن كلًا منهما من أعوان القاضي .

الدّليل الرّابع:

قالوا: إنَّ جعل رزق القاسم في بيت المال، أرفق بالناس وأبعد عن التهمة؛ لأنّه متى علم أن أجر عمله يصله من بيت المال على كلّ حال، امتنع من أخذ الرشوة فلا يميل إلى البعض فكان هذا أرفق بالناس وأبعد عن التهمة .

الدّليل الخامس:

قالوا: إنَّ القسّام حكام ورزق الحاكم (القاضي) في بيت المال، فكذلك القاسم .

الدّليل السّادس:

ما روي أن عليًا – رضي الله عنه -اتخذ قاسمًا، وجعل له رزقًا من بيت المال .

ثانيًا: أجرة قسّام القاضي:

إذا تعذر رزق قسّام القاضي من بيت المال لخلوه أو نحو ذلك، فهل يجوز أخذ الأجرة من الشركاء على القسمة؟

بالنظر في كلام الفقهاء أرباب المذاهب المعتبرة، يظهر أنّه لا خلاف بينهم في ذلك، فقد نصّ عليه الحنفية ، والمالكية إِلَّا أن المالكية قالوا بالجواز مع الكراهة ، وقال بالجواز كذلك الشّافعيّة ، والحنابلة .

قال السرخسي: “فإن لم يقدر على ذلك -أي: على رزق القاسم من بيت المال -أمر الذين يريدون القسمة أن يستأجروه بأجرٍ معلوم، وذلك صحيح” .
وقال سحنون: “قلت: أتجوز إجارة قسام الدور وحسابهم؟ قال: سألت مالكًا عن ذلك غير مرّة فكرهه” .

وقال عليش: “وكره للقاسم أخذ أجرة القسم من المقسوم بينهم” .

قال الماوردي: “إذا اعوزت أجور القسام من بيت المال، إمّا لعدمه فيه وإما لحاجة المقاتلة إليه كانت أجورهم على المتقاسمين” .

وقال ابن قدامة: “فإن لم يرزقه الإمام قال الحاكم للمتقاسمين: ادفعا إلى القاسم أجرة ليقسم بينكما … ” .

وقد استدل الفقهاء على جواز أخذ قسّام القاضي للأجرة من الشركاء بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

قالوا: إنَّ القسمة ليست بقضاء حقيقة، فجاز له أخذ الأجرة عليها .

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ القاسم يعمل للشركاء عملًا معلومًا، غير مستحق عليه فجاز أخذ الأجرة عليه كالكتابة .

الدّليل الثّالث:

قالوا: إنَّ نفع القسمة عائد إلى الشركاء على الخصوص، فكانت أجرة القسمة عليهم .

الدّليل الرّابع:

قالوا: إنَّ القسمة ليست بقربة وطاعة، فجاز أخذ الأجرة عليها كسائر الأعمال .

الدّليل الخامس:

قالوا: إنَّ القسمة من حقوق الآدمين المحضة، فجاز للقاسم الاعتياض عنها .

وأمّا الدّليل على الكراهة عند من قال بذلك ما يأتي:

الدّليل الأوّل:

ما ذكره مالك رحمه الله تعالى: كان خارجة بن زيد بن ثابت ومجاهد يقسمان مع القضاة ويحسبان ولا يأخذان لذلك جعلا .

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ القاضي هو الحاكم بذلك على اليتيم باجتهاده فلعلّه لو كان مالكًا لأمره واحتاج إلى القسمة لوجد من يستأجره على ذلك بأقل ممّا جعله القاضي عليه .

الدّليل الثّالث:

قالوا: إنَّ القسمة تشبه القربة فتكره أخذ الأجرة عليها .

الفرع الثّاني أجرة قسّام الشركاء

إذا كان الّذي يقوم بالقسمة بين الشركاء ليس قسّام القاضي، إنّما هو قسّام آخر غيره ارتضاه الشركاء واصطلحوا عليه، فإن أجرته في هذه الحالة واجبة على الشركاء.

ويجوز للقاسم في هذه الحالة أخذ الأجرة على عمله من الشركاء، وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء .

قال الكاساني: “ولو أراد النَّاس أن يستأجروا قسامًا آخر غير الّذي نصبه القاضي، لا يمنعهم القاضي عن ذلك، ولا يجبرهم على أن يستأجروا قسامًا” .

وقال الخرشي : “وأمّا الشركاء أو الورثة إذا تراضوا على من يقسم لهم بأجر معلوم فذلك جائز بلا خلاف” .

قال الماوردي: “فإن عدل المقتسمون عنهم إلى قسمة من تراضوا به من غيرهم جاز، ولم يعترض عليهم، وجاز أن يكون من ارتضوه، عبدًا أو فاسقًا وكانت أجرته في أموالهم ولم تكن في بيت المال” .

وقال ابن قدامة: “وإن كان الشركاء، نصبوا قاسمًا، فأجرته بينهم على ما شرطوه” .

وقد استدل الفقهاء على ذلك بما يأتي:

قالوا: إنَّ القاسم الّذي استأجره الشركاء إنّما هو أجيرهم، والأجير تجب له أجرته على عمله، وتكون بينهم على ما شرطوه .

المطلب الثّاني أخذ المال على الشّهادة

الشّهادة أحد طرائق الأحكام، وأهم وسائل الإثبات، دل على مشروعيتها الكتاب والسُّنَّة والإجماع والعقل.

وقد اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على أن تحمل الشّهادة وأدائها من فروض الكفايات، وقد يكون تحملها وأداؤها أو أحدهما من فروض الأعيان، وذلك إذا لم يوجد إِلَّا ذلك العدد من الشهود الّذي يحصل بهم الحكم وتثبت بهم الدعوى، وخيف ضياع الحق .

وأمّا ما يؤخذ من مال على الشّهادة تحملًا وأداءً، لا يخلو إمّا أن يكون نفقة أو رزقًا من بيت المال أو أجرة من المشهود لهم، وتفصيل ذلك في المسائل الآتية:

المسألة الأولى: أخذ النفقة على الشّهادة

إذا احتاجت الشّهادة إلى نفقة وركوب، فهل يجوز للشاهد أخذ النفقة عليها؟ بيان ذلك فيما يأتي:

أوَّلًا: إذا كان الشّاهد فقيرًا:

إذا كان الشّاهد فقيرًا، فقد اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على جواز أخذ النفقة وأجرة الرُّكوب، مدة ذهابه وإيابه .

واستدلوا على ذلك بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

قوله تعالى: {وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ} [البقرة:282].

وجه الاستدلال:

حيث نهى الله تعالى عن الإضرار بالشّاهد، وتكليف الشّاهد بالسفر من أجل الشّهادة، وليس عنده نفقة ولا دابة، إضرار به، وعليه فإنّه لا تجب عليه الشّهادة إذا كان فقيرًا، وإلا أعطى نفقة ذهابه وإيابه وركوبه .

الدّليل الثّاني:

عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (أكرموا الشهود، فإن الله تعالى يستخرج بهم الحقوق، ويدفع بهم الظلم) .
وجه الاستدلال:

حيث أمر النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – بإكرام الشهود، ودفع النفقة للشاهد إذا كان محتاجًا، من باب أكرامه، فيجوز له أخذها .

الدّليل الثّالث:

قالوا: إنَّ أداء الشّهادة، لا يجب عليه، فجاز أخذ النفقة عليه .

الدّليل الرّابع:

قالوا: إنَّ انفاق الشّاهد على عياله فرض عين عليه، فلا يشتغل عنه بفرض الكفاية، فإن أعطي النفقة لنفسه وعياله في ذلك اليوم سقط عنه فرض العين وجاز حينئذ أن يشتغل بالشهادة .

ثانيًا: إذا كان الشّاهد غنيًا:

إذا كان الشّاهد في كفاية ولا يحتاج إلى ركوب أو نفقة لاستغنائه عن ذلك بماله فهل يجوز له حينئذ أخذ النفقة على شهادته ممّن شهد له؟
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية ، والمالكية ، والشّافعيّة ، والحنابلة إِلَّا أنّه لا يجوز للشاهد أخذ نفقة أو أجرة ركوب ونحو ذلك على شهادته، إذا كان غير محتاج.

وقد استدل الفقهاء على ذلك بما ياتىِ:

الدّليل الأوّل:

قالوا: إنَّ الشّاهد إذا كان له كفاية، فليس له أخذ النفقة على الشّهادة لأنّه أداء فرض، فإن فرض الكفاية إذا قام به البعض وقع منه فرضًا، كصلاة الجنازة .

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ الشّاهد إذا كان غير محتاج، فلا يحل له أخذ النفقة؛ لأنَّ ما أخذه في هذه الحالة يعد رشوة، فيكون فعله هذا معصية وجرحًا قادحًا في شهادته .

المسألة الثّانية: أخذ الرزق على الشّهادة

ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشّافعيّة والحنابلة إلى أنّه يجوز للشاهد أخذ الرزق من بيت المال على تحمله الشّهادة وأدائها.

فإذا أقام الإمام للناس شهودًا فلا يكون لهم شغل إِلَّا تحمل حقوق النَّاس حفظًا، وإحياؤها لهم أداءً، وجعل كفايتهم في بيت المال جاز ذلك.
وقد استدلوا على ذلك بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

قوله تعالى: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة: 282].

وجه الاستدلال:

قال الإمام القرطبي مبينًا وجه الاستدلال من هذه الآية على جواز أخذ الرزق من بيت المال قال: “وقد يستلوح من هذه الآية دليلٌ على أن جائزا للإمام أن يقيم للناس شهودًا ويجعل لهم من بيت المال كفايتهم فلا يكون لهم شغل، إِلَّا تحمل

حقوق النَّاس حفظًا لها وإن لم يكن ضاعت الحقوق وبطلت” .

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ تحمل الشّاهد للشهادة وأدائها من المصالح العامة، فيجوز أخذ الرزق عليها من بيت المال .

المسألة الثّالثة: أخذ الأجرة على الشّهادة

اختلف الفقهاء في حكم أخذ الأجرة على الشّهادة تحملًا وأداء على أربعة أقوال:

القول الأوّل:

لا يجوز مطلقًا أخذ الأجرة على الشّهادة.

وبهذا قال الحنفية ، والحنابلة إذا تعينت، وإذا لم تتعين في الأصح .

القول الثّاني:

يجوز أخذ الأجرة على تحمل الشّهادة، أمّا الأداء فلا يجوز أخذ الأجرة عليه.

وبهذا قال المالكية ، وهو الأصح عند الشّافعيّة .

القول الثّالث:

لا يجوز أخذ الأجرة على الشّهادة، إِلَّا عند الحاجة، فيجوز أخذ الأجرة عليها عند التحمل وعند الأداء ولو تعينت عليه. هذا قول عند الحنابلة ، اختاره شيخ

الإسلام ابن تيمية رحمه الله .

القول الرّابع:

يجوز أخذ الأجرة على الشّهادة إذا لم تتعين، فإن تعينت فلا يجوز. وهذا قول عند الشّافعيّة ، ووجه عند الحنابلة .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة القول الرّابع:

استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:

أ – دليلهم على أنّه إذا تعينت لا يجوز أخذ الأجرة عليها:

قالوا: إنَّ الشّهادة إذا تعينت لا يجوز حينئذ أخذ الأجرة عليها؛ لأنّها فرض تعين عليه فلم يجز أن يأخذ عليه أجرة كسائر الفروض .

ب – دليلهم على جواز أخذ الأجرة إذا لم تتعين:

الدّليل الأوّل:

قالوا: يجوز أخذ الأجرة على الشّهادة إذا لم تتعين، قياسًا على كتب الوثيقة .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة الاستدلال بما يأتي:

لا نسلم لكم قياس تحمل الشّهادة وأدائها على كتب الوثيقة، فإنّه قياس مع الفارق وبيان ذلك أن الشّهادة فرض كفاية أو فرض عين علي الشّاهد، فإذا كانت فرض عين فلا خلاف، أمّا إذا كانت فرض كفاية، فإن الشّاهد إذا قام بها كانت فرض عين في حقه يسقط به فرض الكفاية عن الأُمَّة، كصلاة الجنازة .
ثمّ إنَّ الشّهادة ممّا يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة بخلاف الكتابة فإنها عمل مباح في أصله لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة.

ثمّ إنَّ الشّهادة هو مأمور بأدائها احتسابًا لوجه الله تعالى، قال تعالى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطّلاق: 2].

وقال تعالى: {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283].

وعليه فقد فارقت الشّهادة الكتابة فلا يصح القياس، والله تعالى أعلم.

الدّليل الثّاني:

إنَّ النفقة على عياله فرض عين، فلا يشتغل عنه بفرض الكفاية، فإن اشتغل بالشهادة جاز له حينئذ أخذ الأجرة عليها .

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: أن الشّهادة وإن كانت فرض كفاية في الأصل، إِلَّا أنّه إذا اشتغل بها تعينت في حقه كصلاة الجنازة فلا يجوز له أخذ الأجرة عليها .

ثانيًا: أن أخذ الأجرة على الشّهادة يورث تهمة في حق الشّاهد؛ لأنَّ الأجرة على أداء الشّهادة كالرشوة وهذا يقدح في عدالة الشّاهد .

ثانيًا: أدلة القول الثّالث:

استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:

الشّهادة إمّا أن تكون غير متعينة عليه، وإما أن تكون متعينة.

أ – إذا كانت غير متعينة:

قالوا: يجوز له في هذه الحالة أخذ الأجرة على شهادته؛ لأنَّ النفقة على عياله فرض عين فلا يشتغل عنه بفرض الكفاية، فإذا أخذ الأجرة يكون قد جمع بين الأمرين: النفقة على العيال وأداء الشّهادة .

ب – إذا كانت متعينة:

قالوا: إنَّ أخذ الأجرة في هذه الحالة جائز كذلك؛ لأنَّ النفقة على العيال فرض عين وأداء الشّهادة فرض عين، ولا يمكن تأدية هذه الفروض إِلَّا بالأجرة، وينوي المحتاج عملها لله، ويأخذ الأجرة ليستعين بها على تأدية هذه الفروض، بخلاف الغني فليس هناك حاجة تدعوه إلى الكسب وأخذ الأجرة على شهادته، فلا حاجة تدعوه أن يؤدِّي شهادته لغير وجه الله تعالى .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة ما استدل به أصحاب هذا القول بما يأتي:

لا نسلم لكم أن الشّاهد يجوز له أخذ الأجرة على الشّهادة، ولو كان ذلك للحاجة؛ لأنَّ الحاجة يمكن دفعها بغير الأجرة، وهي النفقة فقد تقدّم نقل اتفاق الفقهاء رحمهم الله تعالى على جواز النفقة على الشّهادة حتّى لو كان يكسب قوت يومه يومًا بيوم فإنّه يجوز له في هذه الحالة أن يأخذ نفقة نفسه وعياله في ذلك اليوم، وعليه فلا حاجة للقول بجواز الأجرة للحاجة لانتفاء الحاجة بالنفقة. والله أعلم.

ثالثًا: أدلة القول الثّاني:

استدل أصحاب هذا القول بما يأتي:

1 – أدلتهم على جواز أخذ الأجرة على تحمل الشّهادة:

قالوا: إنَّ تحمل الشّهادة فرض كفاية، لا يلزمه، فجاز أخذ الأجرة عليه .

2 – أدلتهم على عدم جواز الأجرة على أداء الشّهادة:

أدلة هذا القول على عدم جواز الأجرة على أداء الشّهادة هي نفسها أدلة القول الأوّل، وستأتي.

وقد تقدّم مناقشة دليلهم على الجواز إذا كانت فرض كفاية عند مناقشة أدلة القول الرابع.

رابعًا: أدلة القول الأوّل:

استدل أصحاب هذا القول بأدلة من القرآن والمعقول:

أ – أدلتهم من القرآن:

الدّليل الأوّل:

قوله تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة: 283].

وجه الاستدلال:

حيث نهى الله تعالى عن كتمان الشّهادة، ورتب عليه الإثم العظيم، ومن امتنع من أداء الشّهادة إِلَّا بأجرة، فإنّه يعد كاتمًا لها، فيدخل تحت الوعيد في هذه الآية .

الدّليل الثّاني:

قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ} [الطّلاق: 2].

وجه الاستدلال:

هذا أمر للشهود بأن يأتوا بما شهدوا به، تقربًا إلى الله تعالى، فإذا كان الشهود مأمورين بأداء الشّهادة، كانت الشّهادة حينئذ فرض عين عليهم، فلا يجوز أخذ العوض عليها .

ب – أدلتهم من المعقول:

الدّليل الأوّل:

قالوا: إنَّ الشّهادة لا يجوز أخذ العوض عليها مطلقًا سواءً أكانت فرض كفاية أم فرض عين، أمّا إذا كانت فرض كفاية فلأنّه إذا أخذ العوض عليها تلحقه التهمة بذلك ، ثمّ إنَّ فرض الكفاية إذا قام به البعض وقع منه فرضًا فلا يجوز أخذ الأجرة عليه كصلاة الجنازة .

وأمّا إذا كانت الشّهادة فرض عين عليه، فلا يجوزكذلك أخذ الأجرة عليها، كسائر فروض الأعيان .

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ الشّهادة كلام يسير لا أجرة لمثله، فلا يجوز أخذ الأجرة عليها .

الدّليل الثّالث:

قالوا: إنَّ الشّاهد إذا امتنع من الشّهادة إِلَّا بعوض، فإن ذلك يكون جرح قادح في شهادته؛ لأنّه معصية؛ لأنّه رشوة أخذها في نظيرما وجب عليه .

الترجيح:

بعد عرض الأقوال، وذكر الأدلة لكل قول وما ورد عليها من مناقشات فالذي يظهر هو رجحان القول الأوّل القائل بعدم جواز أخذ الأجرة على الشّهادة مطلقًا وذلك لما يأتي:

أوَّلًا: قوة ما استدل به أصحاب هذا القول وبخاصة الأدلة من القرآن الكريم، فهي تدل على وجوب أداء الشّهادة، وأن يكون ذلك قربة إلى الله تعالى، قال الإمام الشوكاني: “هذا أمر للشهود بأن يأتوا بما شاهدوا به تقربًا إلى الله” .

إذن فالشهادة واجبة إمّا على الكفاية فإذا أتى بها الشّاهد تغنيت عليه، أو تكون واجبة على الأعيان من الأصل، وفي كلّ من الحالين فهي من القرب إلى الله تعالى، وعليه فلا يجوز أخذ الأجرة عليها.

ثانيًا: أن ما ذكره أصحاب الأقوال الأخرى من الأدلة أمكن مناقشتها وإخراجها عن دلالتها.

ثالثًا: أن هذا القول لا يردّ عليه اعتراضات كما ورد على الأقوال الأخرى، فإن قول من قال بالجواز للحاجة، يمكن دفعه، بما حصل الاتفاق عليه من جواز النفقة للشاهد، فإن بها تندفع الحاجة.

وأمّا بقية الأقوال الأخرى فمدارها على الجواز إذا كانت الشّهادة فرض كفاية، وهذا يندفع بما إذا قام بها الشّاهد، فإنها تصبح حينئذ فرض عين، وفي هذه الحالة لا يجوز أخذه أجرة عليها بالاتفاق. والله تعالى أعلم.

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*