أخذ المال على الوصايا

أخذ المال على الوصايا

أخذ المال على الوصايا هو المبحث السّادس من الفصل الأوّل أخذ المال على المعاملات ، الباب الثّاني أخد المال على المعاملات والولايات الشرعية من بحث أخذ المال على أعمال القربات

أخذ المال على الوصايا

المبحث السّادس أخذ المال على الوصايا

المراد بهذه المسألة هو ما يأخذه الوصي أو الموصي إليه من مال في مقابل القيام على شئون الصغير الّذي هو اليتيم ، أو المجنون تربية وتعليمًا، كذلك النظر في أموالهم بالمحافظة عليها وتنميتها، وكذلك تزويج البنات، وغير ذلك ممّا يعهد إليه به الموصي، وعليه فتكون الوصيَّة هنا على معنى الإيصاء .
فإذا أقام الإنسان غيره مقامه بعد وفاته في تدبير شئون أولاده الصغار ورعايتهم وغير ذلك، فهل يجوز للوصي في هذه الحالة الأكل من مال اليتيم أم لا؟ وما هو مقدار ما يأكله؟ وهل يفرق بين الوصي الغني وبين الوصي الفقير؟ وهل ما يأخذه الوصي من مال هو على سبيل القرض أم على سبيل الإباحة فيملكه بذلك؟ وهل يجوز للوصي أخذ الأجرة على عمله أم لا؟

وحاصل ما يأخذه الوصي، إمّا كفايته بالمعروف أو أجرة مثله، وبيان حكم ذلك في المطالب التالية:

المطلب الأوّل الأكل بالمعروف من مال اليتيم

اختلف الفقهاء في حكم أكل الوصي من مال اليتيم بالمعروف على سبعة أقوال:

القول الأوّل:

يجوز للوصي إذا كان فقيرًا، أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف، أمّا إذا كان غنيًا فلا يجوز له ذلك.

وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الحنفية ، والمالكية ، وهو الصحيح عند الشّافعيّة ، والمشهور من المذهب عند الحنابلة ، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ، وتلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى .

القول الثّاني:

لا يجوز مطلقًا للوصي أن يأكل من مال اليتيم، سواء كان الوصي فقيرًا أم غنيًا. وإلى هذا ذهب بعض الحنفية ، وهو قول الظاهرية ، وهو قول عند الحنابلة ، ونسبه ابن حزم إلى ابن عبّاس رضي الله عنهما ، ونسبه القرطبي في تفسيره إلى مجاهد .

القول الثّالث:

يجوز مطلقًا للوصي أن يأكل من مال اليتيم سواء أكان الوصي غنيًا أم فقيرًا.

وإلى هذا ذهب بعض الشّافعيّة ، وبعض الحنابلة .

القول الرّابع:

يجوز لوصي الأب خاصّة أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف، وأمّا وصي الحاكم، فلا يجوز له الأكل من مال اليتيم مطلقًا .

وبه قال الحسن بن صالح بن حيّ .

القول الخامس:

التفريق بين السَّفر والحضر، فيمنع من الأكل، إنَّ كان مقيمًا معه في المصر، فإذا احتاج أن يسافر من أجله، فله أن يأخذ ما يحتاج إليه، ولا يقتني شيئًا.

وبه قال أبو حنيفة رحمه الله وصاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن .

القول السّادس:

يجوز للوصي الأكل بالمعروف ممّا يجني من الغلة، فأمّا المال الناض فليس له الأكل منه. وإلى هذا أبو قلابة.

القول السابع:

يجوز الأكل من مال اليتيم للحاجة والضرورة فقط.

وإلى هذا ذهب الشّعبيّ رحمه الله تعالى، وهو مروي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، وهو اختيار ابن جرير في تفسيره .

الأدله والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة القول السابع:

استدل أصحاب هذا القول القائلون بجواز الأكل من مال اليتيم للضرورة بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

عن عكرمة عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النِّساء: 6]: إذا احتاج اضطر .

وجه الاستدلال:

وجه الاستدلال من هذا الأثر ظاهر، وهو أنّه لا يجوز للولي الأكل من مال اليتيم إِلَّا عند الضّرورة والحاجة.

الدّليل الثّاني:

إنَّ مال اليتيم لا يأكل منه الوصي إِلَّا للضرورة والحاجة قياسًا على الأكل من الدِّم ولحم الخنزير .

مناقشة الاستدلال:

نوقش ما استدل به أصحاب هذا القول وهو أن الأكل من مال اليتيم لا يجوز إِلَّا للضرورة والحاجة، بأنّه استدلال لا معنى له؛ لأنّه إذا اضطر هذا الاضطرار كان له أخذ ما يقيمه من مال يتيمه أو غيره من قريب أو بعيد .

ثانيًا: أدلة القول السّادس:

لم أقف على دليل لأصحاب هذا القول القائلين بجواز الأكل من الغلة فقط، ويمكن أن يستدل له بما يأتي:

أن الأكل من الغلة أمر متعارف عليه بين الخلق متسامح فيه فيجوز للوصي

حينئذ الأكل من الغلة ، أمّا المال الناض فيبقى على المنع ويمكن الاستدلال للمنع بما استدل به من منع مطلقًا وهم أصحاب القول الثّاني وستأتي أدلتهم إن شاء الله تعالي.

ثالثًا: أدلة القول الخامس:

لم أقف على دليل صريح لأصحاب هذا القول الذين أجازوا الأكل للوصي في السَّفر فقط، ويمكن الاستدلال لهم بما يأتي:

أن السَّفر يحتاج إلى كلفة ومشقة ولا يتسنى إِلَّا بدابة ونحو ذلك ممّا يلزم المسافر، ومصلحة ذلك راجعة إلى اليتيم، فتكون النفقة في ماله .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة القولين الخامس والسّادس وما استدل لهم به بما يأتي:

أوَّلًا: أن مرد هذين القولين إلى قول القائلين بالمنع مطلقًا، وأمّا ما ذكروه من الاستثناء وهو الإباحة في السَّفر، والإباحة في الأكل من الغلة، فهو خارج محل النزاع، وذلك؛ لأنّ الأكل في حالة السَّفر إنّما هو راجع إلى اليتيم؛ لأنّ السَّفر من أجل ماله ومصلحته، والوصي في هذه الحالة يكون نائبًا محضًا بدليل أنّهم قالوا: إنَّ الوصي إذا رجع من السَّفر رد الدابة التي سافر عليها والثياب الّتي لبسها، قال أبو يوسف رحمه الله: “لا يأكل الوصي من مال اليتيم إذا كان مقيمًا، وإذا أراد أن يخرج في تقاضي دين لهم وإلي ضياع لهم فله أن ينفق ويكتسي ويشتري دابة، فإذا رجع رد الثِّياب الّتي عليه، إنَّ كان بقي منها شيئًا ويرد الدابة” .

وأمّا الأكل من الغلة فهو كأكل التّمر من الجذوع وشرب اللبن من الضرع أمر متعارف بين الخلق متسامح فيه ، فهو خارج عما نحن فيه.

رابعًا: أدلة القول الرّابع:

لم أقف على دليل أو تعليل لأصحاب هذا القول القائلين بجواز الأكل لوصي الأب دون غيره، ولا أعرف له وجه صحيح؛ لأنَّ الله تعالى لم يفرق بين وصي الأب ووصي الحاكم، وإنّما جاء الإطلاق في الآية فيشمل الجميع، وإنّما حصل التفريق بين الغني والفقير ، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

خامسًا: أدلة القول الثّالث:

استدل أصحاب هذا القول القائلون بجواز الأكل من مال اليتيم حتّى مع الغنى بما يأتي:

قالوا: إنَّ الوصي يأكل وإن كان غنيًا قياسًا على العامل على الزَّكاة، وأمّا قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ} [النِّساء: 6]، فالأمر فيها بالتعفف محمول على الاستحباب .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الاستدلال بأن هذا قياس في مقابلة النص فلا يعتد به، فإن الآية قد جاء فيها الأمر صريحًا بالاستعفاف إنَّ كان غنيًا، والأمر المطلق يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف ولا صارف له هنا إلى الاستحباب .

سادسًا: أدلة القول الثّاني:

استدل أصحاب هذا القول القائلون بالمنع مطلقًا بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النِّساء: 10].

وجه الاستدلال:

أن الله تعالى حرم أكل أموال اليتامى أشد التّحريم، ويستثنى من ذلك ما كان على سبيل الأجرة أو البيع اللذين أباحهما الله تعالى .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الاستدلال بأن المحرم في الآية إنّما هو أكلها على وجه الظلم، أمّا الأكل على وجه المعروف فلا تدل الآية على المنع منه، بل جاء القرآن بجوازه.

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ جواز الأكل بالمعروف من مال اليتيم الوارد في قوله تعالى: {فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} منسوخ، والناسخ له:

1 – قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النِّساء:29].

وجه الاستدلال:

أن الأكل بالمعروف من مال اليتيم ليس بتجارة فلا يجوز الأكل منه.

2 – قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا …} [النِّساء: 10].

وجه الاستدلال:

أن الله تعالى حرم الأكل من مال اليتيم أشد التّحريم، إِلَّا ما كان على سبيل

الإجارة أو البيع، وليس الأكل بالمعروف واحدًا منهما .

مناقشة الاستدلال:

ناقش الإمام ابن العربي دعوى النسخ هذه فقال: “أمّا من قال: إنّه منسوخ فهو بعيد، لا أرضاه؛ لأنَّ الله تعالى يقول: {فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} وهو الجائز الحسن، وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا} فكيف ينسخ الظلم المعروف، بل هو تأكيد له في التجويز؛ لأنّه خارج عنه مغاير له، وإذا كان المباح غير المحظور لم يصح دعوى نسخ فيه” .

سابعًا: أدلة القول الأوّل:

استدل أصحاب هذا القول القائلون بجواز الأكل للوصي الفقير دون الغني بأدلة من القرآن والسُّنَّة والآثار والمعقول:

أ – أدلتهم من القرآن:

قال تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النِّساء: 6].

وجه الاستدلال:

حيث بين سبحانه وتعالى ما يحل للوصي من مال اليتيم فأمر الغني بالإمساك، وأباح للوصي الفقير أن يأكل من مال وليه بالمعروف .

مناقشة الاستدلال:

نوقش الاستدلال بهذه الآية، بأن الأمر بالإمساك فيها أمر استحباب وليس أمر وجوب .

الجواب عن المناقشة:

من المقرر عند جمهور الأصوليين أن الأمر المطلق إنّما هو للوجوب وليس للاستحباب، ما لم يصرفه صارف إلى الاستحباب، ولم يذكر من صرفه للاستحباب دليلًا على ذلك، فبقي الأمر في الآية على أصله وهو الوجوب.

ب – أدلتهم من السُّنَّة:

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: جاء رجل إلى النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – فقال: إنِّي فقير ليس لي شيء، ولي يتيم له مال، فقال – صلّى الله عليه وسلم -: (كلّ من مال يتيمك، غير مسرفٍ، ولا مبادر ولا متأثل) .

وجه الاستدلال:

حيث أباح النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – للرجل الأكل من مال اليتيم، وذلك لفقره وحاجته، ونهاه عن الإسراف ومجاوزه قدر الحاجة على أي صفةٍ كانت المجاوزة.

جـ – أدلتهم من الأثر:

الدّليل الأوّل:

ما روي عن عمر بن الخطّاب – رضي الله عنه – قال: إنِّي أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، إنَّ احتجت أخذت منه، فإذا أيسرت رددته، وإن استغنيت استعففت .

الدّليل الثّاني:

ما ورد عن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} قالت: أنزلت في والي اليتيم أن يصيب من ماله إذا كان محتاجًا بقدر ماله بالمعروف .

د – الأدلة من المعقول:

قالوا: إنَّ الوصي، قد تصرف في مال من لا تمكن مراجعته فجاز له الأخذ بغير إذنه كعامل الصدقات .

الترجيح:

بعد ذكر الأقوال وما استدل به لكل قول، وما ورد على هذه الأدلة من مناقشات وما أجيب به عنها يتبين رجحان القول الأوّل القاضي بجواز أكل الوصي من مال اليتيم إذا كان فقيرًا، أمّا الوصي الغني فلا يحل له الأكل من مال اليتيم.

وتعود أسباب الترجيح لما يأتي:

أوَّلًا: قوة أدلة هذا القول حيث جاءت صريحة وواضحة ومعظمها أدلة نصية.

ثانيًا: أن هذا القول هو الموافق لما جاء في القرآن والسُّنَّة حيث جاءت الآية في ذلك صريحة وواضحة في المنع من الأكل للغني، والإباحة للفقير.

ثالثًا: أنّه أمكن مناقشة أدلة الأقوال الأخرى ممّا يضعف من دلالتها.

المطلب الثّاني ما يأكله الولي هل يكون على سبيل الإباحة أم القرض

بناءً على القول الراجح في المسألة السابقة وهو أنّه يجوز للوصي الفقير الأكل من مال اليتيم، فهل ما يأكله هو على سبيل الإباحة بمعنى أنّه لا يلزمه عوض ذلك إذا أيسر؟ أم أن ما يأكله يكون على سبيل القرض فيلزمه العوض ورد البدل إذا أيسر؟

اختلف الفقهاء في حكم ذلك على قولين:

القول الأوّل:

أن ما يأكله الوصي من مال اليتيم إنّما هو على سبيل الإباحة لا القرض فلا يلزمه العوض إذا أيسر.

وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، وهو قول الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وبه قال المالكية ، وهو الأظهر عند الشّافعيّة ، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة .

القول الثّاني:

أن ما يأكله الوصي من مال اليتيم إنّما هو على سبيل القرض فيلزمه العوض إذا أيسر.

وإلى هذا ذهب بعض الحنفية ، وهو قول عند الشّافعيّة ، ورواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة القول الثّاني:

استدل أصحاب هذا القول بأدلة من القرآن والأثر والمعقول:

أ – دليلهم من القرآن:

قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [النِّساء:6].

وجه الاستدلال:

حيث أمر الله تعالى بالإشهاد على الأيتام عند دفع المال إليهم، فدل ذلك على أن ما يأكله الوصي بالمعروف من مال اليتيم، إنّما هو على سبيل القرض؛ لأنّ الحاجة إلى الإشهاد إنّما تكون عند الأخذ قرضًا ليأكل منه، ولو كان المال في يد الوصي أمانة لما كان هناك حاجة إلى الإشهاد .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:

أوَّلًا: أن المراد بالآية هو الإشهاد على دفع مال اليتيم الّذي تحت يد الوصي، وهو وإن كان أمانة إِلَّا أن الأمر بالإشهاد هنا جاء تنبيهًا على التحصين وزوالًا للتهم ثمّ إنَّ كلّ مال قبض على وجه الأمانة بإشهاد لا يبرأ منه إِلَّا بالإشهاد على دفعه ومال اليتيم عند الوصي أمانة، فلو ضاع قبل قوله، فإذا قال دفعتُ لم يقبل إِلَّا بالإشهاد؛ لأنَّ الضياع لا يمكنه إقامة البينة عليه وقت ضياعه، فلا يكلف ما لا سبيل إليه، والبينة يقدر أن يقيمها وقت الدفع فتفريطه فيها موجب عليه الضمان .

ثانيًا: أن المراد بالآية هو الإشهاد على مقدار ما أنفقه الوصي على اليتيم حتّى إذا وقع خلاف أمكن إقامة البينة .

ب – الدّليل من الأثر:

ما روي عن عمر بن الخطّاب – رضي الله عنه – أنّه قال: إنِّي أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، إن احتجت أخذت منه فإذا أيسرت رددته، وإن استغنيت استعففت .

وجه الاستدلال:

حيث دل قول عمر – رضي الله عنه – على أن ما يأخذه الوصي من مال اليتيم إذا احتاج إلى ذلك إنّما هو على سبيل القرض بدليل قوله: “فإذا أيسرت رددته”.

مناقشة الاستدلال:

ناقش الإمام القرطبي في تفسيره هذا الاستدلال فقال: “إجماع الأُمَّة على أن الإمام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غرم ما أكل بالمعروف؛ لأنَّ الله تعالى قد فرض سهمه في مال الله، فلا حجة لهم في قول عمر (فإذا أيسرت قضيت) أن لو صح” .

جـ – الدّليل من المعقول:

قالوا: إنَّ أكل الوصي من مال اليتيم، استباحة بالحاجة من مال غيره، فلزمه قضاؤه كالمضطر إلى طعام غيره .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الاستدلال بأنّه قياس مع الفارق، فإن المضطر إلى طعام غيره يكون العوض واجبًا عليه في ذمته؛ ولأنّه لم يأكله عوضًا عن شيء والوصي بخلافه .

ثانيا: أدلة القول الأوّل:

استدل أصحاب هذا القول بأدلة من القرآن والسُّنَّة والأثر والمعقول:

أ – دليلهم من القرآن:

قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النِّساء: 6].

وجه الاستدلال:

أن الله تعالى قد أمر بالأكل بالمعروف من مال اليتيم، ولم يذكر العوض فأشبه سائر ما أمر بأكله .

ب – دليلهم من السُّنَّة:

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء رجل إلى النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – فقال: إنِّي فقير ليس لي شيء ولي يتيم له مال فقال – صلّى الله عليه وسلم -: (كلّ من مال يتيمك، غير مسرف، ولا مبادر، ولا متأثل) .

وجه الاستدلال:

حيث أذن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – للوصي الأكل من مال اليتيم ولم يذكر العوض، فدل ذلك على أن ما يأكله الوصي إنّما هو على سبيل الإباحة.

جـ – دليلهم من الأثر

الدّليل الأوّل:

ما ورد عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنّها قالت في وصي اليتيم: يصيب من ماله إذا كان محتاجًا بقدر ماله بالمعروف .

الدّليل الثّاني:

عن القاسم بن محمَّد قال: جاء رجل إلى ابن عبّاس رضي الله عنهما فقال: إنَّ في حجري أموال يتامى، وهو يستأذنه أن يصيب منها، فقال ابن عبّاس رضي الله عنهما: ألست تبغي ضالتها، قال: بلى. قال: ألست تهنأ جرباها؟ قال: بلى، قال: ألست تلوط حياضها؟ قال: بلى، قال: ألست تفرط عليها يوم وردها؟ قال: بلى، قال: فأصب من رسلها -يعني من لبنها- .

وجه الاستدلال من الأثرين:

حيث رخصت أم المؤمنين وكذلك ابن عبّاس رضي الله عنهم للوصي الأكل من مال اليتيم في مقابل عمله في ماله، فإذا كان الأكل عوض العمل، لم يجب على الوصي رد ما أخذ؛ لأنّه كالأجرة.

د – الدّليل من المعقول:

الدّليل الأوّل:

أن ما يأكله الوصي إنّما هو عوض عمله فلم يلزمه بدله كالأجير والمضارب .

الدّليل الثّاني:

أنّه لو وجب على الوصي القضاء إذا أيسر، لكان واجبًا في الذِّمَّة قبل اليسار، فإن اليسار ليس سببًا للوجوب، فإذا لم يجب السبب الّذي هو الأكل لم يجب بعده .

الترجيح:

بعد عرض الأدلة لكل قول، وذكر ما ورد عليها من مناقشات، يظهر رجحان القول الأوّل القائل بأن الوصي إنّما يأكل من مال اليتيم على سبيل الإباحة فلا يلزمه عوض إذا أيسر.

ويعود ترجيح هذا القول لما يأتي:

أوَّلًا: قوة ما استدل به أصحاب هذا القول حيث جاءت أدلتهم قوية خالية من المناقشات.

ثانيًا: أن هذا القول جاء موافقًا لظاهر النصوص من القرآن والسُّنَّة، حيث دل القرآن بظاهره على جواز الأكل من مال اليتيم عند الحاجة على سبيل الإباحة،

وذلك في قوله تعالى: {وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ}، ولم تذكر الآية عوضًا عند اليسار، فدل ذلك على الإباحة.

ثالثًا: أن أمكن مناقشة ما استدل به أصحاب القول الآخر من أدلة ممّا يضعف من دلالتها وحجيتها.

المطلب الثّالث أخذ الأجرة على الوصاية

إذا طلب الوصي أجرةً على نظره وعمله في مال اليتيم، وقضاء حوائجه فهل يجوز له ذلك؟

اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على أن الوصي إذا طلب أجرة على عمله في مال اليتيم، ورعايته له، فعلى الحاكم أو القاضي أن يفرض له أجرة على عمله ونظره في شئون اليتيم، بقدر أجرة مثل عمله وشغله.

قال ابن نجيم: “الوصي إذا نصبه القاضي وعين له أجرًا بقدر أجرة مثله جاز”

وقال أبو الحسن التسولي : “على القاضي أن يفرض للوصي أجرة على نظره بقدر شغله بالنظر في مال اليتيم، من تصرف في غلات أصوله، وشراء نفقته إذا طلب الوصي ذلك” .

وقال الشربيني: “وإن كان الناظر في أمر الطفل أجنبيًا فله أن يأخذ من مال الطفل قدر أجرة عمله” .

وقال البهوتي: “ويجوز أن يجعل الموصي أو الحاكم للوصي جعلًا” .

وقال ابن حزم: “فإن أبي الوصي من النظر لليتيم، ولم يجد الحاكم من ينظر له حسبة، فليستأجر له وكيلًا ناظرًا، وهذا إنّما هو حظ اليتيم فهذا جائز بلا خلاف” .

وقال رحمه الله: ” … لكن إنَّ احتاج استأجره له الحاكم بأجرة مثل عمله” .

وقد استدل الفقهاء لذلك بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

قالوا: إنَّ الوصاية بمنزلة الوكالة، والوكالة يجوز أخذ الأجرة عليها فكذلك الوصاية ، وعلى هذا فإنّه يجوز للوصي أخذ الأجرة كالوكيل.

الدليل الثّاني:

قالوا: إنَّ أخذ الأجرة على الوصاية، داخل في عموم أمره – صلّى الله عليه وسلم – بالمؤاجرة فتجوز .

الدّليل الثّالث:

أن الوصي يجوز له أخذ الأجرة قياسًا على غيره من الإجراء، فإن الوصي يجوز أن يستأجر له الإجراء إذا كان اليتيم محتاجًا إلى ذلك بأجرة معلومة فكذلك يجوز للحاكم أو القاضي أن يستأجر الوصي بأجره معلومة كغيره من الإجراء .

الدّليل الرّابع:

قالوا: إنَّ الأجرة على الوصاية إنّما هي في مقابلة العمل، والعمل حق للوصي فجاز أخذ الأجرة عليه .

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*