أخذ المال على تعلم  القرآن الكريم وتعليمه

أخذ المال على تعلم  القرآن

أخذ المال على تعلم  القرآن الكريم وتعليمه هو المطلب الأول من مبحث أخذ المال على القرآن الكريم وهو المبحث الأول من الفصل الخامس أخذ المال على القرآن الكريم والعلّوم الشرعية من بحث أخذ المال على أعمال القرب

أخذ المال على تعلم  القرآن الكريم وتعليمه

المبحث الأوّل أخذ المال على القرآن الكريم

المطلب الأوّل أخذ المال على تعلم  القرآن الكريم وتعليمه

اتفق العلماء على أن تعليم القرآن بغير أجرة هو من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله ، كما اتفق الفقهاء – رحمهم الله تعالى – على جواز أخذ الرزق من بيت المال على تعليم القرآن الكريم، وذلك؛ لأنّ ما يؤخذ من بيت المال ليس بعوض بل رزق للإعانة على الطّاعة، ولا يخرجه ذلك عن كونه قربة إلى الله تعالى، ولا يقدح في الإخلاص؛ لأنّه لو قدح في الإخلاص ما استحقت الغنائم، ولا سلب القاتل .

ويلحق بالرزق في الجواز المال الموقوف على أعمال البرّ والموصى به والمنذور.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ” … أمّا ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضًا” وأجرة، بل رزق للإعانة على الطّاعة، وكذلك المال الموقوف على أعمال البرّ والموصى به، والمنذور كذلك ليس كالأجرة” .

أمّا أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم فقد اختلف الفقهاء في حكمه من حيث الجواز وعدمه على أقوال، أهمها ثلاثة:

القول الأوّل:

يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن للحاجة والضرورة، وبهذا قال متأخرو الحنفية، وهو الّذي عليه الفتوى ، وهو قول عند الحنابلة ، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – .

القول الثّاني:

يجوز مطلقا أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم، وهذا قول المالكية ،

والشّافعيّة ، وهو رواية عن الإمام أحمد ، وبه قال الظاهرية .

القول الثّالث:

لا يجوز مطلقًا أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم.

وهذا مذهب الحنفية عند الإطلاق، وعليه المتقدمون من أهل المذهب ، وهو رواية عن الإمام أحمد، هي المذهب وعليها جماهير أصحابه .

سبب الاختلاف:

يعود سبب الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة لعدة أسباب:

السبب الأوّل:

تعارض الروايات الثابتة عن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – حيث جاء بعضها بالمنع، وجاء البعض الآخر بالجواز، وسيأتي تفصيل تلك الأدلة عند ذكر أدلة الأقوال إن شاء الله تعالى.

السبب الثّاني:

أن تعليم القرآن من الأعمال الّتي يختص أن يكون فاعلها من أهل القربة وهو المسلم، لا يفعلها الكافر، بخلاف النفع الّذي يفعله المسلم والكافر كالبناء والخياط ونحوهما، وإذا فعل العمل بالأجرة لم يبق عبادة لله تعالى؛ لأنّه يكون مستحقًا بالعوض معمولًا لأجله.

فمن قال أن تعليم القرآن لا يمكن إيقاعه على غير وجه العبادة لله، قال لا يجوز الاستئجار عليه، ومن جوز الاستئجار قال: إنّه نفع يصل إلى المستأجر فجاز أخذ الأجرة عليه كسائر المنافع .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّالث:

استدل من منع أخذ الأجرة على تعليم القرآن مطلقًا بأدلة من القرآن الكريم والسُّنَّة المطهرة، والأثر والمعقول:

أ – أدلتهم من القرآن الكريم:

الدّليل الأوّل:

قوله تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص: 86] وقوله تعالى: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ، إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ} [سبأ: 47].

وجه الاستدلال:

هذه الآيات وما في معناها من الآيات ، تدل على أن الواجب على العلماء وغيرهم أن يبذلوا العلم مجانًا من غير أخذ عوض على ذلك، وأنّه لا
ينبغي أخذ أجرة على تعليم القرآن الكريم .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة الاستدلال بهذه الآيات الكريمات بما يأتي:

أن المراد بهذه الآيات هو الأجر على تبليغ الرسالة وهو خطاب للمشركين، والمعنى: قل يا محمّد لهؤلاء المشركين ما أسألكم على تبليغ الرسالة والوحي والنصح لكم أجرًا تعطونيه من عرض الحياة الدنيا … فليس المراد بهذه الآيات ونحوها الأجرة على تعليم القرآن كما جاء في وجه الاستدلال .

الدّليل الثّاني:

قوله تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ} [الطور: 40، القلم: 46].

وجه الاستدلال:

أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن فيه ثقل على النَّاس، وثقل الأجر يؤدِّي إلى تنفير النَّاس عن تعلم القرآن، فيؤدِّي ذلك إلى الرغبة عن هذه الطّاعة وعلى هذا فلا يجوز الاستئجار على تعليم القرآن .

مناقشة الاستدلال:

الآية إنّما تتحدث عن المشركين، ودعوة النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – لهم للدخول في دين الإسلام، وأن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – لا يسألهم أجرًا على إبلاغهم رسالة الله، فلا عذر لهم في تثاقلهم عن الاستجابة لدعوته ونصيحته لهم – صلّى الله عليه وسلم – .

إذن فالآية خارج محل النزاع ولا علاقة لها بأخذ الأجر على تعليم القرآن.

الدّليل الثّالث:

قوله تعالى: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة: 41].

وجه الاستدلال:

استدل القرطبي في تفسيره بهذه الآية على المنع من أخذ الأجرة على تعليم القرآن، فقال: “وهذه الآية وإن كانت خاصّة ببني إسرائيل فهي تتناول من فعل فعلهم فمن أخذ رشوة على تغيير حق أو إبطاله أو امتنع من تعليم ما وجب عليه أو أداء ما علمه وقد تعين عليه حتّى يأخذ عليه أجرا فقد دخل في مقتضى الآية” .

مناقشة الاستدلال:

أجاب القرطبي عن وجه الاستدلال بهذه الآية بجوابين:

الأوّل: أن المراد بالآية بنو إسرائيلا، وشرع من قبلنا هل هو شرع لنا فيه خلاف وهو لا يقول به ، وعليه فلا حجة لهم في الآية.

الثّاني: أن الآية فيمن تعين عليه التعليم فأبى حتّى يأخذ عليه أجرًا، فأمّا إذا لم يتعين عليه، فيجوز له أخذ الأجرة بدليل السُّنَّة في ذلك، وقد يتعين عليه إلّا أنّه ليس عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله فلا يجب عليه التعليم، وله أن يقبل على صنعته وحرفته .

الدّليل الثّالث:

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159].
والكلام حول هذه الآية من حيث وجه الاستدلال والمناقشة كالآية السابقة ولا فرق .

ب – الأدلة من السُّنَّة:

الدّليل الأوّل:

عن أبي بن كعب – رضي الله عنه – قال: علّمت رجلًا القرآن فأهدى إليّ قوسًا فذكرت ذلك لرسول الله – صلّى الله عليه وسلم – فقال: (إنَّ أخذتها أخذت قوسًا من نار)، قال أبى: فرددتها .

الدّليل الثّاني:

عن أبي الدرداء – رضي الله عنه – قال: إنَّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – قال: (من أخذ قوسًا على تعليم القرآن قلّده الله قوسًا من نار) .

الدّليل الثّالث:

عن عبادة بن الصامت قال: علّمت ناسًا من أهل الصِّفَة الكتاب والقرآن فأهدى إليّ رجل منهم قوسًا، فقلت: ليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله عزّ وجلّ؟ لآتينّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – فلأسألنه، فأتيته فقلت: يا رسول الله، رجل أهدى إليّ قوسًا ممّن كنت أعلّمه الكتاب والقرآن، وليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله، قال: (إنَّ كنت تحبّ أن تطوق طوقًا من نار فاقبلها) .

وجه الاستدلال من الأحاديث السابقة:

دلت الأحاديث السابقة على تحريم أخذ الهدية على تعليم القرم ن لما جاء في أخذها من الوعيد الشديد، فدل ذلك على أن ما كان عن شرط كالأجرة فإنّه يكون أشد تحريمًا .

مناقشة الاستدلال:

نوقش الاستدلال بالأحاديث السابقة بما يأتي:

أوَّلًا: أن هذه الأحاديث ليست بنص في تحريم الأجر على تعليم القرآن .

ثانيًا: أن هذا كان في أول الإسلام، حين كان تعليم القرآن فرضًا على الأعيان فلما سقط الفرض بتعليمه لفشوه وظهوره وكثرة حامليه، ولم يجب على أحد أن يترك أشغاله ومنافعه ويجلس لتعليم القرآن الكريم، كان له أن يأخذ الأجرة على ذلك .

ثالثًا: قالوا: إنَّ تعليم عُبادة إنّما كان لوجه الله، أي: حسبة، فكره له النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – أن يأخذ عليه أجرة على عمل نواه لله عزّ وجل، دون أن يأخذ عليه أجرًا من الله تعالى .

قال الخطابي :

“وتأولوا حديث عُبادة على أنّه أمر كان تبرع به ونوى الاحتساب فيه ولم يكن قصده وقت التعليم إلى طلب عوض ونفع، فحذره النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – إبطال أجره وتوعده عليه … ولو أنّه طلب لذلك أجرة قبل أن يفعله حسبة، كان ذلك جائزًا” .

رابعًا: أن هذه الأحاديث ليس فيها تصريح بالمنع من أخذ الأجرة على تعليم القرآن على الإطلاق، بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل لتوافق الأحاديث الصحيحة الدالة على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن .

خامسًا: أن هذه الأحاديث فيها كلام، وإن صحت فإنها لا تنهض لمعارضة الأحاديث الصحيحة الدالة على الجواز .

الدّليل الرّابع:

عن عبد الرّحمن بن شبل ، أن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – قال: (اقرؤوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به) .

وجه الاستدلال:

حيث نهى النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – عن الأكل بالقرآن واستكثار المال به، وأخذ الأجرة على تعليم القرآن من الأكل به والاستكثار به، فدل ذلك على أنّه لا يجوز أخذ الأجرة على القرآن.

قال الإمام الطحاوي: “فحظر عليهم رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – أن يتعوضوا بالقرآن شيئًا من عوض الدنيا” .

مناقشة الاستدلال:

قال الشوكاني: “وأمّا حديث عبد الرّحمن بن شبل فهو أخص من محل النزاع؛ لأنّ المنع من التآكل بالقرآن لا يستلزم المنع من قبول ما دفعه المعلّم بطيبة من نفسه” .

الدّليل الخامس:

عن عمران بن حصين – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – يقول: (من قرأ القرآن فليسأل الله به، فإنّه سيجيء أقوام يقرؤون القرآن يسألون به النَّاس) .

الدّليل السّادس:

عن جابر بن عبد الله – رضي الله عنه – قال: “خرج علينا رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابي والأعجمي فقال: (اقرؤوا فكل حسن وسيجيء أقوام يُقيمونه كما

يقام القدْح يتعجّلونه، ولا يتأجّلونه) .

الدّليل السابع:

عن سهل بن سعد الساعدي – رضي الله عنه – قال: خرج علينا رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – يومًا ونحن نقترئ فقال: (الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأحمر وفيكم الأبيض وفيكم الأسود، اقرؤوه قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقوم السهم يتعجل أجره ولا يتأجله) .

وجه الاستدلال من الأحاديث السابقة:

حيث أمر النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – بقراءة القرآن ابتغاء الأجر والثواب من الله تعالى وأخبر – صلّى الله عليه وسلم – عن أقوام يأتون بعده يقرؤون القرآن بفرض الأجر الدنيوي، والخبر قد خرج مخرج الذم لهم ولفعلهم فدل ذلك على عدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن.

مناقشة الاستدلال:

نوقش الاستدلال بالأحاديث السابقة بما يأتي:

أوَّلًا: أمّا حديث عمران بن حصين فليس فيه إِلَّا تحريم السؤال بالقرآن وهو غير اتخاذ الأجر على تعليمه .

ثانيًا: إنَّ حديثي جابر وسهل بن سعد محمولان على الكراهة، أي: كراهة أخذ الأجرة على تعليم القرآن، والندب إلى ترك ذلك .

ثالثًا: أن هذه الأحاديث على تقدير صحتها جميعًا فقد خالفها أبو حنيفة وأصحابه – وهم القائلون بالمنع -؛ لأنّ هذه الأحاديث كلها إنّما جاءت فيما أعطي بغير أجرة ولا مشارطة، وهم يجيزون هذا الوجه، فموهوا بإيراد أحاديث ليس فيها شيء ممّا منعوا، وهم مخالفون لما فيها فبطل كلّ ما في هذا الباب .

اعتراض على هذه المناقشة:

اعترض على هذه المناقشة بأن أبا حنيفة وأصحابه حملوا الأحاديث السابقة على الكراهة دون التّحريم، بدليل ما رواه ابن عمر – رضي الله عنه – قال: سمعت عمر يقول:

كان رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – يعطيني العطاء، فأقول: أعطه من هو أفقر مني فقال: (خذه، إذا جاءك من هذا المال شيء، وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا، فلا تتبعه نفسك) .

وما كان مكروهًا من غير شرط فهو بالمشارطة أشد كما لا يخفى .

رابعًا: أن هذه الأحاديث منسوخة بالأحاديث الدالة على الجواز، كحديث أبي سعيد الخدري، وحديث ابن عبّاس في قصة اللديغ .

اعتراض على هذه المناقش:

يعترض على دعوى النسخ بما اعترض به ابن حجر نفسه على من ادّعى نسخ الأحاديث الدالة على الجواز بالأحاديث الدالة على المنع بأن نقول: بأنّ هذا إثبات للنسخ بالاحتمال وهو مردود .

جـ- أدلتهم من الأثر:

الدّليل الأوّل:

عن عبد الله بن شقيق الأنصاري قال: يُكره أرش المعلم، فإن أصحاب رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – كانوا يكرهونه ويرونه شديدًا .

وفي رواية: قال: كان أصحاب محمّد – صلّى الله عليه وسلم – يشددون في بيع المصاحف، ويكرهون الأرش على الغلمان في التعليم .

الدّليل الثّاني:

قال إبراهيم : كانوا يكرهون أن يأخذوا الأجر على تعليم الغلمان .

الدّليل الثّالث:

عن طاووس أنّه سئل عن معلم يأخذ الأجر فقال: إذا لم يشترط فلا بأس به، قال معمر: وقال قتادة مثل ذلك .

الدّليل الرّابع:

عن قتادة أنّه قال: ثلاثة أشياء لم يكن يؤخذ عليهن أجر: ضراب الفحل، وقسمة الأموال، وتعليم الغلمان .

وجه الاستدلال من الآثار السابقة:

دلت هذه الآثار على أن الصّحابة والتابعين، كانوا لا يرون أخذ الأجرة على تعليم القرآن، ويكرهون ذلك، ويرونه أمرًا شديدًا عظيمًا، فدل ذلك على عدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن.

د- أدلتهم من المعقول:

الدّليل الأوّل:

قالوا: إنَّ من يعلّم غيره القرآن فهو خليفة رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – فيما يعمل، فإنّه بُعث معلّمًا، وهو ما كان يطمع في أجر على التعليم، فكذلك من يخلفه .

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ تعليم القرآن قربة، والقربة متى حصلت وقعت عن العامل، ولهذا تعتبر أهليته فلا يجوز له أخذ الأجر من غيره، كما في الصّلاة والصيام .

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: ناقش ابن الهمام هذا الدّليل فقال: “ينتقض هذا بما ذكره المصنفر في باب الحجِّ عن الغير من كتاب الحجِّ حيث قال: “ثمّ ظاهر المذهب أن الحجِّ يقع عن المحجوج عنه، وبذلك تشهد الأخبار الواردة في الباب، كحديث الخثعمية، فإنّه عليه الصّلاة والسلام قال فيه: (حجّي عن أبيك واعتمري) فإن ذلك صريح في وقوع القربة عن غير العامل … ” .

ثانيًا: لا نسلم صحة القياس على الصّلاة والصيام، فإنّه قياس فاسد الوضع؛ لأنّه في مقابله النص، وهو حديث (إنَّ أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) وهو عموم قوي وظاهر جليّ .

الدّليل الثّالث:

قالوا: إنَّ العبد فيما يعمله من القربات والطاعات، ومنها تعليم القرآن، يكون عاملًا لنفسه، قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ} [فصلت: 46]، ومن عمل لنفسه لا يستحق الأجر على غيره .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الدّليل بما نوقش به الدّليل السابق من المنع من أن القربات إذا فعلها عن الغير لا تقع عنه، وإنّما تقع عن العامل نفسه، بدليل الحجِّ، وقد سبق بيان ذلك. فإذا وقع الفعل للغير كان الفاعل مستحقًا للأجرة.

الدّليل الرّابع:

قالوا: إنَّ تعليم القرآن ممّا لا يقدر المعلم عليه، إِلَّا بمعنى من قبل المتعلم فيكون المعلم ملتزمًا ما لا يقدر على تسليمه فلا يصح .

مناقشة الاستدلال:

قال ابن الهمام: ” … فيه بحث؛ لأنّه إنَّ أريد أن المعلم لا يستقل في التعليم بشيء أصلًا فهو ممنوع، فإن التلقين والإلقاء فعل المعلم وحده لا مدخل للمتعلم فيه، وإنّما وظيفته الأخذ والفهم، وان أريد أن للمتعلم أيضًا مدخلًا في ظهور أثر التعليم وفائدته فإن المتعلم ما لم يأخذ ما ألقاه المعلم ولم يفهم ما لقنه لم يظهر لتعليمه أثر وفائدة فهو مسلم، ولكن الّذي يلتزمه المعلم إنّما هو فعل نفسه ممّا يقدر عليه لا فعل الآخر، ولا مانع من أخذ الأجرة على فعل نفسه كما لا يخفى … ” .

الدّليل الخامس:

قالوا: إنَّ تعليم القرآن يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، فإنّه إنّما يصح من المسلم دون الكافر، فلا يجوز إيقاعه إِلَّا على وجه التقرب إلى الله تعالى، وإذا فُعل بعروض لم يكن فيه أجر وثواب بالاتفاق؛ لأنّ الله تعالى إنّما يقبل من العمل ما أريد به وجهه، لا ما فعل لأجل عروض الدنيا .

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

استدل من أجاز أخذ الأجرة على التعليم مطلقًا بأدلة من السُّنَّة والأثر والمعقول:

أ – أدلتهم من السُّنَّة:

الدّليل الأوّل:

عن ابن عبّاس – رضي الله عنهما -: أن نفرًا من أصحاب النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – مرُّوا بماء فيه لديغ – أو سليمٍ – فعرضٍ لهم رجل من أهل الماء فقال: هل فيكم من راق؟ إنَّ في الماء رجلًا لديغًا أو سليمًا، فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فبرأ، فجاء بالشاء إلى أصحابه، فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرًا، حتّى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول الله، أخذ على كتاب الله أجرًا فقال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (إنَّ أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) .

الدّليل الثّاني:

عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال: انطلق نفر من أصحاب النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – في سفرة سافروها، حتّى نزلوا على حي من أحياء العرب، فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد ذلك الحيّ، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعلّه أن يكون عند بعضهم شيء، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط، إنَّ سيّدنا لدغ وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم والله إنِّي لأرقي، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتّى تجعلوا لنا جعلًا، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، فكأنما نشط من عقال، فانطلق يمشي وما به قَلَبة ، قال: فأوفوهم جعلهم الّذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا فقال الّذي رقى: لا تفعلوا حتّى نأتي النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – فنذكر له الّذي كان، فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -، فذكروا له فقال: (وما يدريك أنّها رقية؟) ثمّ قال: (قد أصبتم، اقسموا واضربوا لط معكم سهمًا)، فضحك النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – .

الدّليل الثّالث:

عن خارجة بن الصلت التميمي، عن عمه ، قال: أقبلنا من عند رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -، فاتينا على حي من العرب، فقالوا: إنا أنبئنا أنكم جئتم من عند هذا الرَّجل بخير، فهل عندكم من دواء أو رقية، فإن عندنا معتوهًا في القيود؟ قال: فقلنا: نعم، قال: فجاؤوا بمعتوه في القيود، قال: فقرأت عليه بفاتحة الكتاب ثلاثة أيّام، غدوة وعشية، كلما ختمتها أجمع بُزاقي، ثمّ أتفل، فكأنما نشط من عقال قال: فأعطونى جعلا، فقلت: لا، حتّى أسأل رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -، فقال – صلّى الله عليه وسلم -: (كُلْ فلَعَمري، من أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق) .

وجه الاستدلال من الأحاديث السابقة:

دلت الأحاديث السابقة على جواز أخذ الأجرة على قراءة القرآن للطب والتداوي والرقية، ويقاس عليها تعليم القرآن، فيجوز أخذ الأجرة عليه؛ لأنّه لا فرق بين قراءته للتعليم وقراءته للطب ونحوه.

قال ابن القيم: “وفيه دليل على أن أخذ الأجرة على تعليم القرآن جائز” .

وقال الصنعاني : “وذكر البخاريّ لهذه القصة في هذا الباب، وإنلم تكن من الأجرة على التعليم، وإنّما فيها دلالة على جواز أخذ العوض في مقابلة قراءة القرآن لتأييد جواز أخذ الأجرة على قراءة القرآن تعليمًا أو غيره، إذ لا فرق بين قراءته للتعليم وبين قراءته للطب” .

مناقشة الاستدلال:

نوقش الاستدلال بالأحاديث السابقة بما يأتي:

أوَّلًا: إنَّ الراد بالأجر في حديث ابن عبّاس هو الثّواب، وليس الأجر بمعنى الأجرة .

اعتراض على المناقشة:

اعترض على هذه المناقشة بأن سياق القصة الّتي في الحديث يأبي هذا التّأويل .

ثانيًا: إنَّ هذه الأحاديث منسوخة بالأحاديث الّتي جاء فيها الوعيد على أخذ الأجرة على التعليم وهى الّتي استدل بها أصحاب القول الثّالث، وقد تقدمت.

اعتراض على المناقشة:

اعترض على هذه المناقشة بما يأتي:

أن هذا إثبات للنسخ بالاحتمال وهو مردود.

الجواب عن الاعتراض:

أجيب عن هذا الاعتراض: بأن منع النسخ بدعوى الاحتمال، مردود ، فإن هذه الأحاديث تحتمل الإباحة، والأحاديث المانعة من الاستئجار على تعليم القرآن تمنع الإباحة قطعًا، والنسخ هو الخطر بعد الإباحة؛ لأنّ الإباحة أصل في كلّ شيء، فإذا طرأ الخطر، يدلُّ على النسخ بلا شك .

ثالثًا: إنَّ سياق الأحاديث السابقة يدلُّ دلالة صريحة على أن ما أخذ إنّما كان على الرقية وليس على التعليم، ولا يلزم من جواز أخذ الجعل أو الأجر على الرقية جواز أخذ ذلك على التعليم؛ لأنّ الرقية نوع مداوة، فليست عبادة محضة .

قال الطحاوي: “وقد كان من الحجة لهم على أهل المقالة الأولى في ذلك، أن الآثار الأولى في ذلك لم يكن الجعل المذكور فيها على تعليم القرآن، وإنّما كان على الرقى الّتي لم يقصد بالاستئجار عليها إلى القرآن” .

اعتراض على هذه المناقشة:

يمكن الاعتراض على هذه المناقشة بما ذكره الصنعاني عند ذكر وجه الاستدلال بالأحاديث السابقة، وحاصله أنّه لا فرق – من حيث أخذ الأجرة على القرآن – بين قراءته للتعليم وبين قراءته للطب .

الجواب عن الاعتراض:

يمكن الجواب عن هذا الاعتراض أن هناك فرقًا بين قراءة القرآن للتعليم وقراءة القرآن للطب من حيث أخذ العوض كلى ذلك، وبيان هذا الفرق: أنّه في حالة قراءته للتعليم يكون القرآن هو المقصود بالعوض، بخلاف حالة قراءته للطب، فإن المقصود هو المداوة وليس القرآن، ويؤيد هذا ما تقدّم من كلام الطحاوي السابق .

الدّليل الرّابع:

عن سهل بن سعد الساعدي قال: جاءت امرأة إلى رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – فقالت:

يا رسول الله، جئت أهب لك نفسي، فنظر إليها رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -، فصعد النظر فيها وصوّبه ثمّ طأطأ رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – رأسه.

فلما رأت المرأة أنّه لم يقض فيها شيئًا جلست، فقام رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله، إنَّ لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها فقال: “فهل عندك من شيء؟ “، فقال: لا، والله يا رسول الله، فقال: “اذهب إلى أهلك، فانظر هل تجد شيئًا؟ “، فذهب ثمّ رجع، فقال: لا، والله ما وجدت شيئًا، فقال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (انظر ولو خاتمًا من حديد)، فذهب، ثمّ رجع فقال: لا، والله يا رسول الله، ولا خاتم من حديد، ولكن هذا إزاري – (قال سهل: ما له رداء) – فلها نصفه، فقال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: “وما تصنع بإزارك؟ إنَّ لبستْه لم يكن عليها منه شيء، وان لَبسْتَه لم يكن عليك منه شيء”، فجلس الرَّجل حتّى إذا طال مجلسه، فرآه رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – موليًا فأمر به فدُعي فلما جاء قال – صلّى الله عليه وسلم -: “ماذا معك من القرآن”؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا (عددها) فقال – صلّى الله عليه وسلم -: “تقرؤهن عن ظهر قلب” قال: نعم، قال: “اذهب فقد مُلِّكتَها بما معك من القرآن” .

وجه الاستدلال:

حيث جعل النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – تعليم القرآن عوضًا في باب النِّكاح، وأقام التعليم مقام المهر، وإذا جاز جعل التعليم عوضًا في باب النِّكاح، وقائمًا مقام المهر، جاز أخذ الأجرة عليه في الإجارة .

مناقشة الاستدلال:

نوقش الاستدلال بهذا الحديث من عدة وجوه:

الوجه الأوّل:

إنَّ الحديث ليس فيه تصريح بأن التعليم صداق، إنّما قال: “ملكتها بما معك من القرآن” وفي رواية “أنكحتكها بما معك من القرآن” وفي رواية “زوجتكها … “، فيحتمل أنّه زوجها إياه بغير صداق إكرامًا له وتعظيمًا للقرآن، كما روى أنس – رضي الله عنه – أن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – زوّج أم سليم أبا طلحة على إسلامه ، وسكت عن المهر؛ لأنّه معلوم أنّه لا بد منه؛ لأنّ الفروج لا تستباح إِلَّا بالأموال لقوله تعالى: {أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} [النِّساء: 24]، ولذكره تعالى في النِّكاح الطول ، وهو المال، والقرآن ليس بمال .

الاعتراض على هذا الوجه:

اعترض على هذا الوجه باعتراضين:

الأوّل: أن هذا مردود بما جاء في روايتي مسلم وأبي داود:

أمّا رواية مسلم فقد جاء فيها قوله – صلّى الله عليه وسلم -: (انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن) .

وأمّا رواية أبي داود فقد قال – صلّى الله عليه وسلم -: (فقم فعلّمها عشرين آية وهي امرأتك) .

فدلت هذه الروايات على أن النِّكاح إنّما كان على تعليم القرآن وليس إكرامًا له وتعظيمًا للقرآن .

الثّاني: أن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – قال للرجل: (التمس ولو خاتمًا من حديد) ليكون صداقًا، فلما لم يجد جعل القرآن بدلًا منه فاقتضى أن يكون تعليم القرآن صداقًا، ولا فائدة لذكر تعليم القرآن في الصداق إِلَّا كونه مهرًا .

الوجه الثّاني:

أن هناك فرقًا بين المهر وبين الأجر، وبيان ذلك: أن المهر ليس بعوض محض، وإنّما وجب للمرأة نحلةً ووصلةً، ولهذا جاز خلو العقد عن تسميته، وصح مع فساده، بخلاف الأجر في غيره .

الوجه الثّالث:

إنَّ جعل تعليم القرآن صداقًا خاص لرسول الله – صلّى الله عليه وسلم – دون غيره .

الاعتراض على هذا الوجه:

اعترض على هذا باعتراضين:

الأوّل: أنّه لم يكن رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – هو المتزوج بها فيصير مخصوصًا بذلك، وإنّما كان مزوجًا لها فلم يكن مخصوصًا.

الثّاني: أن ما خص به رسول الله يحتاج إلى دليل يدلُّ على تخصيصه وإلا كان فيه مشاركًا لأمته .

الوجه الرّابع:

إنَّ جعل تعليم القرآن مهرًا إنّما هو خاص بتلك المرأة وذلك الرَّجل، ولا يجوز لغيرهما ، ويدلُّ على ذلك: ما يروى عن أبي النعمان الأزدي قال: زوج رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – امرأة على سورة من القرآن ثمّ قال: (لا تكون لأحدٍ بعدك مهرًا) .

الاعتراض على هذا الوجه:

أن الخصوصية تحتاج إلى دليل يدلُّ عليها، وأمّا ما استدلوا به وهو حديث أبي النعمان الأزدي، فإنّه حديث لا يصح، قال ابن حجر: “وهذا مع إرساله فيه من لا يعرف” .

ب – أدلتهم من الأثر:

الدّليل الأوّل:

عن شعبة ، قال: سألت معاوية بن قرة عن أجرة المعلم، فقال: أرى له أجرًا .

الدّليل الثّاني:

عن شعبة قال: سألت الحكم بن عتيبة عن أجرة المعلم فقال: ما سمعت فقيهًا يكرهه .

الدّليل الثّالث:

عن خالد الحذاء قال: سألت أبا قلابة عن المعلم يعلّم ويأخذ أجرًا فلم ير له بأسًا .

وجه الاستدلال من الآثار السابقة:

حيث دلّت الآثار السابقة بظاهرها على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن وأن من نقلت عنهم من العلماء وغيرهم كانوا لا يرون بأسًا بذلك، وقد بالغ ابن رشد الجد في ذلك، فنقل إجماع أهل المدينة على ذلك. قال: “وقد أجمع على ذلك أهل المدِينة، فهم الحجة على من سواهم ممّن خالف في ذلك” .

مناقشة الاستدلال:

هذه الآثار على فرض صحتها لا حجة فيها؛ إذ إنها معارضة بآثار أخرى تدل على المنع وليس الأخذ بقول بعضهم أولى من الأخذ بقول البعض الآخر .

ج – أدلتهم من المعقول:

الدّليل الأوّل:

قالوا: إنَّ تعليم القرآن يجوز أخذ الرزق عليه من بيت المال، فجاز أخذ الأجرة عليه كبناء المساجد والقناطر .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الدّليل بأن الرزق بيت المال، إنّما يجوز على ما يتعدى نفعة للمسلمين؛ لأنّ بيت المال معد للمصالح، فإذا كان بذَلَه لمن يتعدى نفعه إلى المسلمين، وكان المسلمون بحاجة إليه كان ذلك من المصالح، وكان للآخذ له أخذه؛ لأنّه من أهله، وجرى مجرى الوقف على من يقوم بهذه المصالح، بخلاف الأجر .

الدّليل الثّاني:

أنّه لما كان الجلوس لتعليم القرآن غير واجب على الرَّجل ولا لازم له جاز له أخذ الأجرة عليه، وإن كان فيه قربة، أصل ذلك الاستئجار على بناء المساجد، وما أشبه ذلك .

ثالثًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

أصحاب هذا القول هم في الأصل من القائلين بالمنع من الاستئجار على تعليم القرآن، إلّا أنّهم أجازوا ذلك للضرورة والحاجة.

أمّا أدلتهم على المنع فقد تقدمت عند ذكر أدلة أصحاب القول الثّالث.

وأمّا ما استدلوا به على الجواز للضرورة والحاجة فهو ما يأتي:

قالوا: إنَّ المتقدمين الّذي منعوا أخذ الأجرة على التعليم، إنّما بنوا رأيهم على ما شاهدوه من قلة الحفاظ لكتاب الله، ورغبة النَّاس فيهم، وكان لهم عطيات من بيت المال، تكفيهم أمر معاشهم، ولرغبة المعلمين في بذل تعليم القرآن حسبة لله تعالى، ومروءة المتعلمين في مجازة الإحسان بالإحسان، من غير شرط لأخذ الأجرة على التعليم.

ولهذا كان العلماء يفتون بوجوب التعليم خوفًا من ذهاب القرآن وتحريضًا على التعليم حتّى ينهضوا لإقامة الواجب فيكثر حفاظ القرآن.

وأمّا اليوم فقد ذهب ذلك كله، واشتغل الحفاظ بمعاشهم وقلّ من يعلم حسبة ولا يتفرغون له أيضًا، فإن حاجتهم تمنعهم من ذلك، فلو لم يفتح لهم باب التعليم بالأجر، لذهب القرآن، فأفتوا بجواز ذلك لذلك، ورأوه حسنًا .

وقالوا: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان ، وشأن المعلم الفقير في ذلك، شأن ولي اليتيم، يأكل مع الفَقْر ويستغني مع الغِنَى ، فإن الفقير إذا علّم حسبة لله، وإنّما أخذ الأجرة لحاجته لها وليستعين بها على طاعة الله، فإنّ الله تعالى يأجره

على نيته، فيكون قد أكل طيبًا وعمل صالحًا، وذلك بخلاف الغني فإنّه لا حاجة تدعوه لذلك؛ لأنّه إذا أخذ أجرة على التعليم، يكون عمله لغير الله؛ لأنّ الاستئجار على التعليم حينئذٍ يخرجه عن كونه عبادة لله تعالى ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “المحتاج إذا اكتسب بها أمكنه أن ينوي عملها لله ويأخذ الأجرة يستعين بها على العبادة، بخلاف الغني؛ لأنّه لا يحتاج إلى الكسب فلا حاجة تدعوه أن يعملها لغير الله، بل إذا كان الله قد أغناه، وهذا فرض على الكفاية، كان هو مخاطبًا به، وإذا لم يقم إِلَّا به، كان ذلك واجبًا عليه عينًا والله أعلم” .

مناقشة الاستدلال:

أورد ابن الهمام الحنفي إشكالًا على هذا القول، وما عللوا به، فقال: “فيما ذهب إليه هؤلاء المشائخ إشكال وهو: أن مقتضى الدّليل الثّاني، والدّليل الثّالث المارين آنفًا أن لا يمكن تحقيق ماهية الإجارة وهي تمليك المنافع بعوض في الاستئجار على تعليم القرآن ونظائره بناءً على عدم القدرة على تسليم ما التزمه المؤجر من المنفعة، فكيف يصح استحسان الاستئجار في هاتيك الصور وصحة استحسانه فرع إمكان تحقق ماهية الإجارة كما لا يخفى فليتأمل في دفع هذا الإشكال القوي، لعلّه ممّا تسكب فيه العبرات إِلَّا أن لا يسلم صحة ذينك الدّليلين” .

الاعتراض على هذه المناقشة:

هذا الإشكال لا يخفى لا يردّ إِلَّا على الحنفية فقط على مذهبهم في عدم صحة الإجارة على التعليم، وابن الهمام إنّما أورد هذا الإشكال على أصحابه من الحنفية إذا سلموا بصحة ذينك الدّليلين؛ لأنّهم حينئذ يكونوا قد وقعوا في التناقض، وبيان ذلك: أنّهم منعوا من صحة الإجارة على تعليم القرآن لعدم تحقق ماهية الإجارة، ثمّ قالوا بالجواز استحسانًا مع بقاء المانع وهو عدم تحقق الماهية فيلزمهم حينئذ: إمّا القول بصحة الإجارة في الأصل وعدم التسليم بصحة هذين الدّليلين، أو القول بعدم صحة الإجارة على التعليم مطلقًا وإبطال مذهب المتأخرين وهو القول بصحة الإجارة على التعليم استحسانًا خشية ضياع القرآن، ويسلم لهم ما استدلوا به .

الترجيح:

بعد ذكر أدلة الأقوال، وما ورد عليها من مناقشات، وما أجيب به عن تلك المناقشات، يتبين رجحان القول الأوّل الّذي يقضي بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن للحاجة، والضرورة، ويعود سبب هذا الترجيح لما يأتي:

أوَّلًا: أن هذا القول فيه جمع بين الأدلة وإعمال لها جميعًا، وإعمال الدّليلين أولى من إهمال أحدهما، وعليه فإن الجمع يكون بحمل أدلة المانعين على عدم الحاجة، وانتفاء الضّرورة المؤدية إلى أخذ الأجرة وبحمل أدلة المجيزين على حاجة المعلم وفقره؛ لأنّ عدم أخذ الأجرة في هذه الحالة يقضي إلى ضياع القرآن.

ثانيًا: أن هذا القول جاء وسطًا بين المانعين والمجيزين، فهو أعدل الأقوال؛ لأننا لو قلنا بالمنع مطلقًا لأدّى ذلك إلى إيقاع النَّاس في الحرج الشديد، ولأدّى كذلك إلى ضياع القرآن، فإن المعلم محتاج للنفقة لنفسه ولمن يعول، فلو قعد للتعليم بدون النفقة ضيع أولاده، وإن اشتغل بمعاشه ضيع القرآن، فكان القول بأخذ الأجرة على تعليم القرآن فيه مراعاة للجانبين: مرعاة جانب المعلم بإعطائه الأجرة الّتي تكفيه مؤونة العيش ومراعاة لجانب الشّرع بالمحافظة على كتاب الله العظيم الّذي حاجة النَّاس إليه أشد من حاجتهم إلى الطّعام والشراب.

وإذا قلنا بالجواز مطلقًا نكون قد أهملنا جانب الاحتساب، وقد قال النّبيّ: – صلّى الله عليه وسلم – (خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه) .

فإن الأصل هو تعليم القرآن حسبة لوجه الله تعالى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “أمّا تعليم القرآن والعلّم بغير أجرة فهو أفضل الأعمال وأحبها إلى الله، وهذا ممّا يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، ليس هذا ممّا يخفى على أحد ممّن نشأ بديار الإسلام، والصحابة والتابعون وتابعو التابعين وغيرهم من العلماء المشهورين عند الأُمَّة بالقرآن والحديث والفقه إنّما كانوا يعلمون بغير أجرة، ولم يكن فيهم من يعلم بأجرة أصلًا” .

أخذ المال على أعمال القُرَب

 

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*