أخذ المال على تلاوة القرآن الكريم

أخذ المال على تلاوة القرآن الكريم

أخذ المال على تلاوة القرآن الكريم هو المطلب الثّاني من المبحث الأوّل أخذ المال على القرآن الكريم في الفصل الخامس أخذ المال عله القرآن الكريم والعلّوم الشرعية

أخذ المال على تلاوة القرآن الكريم

المبحث الأوّل أخذ المال على القرآن الكريم

المطلب الثّاني أخذ المال على تلاوة القرآن الكريم

المسألة الأولى: أخذ المال على الرقية بالقرآن الكريم

الّذي يظهر من كلام العلماء، أرباب المذاهب الفقهية المعتبرة وغيرهم أنّه لا خلاف بينهم في جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن الكريم.
فقد ذهب الحنفية ، والمالكية ، والشّافعيّة ، والحنابلة والظاهرية وغيرهم من الأئمة إلى جواز أخذ الأجرة على الرقية بكتاب الله الكريم.

قال الطحاوي – رحمة الله تعالى -: “لا بأس بالاستئجار على الرقى والعلّاجات كلها، وإن كنا نعلم أن المستاجر على ذلك، قد يدخل فيما يرقي به بعض القرآن؛ لأنّه ليس على النَّاس أن يرقي بعضهم بعضًا، فإذا استؤجروا فيه، على أن يعملوا ما ليس عليهم أن يعملوه، جاز ذلك” .

وقال ابن رشد الحفيد: ” … وسواء كان الرقي بالقرآن أو غيره الاستئجار عليه عندنا جائز كالعلّاجات … ” .

وقال النووي – رحمة الله – عند شرحه لحديث أبي سعيد الخدري في الرقية: “هذا تصريح يحواز أخذ الأجرة على الرقية بالفاتحة والذكر، وأنّها حلال لا كراهة فيها … ، وهذا مذهب الشّافعيّ ” .

وقال المرداوي: “لا بأس باخذ الأجرة على الرقية، نصّ عليه، قاله الشّيخ تقي الدِّين وغيره” .

وقال ابن حزم الظاهري: “والإجارة جائزة على تعليم القرآن، وعلى تعليم العلم مشاهرة وجملة كلّ ذلك جائز وعلى الرقى … ” .

وقد دل على جواز الرقية بالقرآن الكريم أدلة كثيرة، وصريحة من السُّنَّة المطهرة، ومن المعقول:

أوَّلًا: الأدلة من السُّنَّة:

الدّليل الأوّل:

حديث ابن عبّاس السابق: (إنَّ أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) .

الدّليل الثّاني:

حديث أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه -: (وما يدريك أنّها رقية، قد أصبتم اقسموا واضربوا لي معكم سهمًا فضحك النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -) .

الدّليل الثّالث:

حديث خارجة بن الصلت عن عمه: (كُلْ فلعمري، من أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق) .

وجه الاستدلال من النصوص السابقة:

دلت هذه الأحاديث دلالة صريحة على جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن الكريم، حيث فعل ذلك الصّحابة واشترطوا العوض، وأقرهم النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -، بل قاسمهم ذلك، فدل على الجواز بلا كراهة .

ثانيًا: الأدلة من المعقول:

الدّليل الأوّل:

قالوا إنَّ الرقية نوع مداواة، والمداواة يباح أخذ الأجر عليها .

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ النَّاس لا يجب عليهم أن يرقي بعضهم بعضًا، فإذا استؤجروا فيه على أن يعملوا ما ليس عليهم أن يعملوه، جاز ذلك .

المسألة الثّانية: أخذ المال على تلاوة القرأن الكريم على الأموات

الفرع الأوّل حكم وصول ثواب تلاوة القرآن للأموات

تلاوة القرآن الكريم من أجل القرب إلى الله تعالى، فإذا قرأه الإنسان لنفسه، تقربًا إلى الله تعالى، فإن الله يجزيه على ذلك الثّواب الجزيل، في الآخرة، ويرى المسلم بركة ذلك في الدنيا.

فإذا أراد الإنسان أن يهدي ثواب قراءته إلى أحد الأموات، فهل يصله ذلك الثّواب؟ أم أنّه لا يصل؟ وإذا ثبت أنّه يصل فهل يجوز الاستئجار على تلاوة القرآن الكريم، بغرض إيصال ثواب تلك القراءة إلى الميِّت؟ أم لا؟

من هنا يتضح أن مسألة الإجارة على تلاوة القرآن الكريم مرتبطة ارتباطا قويًا بمسالة وصول ثواب القراءة إلى الأموات، وعلى هذا فإن الأمر يستلزم بحث هذه المسألةُ أوَّلًا ثمّ يعقب ذلك بحث مسألة الاستئجار على التلاوة؛ لأنّها متفرعة عنها كما هو ظاهر، فإن الذين قالوا بعدم وصول الثّواب قالوا بعدم جواز الاستئجار، وسيأتي تفصيل ذلك في محله، وعلى هذا أقول:

إذا قرأ المسلم القرآن ثمّ أهدى ثواب قراءته إلى الميِّت فهل يصل هذا الثّواب أم لا؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأوّل:

أن قراءة القرآن يصل ثوابها إلى الميِّت.

وبهذا قال الحنفية ، قال المرغيناني : “الأصل في هذا الباب، أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاةً أو صومًا، أو صدقةً، أو غيرها ، عند أهل السُّنَّة والجماعة” .

ويهذا القول قال بعض المالكية، وهو ما عليه المتأخرون منهم ، قال أبو الوليد ابن رشد: “وإن قرأ الرَّجل ووهب ثواب قراءته لميت، جاز ذلك وحصل للميت أجره، ووصل إليه نفعه إن شاء الله” .

وبه قال بعض الشّافعيّة ، قال الإمام النووي: “وأمّا قراءة القرآن فالمشهور من مذهب الشّافعيّ أنّه لا يصل ثوابها إلى الميِّت، وقال بعض أصحابه يصل ثوابها للميت” .

وهذا القول هو مذهب الحنابلة، وعليه جماهير الأصحاب .

قال ابن القيم: “واختلفوا في العبادة البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر، فمذهب أحمد وجمهور السلف وصولها” .

وقد اختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية ، وتلميذه ابن القيم .

القول الثّاني:

أن القراءة لا يصل ثوابها للميت.

وهذا القول هو المشهور من مذهب مالك ، والمشهور من مذهب الشّافعيّ .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

استدل أصحابَ هذا القول القائلين بعدم وصول ثواب التلاوة للميت بأدلة من القرآن الكريم، والسُّنَّة المطهرة والمعقول.

أ – الأدلة من القرآن الكريم:

الدّليل الأوّل:

قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39].

وجه الاستدلال:

دلت الآية على أن الإنسان لا يحصل له من الأجر إِلَّا ما كسب هو لنفسه، وأمّا ثواب قراءة القرآن من غيره، فإنّه ليس من كسبه فلا يصله .

قال ابن كثير : “ومن هذه الآية استنبط الشّافعيّ – رحمه الله تعالى – ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنّه ليس من عملهم ولا كسبهم” .

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: سبق مناقشة هذه الآية بعدة مناقشات ممّا يغني عن إعادتها هنا .

ثانيًا: قالوا: إنَّ القرآن لم ينف انتفاع الرَّجل بسعي غيره، وإنّما نفى ملكه لغير سعيه، وبين الأمرين فرق لا يخفى، فأخبر تعالى أنّه لا يملك إِلَّا سعيه، وأمّا سعي غيره فهو ملك لساعيه، فإن شاء أن يبذله لغيره وإن شاء أن يبقيه لنفسه .

ثالثًا: قالوا: إنَّ الإنسان بسعيه، وحسن عشرته، اكتسب الأصدقاء، وأولد الأولاد، ونكح الأزواج، وأسدى الخير، وتودد إلى النَّاس، فترحموا عليه، ودعوا له، وأهدوا له ثواب الطاعات، فكان ذلك أثر سعيه، بل دخول المسلم من جملة المسلمين في عقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كلّ من المسلمين إلى صاحبه في حياته وبعد مماته، ودعوة السلمين تحيط من ورائهم، يوضحه: أن الله

تعالى جعل الإيمان سببًا لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين وسعيهم فإذا أتى به فقد سعى في السبب الّذي يوصل إليه ذلك .

رابعًا: قالوا: إنَّ الآية مخصوصة بما سلّمه أصحاب هذا القول، من جواز فعل الواجبات والصدقة والدعاء والاستغفار ووصول ثوابها إلى الميِّت، وما اختلف فيه، وهو قراءة القرآن في معنى ما اتفق عليه، فيقاس عليه .

ب – الأدلة من السُّنَّة:

الدّليل الأوّل:

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -:

(إذا مات الإنسان انقطع عمله، إِلَّا من ثلاثة: إِلَّا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولدٍ صالح يدعو له) .

وجه الاستدلال:

حيث أخبر النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – في هذا الحديث، أن عمل الإنسان ينقطع بموته إِلَّا ما كان هو سببًا فيه حال حياته، وهي الأمور المذكورة في الحديث، فإنها تصله، وليس منها قراءة غيره للقرآن وإهداء ثواب ذلك له.

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: قال ابن أبي العز : “وأمّا استدلالهم بقوله – صلّى الله عليه وسلم -: (إذا مات …) فاستدلال ساقط؛ فإنّه لم يقل: انقطاع انتفاعه، وإنّما أخبرعن انقطاع عمله وأمّا عمل غيره

فهو لعامله، فإن وهبه له وصل إليه ثواب عمل العامل، لا ثواب عمله هو، وهذا كالدين يوفّيه الإنسان عن غيره، فتبرأ ذمته، ولكن ليس له ما وفّى به الدِّين” .

ثانيًا: لو سلم ما جاء في وجه الاستدلال من انقطاع عمل الإنسان إِلَّا ما ذكر في الحديث، فإن الحديث مخصوص بما سلّموه من وصول ثواب الدُّعاء والصدقة والاستغفار وما منعوه من قراءة القرآن في معنى ما سلموا به فيتخصص به الحديث أيضًا بالقياس عليه .

الدّليل الثّاني:

عن عبد الله بن مسعود – صلّى الله عليه وسلم – قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) .

وجه الاستدلال:

أن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – جعل أجر تلاوة القرآن الكريم لفاعلها وهو القاري، فمن جعلها لغير فاعلها، فقد خالف ظاهر هذا الحديث بغير دليل شرعي .

مناقشة الاستدلال:

يمكن أن يناقش هذا الحديث بأنّه ليس فيه ما يمنع وصول ثواب قراءة القرأن للأموات إذا أهديت إليهم، بل غاية ما فيه إثبات ثواب تلاوة القرآن، وبيان قدر ما فيها من فضل للقارئ.

جـ – الأدلة من المعقول:

الدّليل الأوّل:

إنَّ نفع تلاوة القرآن لا يتعدى صاحبه، فلا يتعداه ثوابه .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الاستدلال بأن تعدي الثّواب ليس بفرع لتعدي النفع، ثمّ هو باطل بالصوم والدعاء والحج، وليس له أصل يعتبر به .

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ الإيثار بأسباب الثّواب مكروه، وهو الإيثار بالقرب، فكيف الإيثار بنفس الثّواب الّذي هو غاية، فإذا كره الإيثار بالوسيلة فالغاية أولى وأحرى .

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: لا نسلم بأن الإيثار بالقرب مكروه، فإن ذلك محل خلاف بين العلماء، فمنهم من قال بالجواز، وقد يكون مستحبًا .

ثانيًا: أنّه قد ثبت بالدّليل هبة القرب من الأحياء للأحياء، وهو حديث من قال لرسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: اجعل لك صلاتي كلها، وظاهره كما قال بعض العلماء: أن المراد بها، ثواب الفرائض، إذ هي الصّلاة الّتي ينصرف إليها الإطلاق في لسان الشارع،

فأجاب عليه الصّلاة والسلام بقوله: (تكفى همك) أو نحو هذا اللّفظ، فهذا نصّ فيما ذهبنا إليه .

الجواب عن الوجه الأخير:

يمكن مناقشة هذا الوجه بأن المراد بالصلاة هنا هي الصّلاة على رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – والدعاء، لا الصّلاة الشرعية، والصلاة على النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – والدعاء له نحن مأمورون به، بالنص كما في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)} [الأحزاب: 56] وغير ذلك من النصوص، فهذا أمر خاص بالنبي – صلّى الله عليه وسلم – ونحن مأمورون به بخلاف غيره من أمته .
ثالثًا: إنَّ الإيثار بالقرب يدلُّ على قلة الرغبة فيها، والتأخر عن فعلها، فلو ساغ الإيثار بها لأفضى إلى التكاسل والتأخر بخلاف إهداء ثوابها، فإن العامل يحرص عليها لأجل ثوابها لينتفع به، أو ينفع به أخاه المسلم، فبينهما فرق ظاهر .

الدّليل الثّالث:

قالوا:. إنَّ الإهداء حوالة، والحوالة: إنّما تكون بحق لازم، والأعمال لا توجب الثّواب، وإنّما هو مجرد تفضل الله وإحسانه، فكيف يحيل العبد على مجرد الفضل الّذي لا يجب على الله، بل إن شاء آتاه، وإن لم يشأ لم يؤته، وهو نظير حوالة الفقير على من يرجو أن يتصدق عليه، ومثل هذا لا يصح إهداؤه وهبته .

مناقشة الاستدلال:

إنَّ الحوالة الّتي ذكرتم، إنّما هي حوالة المخلوق على المخلوق، وأمّا حوالة المخلوق على الخالق فأمرآخر، لا يصح قياسها على حوالة العبيد بعضهم على بعض، فإن هذا من أبطل القياس؛ لأنّ الأُمَّة أجمعت على انتفاعه بأداء دينه وما عليه من الحقوق، وإبراء المستحق لذمته، والصدقة والحج عنه بالنص الّذي لا سبيل إلى رده ودفعه، وكذلك الصوم، فهذه الأقيسة الفاسدة لا تعارض نصوص الشّرع وقواعده .

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

استدل أصحاب هذا القول بأدلة من القرآن الكريم والسُّنَّة والأثر والمعقول:

أ – أدلتهم من القرآن الكريم:

الدّليل الأوّل:

قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [الحشر: 10].

وجه الاستدلال:

حيث دلّت هذه الآية الكريمة على أن الدُّعاء والاستغفار يصل إلى الأموات، والاستغفار من العبادات البدنية، فدل ذلك على وصول ثواب العبادات البدنية، ومنها ثواب قراءة القرآن .

الدّليل الثّاني:

قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمّد: 19].

وجه الاستدلال:

يمكن توجيه الاستدلال بهذه الآية الكريمة: بأنّها دلت على وصول ثواب الدُّعاء للمؤمنين والمؤمنات، والدعاء من العبادات البدنية، فدل ذلك على وصول ثواب العبادات البدنية للأموات، ومنها ثواب قراءة القرآن .

ب – أدلتهم من السُّنَّة:

الدّليل الَأول:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أن حفصة بكت على عمر، فقال: مهلًا يا بنية ألم تعلمي أن رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – قال: (إنَّ الميِّت يعذب ببكاء أهله عليه) .

وجه الاستدلال:

أن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – أخبر أن الله -عَزَّ وَجَلَّ- يعذب الميِّت ببكاء أهله عليه، والله تعالى أكرم من أن يوصل عقوبة المعصية إليه، ويحجب عنه المثوبة .

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: إنَّ هذا الحديث محمول على من وصّى بأن يُبكى عليه ويناح عليه بعد موته فنفذت وصيته، فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم؛ لأنّه بسببه ومنسوب إليه، فأمَّا من بكى عليه أهله وناحوا من غير وصية منه فلا يعذب لقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام:164]، وكان من عادة العرب الوصيَّة بذلك، فخرج الحديث مطلقا حملًا على ما كان معتادًا لهم .

ثانيًا: قالوا: إنَّ هذا الحديث أنكرته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عندما سمعته، ونسبت راوية إلى النِّسيان والغلط، وبينت أن هذا في حق غير المسلمين، فقد روت عمرة بنت عبد الرّحمن، أنّها سمعت عائشة وذكر لها أن عبد الله ابن عمر رضي الله عنه يقول: إنَّ الميِّت ليعذب ببكاء الحي، فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرّحمن، أمّا إنّه لم يكذب، ولكنه نسي أو أخطأ، إنّما مرّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – على يهودية يبكى عليها، فقال: (إنهم ليبكون عليها، وأنّها لتعذب في قبرها) .

وفي رواية قالت: يرحم الله عمر، لا والله ما حدّث رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -:

“إنَّ الله يعذب المؤمّن ببكاء أحدٍ”، ولكن قال: “إنَّ الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه”، قال: وقالت عائشة: حسبكم القرآن {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] “.

ثالثًا: قالوا: إنَّ هذا الحديث محمول على من لم يوص بترك البكاء والنياحة، فأمّا من وصى بتركهما فلا يعذب بهما إذ لا صنع له فيهما ولا تفريط منه .

رابعًا: قالوا: إنّه محمول على من كانوا يندبون الميِّت وينوحون عليه، وذلك بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم، وهي في الحقيقة قبائح محرّمة في الشّرع يعذب الله عليها، ومن ذلك أنّهم كانوا يقولون: يا مؤيد النسوان ومؤتم الولدان، ومخرب العمران، ومغرق الأخدان، ونحو ذلك ممّا يرونه شجاعةً وفخرًا وهو محرم شرعًا .

خامسًا: قال بعض العلماء: إنَّ الحديث معناه: أن الميِّت يعذب بسماعه بكاء أهله ويرق لهم .

الدّليل الثّاني:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – كلما كان ليلتها من رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – يخرج من آخر اللّيل إلى البقيع، فيقول:

(السّلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون، وإنا إنَّ شاء الله بكم لاحقون، اللَّهُمَّ اغفر لأهل البقيع الغرقد) .

الدّليل الثّالث:

عن عائشة رضي الله عنها أن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – علّمها إذا أتت المقابر أن تقول:

(السّلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) .

الدّليل الرّابع:

ما روته أم المؤمنين أم سلمة، أن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – دعا لأبي سلمة حين مات فقال: (اللهمّ اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا ربّ العالمين، أفسح له في قبره ونور له في) .

وجه الاستدلال من النصوص السابقة:

أن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – دعا واستغفر لهؤلاء الأموات والدعاء والاستغفار من العبادات البدنية، فدل ذلك على وصولها للأموات وانتفاعهم بها، فكذلك ما سواها ومن ذلك تلاوة القرآن ووإهداء ثوابها للميت .

الدّليل الخامس:

عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (اقرأوا (يس) على موتاكم) .

وجه الاستدلال:

حيث أمر النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – بقراءة سورة (يس) على الموتى، فدل ذلك على وصول ثواب قراءتها لهم، والا لما كان للأمر بقراءتها معنى.

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: أن المراد بالحديث هو قراءتها على المريض عند الاحتضار، لا قراءتها بعد الموت ، فهي نظير قوله – صلّى الله عليه وسلم -: (لقّنوا موتاكم لا إله إلّا الله) .

ثانيًا: أن هذا الحديث ضعيف، ضعّفه غير واحد من أهل العلم، فلا يجوز الاحتجاج به .

وقد استدلوا كذلك بما تقدّم من أحاديث تدل على جواز النيابة عن اليت في الصوم والحج ووجه الاستدلال منها: أن الحجِّ والصوم من العبادات البدنية، وقد أوصل الله نفعها إلى الميِّت فكذلك تلاوة القرآن الكويم يصل ثوابها للميت لكونها من العبادات البدنية .

قال ابن قدامة بعد ذكر تلك الأحاديث: “وهذه أحاديث صحاح، وفيها دلالة على انتفاع الميِّت بسائر القرب؛ لأنّ الصوم والحج والدعاء والاستغفار عبادات بدنية، وقد أوصل الله نفعها إلى الميِّت، فكذلك ما سواها” .

جـ- أدلتهم من الأثر:

الدّليل الأوّل:

عن الشّعبيّ، قال: كانت الأنصار، يقرأون عند الميِّت بسورة البقرة .

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: أن الأثر إنّما هو في القراءة عند الاحتضار.

ثانيًا: أن هذا الأثر ضعيف الإسناد، في سنده مجالد بن سعيد وهو ضعيف .

الدّليل الثّاني:

ما ذكره ابن القيم عن الخلال أنّه قال: “وأخبرني الحسن بن أحمد الورَّاق ثنا علي بن موسى الحداد – وكان صدوقًا- قال: كنت مع أحمد ابن حنبل، ومحمد ابن قدامة الجوهري في جنازة، فلما دفن الميِّت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر، فقال له أحمد: يا هذا، إنَّ القراءة عند القبر بدعة فلما خرجنا من المقابر، قال محمّد بن قدامة لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر الحلبي ، قال: ثقة، قال: كتبت عنه شيئًا؟ قال: نعم، قال: فأخبَرَني مبشر عن عبد الرّحمن ابن العلّاء ابن اللجلاج ، عن أبيه أنّه أوصى إذا دفن أن يُقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها، وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك، فقال له أحمد: فارجع وقل للرجل يقرأ” .

مناقشة الاستدلال:

وقد أجيب عن هذه القصة من وجوه:

الوجه الأوّل:

أن هذه القصة لا تصح عن الإمام أحمد، ولا عن ابن عمر رضي الله عنه .

الوجه الثّاني:

على فرض صحة هذا الأثر عن ابن عمر، فإنّه موقوف عليه لم يرفعه إلى النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -، فلا حجة فيه أصلًا .

د – أدلتهم من المعقول:

الدّليل الأوّل:

قالوا: إنَّ تلاوة القرآن وإهداء ثوابها للميت هو الّذي عليه عمل المسلمين في كلّ عصر وفي كلّ مصر من غير نكير، قال ابن قدامة: ” … وإنه إجماع المسلمين، فإنهم في كلّ عصر ومصر يجتمعون، ويقرأون القرآن ويهدون ثوابه إلى موتاهم من غير نكير” .

مناقشة الاستدلال:

ناقش محمّد رشيد رضا هذا الدّليل فقال: “سلك المصنِّف – عفا الله عنه- هنا مسلك أهل الجدل، فأمّا دعواه الإجماع فهي باطلة قطعًا، لم يعبأ بها أحد حتّى إنَّ المحقق ابن القيم الّذي جاراه في أصل المسألة لم يدّعها بل صرّح بما هو نصّ في بطلأنّها، وهو أنّه لم يصح عن السلف شيء فيها، واعتذر عنه بأنّهم كانوا يخفون أعمال البرّ، وانتقدنا ذلك في تفسيرنا بأنّه لو كان معروفًا لكان عن اعتقاد مشروعيته، وحينئذ يبلغونه ولا يكتمونه، بل لتوفرت الدواعي عنهم بالتواتر؛ لأنّه من رغائب جميع النَّاس” .

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ الله تعالى الموصل لثواب ما سلمتموه من الدُّعاء والصدقة والواجبات، قادر على إيصال ما منعتموه وهو ثواب تلاوة القرآن الكريم .

مناقشة الدّليل:

نوقش هذا الدّليل بأن من منع وصول ثواب القرآن الكريم إلى الأموات لم يمنع ذلك من جهة كون قدرة الله تعالى لا تتعلّق به، وإنّما منعوه من جهة عدم قيام الأدلة على ذلك .

الدّليل الثّالث:

قالوا: إنَّ تلاوة القرآن عمل بر وطاعة، فيصل نفعه وثوابه للأموات قياسًا على الصَّدقة والصيام والحج الواجب .

الدّليل الرّابع:

قالوا: إنَّ العبادة ثلاثة أقسام: بدنية، ومالية، ومركبة منهما، فنبه الشارع بوصول الصوم على وصول سائر العبادات البدنية، ونبه بوصول الصَّدقة على

وصول سائر العبادات المالية، ونبه بوصول الحجِّ المركب من المالية والبدنية على وصول ما كان كذلك، فالأنواع الثّلاثة ثابتة بالنص والاعتبار .

الدّليل الخامس:

قالوا: إنَّ النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – قد نبّه بوصول ثواب الصوم الّذي هو مجرد ترك ونية تقوم بالقلب، لا يطلع عليه إِلَّا الله تعالى، وليس بعمل الجوارح، على وصول ثواب القراءة الّتي هي عمل باللسان، تسمعه الأذن وتراه العين بطريق الأولى .

الترجيح:

بعد ذكر الأقوال وعرض الأدلة لكل قول، وذكر ما ورد عليها من مناقشات، فإن الّذي يظهر رجحانه من هذه الأقوال هو القول الأوّل القاضي بوصول ثواب تلاوة القرآن الكريم إلى الميِّت، وذلك لما يأتي:

أوَّلًا: قوة ما استدل به أصحاب هذا القول، حيث سلم معظمها من المناقشة.

ثانيًا: ضعف أدلة أصحاب القول الآخر، حيث أمكن مناقشتها جميعًا ممّا يضعف الاحتجاج بها.

ثالثًا: أن القول بوصول ثواب التلاوة هو الّذي يتفق مع أصول الشّرع وقواعده العامة، فإن الشّرع قد دل على وصول كثير من العبادات البدنية المحضة، كالصوم والحج والدعاء، وغير ذلك، وهذا فيه تنبيه على وصول غيرها من العبادات كتلاوة القرآن، فإن التلاوة عبادة بدنية، والشريعة لا تفرق بين المتماثلات .

وقد اختار هذا القول الشّيخ العلّامة محمّد بن صالح العثيمين رحمه الله حيث سئل عن حكم تلاوة القرآن وإهداء ثوابه للميت، فقال: “التلاوة لروح الميِّت يعني:

أن يقرأ القرآن وهو يريد أن يكون ثوابه لميت من المسلمين، هذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم على قولين:

القول الأوّل: أن ذلك غير مشروع وأن الميِّت لا ينتفع به، أي: لا ينتفع بالقرآن في هذه الحالة.

القول الثاني: أنّه ينتفع بذلك، وأنّه يجوز للإنسان أن يقرأ القرآن بنية أنّه لفلان أو فلانة من المسلمين سواء كان قريبًا أو غير قريب.

والراجحِ: القول الثّاني؛ لأنّه ورد في جنس العبادات جواز صرفها للميت، كما في حديث سعد بن عبادة حين تصدق ببستانه لأمه، وكما في قصة الرَّجل الّذي قال للنبي – صلّى الله عليه وسلم -: إنَّ أمي افتتلت نفسها وأظنها لو تكلمت لتصدقت، أفاتصدق عنها؟ قال النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -: “نعم” .

وهذه قضايا أعيان تدل على أن صرف جنس العبادات لأحد من المسلمين جائز وهو كذلك … “. .

الفرع الثّاني حكم الاستئجار على تلاوة القرآن الكريم

تقدّم في المسألةُ السابقة أن وصول الثّواب للأموات أمر مختلف فيه، فالذين منعوا وصول الثّواب هناك منعوا جواز الاستئجار هنا، وأمّا الذين قالوا بوصول الثّواب وهم الجمهور، فالذي نلحظه هنا أنّهم لم يقولوا بجواز الاستئجار على التلاوة، ويرجع ذلك إلى أن مدرك هذه المسألةُ عندهم ليس هو فقط مجرد وصول الثّواب من عدمه، وإنّما لهم مدارك أخرى في المنع من الاستئجار، على ما سيأتي بيانه في ثنايا بحث المسألة.

وقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في حكم الاستئجار على تلاوة القرآن الكريم على قولين:

القول الأوّل:

لا يجوز الاستئجار على تلاوة القرآن الكريم.

وبهذا قال جمهور الفقهاء، فقد قال بذلك الحنفية ، وهو المشهور عند المالكية والمشهور عند الشّافعيّة ، وهو مذهب الحنابلة ، وهو الّذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .

القول الثّاني:

يجوز الاستئجار على تلاوة القرآن الكريم.

وهذا قول المتأخرين من المالكية وهو المختار عند متأخري الشّافعيّة ، قال الدسوقي: “ذكر ابن فرحون أن جواز الإجارة على قراءة القرآن مبني على وصول ثواب القرآن لمن قرئ لأجله كالميِّت، ثمّ استدل على أن الراجح وصول ذلك له” .

وقال النووي: “ظاهر كلام القاضي حسين صحة الإجارة مطلقًا، وهو المختار، فإن موضع القراءة موضع بركة وبه تنزل الرّحمة، وهذا مقصود ينفع الميِّت” .

تنبيه:

الّذي يظهر أن من قال بهذا القول قد بنى صحة الاستئجار على حصول المنفعة للميت بالقراءة، لا بسبب وصول الثّواب له.

أمّا عند متأخري الشّافعيّة فالأمر ظاهر فيما قاله النووي سابقًا، وأمّا عند المالكية فقد قال القرافي: “والذي يتجه أن يقال، ولا يقع فيه خلاف: أنّه يحصل لهم بركة القرآن لا ثوابها” .

ومما يؤيد ما سبق أن الشّافعيّة قد حصروا الحالات الّتي يصح فيها الاستئجار على التلاوة، وهي أربع حالات، أمّا مطلق القراءة أو القراءة المجردة، فإن ثوابها لا يصل للميت عندهم، ولا يصح الاستئجار عليها.

والحالات الأربع الّتي نصّ الشّافعيّة عليها هي:

الأولى: إذا كانت القراءة للميت عند قبره.

الثّانية: إذا أعقب القراءة بالدعاء للميت، أو نوى ثوابها له.

الثّالثة: إذا كانت القراءة بوجود المستأجر.

الرّابعة: إذا كانت القراءة مع ذكر المستأجر في القلب حالة القراءة .

وتوجيه هذه الحالات الأربع يأتي بيانه عند ذكر الأدلة لهذا القول إن شاء الله تعالى.

قال الإمام النووي رحمه الله: “ومعلوم أن الميِّت لا يلحقه ثواب القراءة المجردة، فالوجه تنزيل الاستئجار على سورة انتفاع الميِّت بالقراءة، وذكروا له طريقتين:

أحدهما: أن يعقب القراءة بالدعاء للميت …

الثّاني: وإن قرأ ثمّ جعل ما حصل من الأجر له، فهذا دعاء بحصول ذلك الأجر للميت، فينفع الميِّت” .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

استدل من قال يحواز الاستئجار على تلاوة القرآن وهم أصحاب القول الثّاني، بأدلة من السُّنَّة والمعقول.

أ – الأدلة من السُّنَّة:

الدّليل الأوّل:

عن ابن عبّاس – رضي الله عنهما -، عن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – قال: (إنَّ أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) .

الدّليل الثّاني:

عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه -، قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (وما يدريك أنّها رقية) ثمّ قال: (قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهمًا) .

الدّليل الثّالث:

حديث خارجة بن الصلت عن عمه، قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (كُلْ فلعمري من أكل برقية باطلٍ، لقد أكلت برقيةٍ حقٍ) .

وجه الاستدلال بالأحاديث السابقة:

حيث دلت هذه الأحاديث على أن تلاوة القرآن الكريم إذا قصد بها القاري نفع الملدوغ أو المعتوه، نفعته بإذن الله تعالى، وقد أقر ذلك النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – فإذا كانت تلاوة القرآن تنفع الحي بالقصد، فإن انتفاع الميِّت بها أولى، وعلى هذا فإنّه يجوز الاستئجار عليها .

مناقشة الاستدلال:

نوقش الاستدلال بالأحاديث السابقة بأن أخذ الأجرة فيها إنّما كان على الرقية، والرقية إنّما المقصود منها التّداوي، وعليه فإن التلاوة في هذه النصوص لم تفعل للقربة وإهداء الثّواب، بل للتداوي، وعليه فلا حجة في هذه الأحاديث على جواز الاستئجار على التلاوة، ومن ادّعى الجواز مطلقًا فعليه البيان .

ب – الأدلة العقلية:

الدّليل الأوّل:

قالوا: يصح الاستئجار على تلاوة القرآن الكريم قياسًا على صحته في الأذان وتعليم القرآن .

مناقشة الاستدلال:

نوقش الاستدلال بهذا الدّليل من وجهين:

الأوّل: أن الإجارة على التعليم إنّما دعت إليها الضّرورة والحاجة، وهي خشية ضياع القرآن بخلاف القراءة للأموات فلا ضرورة تدعو إليها .

الثّاني: أن هذا قياس لا يصح؛ لأنّ حكم الأصل المقيس عليه، مختلف فيه، ومن شروط صحة القياس أن يكون حكم الأصل متفق عليه بين الخصمين، كما تقدّم بيان ذلك .

الدّليل الثّاني:

وهذا الدّليل عبارة عن توجيه للحالات الأربع الّتي ذكرها الشّافعيّة آنفًا وتعليل لصحة الاستئجار على القراءة للميت، قالوا: إنَّ موضع قراءة القرآن بركة وبه تنزل الرّحمة، فإذا قرأ عند القبر حصل النفع للميت في قبره، فإذا حصل النفع صحت الإجارة على التلاوة. وأمّا الدُّعاء بعدها، فإنّه أقرب للإجابة وأكثر بركة، وهذا ينفع الميت، فإذا حصل النفع صحت الإجارة.

وأمّا القراءة بحضرة المستأجر أو استحضاره بقلبه حالة القراءة، فإن ذلك سبب لشمول الرّحمة للمستأجر، إذا تنزلت على قلب القاري، وبهذا يحصل النفع للمستأجر، وإذا حصل النفع له صحت الإجارة .

وحاصل هذا الدّليل، أن الميِّت يحصل له نفع القراءة وبركتها، فإذا حصل له نفع القراءة جاز الاستئجار عليها.

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الدّليل بأن الّذي يصل للميت هو ثواب القراءة، وليس مجرد الانتفاع ببركتها، فإذا قرأ الإنسان القرآن وأهدى ثواب قراءته للميت وصله ذلك إذا كان يقرأ بدون أجرة بأن كان يقرأ محتسبًا؛ لأنّ القاري إذا قرأ لأجل الأجرة فلا ثواب له على قراته، وإذا لم يكن في قراته ثواب، فلا يصل إلي الميِّت شيء وعليه فلا تصح الإجارة على القراءة .

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

استدل جمهور الفقهاء فيما ذهبوا إليه من عدم جواز الاستئجار على تلاوة القرآن الكريم بأدلة من القرآن الكريم والسُّنَّة المطهرة والإجماع والمعقول.

أ – الأدلة من القرأن الكريم:

الدّليل الأوّل:

قوله تعالى {وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا} [البقرة: 41].

وجه الاستدلال:

أن الله تعالى نهانا أن نشتري بآياته ثمنًا قليلًا، وأخذ الأجرة على قراءة القرآن من الشراء بآيات الله ثمنًا قليلًا، فلا يجوز ذلك.

الدّليل الثّاني:

قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188].

وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النِّساء: 29].

وجه الاستدلال:

أن الله تبارك وتعالى نهى عن أكل الأموال بالباطل، وأخذ الأجرة على تلاوة القرآن من أكل المال بالباطل؛ لأنّ تلاوة القرآن إذا فعلت بالأجرة، لم يكن للقارئ ثواب، فأي شيء يهديه للميت، فإذا لم يكن هناك شيء يهديه للميت، يكون ما يأخذه من أجره أكل للمال بالباطل .

الدّليل الثّالث:

قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)} [النجم: 39].

وجه الاستدلال:

قال ابن كثير: “ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشّافعيّ رحمه الله ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنّه ليس من عملهم ولا كسبهم”. .

فإذا كان القاري لا ثواب له يهديه للميت فبما يستحل الأجرة على ذلك.

مناقشة الاستدلال:

تمكن مناقشة هذا الدّليل بأن الثّواب المجرد عن الأعواض بأن كان على سبيل الاحتساب فإن الراجح كما سبق أن ثواب ذلك يصل إلى الميِّت، ولكن إذا كان القاري يقرأ لأجل الأجرة، فإنّه لا ثواب له، وإن كان لا ثواب له يهديه للميت، فلا تحل له الأجرة حينئذ؛ لأنّه من أكل المال بالباطل.

الدّليل الرّابع:

قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]. وقوله تعالى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} [هود: 7].

وجه الاستدلال:

حيث دلت هذه الآيات على أن شرط صحة الأعمال هو الإخلاص لله تعالى وأن تكون على السُّنَّة، ومن المعلوم أن التالي بالأجرة، عمله ليس خالصًا لله؛ لأنّه إنّما قصد بعمله المال، ولا صوابًا؛ لأنّ التلاوة بالأجرة بدعة منكرة، وعلى هذا فلا تجوز الإجارة على التلاوة .

ب – الأدلة من السنّة:

لأصحاب هذا القول أدلة كثيرة من السُّنَّة، وقد تقدّم معنا معظم هذه الأدلة، وذلك أن هذه الأدلة تشمل ما يأتي:

أوَّلًا: الأدلة الّتي استدل بها من منع من وصول ثواب التلاوة للأموات مثل:

1 – حديث أبي هريرة: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إِلَّا من ثلاث …) الحديث .

2 – حديث ابن مسعود: (من قرأ حرفا من كتاب الله فله به حسنة …) الحديث .

وجه الاستدلال:

أن هذه الأحاديث دلت على المنع من وصول ثواب التلاوة للموتى، فإذا كان الثّواب لا يصل للموتى، فلا يجوز الاستئجار على التلاوة؛ لأنّ صحة الإجارة مبنية على حصول الثّواب وفرع عنه .

مناقشة الاستدلال:

تمكن مناقشة هذا الاستدلال بأن المانع من صحة الإجارة ليس هو عدم وصول الثّواب في الأصل وإنّما المانع هو التلاوة بأجرة؛ لأنّ القاري إذا كانت قراءته للأجرة لم يكن له ثواب، فلا شيء يهديه للميت، وعلى هذا فلا تصح الإجارة، ولكن إذا كانت قراءته احتسابًا فإنها تصل الميِّت وتنفعه لقيام الأدلة على ذلك كما تقدّم .

ثانيًا: الأدلة الّتي استدل بها من منع أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم.

ومن هذه الأدلة:

1 – حديث أبي بن كعب: (ان أخذتها أخذت قوسًا من نار) قال: فرددتها” .

2 – حديث أبي الدرداء: (من أخذ قوسًا على تعليم القرآن قلّده الله قوسًا من نار) .

وغير ذلك من الأحاديث، كحديث عبادة بن الصامت، وحديث عبد الرّحمن ابن شبل، وحديث عمران بن حصين، وحديث جابر وغيرها .

وجه الاستدلال بهذه الأحاديث:

دلت هذه الأحاديث على تحريم التكسب بالقرآن الكريم، ومن ذلك أخذ الأجرة على تلاوته، بل إنَّ دلالة هذه الأحاديث على المنع من أخذ الأجرة على التلاوة أظهر، كحديث سهل بن سعد، وحديث عمران بن حصين، وحديث جابر وغيرهم.

بالإضافة إلى الأحاديث السابقة فقد استدلوا كذلك ببعض الأدلة، ومن هذه الأدلة:

الدّليل الأوّل:

عن عمر بن الخطّاب – رضي الله عنه – قال: سمعت رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – يقول: (إنّما الأعمال بالنيات، وإنّما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة

يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) .

وجه الاستدلال:

حيث دلّ الحديث على وجوب الإخلاص في الأعمال، ومن ذلك تلاوة القرآن، فإذا كان القاري يقرأ لأجل المال فهذا حظه من القراءة ولا ثواب له على قراءته، وإذا كان لا ثواب له لم تحصل المنفعة المقصودة للمستأجر؛ لأنّه استأجره لأجل الثّواب فلا تصح الإجارة .

الدّليل الثّاني:

عن عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) .

وجه الاستدلال:

بين النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – أن أي أمر محدث في دين الله ليس عليه دليل، فهو مردود على صاحبه، وأخذ الأجرة على قراءة القرآن للأموات أمر محدث مردود لم ينقل عن أحد من الأئمة الإذن فيه، فلا يصح .

هذه معظم أدلة هذا القول من السُّنَّة المطهرة، ولهم أدلة أخرى ضربت صفحًا عنها؛ لأنّها أحاديث موضوعة منكرة لم تصح عن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -، أذكرها هنا للتنبيه على بطلانها، من هذه الأحاديث:

1 – حديث: (من قرأ القرآن يتآكل به النَّاس، جاء يوم القيامة ووجه عظم ليس عليه لحم …) .

2 – حديث: (من أخذ على القرآن أجرًا فذاك حظه من القرآن) .

3 – حديث (من أخذ على القرآن أجرًا فقد تعجل حسناته في الدنيا والقرآن يخاصمه يوم القيامة) .

جـ – الدّليل من الإجماع:

قال ابن عابدين: “وأمّا الإجماع فإن الأُمَّة اتفقوا على أن لا ثواب للعمل إِلَّا بالنية، وهي الحالة الباعثة على العمل المعبر عنها بالقصد والعزم، ولم توجد فيما نحن فيه، فلا ثواب، فلا إجارة” .

وحاصل هذا الدّليل أن العمل لا بد أن يكون خالصًا لله وأن ينوي به صاحبه التقرب إلى الله، فإذا فعله للأجرة، فلا ثواب له، ومن ثمّ فلا تصح الأجرة لعدم حصول المنفعة للمستأجر.

د – الأدلة من المعقول:

الدّليل الأوّل:

قالوا: إنَّ القراءة مثل الصّلاة والصوم في كونها عبادة بدنية محضة، فكما لا تجوز الإجارة عليهما، لا تجوز على القراءة .

الدّليل الثّاني:

قالوا: الإجارة على التلاوة هنا عبارة عن بيع الثّواب، وهو معدوم وبيع المعدوم باطل، ولو سلّم وجود الثّواب، فإنّه ليس بمال، ولو سلم أنّه مال فليس بمقدور التسليم .

الترجيح:

بعد ذكر الأقوال وعرض أدلة كلّ قول مفصلة، يتبين بوضوح رجحان القول الأوّل القاضي بمنع الاستئجار على تلاوة القرآن الكريم للأموات، وذلك بما يأتي: أوَّلًا: قوة ما استدل به أصحاب هذا القول، حيث جاءت أدلتهم في معظمها صريحة وواضحة في الدلالة على المطلوب، وكانت في معظمها سالمة من المناقشة.

ثانيًا: ضعف ما استدل به أصحاب القول الثّاني، حيث أمكن مناقشتها جميعًا بما يضعف من دلالتها، أو يخرجها عن دلالتها بالكلية، فالأدلة من السُّنَّة، إنّما هي صريحة في الرقية والمداواة لا في تلاوة القرآن للأموات، والأدلة من العقول ضعيفة أمكن الجواب عنها فضلًا عن أنّها جاءت مخالفة ومعارضة للأدلة من الكتاب والسُّنَّة الّتي استدل بها أصحاب القول الأوّل.

ثالثًا: أن ممّا يضعف هذا القول تنصيص العلماء على كون الاستئجار على التلاوة بدعة وأمر محدث لم يقل به أحد من الأئمة المعتبرين .

قال ابن عابدين: “والإجارة في ذلك باطلة وهي بدعة لم يفعلها أحد من الخلفاء” .

قال ابن القيم – رحمه الله -: “ولم يكن من هديه – صلّى الله عليه وسلم – أن يجتمع للعزاء ويقرأ له – للميت – القرآن لا عند قبره، ولا غيره، وكل هذا بدعة حادثة مكروهة” .

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*