أخذ المال على طلب العلم

أخذ المال على طلب العلم

أخذ المال على طلب العلم هو المطلب الأول من المبحص الثاني بعنوان  أخذ المال على العلوم الشرعية وهو جزء من الفصل الخامس من بحث أخذ المال على أعمال القرب

أخذ المال على طلب العلم

المبحث الثّاني أخذ المال على العلوم الشرعية

المطلب الأوّل أخذ المال على طلب العلم

لا بد للناس من العلم، بل لا تستقيم حياتهم بدونه، ومن هنا كان لطالب العلم مكانة لا تعدلها مكانة، فطالب العلم اليوم، هو عالم الغد، فهو القاضي، وهو المفتي، وهو معلم النَّاس الخير.

وطلب العلم الشرعي من أجل القرب، وأفضل الطاعات، ولذا فإن طالب العلم له منزلة عظيمة عند الله تعالى، كيف لا؟ وأفضل العلم وأشرفه هو العلم بالله تعالى، وشرف العلم، يكون بشرف المعلوم .

من أجل ذلك فقد اعتنت الشّريعة الغراء بطالب العلم عناية فائقة وأحاطه فقهاء الإسلام بأحكام كثيرة وآداب جمة، ومن تلك الأحكام ما يتعلّق بخاصة نفسه من حيث ما يحتاج إليه في حياته المعيشية من مأكل وملبس ومسكن وكتب وغير ذلك من آلة الطلب والبحث، وقد تكلم الفقهاء فيما يخص طالب العلم من نفقة ومال يُعينه على الطلب حتّى يؤدِّي رسالته على أكمل وجه ومن ثمّ يعود نفعه ويظهر أثره في المجتمع.

وما يؤخذ من مال على طلب العلم الشرعي يعود في مجمله إلى ثلاثة أنواع:

النوع الأوّل: الأرزاق

لا خلاف بين الفقهاء في جواز أخذ طالب العلم الرزق من بيت المال، وذلك؛ لأنَّ بيت المال معد لمصالح المسلمين العامة وطلب العلم منها، فإذا فرغ طالب العلم نفسه لإفادة العلم واستفادته، فإنّه يأخذ كفايته من بيت مال المسلمين .

قال الغزالي: “كلّ من يتولى أمرًا يقوم به، تتعدى مصحلته إلى المسلمين ولو اشتغل بالكسب لتعطل عليه ما هو فيه فله في بيت المال حق الكفاية،

ويدخل فيه العلماء كلهم أعني العلوم الّتي تتعلّق بمصالح الدِّين من علم الفقه والحديث والتفسير والقراءة حتّى يدخل فيه المعلمون والمؤذنون، وطلبة هذه العلوم أيضًا يدخلون فيه فإنهم إنَّ لم يكفوا لم يتمكنوا من الطلب” .

ويلحق بالرزق من بيت المال، المال الموقوف على طلبة العلم والموصى به لهم، والمال المنذور، فكل ذلك في معنى الرزق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “وأمّا ما يؤخذ من بيت المال فليس عوضًا وأجرة بل رزق للإعانة على الطّاعة، فمن عمل منهم لله أثيب، وما يأخذ من رزق للمعونة على الطّاعة، وكذلك المال الموقوف على أعمال البرّ، والموصى به كذلك، والمنذور كذلك ليس كالأجرة” .

النوع الثّاني: الزَّكاة

اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على جواز إعطاء طالب العلم من الزَّكاة، وقد صرّح بهذا فقهاء الحنفية والمالكية والشّافعيّة والحنابلة ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله .

قال علاء الدِّين الحصفكي : “وطالب العلم يجوز له أخذ الزَّكاة ولو غنيًا إذا

فرغ نفسه لإفادة العلم واستفادته، لعجزه عن الكسب والحاجة داعية إلى ما لا بد منه” .

قال الدسوقي: “لا تعطى الزَّكاة للعالم والمفتي والقاضي إِلَّا أن يُمنعوا حقهم من بيت المال، وإلَّا جاز لهم الأخذ بوصف الفقر، أمّا الغني فلا يجوز له الأخذ، وقال اللخمي وابن رشد: إذا منعوا من بيت المال جاز لهم أخذ الزَّكاة مطلقًا سواء أكانوا فقراء أم كانوا أغنياء بالأولى من الأصناف المذكورة في الآية” .

وقال النوويّ: “ولو قدر على كسب يليق بحاله إِلَّا أنّه مشتغل بتحصيل بعض العلوم الشرعية، بحيث لو أقبل على الكسب لانقطع عن التحصيل، حلت له الزَّكاة؛ لأنَّ تحصيل العلم فرض كفاية” .

وقال البهوتي: “وإن تفرغ قادر على الكسب تفرغًا كليًا للعلّم الشرعي .. وتعذر الجمع بين التكسب والاشتغال بالعلّم أعطي من الزَّكاة لحاجته .. ويجوز أخذه ما يحتاج إليه من كتب العلم الّتي لا بد لمصلحة دينه ودنياه منها” .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “ومن ليس معه ما يشتري به كتبًا يشتغل فيها بعلم الدِّين، يجوز له الأخذ من الزَّكاة ما يشتري له به ما يحتاج إليه من كتب العلم الّتي لا بد لتعلم دينه ودنياه منها” .

فالذي يظهر من كلام العلماء السابق أن طالب العلم يأخذ من الزَّكاة وإن كان قادرًا على الكسب ببدنه؛ لأنّه لو أقبل على التكسب لنفسه انقطع عن تحصيل العلم وإفادته فيضعف الدِّين لعدم من يتحمله .

ولكن بقيت هنا مسألة وهي:

هل يجوز لطالب العلم الأخذ من الزَّكاة مع الغنى؟

اختلف الفقهاء في هذه المسألة على قولين:

القول الأوّل: لا يجوز لطالب العلم الأخذ من الزَّكاة مع الغنى.

وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، فقد قال به بعض الحنفية وهو الأوجه عندهم . وبه قال بعض المالكية، وهو الراجح عندهم .

وهو قول الشّافعيّة والحنابلة .

القول الثّاني: يجوز لطالب العلم الأخذ من الزَّكاة مع الغنى.

وبهذا قال بعض الحنفية ، وبعض المالكية .

سبب الخلاف:

يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى إلحاق طالب العلم بالعامل على الزَّكاة، فمن ألحقه بالعامل قال يجوز الأخذ من الزَّكاة مع الغنى، كالعامل فإنّه يأخذ من الزَّكاة مع الغنى بالاتفاق .

ومن لم يلحقه بالعامل، بل أعطاه بوصف الفقر قال: لا يأخذ مع الغنى وفي هذا نظر كما لا يخفى، فإن وصف الفقر يجيز الأخذ من الزَّكاة وإن لم يكن طالب علم فرغ نفسه لذلك.

ثمّ إنَّ ما يأخذه العامل على الزَّكاة إنّما هو أجرة على الراجح كما تقدّم ، وليس زكاة وإن كان ما يأخذه من الزَّكاة بخلاف طالب العلم فإن ما يأخذه من الزَّكاة إنّما هو على سبيل الرزق وإن أخذه من الزَّكاة، والجامع بينه وبين العامل أن كلًا منهما قد فرغ نفسه لمصلحة المسلمين فتكون كفايته في أموالهم ويفترقان بأن العامل إنّما يأخذ في مقابلة عمله وجهده وسعيه في تحصيل الزَّكاة وتفريقها، وأمّا طالب العلم فإنّه يأخذ من الزَّكاة في مقابلة تفريغ نفسه وتركه التكسب لإفادة العلم واستفادته، ومصلحة ذلك راجعة إلى المسلمين فتكون كفايته في مالهم.

وهذا ما جعل كثير من العلماء يقيدون ذلك -أعني أخذ طالب العلم من الزَّكاة- بما إذا كان طالب العلم لا يأخذ كفايته من بيت المال، فإذا تعذر الأخذ من بيت المال تعين الأخذ حينئذ من مال الزَّكاة.

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

استدل من قال بجواز أخذ طالب العلم من الزَّكاة مع الغنى بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

ما روي أن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – قال: (يجوز دفع الزَّكاة لطالب العلم وإن كان له نفقة أربعين سنة) .

وجه الاستدلال:

حيث دلّ الحديث بظاهره على دفع الزَّكاة لطالب العلم مع غناه؛ لأنَّ من يملك نفقة أربعين سنة فهو من الأغنياء.

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة الاستدلال بهذا الحديث بما يأتي: أن هذا يسلم لو كان هذا الحديث يصح رفعه إلى النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -، ولكن هذا الحديث لا أصل له، ولا يوجد في دواوين السُّنَّة المعروفة فلا عبرة في الاحتجاج به.

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ طالب العلم لما فرغ نفسه لإفادة العلم واستفادته، مع حاجته إلى أشياء ضرورية لا غنى له عنها، فإذا لم يجز له قبول الزَّكاة مع عدم اكتسابه أنفق ما عنده من مال ومكث محتاجًا فينقطع عن الإفادة والاستفادة، فيضعف الدِّين لعدم من يتحمله، من أجل ذلك فإنّه يعطى من الزَّكاة ولو كان غنيًا .

مناقشة الاستدلال:

تمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:

أن هذا افتراض لا أساس له من الواقع؛ لأنَّ طالب العلم إذا كان غنيًا فأنفق ما عنده حتّى بلغ درجة الحاجة، فإنّه حينئذ تحل له الزَّكاة بالاتفاق، وذلك لفقره وحاجته، فإذا أخذ من الزَّكاة كفايته لم يمكث حينئذ محتاجًا، ومن ثمّ لا ينقطع عن إفادة العلم واستفادته، فبطل بذلك ما افترضوه في هذا الدّليل.

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

استدل جمهور الفقهاء القائلون بعدم الأخذ من الزَّكاة مع الغنى بما يأتي:

قالوا: إنَّ طالب العلم إذا كان غنيًا، فإنّه حينئذ لا يكون داخلًا في الأصناف الزكوية، فلا يحل له الأخذ من الزَّكاة .

الترجيح:

الراجح من القولين هو قول الجمهور؛ لقوة ما عللوا به إذ إنَّ الله تعالى قد نصّ على مصارف الزَّكاة، ومنها الفقير والمسكين، ومفهومه أنّها لا تحل لغني وإلَّا لما كان للتنصيص على الفقير والمسكين معنى.

ثمّ إنّه أمكن مناقشة ما استدل به أصحاب القول الآخر بما يخرجها عن دلالتها.

النوع الثّالث: النفقة

أجمع أهل العلم على وجوب نفقة الوالدين والمولودين، إذا توفرت شروط الوجوب .

أمّا ما عدا الوالدين والمولودين من الأقارب، فقد ذهب الجمهور إلى أنّه إذا كان القريب من عمودي النسب، وجبت نفقته مطلقًا ، وذهب المالكية إلى وجوب النفقة على الشخص لأبيه الأدنى فقط ولأمه الّتي ولدته خاصّة، فأمّا نفقة الأولاد، فتجب للابن الأدنى فقط حتّى يبلغ ولبنته الدنيا فقط حتّى تزوّج .

وأمّا إذا كان القريب من غير عمودي النسب، فقد ذهب إلى وجوب النفقة له كذلك الحنفية والحنابلة ، وخالف في ذلك المالكية والشّافعيّة على تفاوت بين الفقهاء في شرائط ذلك وضوابطه.

ومن الشروط الّتي اشترطها الفقهاء لوجوب النفقة: أن يكون طالب النفقة فقيرًا لا مال له، عاجزًا عن كسب يستغني به عن إنفاق غيره .

فإذا كان طالب النفقة موسرًا فلا نفقة له، وإذا كان قادرًا على الكسب فإنّه لا يستحق النفقة؛ لأنّه بقدرته على الكسب يكون مستغنيًا وتكون نفقته على نفسه كما لو كان غنيًا بماله.

وقد استثنى الفقهاء من شرط القدرة على الكسب بعض الأشخاص وهؤلاء الأشخاص تجب لهم النفقة وإن كانوا قادرين على الكسب ما داموا فقراء، فهؤلاء يعتبرون في حكم العاجز عن الكسب فتجب له النفقة.

ومن هؤلاء:

طالب العلم الشرعي:

قال الفقهاء: إنَّ طالب العلم الشرعي الّذي لا يتفرغ للكسب، بل هو مشتغل بالعلّم منصرف إليه، فهذا يعتبر عاجزًا عن الكسب، فتجب له النفقة وإن كان قادرًا على الكسب .

وقد استدل الفقهاء على ذلك بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

قالوا: إنَّ اشتغال طالب العلم بالكسب عن التحصيل وطلب العلم يؤدِّي إلى ضياع العلم، والتعطيل، فيضعف الدِّين لعدم من يتحمله وفي هذا من الفساد ما لا يخفى، من أجل ذلك وجبت له النفقة .

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنَّ اشتغال طالب العلم بالطلب والتحصيل، يجعله عاجزًا عن الكسب ولا يهتدي إليه، فلا تسقط نفقته عن الأب كالزمن والأنثى .

الدّليل الثّالث:

قالوا: لما كان طالب العلم مشتغلًا بالعلّم والطلب والإفادة والاستفادة والكسب يمنعه من ذلك وجبت له النفقة قياسًا على الزَّكاة .

ومن خلال كلام أهل العلم نجد أنّهم اشترطوا لوجوب النفقة لطالب العلم: أن يكون مشتغلًا حقيقة بالطلب والتحصيل والإفادة والاستفادة، مجدًا في ذلك، رشيدًا مستقيمًا، غير منشغل عن التحصيل والطلب والاستفادة.

قال ابن عابدين: “الحقال في تقبله الطباع المستقيمة، ولا تنفر منه الأذواق السليمة القول بوجوبها -أي النفقة- لذي الرشد لا غيره ولا حرج في التمييز بين المصلح والمفسد لظهور مسالك الاستقامة وتمييزه من غيره” .

وخلاصة ما عليه الراجح من أقوال الفقهاء أن طالب العلم إذا كان رشيدًا بمعنى أن يكون ناجحًا في طلب العلم، مجدًا فيه مفيدًا ومستفيدًا، وكان فقيرًا، فإن النفقة تجب له على أبيه أو على قريبه ذي الرّحم المحرم -على خلاف في الأخير-؛ لأنّه يعتبر عاجزًا عن الكسب بطلب العلم إذ طلب العلم وتحصيله يشغله عن كسب قوته وحاجاته الضرورية.

أمّا إذا كان طالب العلم غير رشيد ولا مجد في الطلب، ولا هو حريص عليه، فإنّه في هذه الحالة لا يستحق نفقة في مال غيره، ما دام صحيحًا قادرًا على كسب قوته.

وليس معنى كون طالب العلم يعتبر عاجزًا عن التكسب بطلبه للعلّم أن ذلك يكون شأنّه دائمًا، فقد يكون متكسبًا حقيقة ومشتغلًا في ذات الوقت بطلب العلم إذا كان التكسب لا يمنعه ولا يشغله عن طلب العلم، كأن تكون له تجارة، أو عقارات أو نحو ذلك ممّا يدر عليه دخلًا، ولا يحتاج منه إلى تفرغ واشتغال بالكسب أو يحتاج منه إلى تفرغ لكنه لا يشغله عن طلب العلم، فمثل هذا لا تجب له النفقة؛ إذ النفقة وجبت للحاجة والعجز عن التكسب، وهو في هذه الحالة ليس كذلك فلا نفقة له .

 

 

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*