أخذ المال على كتابة العلم الشرعي

أخذ المال على كتابة العلم الشرعي

أخذ المال على كتابة العلم الشرعي هو المطلب الثّالث من المبحث الثّاني أخذ المال على العلوم الشرعية وهو جزء من الفصل الخامس من بحث أخذ المال على أعمال القرب

أخذ المال على كتابة العلم الشرعي

المبحث الثّاني أخذ المال على العلوم الشرعية

المطلب الثّالث أخذ المال على كتابة العلم الشرعي

وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: أخذ المال على نسخ كتب العلم وطباعتها

القول في هذه المسألة كالقول في مسألة أخذ الأجرة على كتابة المصحف وطباعته، فإن كثيرًا من العلماء لم يفرقوا بين المسألتين.

فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز أخذ الأجرة على نسخ كتب العلم وطباعتها، وممن قال بذلك: الحنفية ، وهو المعتمد عند المتأخرين من المالكية ، وهو قول الشّافعيّة والحنابلة والظاهرية .

قال الإمام السرخسي: “ولو استأجر رجلًا يكتب له مصحفًا أو فقهًا معلومًا وإن جائزًا” .

وقال عليش : ” … وعلى هذا فتجوز الإجارة على تعليمه وكتابته وهو أحسن، ولا أرى أن يختلف فيه اليوم لنقص فهم النَّاس وحفظهم عمن تقدّم” .

وقال قليوبي : “يصح الاستئجار للنساخة يبين كيفية الخط ورقته وغلظه، وعدد الأوراق وسطور كلّ صفحة كذا” .

وقال ابن قدامة: “ويجوز استئجار ناسخ لينسخ له كتب فقه أو حديث أو شعر مباح أو سجلات، نصّ عليه … ، ولا بد من التقدير بالمدة أو العمل” .

وقال ابن حزم: “والإجارة جائزة على تعليم القرآن … ونسخ كتب العلم” .

وأمّا المالكية فقد ذهبوا في المعتمد في المذهب إلى كراهة أخذ الأجرة على نسخ كتب العلم ، وقد بنوا هذا القول على القول بكراهة بيع كتب الفقه،

فإذا كره بيع كتب الفقه كرهت كتابتها، كما يكره كذلك أخذ الأجرة على تعليم الفقه ونحوه، وقد تقدّم قولهم في ذلك وما ذكروه من أدلة وما ورد عليها من مناقشات.

والحق الذي لا ريب فيه أن ما ذهب إليه الجمهور هو الصواب وهو الأولى بالأخذ لما يأتي:

أوَّلًا: لما تقدّم من أدلة على جواز كتابة المصحف وطبعه .

ثانيًا: أن الكتابة عمل معلوم، وهو يتحقق من المسلم والكافر فلا يختص أن يكون فاعله من أهل القربة، فجاز أخذ الأجرة عليه .

ثالثًا: إنَّ الاستئجار على كتابة العلم الشرعي أمر متعارف عليه من غير نكير، فدلّ على جوازه .

وأمّا ما ذهب إليه المالكية من القول بالكراهة، فقد ردّ ذلك المحققون من أهل المذهب ، وبينوا أنّه لا ينبغي أن يختلف في جواز ذلك خاصّة في هذا الزّمان وعللوا ذلك بما يأتي:

أوَّلًا: إنَّ حفظ النَّاس للعلّم قد نقص، وكذلك أفهامهم قد نقصت بخلاف ما كان عليه الصدر الأوّل من العلماء، وعليه فلا وجه للكراهة، بل القول بجواز ذلك هو الأولى والأحسن .

ثانيًا: أن القول بكراهة كتابة العلم وطباعته يؤدِّي إلى ضياع العلم وذهاب رسمه فلا يصح القول بالكراهة .

المسألة الثّانية: أخذ المال على التأليف والتحقيق

المراد بهذه المسألة هو أخذ المال على التأليف والتحقيق في مجال العلوم الشرعية

من تفسير وفقه وحديث ودعوة وغيرها من علوم الشّريعة المطهرة.

والتأليف في مجال العلوم الشرعية هو من أهم الوسائل لتقييد العلم وتداوله ونشره بين النَّاس في كلّ عصر وفي كلّ مصر وما زال النَّاس ينتفعون بذلك، وإلى ما شاء الله تعالى، ولولا ذلك ما وصل إلينا ما وصل من علوم الشّريعة.

والتأليف بهذه المثابة من أجل القرب وأفضل الطاعات، وهو من العلم الّذي ينتفع به صاحبه في حياته وبعد مماته ففي الدنيا برفع ذكره وثناء النَّاس عليه ودعائهم له، وفي الآخرة بالجزاء الأوفى من الله تعالى، وهو من عمل المرء الصالح الّذي ينتفع به في حياته ولا ينقطع بوفاته.

ويدلُّ لذلك ما رواه أبو هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (إذا مات الإنسان انقطع عمله إِلَّا من ثلاث: صدقة جارية وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له) .

والعلّم الّذي ينفع صاحبه في حياته وبعد موته يحصل بأمرين أو بأحدهما:

الأمر الأوّل: جلوسه للتعليم مشافهة

وهذا شأن العلماء في كلّ عصر وفي كلّ مصر من لدن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – وإلى عصرنا هذا، يجلسون لتعليم العلم في كلّ فن ويحمله عنهم طلابهم، ثمّ يقومون بدورهم بنشر هذا العلم ونقله إلى بعدهم، وهكذا. فيلحق العالم ثواب ذلك كله إلى ما شاء الله أن يكون.

الأمر الثّاني: التأليف والتصنيف

وهذه الطريقة من أجل الطرق لحفظ العلم وبقائه، فينتفع النَّاس بذلك في حياة المؤلِّف وبعد وفاته، وإلى أجيال كثيرة، وما نراه اليوم من كثرة المؤلِّفات ووفرة الأمهات في كلّ فن من فنون الشّريعة ما هو إِلَّا ثمرة من ثمرات التأليف وكتابة العلم وتحريره.

أمّا ما يتعلّق بالأمر الأوّل وهو الجلوس للتعليم فقد سبق الكلام عليه من حيث جواز أخذ الرزق على التعليم وكذلك جواز أخذ الأجرة عليه على الراجح من أقوال العلماء.

وأمّا ما يتعلّق بالأمر الثّاني وهو التأليف والتصنيف في مجال العلوم الشرعية فلا خلاف في أن من ألف كتابًا أو حقق كتابًا في علوم الشّريعة الّتي يحتاج إليها المسلمون واحتسب ذلك فلم يأخذ عليه عوضًا أن ذلك من أفضل القرب وأحبها إلى الله تعالى، وذلك أن الأصل هو نشر العلم احتسابًا، وهذا كان شأن علماء الأُمَّة منذ البعثة المحمدية وإلى يومنا هذا، فقد كان الصّحابة رضي الله عنهم، والتابعون وتابعوهم بإحسان، وغيرهم من الأئمة الأعلام، في الفقه والحديث والقرآن وغيرها من العلوم، يقومون بالتعليم ونشر العلم بين عامة النَّاس وفي كافة الأمصار احتسابًا لوجه الله تعالى، سواء أكان ذلك بالمشافهة أم بالكتابة . ولم تعرف هذه النازلة وهي أخذ الحقوق المالية على التأليف ونشر العلم إِلَّا في هذا العصر، وهذه النازلة تسمى (حق التأليف)، وهي أحد مفردات ما يسمى بالحقوق المعنوية.

وقد برزت هذه النازلة في هذا العصر، في أعقاب التطور الهائل والسريع في وسائل الطباعة ونشر الكتب والأبحاث، وكان ذلك على إثر التوجه الكبير والعناية الفائقة، بالعلّم الشرعي والتأليف فيه .

والذي يعنينا هنا من هذه الحقوق، هو العوض المالي على حق التأليف والتحقيق، وقد انبرى العلماء من أهل العصر لدراسة هذه النازلة وبيان حكمها الشرعي، والذي يهمنا هنا هو: حق التأليف في مجال العلوم الشرعية باعتباره قربة إلى الله تعالى.

وسيكون البحث في هذه المسألة على النحو التالي:

أوَّلًا: صورة المسألة:

إذا قام عالم أو باحث بتأليف كتاب في العلم الشرعي، أو قام بتحقيق كتاب لأحد العلماء السابقين، فهل يجوز له أخذ العوض المالي من أجرة أو جعالة على هذا العلم أم لا؟

ثانيًا: تحرير محلّ النزاع:

1 – لا خلاف بأن التأليف أو التحقيق في غير العلوم الشرعية يجوز أخذه الأجرة عليه والاحتفاظ بحقوق التأليف فيها وبخاصة الحق المالي؛ لأنَّ التأليف أو التحقيق في هذه الحالة ليس بقربة بل هو أمر مباح، فيجوز أخذ العوض عليه، ومن نظائره: تعليم الخط والحساب والشعر ونحوها، فإنّه يجوز أخذ الأجرة على ذلك بغير خلاف .

2 – ولا خلاف بأن المؤلِّف أو المحقق إذا قام بطبع عمله أن له أن يأخذ عوض ما أنفقه من تكاليف النسخ والطبع والتوزيع، فإذا قام المؤلِّف ببيع كتابه بسعر ما تكلفه فلا حرج عليه في أخذ ذلك؛ لأنّه حقه أنفقه، فله استرجاعه .

3 – إذا قام المؤلِّف أو المحقق بنشر عمله هذا متبرعًا محتسبًا، فهذا من أحب الأعمال إلى الله تعالى، والله تعالى يجزيه على ذلك .

4 – إذا قام المؤلِّف أو المحقق ببيع كتابة أو تأليفه إلى أحد دور النشر وأخذ العوض على ذلك، وكان غرضه هو الربح المادي، والاحتفاظ بحق التأليف المالي فهل يجوز له ذلك أم لا؟

اختلف فقهاء العصر والباحثون في حكم ذلك على قولين:

القول الأوّل:

يجوز للمؤلف أو المحقق أخذ العوض المالي على تأليفه أو تحقيقه في مجال العلوم الشرعية، وأن يحتفظ بهذا الحق، ويعد هذا حق مصون يحرم الاعتداء عليه .

القول الثّاني:

لا يجوز للمؤلف أو المحقق أخذ العوض المالي على تأليفه أو تحقيقه في العلوم الشرعية .

سبب الخلاف:

يرجع سبب الخلاف في هذه المسألة إلى ما يلي:

أن التأليف والتحقيق في العلوم الشرعية قربة إلى الله تعالى كتعليم القرآن وأمور الاعتقاد والحلال والحرام، وهذه الأمور مختلف فيها، فجاء الخلاف هنا أثر الخلاف هناك، فمن قال: بجواز الاستئجار على القرب قال: بجواز أخذ العوض على التأليف لكونه قربة، ومن منع من الاستئجار على القرب، منع من أخذ العوض هنا، بجامع القربة في كلٍ .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

استدل أصحاب هذا القول على ما ذهبوا إليه من المنع من أخذ العوض المالي على التأليف أو التحقيق في العلوم الشرعية بما يأتي:

الدّليل الأوّل:

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – قال: (من كتم علمًا يعلمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار) .

وجه الاستدلال:

أن حبس المؤلِّف لكتابه عن الطبع والتداول إِلَّا بثمن باب من أبواب كتم العلم، فيناله الوعيد، فيمتنع ذلك والله أعلم .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الاستدلال بما يأتي:

أن الوعيد في هذا الحديث متوجه لمن كتم العلم الّذي يلزمه تعليمه إياه، ويتعين عليه فرضه، كمن رأى كافرًا يريد الإسلام فيقول: علموني ما الإسلام وما الدِّين؟ وكمن يرى رجلًا حديث عهد بالإِسلام، ولا يحسن الصّلاة وقد حضر وقتها يقول: علموني كيف أصلّي؟ وكمن جاء مستفتيًا في حلال أو حرام يقول: أفتوني

أرشدوني، فإنّه يلزم في مثل ذلك أن يُعرّف الجواب، فمن منعه استحق الوعيد،

وليس الأمركذلك في نوافل العلم الّتي لا يلزم تعليمها .

الدّليل الثّاني:

قالوا: إنّه لا يجوز التعبد بعوض، والعلّم عبادة ليس صناعة أو تجارة، فالتأليف في العلوم الشرعية عبادة، وعليه فلا تجوز المعاوضة عليه .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الاستدلال بما يأتي:

أن التأليف في العلوم الشرعية وإن كان عبادة إِلَّا أنّه يجوز المعاوضة عليه، قياسًا على تعليم القرآن والعلّوم الشرعية، فإن الراجح -كما تقدّم- جواز المعاوضة عليها، وهي من القربات، فكذلك التأليف والتحقيق، بجامع أن كلًا منها نشر للعلّم الشرعي وبيان لدين الله عَزَّ وَجَلَّ.

الدّليل الثّالث:

قالوا: إنَّ حق المؤلِّف لا يعدو أن يكون حقًا مجردًا، والحق المجرد لا يقوّم بمال ولا يستعاض عنه بالمال كحق الشُّفعَةِ، وعليه فلا يجوز أخذ العوض المالي على التأليف أو التحقيق .

الدّليل الرّابع:

قالوا: إنَّ عدم الاحتفاظ بحق التأليف أو الاعتياض عنه بمال، بمعنى أن يكون حق الطبع لكل مسلم، يحقق مقصدًا من مقاصد الشّريعة، ألَّا وهو نشر العلم الشرعي، وراوجة بين النَّاس وإغناء المكتبة الإِسلامية به .

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

استدل هؤلاء بعدد من الأدلة، ومن جملتها الأدلة الدالة على جواز الاستئجار على تعليم القرآن الكريم والعلّوم الشرعية، وكذلك الأدلة الدالة على نسخ المصحف، ونسخ كتب العلم ومن هذه الأدلة:

الدّليل الأوّل:

حديث ابن عبّاس رضي الله عنهما في الرقية، وفيه قول النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -: (إنَّ أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله) .

وجه الاستدلال:

أن هذا الحديث دلّ على جواز أخذ العوض على القرآن الكريم، وعليه فيجوز أخذ العوض على السُّنَّة من باب أولى، وإذا جاز أخذ العوض على الوحبين، ففيما تفرع عنهما من الاستنباط والفهوم، وتقعيد القواعد، وتأصيل الأصول من باب أولى، فصارت دلالة هذا الحديث على جواز أخذ العوض على التأليف أولى من مورد النص .

الدّليل الثّاني:

حديث سهل بن سعد الساعدي – رضي الله عنه – في قصة جعل القرآن صداقًا حيث جاء فيه قول النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -: (انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن) .

وجه الاستدلال:

أنّه إذا جاز جعل تعليم القرآن عوضًا تستحل به الأبضاع فمن باب أولى أخذ العوض عليه لتعليمه ونشره، وأولى منهما أخذ العوض على التأليف؛ لأنّه يحمل

أحكام ومفاهيم الكتاب والسُّنَّة، وعليه فإن دلالة هذا الحديث على جواز العوض على التأليف أولى من مورد النص والله أعلم .

الدّليل الثّالث:

أنّه إذا كان المصنَّف ملك لمصنفه وثبتت ملكيته، فله أن يتصرف في ملكه بأنواع التصرفات الجائزة أو المشروعة كبيعه أو هبته أو وقفه أو نحو ذلك من التصرفات .

الدّليل الرّابع:

أن تجويز أخذ العوض المالي على التأليف والتحقيق، فيه دفع عظيم للبحث والتحقيق ونشر العلم، وشحذ لهمم العلماء لنشر علمهم وإبداعهم واجتهادهم، وهذا من أهم مقاصد الشّرع .

الدّليل الخامس:

دلّ صنيع أهل العلم المتقدمين على أن مصنفاتهم ملك لهم أصلًا، ولولا أنّها ملك لهم لما استجازوا بيعها بالمال، وقد ثبت أن كثيرًا من أهل العلم بيعت كتبهم بأثمان كثيرة .

فدلّ ذلك على جواز أخذ العوض المالي على التأليف.

الترجيح:

الراجح من القولين السابقين هو القول الأوّل القاضي بجواز أخذ العوض المالي على التأليف في العلوم الشرعية، وترجع أسباب رجحانه لما يأتي:
أوَّلًا: قوة أدلة هذا القول حيث جاءت الأدلة من السُّنَّة واضحة الدلالة على جواز ذلك.

ثانيًا: أنّه أمكن مناقشة ما أورده المانعون.

ثالثًا: أن هذا القول هو الّذي اختاره أهل العلم قاطبة في هذا العصر إِلَّا القليل منهم، وقد بحث مجمع الفقه الإِسلامي بجدة هذه النازلة وخرج بالقرار التالي:

“حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعًا ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها” .

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*