أخذ المال على نظارة الوقف

أخذ المال على نظارة الوقف

أخذ المال على نظارة الوقف هو المبحث الخامس من الفصل الأوّل أخذ المال على المعاملات ، الباب الثّاني أخد المال على المعاملات والولايات الشرعية من بحث أخذ المال على أعمال القربات

أخذ المال على نظارة الوقف

المبحث الخامس أخذ المال على نظارة الوقف

ناظر الوقف هو من يقوم بإدارة الوقف، والعناية بمصالحة من عمارة، وإصلاح، واستغلال، وبيع غلات، ونحو ذلك ممّا يلزم للوقف حتّى يتحقق غرض الواقف منه، وكذلك القيام بصرف ما اجتمع عنده من غلات الوقف إلى المستحقين .

فإذا وقف إنسان وقفًا معينًا، وعين له ناظرًا يقوم بشئونه وصرف غلته إلى المستحقين، وجعل الواقف للناظر أجرة من ريع الوقف، فهل يستحق الناظر هذا الأجرة؟ وإذا لم يجعل له الواقف أجرة، فهل يجوز له أخذها من ريع الوقف مطلقًا أم لا بد من إذن القاضي؟، وإذا قلنا باستحقاق الناظر للأجرة فما هو مقدارها؟ بيان ذلك كله في المطالب التالية:

المطلب الأوّل إذا شرط الواقف للناظر أجرة

اتفق الفقهاء رحمهم الله تعالى على أن الناظر على الوقف يستحق الأجرة على عمله، إذا شرطها له الواقف من ريع الوقف وهذا الاستحقاق هو من حيث الجواز وعدمه .

وقد استدلوا على جواز ذلك بأدلة من السُّنَّة والآثار والمعقول:

أ – أدلتهم من السُّنَّة:

الدّليل الأوّل:

عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – قال: (لا يقتسم ورثتي دينارًا ما تركت بعد نفقة نسائي، ومؤنة عاملي فهو صدقة) .

وجه الاستدلال:

حيث دل الحديث على جواز إعطاء العامل على الوقف أجرته منه، قال ابن حجر في شرحه للحديث: “وهو دال على مشروعية أجرة العامل على الوقف” .

ب – الأدلة من الآثار:

الدّليل الأوّل:

ما رواه نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: “أن عمر اشترط في وقفه أن يأكل

من وليه ويؤكل صديقه غير متمولٍ مالًا” .

وجه الاستدلال:

حيث دلّ فعل عمر – رضي الله عنه – أن الناظر على الوقف يستحق ما شرطه له الواقف، حيث إنَّ عمر – رضي الله عنه – اشترط لناظر وقفه أن يأكل منه بقدر عمالته .

الدّليل الثّاني:

ما يروى عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه -: أنّه جعل للعبيد الذين وقفهم مع صدقته، يقومون بعمارة صدقته .

وجه الاستدلال:

قال الطرابلسي : ” … وما فعله علي ابن أبي طالب – رضي الله عنه – حيث جعل نفقة العبيد الذين وقفهم مع صدقته ليقوموا بعمارته من الغلة وهذا بمنزلة الأجير في الوقف” .

جـ – الأدلة من المعقول:

قياس الناظر على الأجير في الوقف، وبيان ذلك: أنّه كما يجوز للناظر أن يستأجر الأجراء، لما يحتاج إليه من عمارة الوقف وصيانته، وإصلاحه، ونحو ذلك، جاز له أن يأخذ أجرًا على نظارته إذ هو في حكمهم .

المطلب الثّاني إذا حدد الواقف للناظر مقدار الأجرة

اتفق الفقهاءكذلك على أن الواقف إذا شرط أجرة للناظر وحدد مقدارها أن الناظر يستحق جميع هذه الأجرة سواء أكانت بقدر أجرة المثل أم أقل أم أكثر، وهذا الاتفاق في الجملة على تفصيل بينهم في بعض الجزئيات .

وقد استدلوا على ذلك بما يأتي:

قالوا: إنّه لما جاز أن يقدر للناظر مالًا معلومًا، يأخذه في كلّ سنة أر في كلّ شهر، من غلة الوقف، من غير أن يشترط عليه القيام بأمر الوقف جاز له أن يقدر له ذلك مع تكليفه بالقيام بالوقف من باب أولى .

المطلب الثّالث إذا لم يعين الواقف للناظر أجرة

اختلف الفقهاء فيما إذا لم يعين الواقف للناظر أجرة، فهل يجوز للناظر أخذها مطلقًا أم لا بد من إذن القاضي؟

اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:

القول الأوّل:

لا يجوز للناظر أخذ أجرته من الوقف إِلَّا بإذن القاضي أول ان معروفًا بأخذ الأجرة على مثل هذه الأعمال.

وهذا هو الصحيح. من المذهب عند الحنفية ، وهو قياس المذهب عند الحنابلة .

القول الثّاني:

لا يجوز للناظر أخذ أجرته من الوقف إِلَّا بإذن القاضي. وبهذا قال بعض الحنفية وبه قال أكثر الشّافعيّة .

القول الثّالث:

يجوز للناظر أخذ أجرته من الوقف مطلقًا، دون توقف ذلك على إذن القاضي.

وهذا قول عند الحنفية ، وبه قال بعض الشّافعيّة .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّالث:

استدل هؤلاء بما يأتي:

قالوا: إنَّ الناظر لا يقبل القوامة ظاهرًا إِلَّا بأجرة، وهذا هو المعروف والمعهود، والمعروف عرفًا كالمشروط شرطًا ، وعليه فلا يتوقف استحقاق الناظر للأجرة على إذن القاضي .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:

أن هذا الدّليل محمول على ما إذا كان الناظر معروفًا بأخذ الأجرة على مثل هذه الأعمال، أمّا إذا كان غير معروف بأخذ الأجرة، فإن المفهوم من الدّليل أنّه لا يأخذ وهذا يوافق ما قاله أصحاب القول الأوّل، وهو الصحيح عند التحقيق كما سيأتي.

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

استدل هؤلاء بما يأتي:

قالوا: إنَّ الناظر إذا عمل وقد علم أنّه لم يشترط له شيء كأجرة على عمله، ولم يطلبه، دلّ ذلك على أنّه متبرع بعمله فلا يستحق شيئًا .

مناقشة هذا الدّليل:

يمكن مناقشة هذا الدّليل، بأنّه محمول على ما إذا كان الناظر غير مشهور بأخذ

الأجرة على مثل هذه الأعمال، أمّا إذا كان مشهورًا بذلك ومعروفًا به، فإنّه يأخذ أجرته، لما تقدّم من الدّليل على ذلك.

ثالثًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

استدل هؤلاء على الجواز بما استدل به أصحاب القول الثّالث وقد تقدّم واستدلوا على المنع إذا لم يكن ثمّ عرف بذلك بما استدل به أصحاب القول الثّاني.

الترجيح:

الّذي يظهر رجحانه من الأقوال السابقة، بعد ذكر ما استدلوا به ومناقشته، هو القول الأوّل، القاضي بالمنع من استحقاق الناظر للأجرة إِلَّا بإذن القاضي أو كان مشهورًا بأخذ الأجرة على مثل هذه الأعمال، وذلك لأنَّ فيه جمع بين الأقوال كلها، فإن القول الثّاني يحمل على ما إذا كان الناظر غير مشهور بأخذ الأجرة، وبهذا لا يتعارض مع القول الأوّل، كذلك القول الثّالث، فإنّه من خلال ذكر دليله ومناقشته تبين أنّه يعود في حقيقته إلى القول الأوّل .

المطلب الرّابع مقدار أجرة الناظر إذا لم يحددها الواقف

اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في مقدار أجرة الناظر إذا لم يحددها الواقف على قولين:

القول الأوّل:

أن الناظر في هذه الحالة له أجرة المثل.

وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء، فقد قال به: الحنفية على الصحيح المشهور من المذهب ، وبه قال المالكية ، وبعض الشّافعيّة ، وهو قول الحنابلة .

القول الثّاني:

أن الناظر لا يستحق إِلَّا الأقل من أجرة المثل أو نفقته بالمعروف، وبه قال بعض الشّافعيّة .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة القول الثّاني:

قالوا: إنَّ إعطاء الناظر الأقل من نفقته وأجرة مثله، هو الأحوط للوقف .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الدّليل بأن ما يأخذه الناظر إنّما هو في مقابل جهده وعمله وقيامه على شئون الوقف، فيجب مراعاة ذلك، وهذا لا يتحقق إِلَّا بأجرة المثل؛ لأنّ إعطاء الناظر الأقل من أجرة المثل فيه هضم لحقه وهذا لا يجوز.

ثانيًا: أدلة القول الأوّل:

استدل هؤلاء بما يأتي:

قالوا: إنَّ إعطاء الناظر أجرة المثل هو المعهود والمتعارف عليه فيجب المصير إلى ذلك، كأن الواقف شرطها في وقفه؛ لأنَّ المعهود كالمشروط .

الترجيح:

من خلال ذكر الأدلة وما نوقشت به يتبين رجحان القول الأوّل القاضي بإعطاء الناظر أجرة المثل، إذا لم يعين له الواقف شيئًا ويعود هذا الترجيح لما يأتي:

1 – قوة ما عللوا به حيث جاء متمشيًا مع العرف والعادة في مثل هذه الأمور.

2 – أن هذا القول يحقق مبدأ العدل في التعامل، وذلك بعدم إعطاء الناظر أقل ممّا يستحقه؛ لأنَّ في ذلك ظلمًا له، وكذلك بعدم الأخذ من الوقف أكثر ممّا يجب؛ لأنّ في ذلك ظلمًا للموقوف عليهم، فكانت أجرة المثل أعدل وأقوم للطرفين.

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*