أساليب مواجهة تحدي الاستشراق والمستشرقين ووسائلها

أساليب مواجهة تحدي الاستشراق والمستشرقين ووسائلها

أساليب مواجهة تحدي الاستشراق والمستشرقين ووسائلها ، الثقة في اللَّه قبل كل شيء .. الاعتصام بكتاب اللَّه وسنة رسوله ، وإدراك واقع الأُمَّة

أساليب مواجهة تحدي الاستشراق والمستشرقين ووسائلها

بعد الإلمام بطبيعة المنهج الاستشراقي في دراسة الإسلام وأمَّته وأنه يهدف بطرق مباشرة وغير مباشرة إلى طمس معالم هويّة الأُمَّة الإسلاميَّة، والتشكيك في عقيدة الإسلام وشريعته وتاريخه وحضارته وتراثه، والنيل من ذاتيتها المتميزة واستقلالها ، فإنَّ التصدي لهذا الفكر المغازي يحتاج إلى مواجهة تعتمد على الآتي:

أولًا: الثقة في اللَّه قبل كل شيء، وإخلاص النية له ثم تحديد الهدف من اتخاذ أي أسلوب أو التذرع بأي وسيلة لمكافحة هذا الفكر المغازي والتصدي له أو لغيره من الأخطار المحدقة بالأُمَّة. .

وأن يكون الهدف هو إعلاء كلمة اللَّه، والانتصار له تعالى لتكون كلمته هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى تحقيقًا لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7] وقوله تعالى: {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ} [الأنفال: 10].

ثانيًا: الاعتصام بكتاب اللَّه وسنة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهذا شرط جوهري لمواجهة الاستشراق وغيره من الأخطار التي تهدد يتميز الأُمَّة، قال تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]، وقال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “تركتُ فيكم أمرين لن تضلوا ما مسكتم بهما كتاب اللَّه وسنة نبيه” .

إذا تحقق هذا وذاك نهضت الأُمَّة الإسلاميَّة من كبوتها، وحققت بذلك تميز شخصيتها، وتفرد ذاتيتها؛ لأنها بذلك تحدد هدفها في الحياة، وترتكز على عقيدة قوية سليمة واضحة، وتنطلق في مسيرتها على جادة بينة في منهج محدد مرسوم مستقيم؛ وهو صراط اللَّه المستقيم؛ الذي فسَّرَهُ عبد اللَّه بن مسعود -رضي اللَّه عنه- حينما سئل عن معنى قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا} [الأنعام: 153] الآية، بقوله: (تركنا محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- في أدناه، وطرفه في الجنة) .

بهذا التمسك وعلى ذلك المنهج سادت الأُمَّة الإسلاميَّة، وانتصرت، وقادت البشرية ردحًا من الزمان. . (وإذا جدّد المسلمون في هذا العصر سيرة سلفهم الصالح عادوا أقوياء بقوة الإسلام، أعزاء بعزته، منتصرين باتباع كتابه وسنته) .

ثالثًا: إدراك واقع الأُمَّة. . . وأنها في حالة ضعف شديد، وهذا الضعف حدث واشتدّ بسبب بعد المسلمين عن كتاب اللَّه وعن سنة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، وليس بسبب تمسكهم بهما كما يصور ذلك أعداؤها ومنهم عامة المستشرقين. . . وهذا الضعف الذي تعاني منه الأُمَّة الإسلاميَّة شكّل مناخًا ملائمًا وبيئة خصبة لنشوء قوًى وتيارات تعادي عقيدة الإسلام وشريعته وتاريخه وحضارته، (ولا بُدَّ لنا أن نعترف بأن الاستشراق يستمد قوته من ضعفنا ووجوده نفسه مشروط بعجز العالم الإسلامي عن معرفة ذاته، فالاستشراق في حد ذاته دليل وصاية فكرية، ويوم يعي العالم الإسلامي ذاته وينهض من عجزه. . . سيجد الاستشراق نفسه في أزمة وخاصة الاستشراق المشتغل بالإِسلام، ويومها لن يجد الجمهور الذي يخاطبه لا في أوروبا ولا في العالم الإسلامي) .

رابعًا: إذا كان ما قام به الاستشراق في القديم وما يقوم به في الحاضر يعدُّ جزءًا مهمًّا في الصراع الفكري ضد وجود الأُمَّة الإسلاميَّة وتميزها؛ (لما يسهم به في صياغة التصورات الغربية عن العالَم الإسلامي، معبرًا عن الخلفية الفكرية للصراع الحضاري بينهما) ، فإن هذا الصراع الفكري المرير ضد الأُمَّة الإسلاميَّة والمعركة التي فرضت عليها يُعَدّ أشد وطأة، وأقوى أثرًا، وأعظم فتكًا من أيِّ معركة حربية مهما كان حجمها؛ لأن هذه المعركة معركة أفكار حول إثبات الذات وتميزها.

ويتساءل بعض الباحثين: (هل نحن حريصون حقًّا على الحفاظ على هويتنا وعقائدنا وتراثنا واستقلالية شخصيتنا الإسلاميَّة أم لا؟ إذا كانت الإجابة بالإيجاب فنحن إذًا أصحاب قضية مصيرية من أجل إثبات الذات. . . قضية صراع حضاري مرير، والاستشراق طرف في هذه القضية) .

والحربُ على الإسلام وأمته في هذا المجال حربٌ عقديَّة فكرية لها منطقها ووسائلها وأساليبها، ومِمَّا تتمثل به البحوث والدراسات، والتراجم المختلفة لمعاني القرآن الكريم، وإنجاز المعاجم اللغوية، والموسوعات المتنوعة في التاريخ والاجتماع والعقائد والمذاهب والحضارة، وذلك إلى جانب تأسيس المعاهد والجمعيات وإصدار المجلات وعقد المؤتمرات ونحو ذلك من الأعمال العلمية والتعليمية والإعلامية التي تظهر في أحيان كثيرة بالمظهر الحضاري والرقي الفكري، بينما هي في الحقيقة تكيد للأُمّة الإسلاميَّة، وتقوم بتفريغ شخصيتها من مضامينها الصحيحة وتحاول إعادة صياغتها وفق أهدافها -كما وصف إدوارد سعيد مكانة الاستشراق في الثقافة الغربية، وأنها استطاعت (عن طريقه أن تتدبر الشرق- بل حتى أن تنتجه سياسيًّا، واجتماعيًّا، وعسكريًّا، وعقائديًّا، وعلميًّا، وتخيليًّا في مرحلة ما بعد عصر التنوير) ، وسواء بلغ الاستشراق هذا الهدف أو لم يبلغه فلا أقل من كونه أصبح يشكل ما يشبه الوصاية الفكرية على الأُمَّة الإسلاميَّة وأوضاعها العامة والخاصة.

إنَّ التصدي لهذا الواقع يستوجب إعداد الوسائل والأساليب المناسبة لمواجهة هذا التحدي، والتصدي لخطره، وقد اجتهد كثير من الباحثين في طرح ما يقابل التحدي الاستشراقي بمثله، بل ويتغلب عليه. . ومن أبرز الوسائل والأساليب ما يأتي:

1 – إعداد موسوعة للرد على المستشرقين.

2 – إعداد دائرة معارف إسلامية جديدة.

3 – إنجاز ترجمة إسلامية لمعاني القرآن الكريم.

4 – تأسيس مؤسسة إسلامية علمية عالمية.

5 – تكوين جهاز عالمي للدعوة الإسلاميَّة.

6 – إنشاء دار نشر إسلامية عالمية.

7 – العمل على تنقية التراث الإسلامي.

8 – الحضور الإسلامي في الغرب.

9 – الحوار مع المستشرقين المعتدلين) .

وهناك أطروحات كثيرة أخرى من أبرزها:

1 – فتح معاهد للدراسات الاستشراقية في الجامعات الإسلاميَّة تعني بما صدر عن المستشرقين تصنيفًا ودراسة ونقدًا.

2 – عقد مؤتمرات لمناقشة الأعمال المنجزة في هذا الصدد ورصد النتائج وتبادل التجارب والخبرات. . ثم الاتفاق على جمع النتائج ونشرها من لدن لجان متخصصة في سلسلة علمية مفصلة تتحول عبر السنين إلى موسوعة كاملة في الرد على المستشرقين.

3 – توجيه بعض الرسائل الجامعية في الأقسام الدراسات العليا في الأقسام الإسلاميَّة والإنسانية نحو دراسة آثار المستشرقين.

4 – تدريس الاستشراق ومناهجه وتراثه وآثاره في الأقسام العلمية في الجامعات) .

ويأتي بعد ذلك تساؤل عما إذا كان ذلك في الإطار النظري فحسب، أو تجاوز هذا الإطار إلى التطبيق العملي؟

والجواب على هذا بأن هناك أعمالًا جماعية وأخرى فردية بذلت في مواجهة الاستشراق وأعمال المستشرقين يُمكن الإلماح إلى بعضها على سبيل الإجمال والإيجاز سواء ما كان منها على المستوى الفردي أو المستوى الجماعي من خلال المؤسسات العلمية والمراكز والهيئات المتخصصة في العالم الإسلامي.

أولًا: قام على المستوى الفردي (كثيرٌ من علماء الأُمَّة ومفكريها وبعض الباحثين والدّارسين بالتصدي للاستشراق، ومناقشة منهجه في دراسة الإسلام وبيان مخاطره وخياناته العلمية. . والكشف عن مقدماته ونتائجه الفاسدة) .

ومن أبرز هؤلاء العلماء والمفكرين والباحثين: (محمد رشيد رضا، والأمير شكيب أرسلان، ومصطفى الرافعي، وعباس محمود العقاد، ومصطفى السباعي، وعائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، ومالك بن نبي، ومحمد البهي، ومحمد الغزالي، ومحمد محمد حسين، وأنور الجندي، ومحمود شاكر وغيرهم) .

كما توجد مخطوطة عن المستشرقين وأعمالهم لمحب الدين الخطيب في حوزة ابنه ذكرها أحمد سمايلوفتش (أستاذ العقيدة والفلسفة الإسلاميَّة بكلية الدراسات الإسلاميَّة بيوغسلافيا) ، ذكر بأنّه اطلع عليها، وقال عن مؤلفها: (. . حاول أن يسجل كل ما يتعلق بالاستشراق، مبتدئًا بمطبوعات شرقية في أوروبا، الجمعيات الاستشراقية المختلفة، مؤتمرات المستشرقين، مشاهير المستشرقين، دائرة المعارف الإسلاميَّة، مجلّات الاستشراق المختلفة، مطابع العربيَّة في أوروبا، المكتبات الأوروبية التي تحتوي على المؤلفات العربيَّة، وما إلى ذلك مما يبدو لنا أنه كان ينوي التأليف في هذا الموضوع، علاوة على ما يؤكد دقة تتبعه لأعمال المستشرقين المختلفة، وما كان يصدره علماؤه الكبار في الشرق والغرب على السواء) .

ثانيًا: وأمَّا على المستوى الجماعي من خلال المؤسسات العلمية والهيئات ومراكز البحث في العالم الإسلامي، فهناك على سبيل المثال لا الحصر الآتي:

1 – ما قامت به الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، بالتنسيق مع الأمانة العامة لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف بالمدينة المنورة، من إعداد تراجم لمعاني القرآن الكريم بأكثر من لغة (الإِنجليزية، الفرنسية، وغيرها) وتَمَّ إنجاز عددٍ من التراجم في مقدمتها الإِنجليزية والفرنسية، ومما يجدر ذكره هنا تلك العناية الفائقة بالترجمة بدءًا بتشكيل لجان متخصصة لتدارس التراجم السابقة واختيار أدق التعابير وأنسبها للتعبير عن معاني القرآن الكريم وألطف الألفاظ في اللغات المترجم إليها، ومما يدل على التأدب مع كتاب اللَّه والدّقة في التعبير، كتابة العنوان على النحو الآتي:

(القرآن الكريم وترجمة معانيه إلى اللغة. .) إلى اللغة التي ترجمت إليها، فنص القرآن مكتوب بتمامه ثمّ تأتي الترجمة لمعانيه على الحواشي. . غير أن إخراج الترجمة الفرنسية فيما يبدو لي أكثر إبداعًا حيث جاء نص القرآن الكريم وفقًا لمصحف المدينة المنورة وجاءت الترجمة في الصفحة المقابلة، وهذا يحفظ لرسم المصحف كمال العناية والرعاية. . وحبذا لو أخضعت الترجمة أيضًا لترتيب صفحات مصحف المدينة فتبقى الصفحة اليمنى في المصحف هي الصفحة اليمنى في الترجمة، والصفحة اليسرى في الترجمة هي الصفحة اليسرى في الترجمة لئلا يختل تصور الصفحات على من يعتمد على التصور في حفظه للقرآن، وحفظ مواقع الآيات من الصفحات.

ومِمَّا لا شك فيه أنَّ إنجاز ترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى اللغات العالمية الحيّة بدءًا بالإِنجليزية والفرنسية. . بأيدٍ أمينة وقلوب مؤمنة محبة للَّه ورسوله ولكتابه ولأُمَّة الإسلام، وتعمل بعقول واعية مدركة. . من شأنه أن يكافح سموم الاستشراق، ويصد عاديته على الأُمَّة الإسلاميَّة وعلى دستور حياتها الذي جاء رحمة للعالمين كما يكشف بصورة علمية سوء عمل المستشرقين في ترجماتهم المنتشرة لدى الأوروبيين لما فيها من باطل، وتزوير وافتراء، يرمي إلى صرف غير المسلمين بعامة والأوروبيين بخاصة عن قبول الإسلام، وليبقى هؤلاء على كراهيتهم له وحقدهم عليه، فقد أسهمت (هذه الترجمات في صنع سد منيع لمنع عبور الإسلام إلى غير المسلمين بعامة والأوروبيين بخاصة، وعن طريقها دبت كراهية الإسلام والمسلمين في دماء الشعوب الأوروبية) .

2 – تعنى كثير من الجامعات في العالم الإسلامي بدراسات المستشرقين ومناهجهم، ولعل جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلاميَّة من أبرز المهتمين بما صدر عن المستشرقين بروح متميزة، ومن أبرز ما عملت الآتي:

أ- أنشات وحدة خاصة لدراسات المستشرقين في مركز البحوث بالرياض.

ب- أنشأت قسمًا دراسيًّا خاصًّا بالاستشراق في كلية الدعوة والإعلام بالمدينة المنورة .

ج- قررت تدريس الاستشراق في بعض مستويات الدراسة الجامعية في بعض الكليات.

د- تسجيل بعض الرسائل العلمية في مرحلتي (الماجستير والدكتوراه) في أقسام عديدة من كليات الجامعة .

3 – نظمت أكاديمية (دار المنصفين) بالتعاون مع (ندوة العلماء لكهنؤ) في الهند ندوةً علمية بعنوان (الإسلام والمستشرقون) وقد عقدت الندوة ما بين (26

– 28 ربيع الآخر من عام 1402 هـ الموافق 21 – 23 فبراير 1982 م) شارك فيها عدد من العلماء والباحثين المسلمين ووفد إليها مندوبون عن بعض الجامعات الإسلاميَّة ومراكز البحث والهيئات العلمية في أرجاء العالم الإسلامي. . وقد صدرت أعمال هذه الندوة في كتاب بعنوان: (الإسلام والمستشرقون) تأليف: نخبة من العلماء، وصدرت طبعته الأولى عام 1405 هـ – 1985 م.

4 – في إطار التعاون المشترك بين المنظمة العربيَّة للتربية والثقافة والعلوم ومكتب التربية العربي لدول الخليج، وبمناسبة احتفائهما بحلول القرن الخامس عشر الهجري وقع اختيارهما على معالجة موضوع الاستشراق. . وشكلت لهذا الغرض لجنة استكتبت عددًا من العلماء المسلمين للكتابة عن مناهج المستشرقين ونقدها.

وقد صدر هذا العمل في كتاب يقع في جزأين بعنوان: (مناهج المستشرقين في الدراسات العربيَّة الإسلاميَّة) وصدرت طبعته الأولى عام 1405 هـ – 1985 م.

5 – أصدرت بعض المجلات أعدادًا متخصصة عن الاستشراق والمستشرقين، منها على سبيل المثال:

أ- عدد خاص عن الاستشراق أصدرته مجلة عالم الكتب وأسهمت في نشره جامعة الإِمام. . وهو العدد الأول من المجلد الخامس المصادر في رجب 1404 هـ إبريل 1984 م.

ب- وصدر عدد خاص عن الاستشراق وهو العدد السادس من المجلد الخامس عشر من مجلة عالم الكتب -أيضًا- في جمادى الأولى والآخرة 1415 هـ/ نوفمبر – ديسمبر 1994 م.

ج- حمل العدد السنوي المتخصص من مجلة المنهل لعام 1409 هـ عنوان: (الاستشراق والمستشرقون) وهو العدد 4711، السنة [55] المجلد [50] عن رمضان وشوال عام 1409 هـ – إبريل مايو 1989 م.

 

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*