أنواع العبادة وصورها

أنواع العبادة وصورها ، للعبادة أنواعًا كثيرة يُمكن تقسيمها .. عبادات اعتقادية ، عبادات قلبيَّة ، عبادات لفظية ، عبادات بدنيَّة ، عبادات ماليَّة 

أنواع العبادة وصورها

يتضح من خلال التعريف العام للعبادة، وأنَّها (اسم جامع لكل ما يحبه اللَّه ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنية) ، ومن خلال ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من علماء الأُمَّة الإسلاميَّة، من أنواع العبادة وصورها في الإسلام، أنَّ للعبادة أنواعًا كثيرة يُمكن تقسيمها وفقًا للآتي:

أولًا: عبادات اعتقادية.

ثانيًا: عبادات قلبيَّة.

ثالثًا: عبادات لفظية.

رابعًا: عبادات بدنيَّة.

خامسًا: عبادات ماليَّة .

وقد تجمع العبادة الواحدة أكثر من نوع كما هو الحال في الصلاة، فهي تجمع بين العبادة الاعتقادية ممثلة في الإقرار للَّه بالربوبيَّة والألوهية، والأسماء والصفات، وتجتمع هذه العبادات في قراءة سورة الفاتحة، ففيها الإقرار بالربوبيَّة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] والألوهية في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، وكذلك الأسماء والصفات، في قوله تعالى: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 3 – 4].

وتشتمل أيضًا على العبادة القلبيَّة، ممثلة في القصد والنيَّة عندما يقف العبد بين يدي اللَّه ليؤدي الصلاة بما فيها من خضوع وذل وخوف ورجاء، ودعاء وإنابة، واستغفار، وذكر، ونحو ذلك من العبادات القلبيَّة.

وتشتمل -أيضًا- على العبادات اللفظية، وهي القراءة والذكر والدعاء وقراءة القرآن، وأمَّا البدنيَّة فتتمثل في أعمال التكبير والركوع والقيام والسجود، وغير ذلك من أركان الصلاة وواجباتها وشروطها .

ومن العبادات الاعتقاديَّة:

الإيمان باللَّه وأنَّه المتفرد بالخلق والأمر، وأنَّه الذي يملك الضرر والنفع والموت والحياة والنشور وأنَّه المستحق للعبادة دون سواه، ويدخل فيها أنواع التوحيد الأخرى وأركان الإيمان الستة وهي الإيمان باللَّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقضاء والقدر، وقد جاءت الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة مبينة لهذه العبادات، وجعلتها أساسًا لشعائر الدين الأخرى، كقوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177]، وقال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحديد: 22].

ومن العبادات القلبيَّة:

المحبَّة، والرجاء، والإنابة، والتوكل، والخوف، والنيَّة، والتوبة، ونحو ذلك من المشاعر المرتبطة باللَّه كحب ما يحب وبغض ما يبغض، وما يتصل بهذه المشاعر من الولاء والبراء في طيات النفس وأعماق الشعور، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165]، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218]، وقال تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} [الزمر: 54]، قال بعض المفسرين في تفسيرها: ({وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} بقلوبكم {وَأَسْلِمُوا لَهُ} بجوارحكم) ، ثُمَّ قال: (إذا أفردت الإنابة، دخلت فيها أعمال الجوارح، وإذا جمع بينهما كما في هذا الموضع، كان المعنى ما ذكرنا) .

وقال في معنى الآية: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ}: (دليل على الإخلاص، وأنَّه من دون إخلاص، لا تفيد الأعمال الظاهرة والباطنة شيئًا) .

وأمَّا التوكل فدليله: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]، كذلك الخوف عبادة قلبيَّة لا تصرف إلَّا للَّه تعالى؛ لأنَّه المستحق أن يخاف منه العبد؛ قال تعالى: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} [المائدة: 44] ولأنَّه تعالى هو كاشف الضر، وهو صاحب الفضل ومالك الخير ومسديه إلى عباده، قال تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس: 107].

وفي الحديث الشريف قال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، فيما رواه عبد اللَّه بن عباس -رضي اللَّه عنهما-: “أنَّه ركب خلف الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- يومًا، فقال له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: يا غلام، إني معلمك كلمات: احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعن باللَّه، واعلم أنَّ الأُمَّة لو اجتمعوا

على أن ينفعوك لم ينفعوك إلَّا بشيء قد كتبه اللَّه لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلَّا بشيء قد كتبه اللَّه عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف” .

ومن العبادات اللفظيَّة:

التلفظ بالشهادتين، والذكر، والدعاء، وقراءة القرآن، والكلمة الطيِّبَة ونحو ذلك من الألفاظ التي يقصدُ بها وجه اللَّه، فتكون عبادة وفقًا لما سبق شرحه وبيانه من أنَّ كل قول يحبه اللَّه فهو عبادة، مثل إفشاء السلام ورد التحيَّة بأحسن منها أو بمثلها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إطاره الشرعي وبضوابطه المعيَّنة.

أمَّا التلفظ بالشهادتين فدليله قول الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلَّا اللَّه، فإذا قالوها، وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وذبحوا ذبيحتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلَّا بحقها وحسابهم على اللَّه” ، ومن هنا قال العلماء بأنَّ من نطق بكلمة التوحيد ولم يعتقدها بقلبه، وقام بأعمال الإسلام الظاهرة من صلاة ونحوها؛ عصم ماله ودمه وحسابه على اللَّه .

ومن العبادات البدنيَّة:

الصلاة والصيام والحج ومناسكه، وكذلك الجهاد في سبيل اللَّه، وقد سبق أن الصلاة تشتمل على أنواعٍ عدَّة من العبادات الاعتقادية والقلبيَّة واللفظيَّة، وكذلك البدنية، لما فيها من القيام والركوع والسجود، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)} [الحج: 77 – 78].

قال ابن قيم الجوزيَّة: (أخبر تعالى أنَّه اجتباهم، والاجتباء كالاصطفاء، وهو افتعال من اجتبى الشيء يجتبيه إذا ضمه إليه وحازه إلى نفسه، فهم المجتبون الذين اجتباهم اللَّه إليه، وجعلهم أهله وخاصته وصفوته من خلقه بعد النبيين والمرسلين، ولهذا أمرهم تعالى أن يجاهدوا فيه حقَّ جهاده فيبذلوا له أنفسهم، ويفردوه بالمحبَّة والعبوديَّة، ويختاروه وحده إلهًا معبودًا محبوبًا على كل ما سواه، كما اختارهم على من سواهم، فيتخذونه وحده إلههم ومعبودهم الذي يتقربون إليه بألسنتهنم، وجوارحهم، وقلوبهم، ومحبتهم، وإرادتهم، فيؤثرونه في كل حال على من سواه، كما اتخذهم عبيده وأولياءه وأحباءَه، وآثرهم بذلك على من سواهم) .

وقد أظهر ابن قيم الجوزية -رحمه اللَّه- في تفسيره لهذه الآية تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وربط هذا التميُّز بهدف من أهدافه وهو تحقيق العبوديَّة للَّه، وأظهر -أيضًا- مدلول العبوديَّة في الإسلام، وأنَّه يشتمل على عمل القلب واللسان والجوارح .

أمَّا العبادات الماليَّة:

فتتمثل في فريضة الزكاة، وهي قرينة الصلاة، ويأتي بعدها الوفاء بالنذر إذا كان المنذور به مالًا، لقوله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا} [الإنسان: 7]، ومنها النفقة في سبيل اللَّه ونحوها .

وقد قام ابن قيم الجوزيَّة بدراسة مستفيضة حصر من خلالها أنواع العبادات وصورها، وقسَّمَها على القلب واللسان والجوارح من المكلَّف، وأجرى عليها الأحكام الفقهيَّة الخمسة ما بين واجب ومستحب ومباح، ومحرم ومكروه؛ وبدأ هذه الدراسة بقوله: (ورحى العبوديَّة، وبيانها: أن العبودية منقسمة على القلب واللسان، وعلى كل منها عبوديَّة تخصه، والأحكام التي للعبوديَّة خمسة: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، ومباح، وهي لكل واحد من القلب واللسان والجوارح) .

ثُمَّ شرع في بيان الأعمال القلبيَّة الواجبة والمستحبَّة مع ذكر أنواعها وصورها من إخلاص ونية وصدق وتوكل ومحبَّة وإنابة وصبر ورجاء وخوف وتحدث عن تفصيلاتها واختلاف العلماء فيما هو واجب منها ومستحب، وما اتفقوا عليه من ذلك .

ثُمَّ قال: (والقصد أن هذه الأعمال -واجبها ومستحبها- هي عبوديَّة القلب، فمن عطلها فقد عطل عبوديَّة الملك، وإن قام بعبوديَّة رعيته من الجوارح، والمقصود أن يكون ملك الأعضاء -وهو القلب- قائمًا بعبوديَّته للَّه سبحانه هو ورعيته) .

المحرمات

ثُم تطرَّق لما هو محرم على القلب لكي تتحقق عبوديته للَّه، فقال:

(أمَّا المحرمات التي عليه: فالكبر، والرياء، والعجب، والحسد، والغفلة، والنفاق، وهي نوعان: كفر، ومعصية، فالكفر: كالشك، والنفاق، والشرك وتوابعها، والمعصية نوعان: كبائر، وصغائر، فالكبائر: كالرياء، والعجب، والكبر، والفخر، والخيلاء، والقنوط من رحمة اللَّه، واليأس من روح اللَّه، والأمن من مكر اللَّه، والفرح والسرور بأذى المسلمين، والشماتة بمصيبتهم، ومحبة أن تشيع الفاحشة فيهم، وحسدهم على ما آتاهم اللَّه من فضله، وتمني زوال ذلك عنهم، وتوابع هذه الأمور التي هي أشد تحريمًا من الزنى، وشرب الخمر، وغيرهما من الكبائر الظاهرة، ولا صلاح للقلب ولا للجسد إلَّا باجتنابها، والتوبة منها وإلَّا فهو قلب فاسد، وإذا فسد القلب فسد البدن) .

وتناول أمورًا أخرى تعرض للقلب بعضها يصل إلى درجة الكفر كشهوة الكفر والشرك، وبعضها يكون فسقًا كشهوة البدعة، وبعضها الآخر يكون معصية .
ثُمَّ تحدث عن أنواع العبادات اللفظية التي يقوم بها اللسان فذكر ما هو واجب وهو النطق بالشهادتين، وتلاوة ما يلزم المكلف من القرآن، والتلفظ بالأذكار الواجبة في الصلاة ونحو ذلك من رد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، على نحو ما سبق ذكره، وأضاف إلى ذلك إرشاد الضال، وأداء الشهادة المتعينة، وصدق الحديث، وتعليم الجاهل، وذكر من الأقوال المستحبة: تلاوة القرآن الكريم ودوام ذكر اللَّه ومذاكرة العلم النافع .

ثُمَّ ذكر ما يحرم على اللسان النطق به بتعبير جامع، إذ قال: (وأمَّا المحرمة: فهو النطق بكل ما يبغضه اللَّه ورسوله، كالنطق بالبدع المخالفة لما بعث اللَّه به رسوله، والدعاء إليها، وتحسينها، وتقويتها، وكالقذف، وسب المسلم، وأذاه بكل قول، وشهادة الزور، والقول على اللَّه بلا علم، وهو أشدها تحريمًا) .

ويدخل في ذلك التلفظ بألفاظ الشرك، والاستهزاء باللَّه ورسوله وآياته لقوله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ} [يونس: 106]، وفي الحديث الشريف: قال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- لرجل قال له: (ما شاء اللَّه وشئت) فقال له الرسول: “أجعلتني واللَّه عدلًا؟! بل ما شاء اللَّه وحده” .

وأمَّا الاستهزاء باللَّه وآياته ورسوله فقد نزل قول اللَّه تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65 – 66].

قال ابن العربي في تفسيرها: (لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدًّا أو هزلًا، وهو كيفما كان كفر؛ فإنَّ الهزل بالكفر كفر، لا خلاف فيه بين الأُمَّة، فإنَّ التحقيق أخو الحق والعلم، والهزل أخو الباطل والجهل) .

وتناول ما يكره من الأقوال وما يباح منها واختلاف العلماء في ذلك، وأنَّ كل ما يلفظ به الإنسان مكتوب إمَّا له وإمَّا عليه لقوله -صلى اللَّه عليه وسلم- “كل كلام ابن آدم عليه، لا له، إلَّا ما كان من ذكر اللَّه وما والاه” .

ويصل إلى عبادات الجوارح فيرتبها على هذا النحو: (وأمَّا العبوديات الخمس على الجوارح: فعلى خمس وعشرين مرتبة -أيضًا- إذ الحواس خمسة، وعلى كل حاسة خمس عبوديات، فعلى السمع وجوب الإنصات،

والاستماع لما أوجبه اللَّه ورسوله عليه من استماع الإسلام والإيمان وفروضهما، وكذلك استماع القراءة في الصلاة إذا جهر بها الإمام، واستماع الخطبة في الجمعة في أصح قولي العلماء، ويحرم عليه استماع الكفر والبدع، إلَّا حيث يكون في استماعه مصلحة راجحة: من رده، أو الشهادة على قائله، أو زيادة قوة الإيمان والسنّة بمعرفة ضدهما من الكفر والبدعة ونحو ذلك) .

ويستمر في شرح هذه المراتب الخمس والعشرين في مختلف صورها وأحكامها ما بين واجب ومستحب ومكروه ومحرم وواجب إلى أن يقول : (وهذه المراتب -أيضًا- مرتَّبَة على البطش باليد والمشي بالرجل، وأمثلتها لا تخفى؛ فالتكسب المقدور للنفقة على نفسه وأهله وعياله: واجب، وفي وجوبه لقضاء دينه خلاف، والصحيح وجوبه ليمكنه من أداء دينه، ولا يجب لإخراج الزكاة، وفي وجوبه لأداء فريضة الحج نظر، والأقوى في الدليل: وجوبه لدخوله في الاستطاعة، وتمكنه بذلك من أداء المناسك، والمشهور عدم وجوبه، ومن البطش الواجب: إعانة المضطر، ورمي الجمار، ومباشرة الوضوء والتيمم. والحرام: كقتل النفس التي حرم اللَّه قتلها، ونهب المال المعصوم، وضرب من لا يحل ضربه ونحو ذلك) .

وقد تناول تفصيلات كثيرة، ألَمَّت بصور عدَّة ، وقال في نهايتها: (فهذه خمسون مرتبة على عشرة أشياء: القلب، واللسان، والسمع، والبصر، والأنف، والفم، واليد، والرجل، والفرج، والاستواء على ظهر الدَّابَّة) .

والحقيقة أنَّ ما قام به ابن قيم الجوزية من تصنيف للعبادة، وحصر لمراتبها، وما ألحق بذلك من منازل لـ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} [الفاتحة: 5] ،

وبالنظر للعبادة نفسها ووقتها وما يتعلق بها، كلُّ ذلك يعطي الدلالة الواضحة على شمول العبوديَّة في الإسلام، لكل ما يأتي المكلف ويذر من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة، وأنَّه مسؤول عن جميع تصرفاته: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36]،

{مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18].

وبهذا المفهوم الشامل للعبادة (عَرَفَ المسلمون الأولون معنى العبادة فكانوا عبادًا للَّه حقًّا، وكان وصف العبوديَّة جليًّا في حياتهم وجميع أعمالهم، بل كانت عاداتهم عبادات. . . إذ كانوا لا يتحركون تحركًا ولا يسكنون سكونًا إلَّا ويستشعرون رضاء اللَّه عن ذلك التحرك والسكون، حتى أصبح هذا الشعور محور تركهم، ومبعث سلوكهم، لا تشوبه شائبة، ولا يغفلون عنه لحظة، ولمَّا ضعف هذا المفهوم في نفوس من بعدهم، وخفت ذلك الشعور في تصرفاتهم، بعدوا عن حقيقة العبادة تدريجيًّا حسب بعدهم عن ذلك المحور، وانقلبت كثير من عباداتهم إلى عادات، وكان هذا التحول والبعد متنوعًا فيهم، ومتفاوتًا بينهم، فهناك من المسلمين من انحصر مفهوم العبادة عندهم في جانب من جوانب الحياة، ففصلوا بين علاقة الإنسان بربه وبين علاقته مع نفسه وغيره. . . وحصروا معنى العبادة في علاقتهم مع اللَّه، فخرجوا بذلك عن الجادة) .

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*