أنواع المال المأخوذ على الحجِّ والعمرة

أنواع المال المأخوذ على الحجِّ والعمرة

أنواع المال المأخوذ على الحجِّ والعمرة هو المبحث الثالث من الفصل الثالث الذي بعنوان أخذ المال على الحج والعمرة من بحث أخذ المال على أعمال القرب

أنواع المال المأخوذ على الحجِّ والعمرة

المبحث الثّالث أنواع المال المأخوذ على الحجِّ والعمرة

المطلب الأوّل النفقة وما في معناها

المال المأخوذ على الحجِّ في مجمله ثلاثة أنواع، هي: نفقة، أو جعالة، أو إجارة ، ولكل واحد من هذه الأنواع حكمه من حيث الجواز، وعدمه، على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.

أوَّلًا: المراد بالنفقة في الحجِّ:

النفقة في الحجِّ: هي أن يُعطى النائب في الحجِّ نفقة حجه مدة ذهابه وإيابه، من موضعه الّذي حج منه، إلى أن يعود إليه؛ وذلك قدر كفايته بالمعروف، من غير تبذير، ولا تقتير، في طعامه، وشرابه، وثيابه، وركوبه، وما لابد منه . وعليه، فإن فضل معه شيء من النفقة ردّه، وان نقص عليه شيء من النفقة أخذه .

ثانيًا: حكم النفقة في الحجِّ:

اتفق العلماء على جواز النفقة في الحجِّ ؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ” … الحجِّ عن الميِّت، أو المعضوب، بمال يأخذه، إمّا بنفقة، فإنّه جائز بالاتفاق، أو بالإجارة، أو بالجعالة، على نزاع بين الفقهاء” .

والحاج في هذه الحالة لا يكون إِلَّا نائبًا محضًا، وما يأخذه من مال إنّما هو نفقة طريقه، وما لابد له منه، وهذه النفقة لا يملكها الحاج، إنّما هو ينفق منها على حكم ملك الميِّت، أو المعضوب .

ويترتب على ذلك ما يأتي:

أ – أن النائب لو مات، أو أحصر، أو ضل الطريق لم يلزمه الضمان لما أنفق؛ وذلك لأنّه أنفاق للمال بإذن صاحبه، فأشبه ما لو أذن له في سدّ بثق، فانبثق ولم يسدّ.

ب – أنّه إذا ناب عنه آخر، فإنّه يحج، من حيث بلغ النائب الأوّل من الطريق؛ لأنّه حصل قطع هذه المسافة بمال المنوب عنه، فلم يكن عليه الإنفاق دفعة أخرى، كما لو خرج بنفسه، فمات في بعض الطريق، فإنّه يُحج عنه من حيث انتهى.

ج – أنّه يردّ ما فضل معه من المال، إِلَّا أن يؤذن له في أخذه.

د – أنّه ينفق على نفسه بقدر الحاجة من غير إسراف، ولا تقتير.

هـ – أنّه ليس له التبرع بشيء من هذا المال، إِلَّا أن يؤذن له في ذلك .

وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الحاج يستحب له أخذ النفقة في حالتين:

الحالة الأولى: إذا كان مقصوده من الحجِّ هو الإحسان إلى المحجوج عنه؛ بإبراء ذمته، بما وجب عليه من حج، سواء أكان حج فرض، أم نذر، أم قضاء، فالحج عنه إحسان إليه بإبراء ذمته، فهو بمنزلة قضاء دينه.

وكذلك لو أوصى الميِّت بحجة مستحبة، وأراد الحاج إيصال ثوابها إليه؛ فيكون في هذه الحالة محسنًا إليه، والله يحب المحسنين.

الحالة الأخرى: إذا كان مقصوده أن يحج محبة للحج، وشوقًا إلى المشاعر، هو عاجز، فيستعين بالمال المحجوج به على الحجِّ، سواء أُعطي المال ليحج به عن نفسه، كما يعطى المجاهد المال ليغزو به، فهذا لاشبهة فيه، ويكون للحاج أجر الحجِّ ببدنه، وللمعطي أجر الحجِّ بماله، أو أعطى المال ليحج به عن غيره، فيكون مقصود المعطي الحجِّ عن المعطى عنه، ومقصود الحاج ما يحصل له من الأجر بنفس الحجِّ لا بنفس الإحسان إلى الغير وفي كلتا الحالتين لا يطلب الحاج إِلَّا مقدار كفاية حجه فقط، كما لا يأخذ الغازي إِلَّا مقدار ما ينفقه في الغزو .

ثالثًا: الأرزاق على الحجِّ:

اتفق العلماء على جواز أخذ الرزق على الحجِّ ، ونقل بعضهم الإجماع على ذلك .

والمعنى: أن يأخذ الحاج من بيت المال قدر كفايته لحجه، وعياله مدة الحجِّ.

وعمدة هذا الإتفاق: أن الأرزاق ليست أعواضًا، بل القصد منها الإعانة على الطّاعة، وتأدية العبادة ، ولأن الرزق هو نفقة في المعنى ، والنفقة لا خلاف في جوازها كما تقدّم.

رابعًا: الأخذ بلا شرط:

إذا عزم الحاج على تأدية الحجِّ، سواء أكان ذلك عن غيره، أم عن نفسه دون غيره، ثمّ جاءه مال ليستعين به على حجه وحاجته، ولم يكن مشرفًا، ولا سائلًا، فإنّه يأخذه، ويتموله؛ لأنّ المال في هذه الحالة يكون رزقًا ساقه الله إليه .

والدّليل على ذلك:

1 – عن سالم عن عبد الله بن عمر، عن أبيه – رضي الله عنهم – قال: سمعت عمر بن الخطّاب – رضي الله عنه – يقول: قد كان رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتّى أعطاني مرّة مالًا، فقلت: أعطه أفقر إليه مني؛ فقال رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -: (خذه، وما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرفٍ، ولا سائلٍ فخذه، وما لا، فلا تتبعه نفسك) .

وجه الاستدلال:

حيث أمر النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – عمر بن الخطّاب – رضي الله عنه – بأخذ المال؛ لأنّه جاءه من غير إشراف نفس، ولا سؤال، فكذلك المال إذا جاء على الحجِّ من غير تطلع إليه، ولا سؤال، فإن الحاج يأخذه؛ لأنّه رزق طيب حلال.

2 – أن المال إذا كان بغير شرط كان هبة مجردة؛ فجاز أخذه .

المطلب الثّاني الجعالة

تقدّم في مباحث التمهيد معنى الجعالة، ومفهومها عند الفقهاء ، وصورة ذلك هنا في باب الحجِّ أن يقول: من حج عني فله كذا وكذا. ويحدد الجعل، أو يقول لمعين: حج عني، أو اعتمر عني، ولك ألف ريال مثلًا؛ فإن حج عنه استحق الجعل، وإلا فلا، أو نحوها من العبارات الدالة على المراد .

وقد اختلف العلماء في حكم أخذ الجعالة على الحجِّ عن الغير على قولين:

القول الأوّل: تجوز الجعالة على الحجِّ.

وإلى هذا ذهب المالكية ، والشّافعيّة ، والحنابلة على الصحيح من المذهب .

القول الآخر: لا تجوز الجعالة على الحجِّ.

وإلى هذا القول ذهب الحنفية ، وبه قال بعض الحنابلة .

سبب الخلاف:

يرجع سبب الخلاف بين الفقهاء في هذه المسألة إلى ما يأتي:

أوَّلًا: أن الحنفية لا يرون صحة الجعالة أصلًا؛ ولهذا فلا وجود لها – كباب مستقل – في كتبهم، فهم يعدونها من الإجارة الباطلة، أو الفاسدة، على خلاف بينهم في ذلك، وقد تقدّم تفصيل ذلك . بينما يرى الجمهور مشروعية الجعالة في الأصل.

ثانيًا: أن الحنفية يمنعون مطلقًا أخذ المال على شيء من الطاعات، سواء أكانت حجًا، أم غيره، إِلَّا ما استثنوه للضرورة، بينما الجمهور لا يحكمون هذا الحكم العام، بل يفصلون في ذلك، ويرون صحة الإجارة، والجعالة على كثير من الطاعات الّتي تقبل النيابة وغيرها .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

استدل أصحاب القول الثّاني القائلون بعدم صحة الجعالة على الحجِّ بما يأتي: –

الدّليل الأوّل: ما ذكروه من عدم مشروعية الجعالة في الأصل، سواء أكانت من الإجارة الفاسدة، أم الباطلة، وقد تقدّم ذلك .

الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ القربة متى حصلت، وقعت عن الفاعل، لا لغيره، ولهذا تعتبر أهليته، ونيته، لا نيّة الآمر، ولو انتقل فعله إلى الآمر لشرط فيه نيّة الآمر وأهليته، كما في الزَّكاة .

مناقشة الاستدلال:

نوقش ما استدل به الحنفية بما يأتي:

أوَّلًا: ما ذكروه من كون الجعالة من الإجارة الباطلة، أو الفاسدة، فإنّه يردّ عليه بأن مشروعية الجعالة ثابتة بالكتاب، والسُّنَّة، والمعقول . والأحناف يقولون بالجعالة في بعض المسائل – كما مرّ -، فهم يقرون بمشروعيتها في الجملة.

ثانيًا: ما ذكروه في الدّليل الثّاني سوف يأتي الجواب عليه عند ذكر أدلة من منع الإجارة في الحجِّ.

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

أصحاب القول الأوّل يرون صحة الإجارة في الحجِّ، وستأتي أدلتهم مفصلة في مبحث الإجارة على الحجِّ، فإذا صحت الإجارة على الحجِّ صحت الجعالة عليه من باب أولى؛ وذلك لأنّ الجعالة أوسع حكمًا من الإجارة لجوازها من غير تعيين العامل فيها، ومع الجهل بالعمل المقصود بها، والمدة .

الترجيح:

يظهر لي ممّا سبق أن الراجح في هذه السألة هو ما ذهب إليه أصحاب القول الأوّل، وهم الجمهور؛ وذلك لما يأتي:

أوَّلًا: قوة ما عللوا به، وضعف ما علل به أصحاب القول الثّاني؛ وذلك لأنّ الجعالة ثابتة بالنص، والعقل، فلا عبرة لما علل به الحنفية.

ثأنيًا: أن الإجارة على الحجِّ جائزة، وهو الراجح، كما سيأتي ، وإذا صحت الإجارة فالجعالة أولى بالصحة؛ لما سبق التعليل به، والله أعلم.

المطلب الثّالث الإجارة

الفرع الأوّل أنواع الإجارة على الحجِّ والعمرة

تقدّم معنا في أول هذا المبحث أن المال المأخوذ على الحجِّ والعمرة ثلاثة أنواع هي: النفقة، والجعالة، والإجارة.

وقد تقدّم الكلام عن النفقة، والجعالة، باعتبارهما نوعين مستقلين غير الإجارة، ولكن، بالنظر في تقسيمات العلماء الإجارة على الحجِّ نجد أن بعضهم –

وهم المالكية -، قد جعلوا كلّ هذه الأنواع من أقسام الإجارة، فيقولون: أجرة معلومة، وأجرة على وجه البلاغ (النفقة)، وأجرة على وجه الجعالة، ثمّ يقسمون الإجارة إلى قسمين: إجارة ذمة، وإجارة عين.

قال الحطاب مبينًا ذلك: “فالذي. يتحصل من كلام الشيوخ في تقسيم المعاملة على الحجِّ، أن المعاملة على الحجِّ على أربعة أوجه:

الأوّل: استئجار باجرة معلومة، تدفع للأجير، ويكون ضمأنّها منه، وعليه جميع ما يحتاج إليه، والفضل له، والنقصان عليه، ويكون الحجِّ متعلّقًا بعين الأجيرُ .

الثانى: الاستئجار على الحجِّ بأجرة معلومة، كما تقدّم، ويكون الحجِّ في ذمة الأجير .

الثّالث: الاستئجار بالنفقة، وهو المسمى بالبلاغ …

الرّابع: الاستئجار على وجه الجعالة .

والنوعان الأولان يسميان عندهم بإجارة الضمان، وهما نوعا الإجارة عند العلماء، فإنهم يقسمون الإجارة إلى نوعين: إجارة عين، وإجارة ذمة .

ولكن من الملحوظ عند المتقدمين، وهو المنقول عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، أن الإجارة عندهم نوعان: إجارة عين، وإجارة ذمة.

أمّا ما يسمى بإجارة البلاغ، فقد نصّ ابن القاسم في المدوّنة على أنّها ليست إجارة .

فيتحصل لنا ممّا سبق أن الإجارة عند العلماء نوعان هما:

النوع الأوّل: إجارة العين.

النوع الآخر: إجارة الذِّمَّة.

وقد سبق الكلام عنهما، وبيان معناهما في كلام الحطاب

الفرع الثّاني الاستئجار على الحجِّ والعمرة

الإجارة على الحجِّ مبنية على صحة النيابة فيه، وعليه فإن كلّ من لا تجوز النيابة عنهم، لا تجوز الإجارة في حقهم.

ومن ذلك:

الحي القادر المستطيع للحج بنفسه وماله، لا تجوز النيابة في حقه، بل عليه المبادرة بالحج بنفسه، وهذا محل إجماع بين العلماء – كما تقدّم – ، فهذا لا خلاف في عدم جواز الاستئجار على الحجِّ والعمرة في حقه.

وبالجملة، فحيث لا تجوز النيابة – على ما سبق بيانه – فلا تجوز الإجارة. وعلى هذا يصبح المراد بقولنا: الاستئجار على الحجِّ والعمرة هو الاستئجار على الحجِّ والعمرة في الحالات الّتي تقبل النيابة .

وقد اختلف الفقهاء في حكم الاستئجار على الحجِّ والعمرة على ثلاثة أقوال:

القول الأوّل: يجوز مطلقًا الاستئجار على الحجِّ والعمرة.

وإلى هذا ذهب الشّافعيّة ، والحنابلة في رواية ، وهو قول الظاهرية ، وقد نقل هذا القول عن بعض الحنفية، وفيه نظر .

القول الثّاني: يجوز الاستئجار على الحجِّ، لكن مع الكراهة؛ وذلك إذا أوصى الميِّت أن يحج عنه، فتنفذ وصيته.

وهذا هو قول المالكَية ، وهو منصوص الإمام مالك، كما في المدوّنة .

القول الثّالث: لا يجوز مطلقًا الاستئجار على الحجِّ والعمرة.

وإلى هذا ذهب الحنفية ، وهو المذهب عند الحنابلة .

سبب الخلاف:

الحجِّ كغيره من العبادات قربة يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، ونفع هذه القربات راجع إلى العبد حين قيامه بها، فإذا وقعت الإجارة عليها، فهل نفعها يكون للمستأجر، أم يكون للأجير الّذي باشر فعل القربة بنفسه؟

فمن قال إنَّ النفع يحصل للمستأجر، قال بجواز الأجرة، ومن قال إنَّ النفع لايحصل إِلَّا للأجير، قال بعدم جواز الاستئجار على الحجِّ .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّالث:

استدل أصحاب هذا القول، وهم القائلون بعدم جواز الاستئجار على الحجِّ والعمرة بأدلة من القرآن، والسُّنَّة، والمعقول.

أ – أدلتهم من القرآن:

الدّليل الأوّل: قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39].

وقد تقدّم وجه الاستدلال من هذه الآية مرارًا، وما ورد عليها من مناقشات، وقد منعوا بها النيابة، داذا امتنعت النيابة امتنعت الإجارة؛ لأنّ الإجارة لا تكون إِلَّا بنيابة، وقد أمكن مناقشة ذلك بما يغني عن الإعادة .

الدّليل الثّاني: قوله تعالى: {عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97].

وجه الاستدلال:

قالوا في وجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة: إنَّ الله تبارك وتعالى إنّما فرض الحجِّ على المستطيع إجماعًا، والمريض والمعضوب والميِّت لا استطاعة لهم، ولا يتناولهم الخطّاب بالآية الكريمة.

ثمّ إنَّ الاستطاعة المذكورة في الآية الكريمة هي الاستطاعة البدنية؛ إذ لو كانت الاستطاعة مالية لقال: إحجاج البيت؛ فدل ذلك كله على عدم صحة النيابة. وعليه، فلا تصح الإجارة.

مناقشة الاستدلال:

تقدّم مناقشة وجه الاستدلال بهذه الآية الكريمة، وحاصله أن وجه الاستدلال مبني على أن الاستطاعة كلها بدنية، لا مالية، ويناقش ذلك بأن الآية جاءت عامة شاملة لنوعي الاستطاعة البدنية والمالية، فمن كان عاجزًا ببدنه فهو مستطيع بماله، وبغيره، فيدخل تحت عموم الآية، فيستأجر من يؤدِّي عنه هذه العبادة. .

ب- الأدلة من السُّنَّة:

الدّليل الأوّل: عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: مرّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – بمرداس المعلم، فقال: “إياك وحطب الصبيان، وخبز الرقاق، وإياك والشرط على كتاب الله .

وجه الاستدلال:

حيث دل الحديث على تحريم أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم، وهو قربة من القربات؛ فيلحق به سائر القرب، ومنها الحجِّ، فيحرم أخذ الأجرة عليه .

مناقشة الاستدلال:

هذا حديث موضوع – كما تقدّم في تخريجه -؛ فيرد جملة وتفصيلًا، وبناءً على ذلك، فلا عبرة بالاحتجاج به؛ لسقوطه.

الدّليل الثّاني: عن أبي بن كعب – رضي الله عنه – قال: علمت رجلًا القرآن، فأهدى إليّ قوسًا، فذكرت ذلك لرسول الله – صلّى الله عليه وسلم -، فقال: (إنَّ أخذتها، أخذت قوسًا من نار). قال أبي: فرددتها .

وجه الاستدلال:

وجه الاستدلال من هذا الحديث كسابقه؛ حيث دلّ على تحريم الأجرة على القرآن، هو قربة؛ فيلحق به سائر القرب، ومنها الحجِّ.

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: أن هذا الحديث، وما في معناه من الأحاديث الّتي جاءت بالوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القران ليس فيها تصريح بالمنع على الإطلاق، بل هي وقائع أحوال محتملة التّأويل. لتوافق الأحاديث الصحيحة الواردة في جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهي في الصحيح .

ثانيًا: أن هذا الحديث، وما في معناه من الأحاديث، ليس فيها ما تقوم به الحجة؛ فلا تنهض لمعارضة الأحاديث الصحيحة الصريحة الدالة على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهي في الصحيح، وقد تقدّم ذكر ذلك .

الدّليل الثّالث: حديث عثمان بن أبي العاص، قال: قلت: يا رسول الله، اجعلني إمام قومي؛ قال – صلّى الله عليه وسلم -: (أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم، واتخذ موذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) .

وفي رواية أخرى: قال عثمان – رضي الله عنه -: (إنَّ من آخر ما عهد إليّ رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – أن أتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا) .

وجه الاستدلال:

وجه الاستدلال من هذه الروايات كسابقتها، حيث نهى رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – عن أخذ الأجرة على الأذان، فدل على التّحريم، والأذان قربة، فكذلك الحجِّ، بجامع القربة في كلّ. وعليه، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه.

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: يناقش هذا الحديث بما سبق أن نوقش به، وحاصله أنّه لا دلالة فيه على تحريم أخذ الأجرة على الأذان. وعليه فلا حجة فيه؛ لما ذهب إليه الحنفية .
ثانيًا: أنّه ليس نصًا صريحًا فيما نحن بصدده، فضلًا عن أنّه معارض بالأدلة القوية الصريحة على جواز الاستئجار على الحجِّ ، وستأتي إن شاء الله تعالى.

جـ- أدلتهم من المعقول:

الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ المباشر لعمل الطّاعة عمله لله تعالى؛ فلا يصير مسلمًا إلى المستأجر، فلا يجب الأجر عليه، بخلاف بناء الرِّباط، والمسجد، فالعمل هناك ليس بعبادة محضة، بدليل أنّه يصح من الكافر .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الدّليل: باننا قد أثبتنا صحة النيابة في الحجِّ، كما مرّ معنا في مباحث النيابة، وأنتم أيها الحنفية توافقوننا على ذلك، فإذا صحت النيابة، ووقع الحجِّ عن المحجوج عنه، فقد حصل له النفع، فإذا كان الأمر كذلك صحت الإجارة، ويجب الأجر على المستأجر.

الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الحجِّ عبادة، يختص فاعلها أن يكون من أهل القربة، فلم يجز أخذ الأجرة عليها، كالصلاة، والصوم .

مناقشة الأستدلال:

أوَّلًا: إنَّ قياس الحجِّ على الصّلاة، والصوم، قياس مع الفارق، فلا يصح؛

لأنّ الحجِ عبادة يدخلها المال، بخلاف الصوم، والصلاة .

ثانيًا: إنّه قد ثبت أن الحجِّ يقبل النيابة، وإذا صحت النيابة صحت الإجارة.

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

وهؤلاء هم الذين قالوا بالجواز مع الكراهة.

فأمّا دليلهم على الجواز:

فقالوا: إنَّ الحجِّ عمل تدخله النيابة، فجازت الأجرة عليه .

وهناك أدلة أخرى على الجواز، ستأتي عند ذكر أدلة أصحاب القول الأوّل.

أمّا وجه الكراهة عندهم فلما يأتي:

1 – أن أخذ الأجرة على الحجِّ إنّما هو من باب أكل الدنيا بعمل الآخرة .

2 – أن أخذ العوض عن العبادة ليس من شيم أهل الخير .

قلت: وهذا الّذي ذهب إليه المالكية، ليس على إطلاقه، وإنّما يحمل على ما إذا كان قصده من الحجِّ عن الغير إنّما هو الاكتساب بذلك، وهو أن يستفضل مالًا، وليس غرضه الإحسان إلى المحجوج عنه، أو رؤية المشاعر، ومحبته للحج، وسيأتي تفصيل ذلك في الترجيح، إن شاء الله تعالى.

ثالثًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

استدل من قال بالجواز مطلقًا – وهم أصحاب القول الأوّل- بأدلة كثيرة من السُّنَّة، والمعقول، ومعظم أدلتهم من السُّنَّة قد تقدمت في مباحث النيابة في الحجِّ، فكل ما استدلوا به على جواز النيابة قد استدلوا به على جواز الإجارة ؛ وذلك لأن الحجِّ دين لله -عَزَّ وَجَلَّ- في ذمة المحجوج عنه، فإذا لم يوجد متبرع به، تعين الاستئجار حينئذ طريقًا لسداد هذا الدِّين. ولأصحاب هذا القول أدلة أخرى من السُّنَّة، والمعقول، نذكرها:

أ – أدلتهم من السُّنَّة:

الدّليل الأوّل: عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، أن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – قال: (إنَّ أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله”
وجه الاستدلال:

حيث دلّ الحديث على جواز أخذ الأجرة على القرآن الكريم، وهو من القرب، فكذلك الحجِّ؛ لأنّه من القرب، فيجوز أخذ الأجرة عليه.

مناقشة الاستدلال:

نوقش الاستدلال بهذا الحديث بما يأتي:

أوَّلًا: أن المراد بالأجر في الحديث هو الأجر الأخروي، وهو الثّواب .

الجواب عن هذه المناقشة:

أجيب عن هذه المناقشة: بأن هذا تأويل للحديث يأباه سياق القصة، فإن السياق يدلُّ دلالة قاطعة على أن المراد بالأجر في الحديث هو المال، والعوض المأخوذ على كتاب الله .

ثانيًا: قالوا: إنَّ هذا الحديث منسوخ بالأحاديث الواردة في الوعيد على أخذ الأجرة على تعليم القرآن .

الجواب عن هذه المناقشة:

أجيب عن هذه المناقشة بجوابين:

الجواب الأوّل: أن هذا إثبات للنسخ بالاحتمال، وهو مردود؛ لأنّ من شرط الناسخ أن يكون متأخرًا، ولا سبيل إلى هذا هنا .

الجواب الآخر: هو ما سبق أن أجيب به عن النصوص الواردة في الوعيد على أخذ الأجر على القرآن عند ذكر أدلة أصحاب القول الثّالث؛ كما تقدّم.

الدّليل الثّاني: قصة أبي سعيد الخدري وأصحابه في أخذ الجعل على الرقية بكتاب الله. حيث رقى أبو سعيد الخدري – رضي الله عنه – الرَّجل بفاتحة الكتاب على جعل، فلما قدموا على رسول الله ذكروا له ذلك، فقال – صلّى الله عليه وسلم -: (وما يدريك أنّها رقية)؟، ثمّ قال – صلّى الله عليه وسلم -:

(لقد أصبتم، اقسموا، واضربوا في معكم بسهم) .

وجه الاستدلال:

حيث دلّ الحديث على جواز أخذ الأجرة على القرآن الكريم، فكذلك الحجِّ؛ لأنّ كلًا منهما ممّا يتعدى فعه، ويختص فاعله أن يكون من أهل القربة .

مناقشة الاستدلال:

قالوا: إنَّ الصحابي لم يقرأ القرآن هنا بغرض القربة، بل للتداوي؛ فهو كصنعة الطب، وغيرها من الصنائع. وعليه، فلا حجة فيه على جواز الاستئجار على القرآن، وغيره من القرب، ومنها الحجِّ .

ب- أدلتهم من المعقول:

الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ الحجِّ يجوز أخذ النفقة عليه، فجاز الاستئجار عليه؛ كبناء الساجد، والقناطر .

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: لا يلزم من جواز أخذ النفقة جواز أخذ الأجرة، بدليل القضاء، والشهادة، والإمامة، يؤخذ عليها الرزق من بيت المال، وهو نفقة في المعنى، ولا يجوز أخذ الأجرة عليها .

ثانيًا: أن القياس على بناء المساجد والقناطر قياس مع الفارق؛ فإن بناء المساجد والقناطر لا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، ويجوز أن يقع قربة، وغير قربة، بخلاف الحجِّ، فإنّه يختص فاعله أن يكون من أهل القربة، ولايصح هاهنا أن يكون غير عبادة .

الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الحجِّ عبادة لها تعلّق بالمال، فصحت النيابة فيها بالأجرة، كالزكاة .

الدّليل الثّالث: قالوا: إنّه يصح الاستئجار على كتابة المصحف، وبناء المساجد، وحفر القبور، وهي قربات، فكذلك الحجِّ عن الغير يجوز الاستئجار عليه. لأنّه قربة إلى الله تعالى .

الدّليل الرّابع: قالوا: إنَّ الحاجة تدعو إلى الاستئجار على الحجِّ، فإنّه يُحتاج إلى الاستنابة فيه عمن وجب عليه، وعجز عن فعله، ولايكاد يوجد متبرع بذلك؛ فيحتاج إلى بذل الأجر فيه .

الدّليل الخامس: قالوا: إنَّ الحجِّ عبادة تدخلها النيابة، فجاز أخذ العوض عليه؛ كتفرقة الزَّكاة، وغيرها من الأعمال .

مناقشة الاستدلال:

قالوا: إنا لا نسلم أن الحجِّ تدخله النيابة، فإنّه يقع عن الفاعل .

الجواب عن المناقشة:

إنَّ القول بعدم دخول النيابة في الحجِّ، وأنّه يقع عن الفاعل، قولٌ غير صحيح؛ وذلك لمنابذته للأحاديث الصحيحة الكثيرة الدالة على جواز النيابة في الحجِّ، وقد تقدمت في مباحث النيابة بالحج مفصلة .

الدّليل السّادس: قالوا: إنَّ الاستئجار لم يأت عنه نهي؛ فهو داخل في عموم أمر النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – بالمؤاجرة. .

الترجيح:

بعد ذكر أدلة الأقوال، وما ورد عليها من مناقشات، وما أمكن الجواب به عن هذه المناقشات، فإنّه يترجح القول الأوّل القائل يحواز الاستئجار على الحجِّ والعمرة؛ وذلك لما يأتي:

أوَّلًا: قوة ما استدل به أصحاب هذا القول، وبخاصة ما يتعلّق بأدلة جواز النيابة في الحجِّ، فإنها نصوص صحيحة صريحة، وبعضها صريح في وقوع الحجِّ عن المحجوج عنه، فإذا جازت النيابة، وحصل النفع للمستنيب جاز أخذ الأجرة.

ثانيًا: أن ما استدل به المانعون أمكن مناقشته، والجواب عنه ممّا أضعف دلالته على المنع.

ثالثًا: أنّه من المتقرر أن الحجِّ يتكون من المال، والبدن، فإن تعذر البدن لمرض، أو موت، أو زمانه، بقيت الاستطاعة المالية، وقد تقدّم أن الستطيع بماله يدخل تحت عموم قوله تعالى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}، وليس معنى ذلك إِلَّا إعطاء الغير ما يحج به عن المستنيب، ولا يمكن إلزامه أن يحج بالنفقة فقط، أو متبرعًا، فإنّه لا قائل بذلك، فإن تعذر وجود المتبرع، أو من يكتفي بالنفقة، فإنّه يتعين حينئذٍ الاستئجار طريقًا لقضاء ما وجب في ذمة المحجوج عنه من الحجِّ الواجب، وإلا بقيت ذمته مشغولة.

ثمّ إنَّ النائب قد يكون فقيرًا، وهو كاسب أهله، ويحتاج إلى المال؛ لينفق منه على نفسه وأهله، أو يقضي دينه؛ فيكون من العدل حينئذ القول بجواز الاستئجار .

رابعًا: أن القول بجواز الاستئجار قول يتفق مع أصول الشّريعة، ومقاصدها العظيمة، حيث جاءت بالتيسير، ورفع الحرج، والمشقة عن المكلفين، وتيسير سبل

الخير لهم، فإن الأخذ بهذا القول يمكن المكلَّف من إبراء ذمته، وتدارك ما فاته، ممّا أوجبه الله عليه، في الوقت الّذي لا يمكن فيه إلزام الغير بالتطوع عنه بذلك.

ومما يجب التنبيه عليه هنا أن القول بجواز الاستئجار على الحجِّ، لا يعني أن يكون كلّ هم النائب هو جمع المال، أو يكون قصده من الحجِّ هو استفضال المال، والاكتساب بذلك فقط، فإن هذا – وإن قيل بجوازه – لا يستحب، ولا يحسن بالمسلم أن يفعل ذلك؛ لأنّ عمله حينئذ خرج من باب الطاعات، والقربات، إلى باب المباحات، فيحل له المال الّذي ياخذه، لكن لا ثواب له في الآخرة.

ويقرر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية تقريرًا حسنًا بديعًا، فيقول: “وأمّا إذا كان قصده الاكتساب بذلك، وأن يستفضل مالًا، فهذا سورة الإجارة والجعالة، والصواب أنّه لايستحب – وإن قيل بجوازه -؛ لأنّ العمل المعمول للدنيا ليس بعمل صاع في نفسه، إذا لم يقصد به إِلَّا المال، فيكون من نوع المباحات، ومن أراد الدنيا بعمل الآخرة فليس له في الآخرة من خلاق”.

ثمّ يقول رحمه الله تعالى: “ونحن إذا جوزنا الإجارة والجعالة على أعمال البرّ الّتي يختص أن يكون فاعلها من أهل القرب، لم نجعلها في هذه الحالة إِلَّا بمنزلة المباحات، لانجعلها من “باب القرب”، فإن الأقسام ثلاثة: إمّا أن يعاقب على العمل بهذه النية، أو يثاب، أو لايثاب، ولايعاقب، وكذلك المال المأخوذ: إمّا منهي عنه، وإما مستحب، وإما مباح، فهذا هذا، والله أعلم.

ولكن قد رجحت الإجارة على ، … إذا كان محتاجًا إلى ذلك المال للنفقة مدة الحجِّ، وللنفقة بعد رجوعه، أو قضاء دينه، فيقصد إقامة النفقة، وقضاء الدِّين الواجب. وعليه فهنا تفسير الأقسام ثلاثة:

* إمّا أن يقصد الحجِّ،

والإحسان فقط.

* وإما أن يقصد النفقة المشروعة له فقط.

* وإما أن يقصد كلاهما.

فمتى قصد الأوّل فهو حسن، كان قصدهما معًا فهو حسن إن شاء الله؛ لأنّهما مقصودان صالحان، وإما إنَّ لم يقصد إِلَّا الكسب لنفقته، فهذا فيه نظر” .

 

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*