الأوقاف . المصادر غير الرسمية من وسائل معالجة الفقر في العهد النبوي

الأوقاف

الأوقاف

المطلب الثَّاني: الأوقاف

روي ابن شهاب عن عروة بن الزبير-في حديث طويل-

وممَّا جاء فيه مما نحن بصدد الحديث عنه: «فلبث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في بني عمرو بن عوف بضع عشرة ليلة،

وأسَّس المسجد الَّذي أُسس على التَّقوى، وصلَّى فيه رسول الله – صلى الله عليه وسلم –

ثمَّ ركب راحلته، فسار يمشي ومعه النَّاس، حتَّى بركت عند مسجد الرَّسول – صلى الله عليه وسلم – بالمدينة،

وهو يصلِّي فيه يومئذٍ رجال من المسلمين،

وكان مربدًا للتَّمر لسُهيل، وسهل، غلامين في حجر سعد بن زرارة،

فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، حيث بركت راحلته: هذا إن شاء الله المنزل،

ثمَّ دعا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الغُلامين فساومهما بالمربد ليتَّخذه مسجدًا،

فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أن يقبله منهما هبةً، حتَّى ابتاعه منهما،

ثمَّ بناه مسجدًا … الحديث». ([1])

وروى الواقدي أن النَّبي – صلى الله عليه وسلم – اشتراه من ابن عفراء بعشرة دنانير ذهبًا دفعها أبو بكر الصِّدِّيق،

وقد يقال: «إنَّ الشَّراء وقع من النَّبي؛ لأنَّهما كانا وليَّين لليتيمَين،

ورغب أبو بكر في الخير، كما رغب فيه أسعد وأبو أمامة ومعاذ بن عفراء،

فدفع لهم أبو بكر العشرة، ودفع كلُّ واحد من أولئك ما تقدَّم،

ولم يقبله النَّبي – صلى الله عليه وسلم – بلا ثمن أولًا لكونه لليتيمَين» ا. هـ. ([2])

ويتضح أنَّ النَّبي – صلى الله عليه وسلم – اشترى أرضَ المسجد النَّبوي من غُلامين يتيمَين أنصاريَّين،

ولم يقبله دون عوض، هذا ما ورد في الأحاديث الصَّحيحة على أنَّ أرض المسجد النبويِّ قد ابتاعها النَّبي – صلى الله عليه وسلم – من اليتيمَين،

واشترى أرضَه من ماله الخاصِّ، سواء دفع المال بنفسه أو دفعه عنه أبو بكر أو غيره (في بعض الرِّوايات)،

فسيؤدِّي لأبي بكر وغيره ما دفعه عنه في ذلك الحال، وهذا أمر ثابت لا منازعة فيه ألبتة، إنما النِّزاع لمن كان المربد؟

ومن قام بالدَّفع عن النَّبي – صلى الله عليه وسلم – عند تلك الحال؟

وبهذا نجزم أن المسجد النَّبويَّ اشتراه النَّبي – صلى الله عليه وسلم – من ماله الخاصِّ، وجعله وقفًا للمسلمين إلى قيام السَّاعة،

فهو أجلُّ أوقافه – صلى الله عليه وسلم – وأطهرها وأزكاها إلى يوم الدين،

وقد ثبت في أحاديث صحيحة كثيرة قول النَّبي – صلى الله عليه وسلم – في نسبة المسجد إليه – صلى الله عليه وسلم -:

«هو مسجدي هذا» ([3])، وقوله: «مسجد رسول الله»، وقوله: «مسجدي آخر المساجد»، ونحو ذلك ([4]

فهذه الإضافة الواردة في الحديث الشَّريف إضافة ملك، كما هي إضافة تشريف وتعظيم؛

لأنَّ النَّبي – صلى الله عليه وسلم – هو الَّذي اختطه وبناه من ماله، وساعده في ذلك جمهور أصحابه-رضي الله عنهم-

فلا حرج بعد هذا كله أن يكون مسجده الشَّريف هو آخر مساجد الأنبياء،

وهو أجلُّ صدقات النَّبي – صلى الله عليه وسلم – وأعظم أوقافه،

وهو باقٍ إلى أن يرث اللهُ الأرضَ ومَن عليها ([5]

وقد فهم هذا الإمام البخاري وترجم عليه تراجم كثيرة جدًّا، وإن كان يذهب-رحمه الله- إلى أن مسجد النَّبي – صلى الله عليه وسلم – وقف مشاعٌ بينه وبين الأنصار،

ومن تراجمه قوله: «وقف الأرض للمسجد»، وأورد جزءًا من حديث الهجرة الماضي،

فهذه التَّرجمة للحديث دليل على أن مسجد النَّبي – صلى الله عليه وسلم – وقف منه وله إلى يوم القيامة. ([6])

ومعلوم أنَّ سكن أهل الصُّفَّة في المسجد فيكون داخلًا في وقفه – صلى الله عليه وسلم -.

روى الإمام أبو داود بسنده إلى ابن شهاب: «كانت لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثلاث صفايا: بنو النضير، وخيبر، وفدك،

فأما بنو النضير فكانت حبسًا لنوائبه، وأما فدك فكانت حبسًا لأبناء السبَّيل،

وأما خيبر فجزَّأها بين المسلمين ثمَّ قسَّم جزءًا لنفقة أهله، وما فضل منه جعله في فقراء المهاجرين». ([7])

وذكر الخصَّاف بسنده إلى عمر بن الخطَّاب – رضي الله عنه – قال: «كان لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثلاث صفايا،

وكانت بنو النضير حبسًا لنوائبه، وكانت فدك لابن السَّبيل،

وكانت خيبر قد جزَّأها ثلاثة أجزاء، فجزآن للمسلمين، وجزء كان ينفق منه على أهله، فإن فضل فضل ردَّه على فقراء المهاجرين»،

وهذا الأثر ساقه بنصه الإمام ابن شبة في كتابه. ([8])

وقد ورد أن أول أرض أفاءها اللهُ على رسوله، أرضه من أموال بني النضير بالمدينة، أجلاهم عنها،

وكفَّ عن دمائهم، وجعل لهم ما حملته الإبل من أموالهم إلا الحلقه-وهي السلاح- فخرجوا بما استقلَّت إبلهم إلى خيبر والشام،

وخلصت أرضهم كلها لرسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلَّا ما كان ليامين بن عمير وأبي سعد بن وهب- فإنَّهما أسلما قبل الظَّفر، فأحرزا أموالهما،

ثمَّ قسَّم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ما سوى الأرضين من أموالهم على المهاجرين الأوَّلين دون الأنصار

إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة-سماك بن خرشة- فإنَّهما ذكرا فقرًا فأعطاهما، وحبس الأرضين على نفسه،

فكانت من صدقاته يضعها حيث يشاء، وينفق منها على أزواجه،

ثمَّ سلَّمها عمر إلى العبَّاس وعليٍّ، رضوان الله عليهما؛ ليقوما بمصروفها. ([9])

قال الإمام الخصَّاف: عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، يقول:

«ما أعلم أحدًا من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من أهل بدر من المهاجرين والأنصار إلَّا وقد وقف من ماله حبسًا لا يُشترى ولا يورث ولا يوهَب حتَّى يرث اللهُ الأرضَ ومَن عليها». ([10])

وعن عثمان «أنَّ النَّبي – صلى الله عليه وسلم – قدم المدينة، وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة،

فقال: مَن يشتري بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع دِلاء المسلمين بخير له منها في الجنَّة، فاشتريتها من صلب مالي». ([11])

وللدَّلالة على وفرة أوقاف الصَّحابة، قال الشَّافعي رحمه اللَّه: «بلغني أن ثمانين صحابيًّا من الأنصار تصدَّقوا بصدقات محرمات»،

والشَّافعي-رحمه اللَّه- يسمِّي الأوقاف: الصَّدقات المحرمة 7 ([12]).

وقال ابن حزم رحمه اللَّه: «وسائر الصَّحابة جملة صدقاتهم بالمدينة أشهر من الشَّمس لا يجهلها أحد» ([13]).

ويستنتج من هذا أن مصارف هذه الأوقاف غالبها في الفقراء وسينال أهل الصُّفَّة نصيبهم منها.

الهامش

[1] صحيح البخاري- مع فتح الباري، كتاب: مناقب الأنصار، باب هجرة النَّبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه إلى المدينة: (7/ 239)، حديث رقم (3906).

[2] وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى لأبي الحسن السمهودي (1/ 324).

[3] أخرجه أحمد في مسنده (18/ 359)، حديث (11847)، والترمذي في سننه – باب ومن سوررة التوبة (5/ 280)، حيدث (3099)، وغيرُهما من حديث أبِي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه.

[4] ثبَتت هذه الألفاظ في أحاديثَ عديدة؛ منها ما أخرجَه مسلمٌ في صحيحه- باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة (2/ 1012)،حديث (1394) وأحمد في مسنده (16/ 83)، حديث (10044)، وغيرهما عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أنه قال: ((صلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء، وإن مسجده آخر المساجد …)) الحديث ..

[5] الأوقاف النبوية ووقفيات بعض الصحابة الكرام، دراسة فقهية – تاريخية- وثائقية، د. عبد الله بن محمد بن سعد الحجيلي، بحث منشور تم عرضه في ندوة المكتبات الوقفية في المملكة العربية السعودية، (ص: 153).

[6] فتح الباري لابن حجر (5/ 409).

[7] سنن أبي داود، أول كتاب الخراج والفيء والإمارة، باب في صَفايَا رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم – من الأموال (4/ 587)، رقم (2967)، وانظر: تَرِكَة النَّبي – صلى الله عليه وسلم – (ص: 80).

[8] تاريخ المدينة لابن شبة، عمر بن شبة (واسمه زيد) بن عبيدة بن ريطة النميري البصري، أبو زيد (المتوفى: 262 هـ)، حققه: فهيم محمد شلتوت، طبع على نفقة: السيد حبيب محمود أحمد- جدة، عام النشر: 1399 هـ، (1/ 176).

[9] الأوقاف النبوية ووقفيات بعض الصحابة الكرام، د. عبد الله بن محمد بن سعد الحجيلي (ص 146).

[10] المرجع السابق (ص: 165).

[11] سنن النسائي، كتاب: الأحباس، باب: وقف المساجد (6/ 235) حديث: 3608، وسنن الترمذي، أبواب المناقب عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، باب في مناقب عثمان بن عفان رضي الله عنه، وله كنيتان، يقال: أبو عمرو، وأبو عبد الله (6/ 68)، حديث: 3703 وانظر: صحيح البخاري مع الفتح: (5/ 407، (5/ 30).

[12] مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، المؤلف: شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي (المتوفى: 977 هـ)، دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، 1415 هـ- 1994 م، (2/ 376).

[13] المحلى بالآثار، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (المتوفى: 456 هـ)، دار الفكر- بيروت، د ت. (9/ 180).

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*