الالتزام بالإسلام والاعتزاز به

الالتزام بالإسلام والاعتزاز به ، يعد الالتزام بالإسلام والاعتزاز به من أهم وسائل تحقيق تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة؛ فإنَّ ذلك من أظهر ما يدعو لتميزها، فالقدوة الصالحة تحقق هذا التميُّز من خلال الالتزام بالإسلام والاعتزاز به

الالتزام بالإسلام والاعتزاز به

تمهيد
منذُ شرع الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- في بناء الأُمَّة الإسلاميَّة، وتكوين حقيقتها المثلى، ونموذجها الفريد على أساس من عقيدة التوحيد وشريعة اللَّه، والمنهج الإلهي للحياة بما يتسم به من مفاهيم متميِّزة، وقيم عالية، منذُ بدء انبثاق هذا النور في بطحاء مكة مهبط الوحي نشأ للإسلام والمسلمين تاريخ مميز بالغ التفرد يختلف عمَّا ظهر في حياة البشر من تواريخ في النشوء والتطور، وولدت في تلك الفترة كذلك حضارة جاءت على غير مثال سابق؛ من حيث أصالة الأُسس، وقوة الجذور، وروح الحياة المتجددة ذات التأثير الفاعل في حياة البشرية وحركتها وآمالها وأهدافها، لقد بدأ هذا التاريخ، ونشأت هذه الحضارة في دنيا الواقع، وبصورة فعليَّة ملموسة، وبوقائع ذات أبعاد ضخمة في حاضر الإسلام ومستقبله منذُ قدم الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المدينة المنورة، وبدأت الجهود تبذل بقوة ومثابرة وصبر على تكوين هذه الأُمَّة الإسلاميَّة ذات التميُّز الفريد في مسارها التاريخي، وبنائها الحضاري، وكل ما يؤكد ذاتيتها وشخصيتها وهويتها من تفرد واستقلال عن سواها من الأمم الأُخرى.

الالتزام بالإسلام والاعتزاز به

يعد الالتزام بالإسلام والاعتزاز به من أهم وسائل تحقيق تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة؛ فإنَّ ذلك من أظهر ما يدعو لتميزها، فالقدوة الصالحة تحقق هذا التميُّز من خلال الالتزام بالإسلام والاعتزاز به، انطلاقًا من جعل مفاهيم الأُمَّة ومناهجها ومواقفها أساسًا لهذا الاعتزاز، وعناية به، وحرصًا عليه، وهذا ما طبقه الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وسار عليه أصحابه والتابعون لهم بإحسان؛ فقد كان الرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يحرص على أن تكون الأُمَّة الإسلاميَّة ذات تميُّز في التزامها، بما يؤكد ذاتيتها، كما تدل على ذلك نماذج كثيرة في حياة المسلمين؛ تتضح في الآتي:
أ- في المفاهيم.
ب- في المناهج.
ج- في المواقف.

أ- أمَّا في المفاهيم فإنَّ النماذج على ذلك في حياة الأُمَّة كثيرة جدًّا، منها تلك الحقبة التي كان الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها بين ظهراني الأمة أو الحقب التي تلت ذلك، فقد جاء الإسلام و (العرب على إرث في جاهليتها من إرث آبائهم في لغاتهم ونسائهم وقرابينهم، فلما جاء اللَّه جل ثناؤه بالإسلام حالت أحوال، ونسخت ديانات، وأبطلت أمور، ونقلت من اللغة ألفاظ من مواضع إلى مواضع أخر بزيادات زيدت، وشرائع شرعت، وشرائط شرطت. . . فكان مِمَّا جاء في الإسلام: ذكر المؤمن والمسلم والكافر، وأنَّ العرب إنَّما عرفت المؤمن من الأمان والإيمان وهو التصديق، ثمَّ زادت الشريعة شرائط وأوصافًا، بها سُمّي المؤمن بالإطلاق مؤمنًا،

وكذلك الإسلام والمسلم، إنَّما عرفت منه إسلام الشيء، ثُمَّ جاء في الشرع من أوصافه ما جاء، وكذلك كانت لا تعرف من الكفر إلَّا الغطاء والستر.
فأمَّا المنافق فاسم جاء به الإسلام لقوم أبطنوا غير ما أظهروه، وكان الأصل من نافقاء اليربوع، ولم يعرفوا في الفسق إلَّا قولهم (فسقت الرطبة) إذا خرجت من قشرها، وجاء الشرع بأنَّ الفسق: الإفحاش في الخروج عن طاعة اللَّه جلَّ ثناؤُه.
ومِمَّا جاء في الشرع: الصلاة، وأصله في لغتهم الدعاء، وقد كانوا عرفوا الركوع والسجود، وإن لم يكن على هذه الهيئة (كما بينه الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- وطبقه وأمر أمته أن تفعل فيه كفعله). . . والذي عرفوه منه. . . (طأطأ وانحنى)، وهذا وإن كان كذا فإن العرب لم تعرفه بمثل ما أتت به الشريعة من الأعداد، والمواقيت، والتحريم للصلاة، والتحليل منها.
وكذلك الصيام: وأصله عندهم الإمساك. . . ثُمَّ زادت الشريعة النيَّة، وحظرت الأكل والمباشرة، وغير ذلك من شرائع الصوم.
وكذلك الحج لم يكن عندهم غير القصد، وسبر الجراح. . .، ثُمَّ زادت الشريعة ما زادته من شرائط الحج وشعائره.
وكذلك الزكاة، لم تكن العرب تعرفها إلَّا من ناحية النماء، وزاد الشرع ما زاده. . .، وعلى هذا سائر (أمور) العمرة والجهاد، وسائر أبواب الفقه) .

يتضح من هذا أنّ الإسلام رسَّخ مفاهيم، وحدَّد مصطلحات في مجال العقيدة والعبادة والشعائر الأخرى، وما يتصل بذلك من مفاهيم ومصطلحات في مجال المعاملات وسائر العلاقات والسلوك والأخلاق، وكل ذلك يرتكز على عقيدة التوحيد، ويهدف إلى إخلاص العبادة للَّه، وهو مع ذلك من وسائل تميُّز الأمَّة الإسلاميَّة .
ولشيخ الإسلام ابن تيمية رؤية شاملة فيما يتعلق بمفاهيم الإسلام سواء في مجال العقيدة أو العبادة أو غيرهما مِمَّا يتصل بحياة الأُمَّة، وما كان منها قد حدده الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وما ترك أمره للأُمَّة؛ فقام الصحابة الكرام بتحديد بعضه، وتُركَ بعضُه الآخر للأُمَّة الإسلاميَّة عبر تاريخها.
وعن ذلك قال: (الأسماء التي علق اللَّه بها الأحكام في الكتاب والسنّة منها: ما عرف حده ومسماه بالشرع، فقد بينه اللَّه ورسوله: كاسم الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والإيمان، والكفر، والنفاق، ومنه ما يعرف حده باللغة: كالشمس والقمر، والسماء والأرض، والبر والبحر، ومنه ما يرجع حده إلى عادة الناس، وعرفهم فيتنوع بحسب عاداتهم، كاسم البيع، والنكاح، والقبض، والدرهم، والدينار، ونحو ذلك من الأسماء التي لم يحدها الشارع بحد، ولا لها حد واحد يشترك فيه جميع أهل اللغة، بل يختلف قدره وصفته باختلاف عادات الناس؛ فما كان من النوع الأول فقد بينه اللَّه ورسوله، وما كان من الثاني والثالث فالصحابة والتابعون، المخاطبون بالكتاب والسنة، قد عرفوا المراد به، لمعرفتهم

بمسماه المحدود في اللغة أو المطلق في عرف الناس وعاداتهم من غير حدٍّ شرعي ولا لغوي، وبهذا يحصل التفقه في الكتاب والسنة. . .) .
إنَّ هذه الرؤية لشيخ الإسلام إزاء مفاهيم الأُمَّة الإسلامية تؤكد أصالة تلك المفاهيم وارتكازها على الحق، وأثرها في تحقيق تميُّز الأُمَّة، وهذا واضح في قوله: (فالصحابة كانوا يعلمون ما جاء به الرسول. . . وبيان ذلك بقياس صحيح أحق وأحسن بيانًا من مقاييس الكُفَّار؛ كما قال تعالى: {وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا} [الفرقان: 33]، أخبر سبحانه أنَّ الكفار لا يأتونه بقياس عقلي لباطلهم إلَّا جاءه اللَّه بالحق، وجاءه من البيان والدليل، وضرب المثل بما هو أحسن تفسيرًا وكشفًا وإيضاحًا للحق من قياسهم) .
أمَّا عن أثر المفاهيم في تميُّز الأُمَّة فيشير إليها بقوله: (ولا ريب أن الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات كالسلاح في المحاربات، فإذا كان عدو المسلمين -في تحصنهم وتسلحهم- على صفة غير الصفة التي كان عليها فارس والروم: كان جهادهم بحسب ما توجهه الشريعة، التي مبناها على تحري ما هو للَّه أطوع وللعبد أنفع، وهو الأصلح في الدنيا والآخرة) .
وإذا كانت مفاهيم الأُمَّة الإسلاميَّة تنبثق من عقيدة التوحيد، وتلتزم بشريعة الإسلام وبسنة المصطفى -صلى اللَّه عليه وسلم- وفهم الصحابة والتابعين ومن سار

على نهجهم من سلف الأُمَّة الصالح، وهي بذلك وسيلة من وسائل تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة في تاريخها كلِّه، فإنَّ الإسلام أكد على أهميَّة سلامة هذه المفاهيم من اللبس والاختلاط في معناها بما قد يحمل معنى فاسدًا أو يكون وسيلة إلى محرم ، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا} [البقرة: 104]، حيث نهى -عز وجل- عن استخدام لفظ (راعنا)، التي يقصد بها في الأصل ما تعنيه كلمة (“راعيت الأمر”: نظرت إلام يصير، ورعيت النجوم: رقبتها) ، وكان سبب النهي عن استخدامها اختلاط معناها بما يدل عليه لفظ “رعن” من (هوج واضطراب) ؛ ولأنَّها (كلمة كانت اليهود تنساب بها وهو من الأرعن؛ قرأها “راعنًا” منونة فتأويلها: لا تقولوا حمقًا من القول؛ لأنه يكون كلامًا أرعن: أي مضطربًا أهوج) .
يقول ابن قيم الجوزية في تفسيرها: (نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة مع قصدهم بها الخير؛ لئلا يكون قولهم ذريعة إلى التشبه باليهود في أقوالهم وخطابهم، فإنهم كانوا يخاطبون بها النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ويقصدون بها السب، يقصدون فعلًا من الرعونة، فنُهيَ المسلمون عن قولها سدًّا لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي -صلى اللَّه عليه وسلم- تشبهًا بالمسلمين يقصدون بها غير ما قصده المسلمون) .
إنَّ هذا الحدث التاريخي يكشف عن أهميَّة المفاهيم كوسائل ينبغي

على الأُمَّة الإسلاميَّة أن تدرك خطورتها من ناحيتين؛ أولهما: باعتبارها وسيلة يستخدمها أعداء الأُمَّة في الكيد لها، ويربطونها بمقاصدهم الشريرة ولو على الصعيد النفسي على أقل تقدير، وأخراهما: باعتبارها وسيلة من وسائل تحقيق تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، ويتضح هذا الأمر بجلاء إذا أُنْعِمَ النظرُ فيما جاء قبل تلك الآية وما جاء بعدها، فالآيات السابقة كانت تضع (المسلمين وجهًا لوجه أمام الهدف الحقيقي لأهل الكتاب من اليهود والنصارى. . . إنَّه تحويل المسلمين عن دينهم إلى دين أهل الكتاب ولن يرضوا عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- حتى يتبع ملتهم، وإلَّا فهي الحرب والكيد والدس إلى النهاية، وهذه هي حقيقة المعركة التي تكمن وراء الأباطيل والأضاليل، وتتخفَّى خلف الحجج والأسباب المقنعة) .
وتأتي الآيات بعدها فتبين ما خصَّ اللَّه به الأُمَّة الإسلاميَّة من الفضل والرحمة، وترسخ اليقين في اللَّه في نفوس المسلمين، وأنَّ له ملك السموات والأرض، وهو وليهم ونصيرهم، وذلك تعليلًا -واللَّه أعلم- لما حدث من نسخ سواء في الآيات القرآنية أو الأحكام والشعائر الدينيَّة، وبخاصة حادثة تحويل القبلة التي اهتبل اليهود فرصتها للتشكيك في عقيدة المسلمين، وتابعهم المشركون وسائر أهل الكتاب، وجاءت الآيات -المشار إليها- لتحذر المسلمين مِمَّا وقع فيه اليهود مع نبيهم موسى عليه السلام من مُساءلة أدت بهم إلى الجحود والانحراف عن حقيقة التميُّز الذي ألزمهم اللَّه به، وأنَّهم إذ لم يحققوه وسلبهم اللَّه إياه وسلب غيرهم من أهل الكتاب والمشركين، واختار له المسلمين {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا} [الفتح: 26]، طفحت نفوس كثير من أهل الكتاب بالحسد الذي تحول إلى إرادة وعمل لصرف المسلمين عن دينهم إلى الكفر، كما جاء

ذلك في آية أخرى وهي قوله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء: 89]، ومِمَّا يلحظ في كثير من آيات الذكر الحكيم أنَّها: تجمع (بين أهل الكتاب والمشركين في الكفر. . . وكلاهما كافر بالرسالة الأخير فهما على قدم سواء من هذه الناحية، وكلاهما يضمر للمؤمنين الحقد والضغن، ولا يود لهم الخير، وأعظم ما يكرهونه للمؤمنين هو هذا الدين، هو أن يختارهم اللَّه لهذا الخير، وينزل عليهم هذا القرآن، ويحبونهم بهذه النعمة، ويعهد إليهم بأمانة العقيدة في الأرض، وهي الأمانة الكبرى في الوجود. . . وليس أعظم من نعمة النبوة والرسالة، وليس أعظم من نعمة الإيمان والدعوة إليه، وفي هذا التلميح ما يستجيش في قلوب الذين آمنوا الشعور بضخامة العطاء وجزالة الفضل، وفي التقرير الذي سبقه عمّا يضمره الذين كفروا للذين آمنوا ما يستجيش الشعور بالحذر والحرص الشديد، وهذا الشعور وذاك ضروريان للوقوف في وجه حملة البلبلة والتشكيك التي قادها -ويقودها- اليهود، لتوهين العقيدة في نفوس المؤمنين. . .) .
ومِمَّا ينبغي ذكره في سياق الالتزام بالإسلام والاعتزاز به في نطاق المفاهيم، أنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة تعي ما كان منها موروثًا بشريًّا عامًّا تأخذ به أيُّ أُمَّة من الأمم، فهي بقدر حرصها على تأصيل مفاهيمها وتميُّزها فيما يتصل بعقيدتها وشريعتها وشعائرها وما يتصل بسلوك أفرادها ومجتمعاتها وآدابهم، فإنَّها لا ترد المفاهيم المتأصلة بمجهود الأمم الأُخرى في نطاق العلم التجريبي ونحوه، وقد تصدى لبيان ذلك بعض علماء الأُمَّة.
وعلى سبيل المثال ما بيَّنه ابن تيمية في قوله: (. . فإنَّ ذكر ما لا يتعلق بالدين مثل مسائل “الطب” و”الحساب” المحض التي يذكرون فيها ذلك،

وكتب من أخذ عنهم، مثل محمد بن زكريا الرازي، وابن سينا ونحوهم من الزنادقة الأطباء ما غايته انتفاع بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا، فهذا جائز، كما يجوز السكنى في ديارهم، ولبس ثيابهم وسلاحهم، وكما تجوز معاملتهم على الأرض، كما عامل النبي يهود خيبر، وكما استأجر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، هو وأبو بكر لما خرجا من مكة مهاجرين (ابن أريقط) -رجلًا من بني الدِّيل- هاديًا خريتًا، والخريت الماهر بالهداية، وائتمناه على أنفسهما ودوابهما، ووعداه غار ثور صبح ثالثة، وكانت خزاعة عيبة نصح رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، مسلمهم وكافرهم، وكان يقبل نصحهم، وكلُّ هذا في الصحيحين ، وكان أبو طالب ينصر النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ويذب عنه مع شركه، وهذا كثير) .

ب- الالتزام بالإسلام والاعتزاز به في المناهج ، وهذا جانب آخر رصده التاريخ للأُمَّة الإسلاميَّة، وانطلقت من خلاله حضارتها، وكان الالتزام بالإسلام والاعتزاز به في مناهج الأُمَّة من أهم وسائل تميُّزها،

و (المناهج الإسلاميَّة المختلفة ترتكز على قاعدة إيمانية، تمد جذورها إلى أعماق الحياة الإنسانية جميعها، تتغلغل في العقيدة، وتسري في الأخلاق، وتختلط بالمادة، وتظهر في شؤون الحياة، ولا ريب أن المجتمع السلم له غاية في الحياة، كما له مثل وقيم وأخلاق ومقاييس في المجتمع، وأهداف خاصَّة، ومزاج نفسي منبعث من عقائده وموروثاته، كما أنَّه ينظر إلى كل شيء بمنظار معين، ينظر إلى الإنسان برؤية وينظر إلى الحيوان برؤية أخرى، وإلى الجماد بغير ذلك، ثمَّ يركز على الإنسان، في حياته وسلوكه وفي غايته، وفي هدفه، فيحرر طاقاته كلها فطريَّة وعمليَّة، من الظنون والأوهام والخرافات والأهواء، كما يخلصه من الجهل والعبوديَّة لغير اللَّه، ومن سلطان الاستبداد والطغيان والشهوات، ثُمَّ وجه الإسلام الفكر البشري إلى ما ينفعه، وصرفه عما يهلكه ويبدد طاقاته بغير نفع أو فائدة، أبعده عن البحث وراء الطبيعة (عالم الغيب) وقدَّم له منهجًا كاملًا يرضي أشواقه النفسية، وحاجاته الروحية، وذلك حتى يفرغ لمهمته في بناء الحياة، وتعمير الكون، وتحقيق العدل والإخاء الإنساني) .
وقد اصطبغت مناهج الأُمَّة الإسلاميَّة في سائر تاريخها، ومجمل حضارتها بهذه السمات، وكانت ثمارًا يانعة لمقومات تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة من عقيدة صافية نقية ترتكز على التوحيد الخالص والإيمان العميق باللَّه وأسمائه وصفاته وفقًا لما جاء به الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ربه، ومن شريعة غراء منبثقة عن تلك العقيدة ومماثلة لها في إخلاص التوحيد والعبادة للَّه، وما اتصف به تميُّز الأُمَّة من خصائص كثيرة من أبرزها ربانية المصدر، وعالميَّة الرسالة، ووسطية المنهج، إلى جانب فاعليتها الحضاريَّة الخيِّرَة، وما يتصل بذلك من أهداف يأتي في مقدمتها تحقيق العبودية للَّه، وتحقيق

الاستخلاف في الأرض بإقامة دين اللَّه، وحيث إنَّ استقصاء مناهج الأُمَّة الإسلاميَّة في جوانب حياتها المختلفة لا يتأتى في مساحة ضيقة كما هو حال هذه المفردة، فإنني أتناول منها -على سبيل المثال- الآتي:
أولًا: المناهج النقلية وعمادها الوحي، بقسميه القرآن الكريم والسنة النبوية، وقد اعتنت الأُمَّة الإسلاميَّة عناية لم يسبق لها مثيل في المحافظة على نص القرآن الكريم ونص السنة النبويّة، واعتمدت لتحقيق ذلك مناهج بارعة، جرى الحديث عنها فيما سبق .
ثانيًا: المناهج العقليَّة، وهي منبثقة من المناهج النقليَّة، حيث أسس القرآن الكريم قواعدها، وضبط منطلقاتها، وربطها بأخلاقه ومثله ومبادئه وقيمه، وسار علماء الأُمَّة الإسلاميَّة في تاريخها وحضارتها في ضوء الكتاب والسنّة فكان الاجتهاد، وكان القياس، وكان الإجماع، والاستحسان والاستصحاب، والعرف والعادة، وسد الذرائع، والاستقراء، وكل ذلك ونحوه حقق للأُمَّة الإسلاميَّة بخاصَّة والبشرية بعامّة الكثير من المصالح سواء ما كان منها في إطار الضرورة، أو الحاجيّة، أو التحسينيَّة، ودفع عنها الكثير من المفاسد والأضرار، وذلك بقدر ما تلتزم الأُمَّة بالإسلام وتعتز به، وتسلك مناهجه وتتقيد بمفاهيمه.
وبالجملة -فإنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة قد سلكت في علوم القرآن الكريم والحديث الشريف، وفي الفقه وأصوله، وفي علوم اللغة والتاريخ

والحضارة، مناهج لم تسبق لمثلها، (ولقد جهد السلف الصالح بدءًا من الصحابة رضوان اللَّه عليهم، ومن تبعهم، كل جهدهم لينالوا المراتب السنية، فضربوا أكباد الإبل في فجاج الأرض، شرقًا وغربًا بهمم عالية، ونفوس سخيَّة راضية، بحثًا عن العلم، وتحصيلًا للمعرفة، فأثمر صنيعهم هذا أطيب الثمار، وترك في المجتمع الإسلامي كلِّه أبلغ الآثار من توحيد لصفوف الأُمَّة، وترسيخ لمبادئها، وصون لأطرافها، ونشر لمراكز العلم في أقطارها، قاصيها ودانيها، وتنافس بين هذه الأقطار في مراقي الخير هذه، وانتشار لصحيح الأفكار، وجليل المؤلفات، خلال زمن يسير في جميع البلاد، وغير ذلك من مظاهر القوة العلمية ما يستحق أن يوضع تحت الدرس والتأمل للعبرة والاستلهام) .
أمَّا ما يخص مناهج المسلمين في مختلف العلوم، وسبقهم إلى المنهج العلمي الحديث فمرده إلى حقيقة تاريخية تبين أنَّ علماء الأُمَّة الإسلاميَّة كانوا الرواد في وضع هذه المناهج وتطويرها، فلقد (ترجم سلفنا الصالح هذه المعاني في عصور ازدهار الحضارة الإسلاميَّة إلى حقائق ومناهج علمية سديدة لا زالت آثارها قائمة بيننا، نغترف من مناهلها الصافية، لا ينقصها التخطيط السليم، والأصالة الفكريَّة، والأسلوب السلس الواضح في مختلف ميادين الفكر والمعرفة.
ويعجب المرء وهو يعالج موضوع كتابة البحوث العلمية ومناهجها الحديثة أن يجد في مصادر تراثنا المبكر دروسًا علميَّة قائمة؛ لكل قواعد ومناهج كتابة البحث العلمي على الأصول الحديثة، حتى بالنسبة للعلوم التي (تحتاج إلى دقة وتحديد في المضمون والصياغة) كالفقه وأصول الفقه، فكلاهما له طابعه وملامحه وصعوباته النابعة من طبيعة الموضوعات

التي يعالجها، والكتابة فيهما تختلف تمامًا عن الكتابة حتى في المواد الشرعية الأُخرى، فضلًا عن البحث في علوم العربيَّة والموضوعات الأدبية، ولكن على الرغم من كل هذا فقد طوعها العلماء المسلمون -في عصور الإسلام المبكرة- للمنهج العلمي السليم شكلًا وموضوعًا وأسلوبًا) .
ويدلل على صحة هذا مثالان من تأليف الشافعي رحمه اللَّه في كتاب (الرسالة) وفي كتاب (الأم)، فقد كان رحمه اللَّه (يعالج أصعب الموضوعات وأصعب العلوم بطريقة علميَّة موضوعيَّة، ويضع منهج البحث، والخطَّة التي سيسير عليها بحيث تحقق التصور الكامل لجوانب الموضوع في مقدمة الكتاب، وجعل للكتاب محورًا هو مدار كل البحوث التي يعرضها في أسلوب الأديب، وبيان الحكيم) .
وكانت هذه الطريقة هي المتبعة من علماء الأُمَّة في (جملة المصادر الإسلاميَّة في كل العلوم دون استثناء في عصور ازدهار الفكر الإسلامي، وقد كانت الناحيَّة المنهجية والموضوعيَّة أمرًا ضروري الاعتبار، فالمؤلف يلتزم منهجًا معينًا يشرحه في مقدمة الكتاب، ويذكر السبل التي سلكها لإثبات فكرته، كما يلتزم أن يكون البحث في إطار الموضوع دون استطراد، وفي كل هذا لا يغفل ذكر المصادر التي اعتمدها في تكوين كتابه) .
وهكذا فقد (كان العلماء المسلمون في هذا أحرص من أيِّ أُمَّة

أخرى، فكانوا يعتمدون السند قبل تدوين العلوم، وأصبح للكتب سندٌ حتى بعد التدوين، بالإضافة إلى تعيين المصادر. . .) .
ويؤكد بعض المستشرقين فكرة أصالة مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي، ومن أمثلة ذلك ما أكده (فرانتز روزنثال) في مواضع كثيرة من كتابه (مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي) ، وإن كان يحاول في مواطن أخرى، أنْ يركز على سبق المسلمين في مجال البحث العلمي، وتفوق منهجهم في بعض العلوم، ومثال ذلك قوله: (أمَّا علماء الحديث والفقه فقد كانا يستندان في الدرجة الأولى على الدِّقَّة والأمانة في ذكر المصدر المأخوذ عنه؛ لأنّ الأسانيد هي جزءٌ من مادة البحث، وكل علم آخر له علاقة مباشرة بهذين العلمين -الحديث والفقه- تأثر إلى حدٍّ بعيد بالأسلوب المتبع في درسهما ومعالجتها، مثال ذلك كتب التراجم التي نشأت بدافع تدعيم علمي الحديث والفقه، أو لتكون في عون المحدث والفقه. . .) ، وعلى أي حال فإنَّ في قوله ما يؤكد اتسام مناهج المسلمين العلميَّة بالموضوعية والمنهجية والأمانة والدِّقَّة، وأن ذلك كان خدمة لعلوم الشريعة، ولم يغفل ذكر امتداد هذه المنهجيَّة إلى علوم أخرى وبخاصة علم التاريخ، وفي ذلك يقول: (أمَّ أصحاب الكتب التاريخية فإنهم كانوا شديدي الحرص على ذكر المصادر التي يأخذون عنها) ، ويستشهد على ذلك بالسبكي والسيوطي، وأنهما شددا على هذه الناحية،

ولكنه حين يعرض تطبيقات العلماء في هذه الناحيَّة المنهجيّة يجانبه أسلوب الباحث الموضوعي الرصين .
أمَّا المنهج التجريبي فإنَّ قصب السبق فيه راجع للمسلمين كعمود الصبح ، ومن الحق أَنْ يقال: (إنَّ أعظم ما يُمكن أن يفخر به العلم الإسلامي في عصر ازدهاره، هو أنّه أضاف بالتدريج إلى مفهوم العلم معنى جديدًا، لم يكن يلقى اهتمامًا عند اليونانيين، وهو استخدام العلم في كشف أسرار العالم الطبيعي (وما يردده كثير من الباحثين من التعبير الغربي)؛ “قهر الإنسان للمادة، والسيطرة عليها”، واستخدام المسلمون الرياضة في حل المشكلات الواقعية التي تواجه الإنسان، وبرعوا في علوم المادة، واخترعوا علومًا مساعدة لذلك، فمثلًا برعوا في استخدام الأرقام، ووضع أسس علم الحساب، الذي يُمكن تطبيقه في حياة الناس اليوميَّة، وكان اختراعهم للجبر، وتفوقهم في الهندسة التحليلية، وابتكارهم لحساب المثلثات، إيذانًا بعصر جديد، تستخدم فيه الرياضة للتعبير عن قوانين العالم الطبيعي، وعلى هذا فقد وضحت على يد العلماء الإسلاميين أصول المنهج التجريبي، بما يقتضيه من ملاحظات دقيقة دائبة، ومن تسجيل منظم لهذه الملاحظات، ثُمَّ وضع الفروض لتفسيرها، وإجراء التجارب للتحقق من صحة هذه الفروض) .

وكان هذا المنهج نتيجة طبيعيَّة لمنطلقات الإسلام وقيمه حيث إنّ الإسلام فتح المجال للعقل والفكر، وحثَّ على النظر في الكون والحياة وما يحكم ذلك من سنن وأسباب ومسببات. ومِمَّا ينبغي التركيز عليه في هذا المجال أن: (النقلة المنهجيَّة التي أتيح للعقل المسلم أن يتحقق بها، وأن يتشكل وفق مقولاتها ومعطياتها، امتدت باتجاهات ثلاثة:

1 – السببيَّة: فمن خلال التمعن في نسيج كتاب اللَّه نجد كيف منحت آياته البينات العقل المسلم رؤية تركيبيَّة للكون والحياة والإنسان والوجود، تربط بين الأسباب والمسببات.
2 – القانونية التاريخيَّة: ولأول مرَّة في تاريخ الفكر يكشف الغطاء أمام العقل البشري عن حقيقة منهجيَّة على درجة كبيرة من الخطورة: إنَّ التاريخ البشري لا يتحول فوضى، وعلى غير هدف، وإنَّما تحكمه سنن ونواميس كتلك التي تحكم الكون والعالم والحياة والأشياء سواء بسواء، وإن الوقائع التاريخية لا تتعلق بالصدفة، وإنَّما من خلال شروط خاصة تمنحها هذه الصفة أو تلك، وتوجهها صوب هذا المصير أو ذاك.
3 – منهج البحث الحسي (التجريبي): يُمكن القول هنا بأنه لا الكشف عن السببية، ولا القانونية التاريخية يعدل الكسب المعرف القيم الذي أحرزه العقل المسلم خصوصًا، والعقل البشري عمومًا، والذي تمثل بمنهج البحث الحسي (التجريبي) الذي كشف النقاب عنه، ونظَّمه، وأكَّده،

ودعا إليه كتاب اللَّه. . لقد دعا القرآن الناس إلى التبصر بحقيقة وجودهم، وارتباطاتهم الكونية عن طريق (النظر الحسي) إلى ما حولهم، ابتداءً من مواقع أقدامهم وانتهاءً بآفاق النفس والكون) .

جـ- الالتزام بالإسلام والاعتزاز به من خلال المواقف، وهذا جانب آخر له أهميته في تحقيق تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، ولا سيما أن التاريخ أصبح في العصر الراهن من أهم الوسائل التي تستخدم التوجيه الشعوب وتربيتها كما استعان به أصحاب المذاهب الفكريَّة في فلسفة مذاهبهم وتأييدها وإيجاد سند تاريخي لها، بل إنَّ الأوروبيين ينظرون له نظرة تقديس وإجلال، ويطلبون منه تفسير الوجود وتعليل النشأة الإنسانية. . . ودراسة التاريخ الإسلامي وبالأخص السيرة النبويَّة، وتاريخ الخلفاء الراشدين، والفتوحات الإسلاميَّة، وسير العلماء والمجاهدين، والقادة من سلفنا الصالح) ، تسهم في تحقيق تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، لأنها بمثابة النماذج للقدوة الصالحة في حياة الأُمَّة من خلال مواقفهم الملتزمة بالإسلام والمنبثقة من الاعتزاز به.
وتاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة ينطوي على صفحات ناصعة لتلك المواقف، وهي من الكثرة بمكان، ولا يُمكن الإحاطة بها، ويقتصر هنا على ذكر موقفين -فقط- بصفتها من النماذج التي توضح بجلاء الالتزام بالإسلام

والاعتزاز به في أيّ موقف تاريخي حاسم. . .، وأول هذه المواقف ذلك الموقف الحازم الذي وقفه الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- من مساومات قريش التي طالبوه من خلالها بالتخلي عن دعوتهم إلى الإسلام على أن يغدقوا عليه من الأموال ما يغنيه، وإذا كانت له رغبة في الرئاسة نصبوه لرئاستهم، وإذا كان ما يحس به مسًا من الجنون طلبوا له العلاج، فكان موقف الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- زهدًا وترفعًا في كل ما عرضوا، سواء بما كان في مقالهم من جدٍّ أو سخرية، وكذا ما حمل الإغراء بالثراء والجاه، أو التلميح بالمجابهة والقسر ، وكان التزامه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالإسلام مرتكزًا على أنَّه رسالة ودين {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 – 4]. وقد سجلت مصادر السيرة هذا الموقف؛ حيث اتفقت قريش على أن يفاوض عتبة بن ربيعة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- على أمور لعله يقبل بعضها فيعطونه ويكف عن دعوتهم إلى الإسلام: (فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: يا بن أخي، إنَّك منَّا حيث قد علمت من السِّطة (الشرف) في العشيرة، والمكان في النسب، وإنَّك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرَّقت جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به ما مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تعبل منها بعضها. . .، فقال له رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: “قل يا أبا الوليد، أسمع”، قال: يا بن أخي، إن كنت إنَّما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سوَّدناك علينا، حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا (ما يظهر للناس من الجن) تراه لا تستطيع ردَّه عن نفسك، طلبنا لك

الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنَّه رُبَّمَا غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه؛ أو كما قال له.
حتى إذا فرغ عتبة، ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يستمع منه؛ قال: “أقد فرغت يا أبا الوليد فاستمع مني”، قال: أفعل؛ فقال:
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ {حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ. . .} [فصلت: 1 – 5]، ثمَّ مضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فيها يقرؤها عليه، فلمَّا سمعها منه عتبة: أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليها يسمع منه، ثُمَّ انتهى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى السجدة منها ، فسجد ثُمَّ قال: “قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فانت وذاك” .
والشاهد من هذا الموقف أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- ارتفع فوق مساومات قريش ملتزمًا بما جاءه من الحق الذي كان مصدر اعتزازه أنَّه مبينًا لا يملك لنفسه ولا لقريش أو غيرهم نفعًا ولا ضرًّا، وإنَّما يتبع ما يوحى إليه، ويمضي فيما أمره ربه حتى تعلو كلمة الحق، وفي موقف آخر قال -صلى اللَّه عليه وسلم- لعمه أبي طالب حين أتعبته قريش وهي تنهاه عن مناصرة ابن أخيه، فجاء إلى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- يطلب منه الإبقاء عليه وعلى نفسه وألَّا يحمله ما لا يطيق (كما جاء في الخبر)، فقال له الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “يا عمِّ، واللَّه لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره اللَّه، أو أهلك فيه ما تركته” .

بهذا رسم المصطفى -صلى اللَّه عليه وسلم- منهج الالتزام بالإسلام والاعتزاز به، وكان موقفه ذلك أحسن أسوة لأمته إلى أن يأتي أمر اللَّه، قد سار الصحابة الكرام على هذا، ففي موقف آخر لجعفر بن أبي طالب بين يدي النجاشي، ما يؤكد هذا التوجه الحاسم الواضح الذي ينبثق من الاعتزاز بالإسلام الذي هو دين اللَّه الحق، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من عزيز حميد.
وخلاصة هذا الموقف؛ أن جعفر بن أبي طالب ومن معه من المهاجرين في الحبشة في جوار النجاشي، تعرضوا لكيد قريش؛ إذ أرسلت اثنين من دهاتها لاسترجاعهم ورسموا لذلك خطّة ماكرة على أن يسلمهم النجاشي من عنده من المهاجرين دون أن يكلمهم لئلا يتأثر بما عندهم من الحق، ولكن النجاشي أبي إلَّا أن يسمع جواب المهاجرين عنده على دعوى قريش فأرسل إليهم (فلمَّا جاءهم رسوله اجتمعوا، ثُمَّ قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قال: نقول واللَّه ما علمنا، وما أمرنا به نبينا -صلى اللَّه عليه وسلم- كائنًا في ذلك ما كان، فلمَّا جاؤوا، وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله سألهم؛ فقال لهم: ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه الملل؟. . فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث اللَّه

إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى اللَّه لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد اللَّه وحده، لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة والصيام. . . (وعدَّدَ عليه أمور الإسلام، ثُمَّ قال:) فصدقناه وآمنَّا به، واتبعناه على ما جاء به من اللَّه، فعبدنا اللَّه وحده، لا نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرَّم علينا، وأحللنا ما أحلَّ لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة اللَّه تعالى، وأن نستحلّ من الخبائث، فلمَّا قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيُّها الملك. . . فقال له النجاشي: هل معك مِمَّا جاءبه عن اللَّه من شيء؟. . . فقال له جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه عليَّ؛. . . فقرأ عليه صدرًا من {كهيعص}. . . فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم، حين سمعوا ما تلا عليهم، ثُمَّ قال النجاشي: إنَّ هذا والذي جاء به عيسى. ليخرج من مشكاة واحدة؛ انطلقا [والضمير يعود للاثنين اللذين أرسلتهما قريش]، فلا واللَّه لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون) .
وإذا كان هذا الموقف في حد ذاته كافيًا في الدلالة على التزام بالإسلام والاعتزاز به في موقف حرج، وفي ظل خطة ماكرة صنعتها قريش وأحكمت خطواتها، إلَّا أن الخبر لا ينتهي هنا والموقف له بقية تؤكد صرامة المسلم

وشدة اعتزازه بإسلامه والتزامه به، وهو موقف يعكس تميز الأُمَّة الإسلاميَّة ممثلًا في جعفر بن أبي طالب ومن معه من المهاجرين إلى الحبشة.
أمَّا بقية الخبر ومن ثَمَّ تمام الموقف فإنَّ عمرو بن العاص -وهو أحد رسولي قريش- لم يفقد الأمل، ولَمْ يخشع قلبه في هذا المقام لما سمع من الحق بل قال: (واللَّه لآتينَّه غدًا عنهم بما أستأصل به خضراءهم. . . ثُمَّ غدا عليه من الغد، فقال: أيُّها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم فسلهم عمَّا يقولون فيه، فأرسل إليهم ليسألهم عنه. . .، فاجتمع القوم [المهاجرون من المسلمين في الحبشة]، ثُمَّ قال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول واللَّه ما قاله اللَّه، وما جاءنا به كائنًا في ذلك ما هو كائن. . .، فلمَّا دخلوا عليه، قال لهم: ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟. . . قال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، هو عبد اللَّه ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. . . فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودًا، ثُمَّ قال: واللَّه ما عدا عيسى بن مريم ما قلتَ هذا العود) .
وتاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة مملوء بمثل هذه المواقف، وقد سبق ذكر موقف أبي بكر الصديق -رضي اللَّه عنه- في مواجهة حركة الردَّة، بقتال المرتدين وكيف أنَّه التزم الإسلام، واعتز به في أحلك المواقف، وعلى الرغم من الأخطار المحدقة بالأُمَّة، فقد سار السلف الصالح ومن تبعهم من الأُمَّة

الإسلاميَّة على هذا المنهج ، وكانت مواقفهم التاريخيَّة وما أنتجته من حضارة رائدة، من أعظم وسائل تميّز الأمَّة الإسلامية، وفي هذا ما يؤكد على أن هذا (الدين والاستمساك به وإقامة دعائمه، أساس ومصدر لكل قوة، وهو السياج لحفظ كل حق من مال وأرض وحريّة وكرامة، ومن أجل هذا كان واجب الدعاة إلى الإسلام والمجاهدين في سبيله أن يجندوا كلّ إمكاناتهم لحماية الدين ومبادئه، وأن يجعلوا من الوطن والأرض والمال والحياة وسائل لحفظ العقيدة وترسيخها، حتى إذا اقتضى الأمر بذل ذلك كله في سبيلها وجب بذله؛ ذلك أن الدين إذا فقد أو غلب عليه، لم يغنِ ما وراءه من الوطن والمال والأرض، بل سرعان ما يذهب كل ذلك أيضًا، أمَّا إذا قوي شأن الدين، وقامت في المجتمع دعائمه، ورسخت في الأفئدة عقيدته، فإنَّ كل ما كان قد ذهب في سبيله من مال وأرض ووطن يعود أقوى من ذي قبل حيث يحرسه سياج من الكرامة والقوة والبصيرة. . . ولقد جرت سنة اللَّه في الكون على مر التاريخ أن تكون القوى المعنويَّة هي الحافظة للمكاسب والقوى المادَّية، فكلما كانت الأُمَّة غنيَّة في خلقها وعقيدتها السليمة ومبادئها الاجتماعية الصحيحة؛ فإن سلطانها المادي يغدو أكثر تمسكًا، وأرسخ بقاءً، وأمنع جانبًا) .
* * *

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*