التعريض بمن لم يرعَ التميُّز والوعيد المترتب على عدم تحقيقه

التعريض بمن لم يرعَ التميُّز والوعيد المترتب على عدم تحقيقه . التَّميز رافق تاريخ الأُمَّةِ الإسلامِيَّةِ الَّذي يضرب بجذوره في أعماق الزمان من حين كان الإشهاد على خلقهم وإقرارهم عليه

التعريض بمن لم يرعَ التميُّز والوعيد المترتب على عدم تحقيقه

مما لا ريب فيه أن التَّميز رافق تاريخ الأُمَّةِ الإسلامِيَّةِ الَّذي يضرب بجذوره في أعماق الزمان من حين كان الإشهاد على خلقهم وإقرارهم عليه، وقد رافق هذا التميز جميع أطوار هذا التاريخ كله، ذلك أَنّهُ صَبْغَةُ هَذه الأُمَّةِ صَبَغَها اللَّهُ بِهِ وَأَلزمها بتحقيقه، وكلما ظهر انحراف عن هذا التميز في أي طور من أطوارها توجَّه إليها بسبب ذلك -مع النهي والتعريض- اللوم والتوبيخ والوعيد الشديد من اللَّه -عز وجل-.
ولعل مما يوضح ذلك بعض الأدلة الآتية:
1 – قال اللَّه تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 176].
ذكر المفسرون في صاحب هذه القصة أقوالًا كثيرة، نقدها بعض الباحثين بقوله: (لا يأمن الذي تمرس بالإسرائيليات الكثيرة المدسوسة في كتب التفاسير أن يكون واحدة منها، ولا يطمئن لكل تفصيلاته التي ورد فيها، ثُمَّ إِنَّ في هذه الروايات من الاختلاف والاضطراب ما يدعو إلى زيادة الحذر. . وبما أنه ليس من النص القرآني منه شيء، ولم يرد من المرفوع إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عنه شيء: (فإننا) نأخذ من النبأ ما وراءه فهو يمثل حال الذين يكذبون بآيات اللَّه بعد أن تبين لهم فيعرفوها ثم لا يستقيموا عليها وما أكثر ما يتكرر هذا النبأ في حياة البشر. . فهو مثل لا ينقطع وروده ووجوده، وما هو محصور في قصة وقعت، في جيل من الزمان .

ومما يؤيد هذا النقد والاختيار قول بعض المفسرين عن صاحب القصة: (يحتمل أنَّ المراد شخص معين، قد كان منه ما ذكره اللَّه، فقص اللَّه قصة تبينها للعباد، ويحتمل أنَّ المراد بذلك، أَنَّه اسم جنس، وأَنَّه شامل لكل من أتاه اللَّه آياته، فانسلخ منها ، ومهما اختلفت الأقوال في صاحب القصة فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، وفي ذلك قال الرازي: (المثل في السورة وإن ضرب لبلعام ، ولكن أريد به كفار مكَّة كلهم؛ لأنهم صنعوا مع النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بسبب ميلهم إلى الدنيا وشهواتها من الكيد والمكر ما يشبه فعل بلعام مع موسى عليه الصلاة والسلام) .
والشاهد من هذه الآية؛ حيث ذم اللَّه تعالى ذلك الشخص الذي آتاه اللَّه آياته، فانسلخ منها، وسواءً كان المراد شخصًا بعينه، أو اسم جنس لكل من أتاه اللَّه آياته فانسلخ منها، فإن ذكر قصته وتلاوتها على من بلغ، فيها التعريض بمن لم يحقق مراد اللَّه فيه؛ من العمل الصالح والالتزام بالهدي واتباع الحق وإيثاره.
قال ابن قيم الجوزية في تفسيره لقوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا}

[الأعراف: 76]: (أخبر سبحانه أنَّ الرفعة عنده ليست بمجرد العلم،. . . وإنما هي باتباع الحق وإيثاره، وقصد مرضاة اللَّه. . . والمعنى: لو شئنا فصّلناه وشرفناه ورفعناه قدره ومنزلته بالآيات التي آتيناه .
وحاصل ذلك أن الشرف والرفعة وعلو المنزلة تكمن في الالتزام بمنهج الإسلام، وما يتصل بذلك التميُّز من لوازم، فإذا لم يتحقق ذلك فإنَّ مثل من بلغه الإسلام ولم يرفع به رأسًا {كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ} [الأعراف: 176].
ومما يؤيد هذا الاستنتاج أيضًا؛ النظر في سياق الآية إذا جاءت عقب قوله تعالى {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 172] فقد رسمت هذه الآيات خطًا واضحًا متميزًا ألزم اللَّه جلَّ وعلا النّاس بسلوكه وانتهاجه وعاب عليهم الاحتجاج بصنيع الآباء إذا كان باطلًا ومخالفًا للعهد والميثاق الذي عاهدهم عليه وواثقهم به؛ سواء (حين كانوا في عالم كالذر أو إشارة إلى ما أودع في فطرهم من الاستسلام والخضوع للَّه جَلَّ وعلا والإيمان به) . المهم أنَّ من خرج عن هذه السنة لحقه اللوم والتوبيخ؛ لأنَّ ذلك انتكاس عن الفطرة ونكثٌ للعهد ينزل بصاحبه إلى أسفل سافلين.
ثم أعقب الآيات محل الشاهد قوله تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)} [الأعراف: 179].

وفي مجمل هذه الآيات دليل بين على التعريض بمن لم يحقق التميُّز على صعيد الفرد، وعلي صعيد الأُمَّةِ الإِسلامِيَّةِ عَلى امتداد تاريخها كله.
2 – والقصص القرآني يشتمل على أساليب عدة فيها من التعريض بمن زاغ عن منهج الإسلام، وفيها من الدم والوعيد الشديد ما يكفل الحذر من الوقوع في مثل ذلك وأخذ العبرة مما حلَّ به، فردًا كان أو أُمَّةً، وفي قصص بني إسرائيل العبرة الكافية للدلالة على التميز من هذه الناحية، فقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تصور تاريخهم (وهم يمرون بحالاتٍ ثلاثٍ: حالة المن والعطاء، وحالة الجحود والإباء، وحالة الانتقام والجزاء، وذلك ليكون في قصصهم عبرة وعظة، تهدي الناس إلى أن يقوموا نحو خالقهم بواجب العبادة والشكر، حتى لا يصيبهم ما أصاب بني إسرائيل من عقوبات) .
قال تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 145]، تجاوزت هاتان الآيتان بظلالهما التهديد والوعيد الشديد لمن خالف أمر اللَّه وعصاه في الماضي وحلَّت به العقوبة إلى التعريض بمن يخالف سبيل الرشد إلى سبيل الغي ويتكبر في الأرض ويكذب بآيات اللَّه ويغفل عنها، وفي ذلك يقول الطبراني: (وإنَّما قال: {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف: 145] كما يقول

القائل لمن يخاطبه: سأريك غدًا إلى ما يصير إليه حال من خالف أمري على وجه التهديد والوعيد لمن عصاه وخالف أمره) .
والحقيقة أنَّ هذا التعريض ببني إسرائيل جاء في قمة ما أنعم اللَّه به عليهم من التكريم والاختيار والنصر والعزّة والعفو عنهم، ولكن بدت منهم علامات الزيغ والانحراف ومقابلة نعم اللَّه عليهم بالجحود والإنكار والطمع وقساوة القلب حتى بلغ بهم الأمر مبلغًا سلبهم اللَّه بسببه نعمة الاختيار والتفضيل والتكريم، وضرب عليهم الذِّلَّة والمسكنة واللَّعنة، وباؤوا بغضب من اللَّه، وجعل منهم القردة والخنازير، وتأذن ليبعثنّ عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة، وهذه جملة من الآيات تبين الحالات الثلاث التي سبق الإشارة إليها:

الحالة الأولى: حالة المن والعطاء:
– قال تعالى: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الدخان: 29 – 32].
– وقال تعالى: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)} [الأعراف: 137]
– وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} [يونس: 93].

– وقال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الجاثية: 16].
هذه الآيات الكريمة تبين حالة المن والعطاء التي أنعم اللَّه بها على بني إسرائيل، وأنها جاءت إكرامًا من اللَّه لهم بما صبروا على ظلم فرعون وقومه لهم، وأنَّ اللَّه اختارهم على علم على العالمين، وفضلهم على من سواهم من الأمم بالنصر أولًا على عدوهم، وإكرامهم بالكتاب المنزل عليهم وهو التوراة والحكم والنبوة والرزق، وبهذا تميزوا على غيرهم تَمَيُّزًا ربانيًا بلغ قمته، قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} [الأعراف: 137]، فقد نجاهم اللَّه من بطش فرعون وظلمه، واختارهم على عالم زمانهم، فبعث فيهم أنبياء كثيرين، وآتاهم على يد موسى من الدلائل ما فيه اختبار ظاهر لهم، ولكنهم -ولحكمة يعلمها اللَّه- قابلوا هذا التفضيل وذلك التكريم بنوعٍ من الجهالة والإخفاق في تحمل مسؤولية ذلك التميُّز، وهذا واضح في كثير من مواقفهم التي قصها القرآن الكريم في مواضع كثيرة إلى جانب ما ذكر هنا .

الحالة الثانية: حالة الجحود، أو موقف بني إسرائيل من هذا المن ومن ذلك العطاء: ويلمح في سياق الدلائل التي أظهرها اللَّه لبني إسرائيل على يد نبيهم موسى -عليه السلام-، والنعم التي أولاهم إياها إرهاصًا، وابتلاءً يتراوح بين العفو عنهم عندما ينحرفون عن الجادَّة، وتظهر منهم علامات كفران النِّعمَةِ، ودعوتهم لِتَجْديد التوبة وملازَمَةِ صراط اللَّه المستقيم، وعرض الفتن بمختلف صورها على صعيد العقيدة والشريعة والأخلاق

والسلوك، حتى انكشفت النفسية اليهودية في مسارها العام حيال هذا المن والعطاء، وأنها قابلته (بالظلم، والتبديل، والاعتداء، والفسق، والتناسي، استهانة بالحق، واستخفافًا بنذر العذاب الشديد) .
– قال تعالى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} [البقرة: 87].
وقال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93) قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98) وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 92 – 101].
– وقال تعالى: {لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [آل عمران: 181].

الحالة الثالثة: حالة الانتقام والجزاء:
بعد هذا الإلحاد في آيات اللَّه، والخروج عن منهجه، وعدم تحقيق التميُّز الذي يستوجبه ذلك المن والعطاء والاختيار والتكريم صدر الحكم الإلهي العادل والقضاء الماضي. . وهذه عدة آيات تبين ذلك:
– قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 160 – 161].
– وقال تعالى: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 88].
– وقال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13].
– وقال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} [المائدة: 78 – 80].
– وقال تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [آل عمران: 112].
– وقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ

الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64].
– وقال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأعراف: 167].
هذه الحالات الثلاث التي اتسم بها تاريخ بني إسرائيل يكشف عن منزلة التميُّز، وأَنَّهُ من لوازم سبيل الرشد والطريق المستقيم، وأَنَّ المن والعطاء الذي أحاط ببني إسرائيل كان من أجل حمل رسالة الدين والاستقامة على منهج اللَّه، وإذ لم يحققوا ذلك وتنكبوا طريقه سلبهم اللَّه ما أنعم به عليهم، واصطفى لحمل رسالته قومًا آخرين.
يقول أحد الباحثين: (ولقد اختارهم اللَّه حقًا ذات يوم وكانوا شعب اللَّه المختار. . . ولكنهم عند الابتلاء سقطوا وجحدوا تلك النعمة فلم يرعوها حق رعايتها (وكانت) صفحتهم سوداء. . . أدت إلى نزع العهد منهم ورفع الاختيار عنهم ومنحه لأُمَّةٍ سواهم. . هي التي قال لها: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وقال عنها: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].
إن هذا المصير الذي آلت إليه اليهود ينطبق على كلِّ من هذا حَذْوهم بدءًا بالنَّصارى الَّذين قال اللَّه عنهم: {وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة: 14].
وينطبق ذلك على المشركين كافَّة وعلي المنافقين وعلي المبتدعين بقدر

بدعتهم، كما قال بعض الباحثين: (ما من طائفة من طوائف الأُمَّة خرجت عن السنة إلَّا وقعت في شيء من سنن الأُمم الهالِكَةِ. . وفيها شبه بالكفّار يقل أو يكثر) .
ومما يروي عن بعض السلف أَنَّهُ كان يقول: (من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النَّصارى) .
ولعل ممَّا يتناسب مع هذا ما روي عن غضيف بن الحارث الثُّمالي أَنَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: “ما أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلَّا رُفِعَ مِثْلُها مِن السُّنة” .
وبالجملة فإنَّ من لم يحقق التميُّز يدخل فيما سبق من التعريض والذَّم والوعيد الشديد في الدنيا والآخرة، ولعل في قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]. لعل في هذه الآية من الإطلاق ما يتناول كل من لم يحقق التميُّز الذي هو نتيجة لاتباع سبيل المؤمنين، ولازم من لوازم ذلك.
قال ابن كثير في معنى هذه الآية: (أي: ومن سلك غير طريق الشريعة

الَّتي جاء بها الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- فصار في شق والشرع في شق، وذلك عن عمد منه بعدما ظهر له الحق وتبين له واتضح له. وقوله: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء: 115]. هذا ملازم للصفة الأولى ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع، وقد تكون لما اجتمعت عليه الأُمَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ فِيما علم اتفاقهم عليه تحقيقًا فإنّه قد ضمنت لهم العصمة -في اجتماعهم- من الخطأ تشريفًا لهم، وتعظيمًا لنبيهم) .

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*