التعريف بالمال

التعريف بالمال

التعريف بالمال .. من بحث بعنوان أخذ المال على أعمال القرب وهو المطلب الأول من المبحث الأول الذي بعنوان حقيقة المال وما يتعلق به

التعريف بالمال

المطلب الأوّل التعريف بالمال

وفيه فرعان:

الفرع الأوّل تعريف المال في اللُّغة

المال في اللُّغة، مأخوذ من مادة (مَوَلَ)، والميم، والواو، واللام كلمة واحدة، تقول: تموَّل الرَّجلُ؛ أي: اتخذ مالًا، ومال: يَمَال: إذا كثر ماله (1)، هذا ما يتعلّق بأصل الكلمة.

وبالرجوع إلى معاجم اللُّغة العربيّة، يتبين أنّه لايوجد تعريف دقيق، ومحدد لهذه الكلمة، وهذا يُعطي دلالة واضحة على أن العرف له مدخل كبير في تحديد مفهوم هذه الكلمة، فكل ما عُدّ مالًا في العرف فهو داخل تحت مفهوم هذه الكلمة.

ومن أجل ذلك قد تفاوتت عبارات أصحاب المعاجم عند تعريفهم للمال , فمرة يقولون في تعريفه: المال معروف (2)، وأخرى يقولون: المال: ما ملكته من كلّ شيء (3)، أو من جميع الأشياء (4).

وبعضهم يعرّف المال بذكر أنواعه , قال ابن الأثير (1): “المال في الأصل: ما يُملك من الذهب، والفضة، ثمّ أطلق على كلّ ما يُقتنى، وُيملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل , لأنّها كانت أكثر أموالهم” (2).

وقيل: “المال: كلّ ما يملكه الفرد، أو تملكه جماعة من متاع، أو عروض تجارة، أو عقار، أو نقود، أو حيوان , وجمعه أموال، وأطلق في الجاهلية على الإبل” (3).

هذا ما ذكره علماء اللُّغة، والذي يظهر أن تحديد مفهوم المال في اللُّغة إنّما هو راجع إلى عرف النَّاس في معاشهم بحسب ما يفهمون، ويألفون، والذي يدلُّ على ذلك ما يأتي؟

أوَّلًا: أن لفظة (مال) من الكلمات القديمة، والمشهورة في لغة العرب، فلا يعقل أن تترك كلّ هذه المدة دون أن يكون لها معنى، أو مفهوم واضح في حياة النَّاس، إذ المال قِوام الجماعة، وعصب حياتها.

ثانيًا: أن لفظة (مال) قد تكررت في الكتاب والسُّنَّة عشرات المرات، ولم يأت من الشارع تحديد مفهوم لها , فعُلِمَ من ذلك أنّه تركها لعرف النَّاس، وفهمهم،
فكل ما عُدّ مالًا في العرف فهو مال، ولذا قال الفيومي (1) في المصباح المنير: “فقول الفقهاء: ما يتموّل. أي: ما يعدّ مالًا في العرف” (2).
والذي نأخذه من المعاجم اللغوية:

أن المال: هو ما تملّكه الإنسان، وحازه بالفعل من كلّ شيء، وهذا الإطلاق يشمل العين، والمنفعة؛ فالأعيان نحو ما مثلوا به، كالذهب، والفضة، والحيوان، والنبات، وغير ذلك. والمنفعة: نحو الرُّكوب للدابة، واللبس للثوب، والسكنى للدار، وغير ذلك. وأمّا ما لايملكه الإنسان، ولم يدخل في حيازته بالفعل فلا يُعد مالًا في اللُّغة.

الفرع الثّاني المال في الاصطلاح الشرعي

اتّجه الفقهاء، في تعريفهم للمال، إلى اتجاهين مختلفين، وهذا الاختلاف مردّه إلى اختلافهم، في مالية المنافع، وعدم ماليتها.

فأصحاب الاتجاه الأوّل: وهم جمهور الفقهاء، يرون أن المنافع أموال. وبناء على ذلك، فقد اشتملت تعريفاتهم للمال على المنفعة.

وأمّا أصحاب الاتجاه الآخر: وهم الحنفية، فإنهم لايرون أن المنافع تُعد مالًا، وبالتالي لم يدخلوها في تعريفاتهم للمال.

فيتحصل لنا ممّا سبق أنّه يوجد اصطلاحان للمال:

الاصطلاح الأوّل: اصطلاح الجمهور.

الاصطلاح الآخر: اصطلاح الحنفية.

وسوف أذكر أوَّلًا تعريف الحنفية للمال، ثمّ أعقبه بتعريف الجمهور على النحو التالي:

أوَّلًا: تعريف المال اصطلاح الحنفية:

يذكر الحنفية في مؤلفاتهم تعريفات كثيرة للمال، وهم وإن اتفقوا فيما بينهم على فهم حقيقة المال، وتحديد ذلك المفهوم عندهم، إِلَّا أنّهم اختلفوا في التعبير عن ذلك؛ فجاءت عباراتهم متنوعة، وما ذلك إِلَّا طمعًا في الوصول إلى تعريف دقيق لمفهوم المال في الاصطلاح الشرعي.

وأكثر من تعرض لتعريف المال هو ابن نجيم (1)، حيث نقل عدة تعريفات للمال عن كثير من علماء الحنفية المتقدمين.

وسأسوق هذه التعريفات، وغيرها ممّا هو موجود في كتب الحنفية حتّى يتضح من خلالها مفهوم المال عندهم.

فمن تلك التعريفات ما يلي:

التعريف الأوّل:

قالوا في تعريفه: (هو اسم لما هو مخلوق لإقامة مصالحنا به، ولكن باعتبار صفة التمول والإحراز) (1).

التعريف الثّاني:

قالوا: (هو ما من شأنّه أن يدخر للانتفاع به وقت الحاجة) (2).

التعريف الثّالث:

أن المال هو: “كلّ ما يتملكه النَّاس، من نقد، وعروض، وحيوان، وغير ذلك” (3).

وعقب على هذ”لتعريف ابن نجيم بقوله: “إِلَّا أن في عُرفنا يتبادر من اسم المال النقد، والعروض” (4).

التعريف الرّابع:

أن المال هو: “ما يتمول، ويدخر للحاجة”، وسيأتي تعريف التمول.

وعقب عليه ابن نجيم بقوله: “وهو خاص بالأعيان، فخرج تمليك النافع” (5).

التعريف الخامس:

أن المال هو: “ما يميل إليه الطبع، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة”. وقد عقب صاحب هذا التعريف عليه بقوله: “والمالية إنّما تثبت بتمول النَّاس كافة، أو بتقوم البعض، والتقوم يثبت بها، وبإباحة الانتفاع له شرعًا. فما يكون مباح الانتفاع بدون

تمول النَّاس لايكون مالًا ,كحبة حنطة، وما يكون مالًا بين النَّاس، ولا يكون مباح الانتفاع، لا يكون متقومًا؛ كالخمر. وإذا عدم الأمران لم يثبت واحد منهما؛ كالدم” (1). اهـ.

وقد نقل هذا التعريف ابن عابدين (2) في حاشيته، وعلق عليه بقوله: “وأنّه خرج بالإدخار المنفعة، فهي ملك لا مال , لأنّ الملك ما من شأنّه أن يتصرف فيه بوصف الاختصاص” (3).

التعريف السّادس:

أن المال هو: “اسم لغير الأدمي، خلق لمصالح الآدمي، وأمكن إحرازه، والتصرف فيه على وجه الاختيار” (4).

وقد عقب صاحب هذا التعريف عليه بقوله: “والعبد وان كان فيه معنى المالية، لكنه ليس بمال حقيقة، حتّى لايجوز قتله، وإهلاكه” (5).

وقد ذكلر ابن عابدين التعريف السابق، والتعقيب عليه في حاشيته، ثمّ عقب على ذلك كله بقوله: ” قلتُ: وفيه نظر , لأنّ المال المنتفع به في التصرف على وجه الاختيار، والقتل، والإهلاك ليس بانتفاع، ولأن الانتفاع بالمال يعتبر في كلّ شيء بما يصلح له، ولايجوز إهلاك شيء من المال بلا انتفاع أصلًا , كقتل الدابة بلا سبب موجب” (1).

وهذا التعريف قد اختاره الشّيخ محمّد أبو زهرة (2)، وقد علّق عليه بقوله: “وهذا التعريف كامل صحيح، وإن كان فيه نقص، فهو أنّه لم يشمل الإنسان المسترق، وهو نقص فيه كمال؛ لأنّ الإنسان لايعتبر مالًا في أصله، والمالية أمر عارض للعبيد، ويحسن رفعها ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلًا، وهذا أمر مقرر في الإسلام” (3).

التعريف السابع:

أن المال هو: “موجود يميل إليه الطبع، ويجرى فيه البذل، والمنع” (4).

وقد نقل ابن عابدين هذا التعريف في حاشيته، واختاره، وعلّق عليه بقوله: “فالأولى ما في الدرر من قوله: المال: موجود يميل إليه الطبع … إلخ، فإنّه يخرج بالموجود: المنفعلة، فافهم، ولايرد أن المنفعة تملك بالإجارة، لأنّ ذلك تمليك لا بيع حقيقة، ولذا قالوا: إنَّ الإجارة بيع المنافع حكمًا أي: أن فيها حكم البيع، وهو التمليك لا حقيقته … ” (5).

التعريف الثّامن:

وهو تعريف مجلة الأحكام العدلية (1)، وقد جاء فيه أن المال هو: “ما يميل إليه الطبع، ويمكن ادخاره لوقت الحاجة، منقولًا كان، أو غير منقول” (2).
هذه مجمل التعريفات الّتي وقفت عليها في كتب الحنفية.

اعتراضات على التعريفات

وهذه التعريفات على الرغم من تنوعها، وكثرتها، لم تسلم من النقض من متأخري الحنفية، وقد اعتُرض عليها بما يأتي:

أوَّلًا: أن طباع النَّاس تختلف في ميلها، وتناقضها , فلا تصلح أن تكون أساسًا، ولا مقياسًا لتمييز المال من غير المال.

ثانيًا: أن من المال أنواعًا لا يمكن ادخارها؛ كالخضراوات، والثمار الطازجة مع أنّها أموال مهمة بين النَّاس.

ثالثًا: أن من الأموال ما تعافه النفس، ولا يميل إليه الطبع , كالأدوية الكريهة، وهي أموال ثمينة لا يشملها التعريف (3).

ولما كانت هذه التعريفات لا تعبر عن حقيقة المال في الذهب الحنفي فقد حاول بعض الباحثين المعاصرين تعريف المال تعريفًا سليمًا خاليًا من الاعتراضات السابقة؛

فعرّف المال في نظر فقهاء المذهب الحنفي بأنّه: “كلّ عين ذات قيمة مادية بين النَّاس” (1).

وعرّفه بعضهم بقوله: “ما يمكن حيازته، وإحرازه، والانتفاع به انتفاعًا معتادًا (2).

من خلال تعريفات الحنفية السابقة للمال يلحظ أنّهم يشترطون لتحقق مالية الشيء أمرين:

الأمر الأوّل: أن يكون هذا الشيء ماديًا يمكن إحرازه، وحيازته.

وعليه، فلا تكون المنافع، والديون، والحقوق المحضة مثل حق التعلي (3)، والشُّفعَةِ (4)، ونحوها، لا تكون أموالًا، كذلك الأمور المعنوية , كالشرف، والذكاء، والصحة، لا تكون أموالًا.

ولا يشترط كذلك أن يكون الشيء مملوكًا بالفعل حتّى يكون مالًا، بل يكفي إمكان تملُّكه، وحيازته. وعليه، فالصَّيد في الفلاة، والطير في السَّماء يعتبر مالًا؛ لإمكان إحرازه، وتملكه.

الأمر الآخر: أن يكون هذا الشيء منتفعًا به، ويكون هذا الانتفاع معتادًا.

وعليه، فالطعام الفاسد، ولحم الميِّتة، ليسا بمالٍ؛ لأنّه لا ينتفعٍ بهما أصلًا. وحبة القمح، وقطرة الماء ليستا بمال , لأنّهما لا ينتفع بهما انتفاعًا معتادًا. والمراد بالانتفاع هنا: هو الانتفاع الشروع في حالة السعة، والاختيار، دون حالة الضّرورة، فجواز الانتفاع بلحم الميِّتة في حال الضّرورة لا يجعل منه مالًا. وليس المقصود بالانتفاع هنا انتفاع النَّاس كافة. بل يكفي انتفاع بعضهم.

وعليه، فلا تزول مالية الشيء إِلَّا إذا ترك النَّاس كلهم تموُّله، ولم تكن له منفعة أصلًا، أمّا إذا ترك بعض النَّاس تموله، وبقي منتفعًا به عند بعضهم فلا تزول ماليته كالملابس القديمة الّتي يستعملها بعض النَّاس دون البعض الآخر” (1).

ثانيًا: المال في اصطلاح الجمهور:

تقدّم معنا أن اختلاف الجمهور مع الحنفية في تعريف المال في الاصطلاح راجع إلى أن الحنفية لا يرون مالية المنافع، بخلاف الجمهور، الّذي يرى أن المنافع أموال. وعليه، فإن تعريف الجمهور للمال سيكون أوسع من تعريف الحنفية، حيث يشتمل على المنافع، بل تتسع دائرة الأموال عند الجمهور لتشمل ما يُعرف في هذا العصر بالحقوق المعنوية. وسأذكر جملة من تعربفات الجمهور للمال ثمّ أذكر التعريف المختار.

أوَّلًا: المال عند المالكية:

التعريف الأوّل: عرّفه ابن عبد البرّ (2) بقوله: “المعروف من كلام العرب: أن كلّ

تُمول، وتملك فهو مال” (1).

ثمّ ذكر في موضع آخر تعريف المال فقال: “والعلّم محيط، واللسان شاهد في أن ما تملك، وتمول يسمى مالًا” (2).

وعلى هذا، فتعريف المال عند ابن عبد البر هو: “كلّ ما تُمول، وتُملك”.

فقوله: “كلّ ما تُمُوِّل، وتملك”، يشمل الأعيان، والمنافع.

التعريف الثّاني: عرّفه الشاطبي (3) بأنّه: “ما يقع عليه الملك، ويستبد به المالك عن غيره إذا أخذه من وجهه” (4).

فقوله: “ما يقع عليه الملك”. حيث انطلق في تعريفه من كون المال محلًا للملك، والملك في حقيقته اختصاص المالك بهذا الشيء، بحيث يكون له الانتفاع، والتصرف فيه بكل أنواع الانتفاع، والتصرف، والاختصاص لايتعلّق إِلَّا بماله قيمة مادية بين النَّاس، وإلا فلا معنى للاختصاص به، وعلى هذا فيكون قوله: “ويستبد به المالك

عن غيره” مجرد زيادة للتوضيح، والبيان , لأنّ الملك – كما سبق – يقتضي الاختصاص، والاستبداد بالشيء.

وقوله: “إذا أخذه من وجهه”، الراد به هو التملك المشروع.

ويستفاد من تعريف الشاطبي شمول المال للعين، والمنفعة , وذلك من قوله: “ما يقع عليه الملك”، فإن كلمة (ما) جنس في التعريف، فهي تشمل العين، والمنفعة، وكذلك فإن المنفعة تمليك، ويقع عليها الملك، فلا خلاف في أنّها تكون محلًا للملك كما سبق (1).

التعريف الثّالث: عرّفه بعض المالكية بقوله: “هو كلّ ما مُلك شرعًا، ولو قلَّ” (2).

وبمثل هذا التعريف عرَّفه الدردير (3) بقوله: “كلّ ما يملك شرعًا ولو قل” (4).

وهذه التعريفات تدل على شمول مفهوم المال للعين، والمنفعة عند المالكية (1)، حيث إنَّ المنفعة تملك شرعًا، فتكون محلًا للملك، كما في الإجارة، وهذا القدر متفق عليه بين الفقهاء، كما سبق بيانه.

ثانيًا: المال عند الشّافعيّة:

عرّف الشّافعيّة المال بتعريفات عديدة منها:

التعريف الأوّل: ما نقل عن الإمام الشّافعيّ أنّه عرّف المال بأنّه “ما له قيمة يباع بها، وتلزم متلفه، وإن قلّت” (2).

ويتضح هذا التعريف عند التعليق على التعريف التالي:

التعريف الثّاني: عرّفه النووي (3) بقوله: “كلّ ما يتموّل وإن قلّ” (4).

وقد بين الإمام الشربيني (5) هذا التعريف بقوله: “وهو كما قال الإمام: ما يسدّ مسدًا، أو يقع موقفًا من جلب نفع، أو دفع ضرر” (6).

وهذا هو معنى قول الإمام الشّافعيّ السابق: “ما له قيمة”.

أمّا قوله: “يتموّل” فقد صردت هذه الكلمة كثيرًا فيما مرّ معنا من تعريفات، وقد نقل الإمام السيوطيّ (1) ضابطًا لهذه الكلمة عن الإمام الشّافعيّ؛ قال: “وأمّا المتموَّل فذكر الإمام له في باب اللقطة ضابطين:

أحدهما: أن كلّ ما يقدر له أثر في النفع فهو متمول، وكل ما لا يظهر له أثر في الانتفاع فهو لقلته خارج عن المتمول.

الآخر: أن المتمول هو الّذي يعرض له قيمة عند غلاء الأسعار، والخارج عن المتمول: هو الّذي لا يعرض فيه ذلك” (2).

التعريف الثّالث: عرّفه الزركشي (3)، فقال: “المال: ما كان منتفعًا به، أو: مستعدًا لأنّ ينتفع به”.

ثمّ قال: “وهو إمّا أعيان، أو منافع، والأعيان قسمان: جماد، وحيوان؛ فالجماد مال في كلّ أحواله، والحيوان ينقسم إلى ما ليس له بنية صالحة للانتفاع، فلا يكون مالًا، كالذباب، والبعوض، والخنافس، والحشرات. وإلى ما له بنية صالحة. وهذا ينقسم إلى: ما جبلت طبيعته على الشر، والإيذاء , كالأسد، والذئب، فليست مالًا، وإلى ما جبلت طبيعته على الاستسلام، والانقياد , كالبهائم، والمواشي فهي أموال.

والسر فيه: أن استعمال الجمادات ممكن على سبيل القهر , إذ ليس لها قدرة، ولا إرادة يتصور منها الامتناع، وأمّا الحيوان فهو مختار في الفعل، فلا يتصور استعمالها إِلَّا بمساعدة منها، فإذا كانت مجبولة على طبيعة الاستسلام أمكن استعمالها، واستسخارها في المقاصد، بخلاف ما طبيعته الشر والإيذاء، فإنها تمتنع، وتستعصي، وتنتهي إلى ضد غرض المستعمل، ولهذا إذا صالت تلك الحيوانات التحقت بالمؤذيات طبعًا، في الإهدار” (1).

ممّا سبق من تعريفات عند الشّافعيّة، يتبين لنا أن المالية قائمة بالمنافع، كما هي قائمة بالأعيان، وقد نصّ كثير من الشّافعيّة على ذلك (2).

ثالثًا: تعريف المال عند الحنابلة:

عرّف الحنابلة المال بتعريفات كثيرة منها:

التعريف الأوّل: عرّفه ابن قدامة (3) بقوله: “هو ما فيه منفعة مباحة لغير ضرورة” (4).

فخرج بقوله “منفعة”: ما لا نفع فيه، كالحشرات. وبقوله “مباحة”: ما فيه منفعة محرّمة , كالخمر، والخنزير، ونحوهما. وبقوله: “لغير ضرورة”: ما فيه منفعة مباحة للضرورة , كالكلب (1).

التعريف الثّاني: عرّفه بعضهم بقوله: “وهو ما يباح نفعه مطلقًا، أو اقتناؤه بلا حاجة” (2).

وهو قريب من التعريف الأوّل، وسبق بيان مفرداته.

التعريف الثّالث: عرّفه بعضهم بقوله:”هو ما فيه منفعة مباحة لغير حاجة، أو ضرورة” (3)

وجاء في شرح التعريف: “فخرج ما لا نفع فيه أصلًا كالحشرات، وما فيه منفعة محرّمة كالخمر، وما فيه منفعة مباحة للحاجة كالكلب، وما فيه منفعة تباح للضرورة كالميِّتة في حال المخمصة، وخمر لدفع لقمة غص بها”. ثمّ قال: “تنبيه” ظاهر كلامه هنا كغيره: أن النفع لا يصح بيعه، مع أنّه ذكَر في حدّ البيع صحته، فكان ينبغي أن يقال هنا: كون المبيع مالًا، أو نفعًا مباحًا مطلقًا، أو يعرّف المال بما يعم الأعيان والمنافع” (1).

وبالنظر في تعريفات الحنابلة السابقة يظهر أن الأمر كما قال صاحب الكشاف: أن هذه التعريفات لا توضح معنى المال عند الحنابلة؛ لعدم دخول المنافع فيها، وهي مال عندهم، فهي تعريفات غير جامعة.

ومن مجمل تعريفات الجمهور السابقة للمال استخلص بعض الباحثين تعريفًا للمال بأنّه: “ما كان له قيمة مادية بين النَّاس، وجاز شرعاً

الانتفاع به في حال السعة، والاختيار” (2).

وقد بيّن مراده بالتعريف فقال مبينًا مفرداته:

– ما: جنس يشمل أي شيء سواء أكان عينًا أم منفعة، وسواء أكان شيئًا ماديًا أو معنويًا.

– له قيمة مادية بين النَّاس: قيد لإخراج الأعيان، والمنافع الّتي لا قيمة لها بين النَّاس؛ كحبة قمح، أو قطرة ماء، وكمنفعة شم تفاحة.

– وجاز شرعًا الانتفاع به: قيد لإخراج الأعيان، والمنافع الّتي لها قيمة بين النَّاس، ولكن الشّريعة أهدرت قيمتها، ومنعت الانتفاع بها , كالخمر، والخنزير، ولحم الميِّتة، ومنفعة آلات اللهو المحرمة.

– في حال السعة والاختيار: قيد جيء به لبيان أن الراد بالانتفاع هو الانتفاع المشروع في حالة السعة والاختيار، دون حال الضّرورة، فجواز الانتفاع بلحم.
الميِّتة، أو الخّمْرِ، أو غيرهما من الأعيان المحرمة، لا يجعلها مالًا في نظر الشّريعة (1).

وهذا التعريف متين وقوي، إِلَّا ما قد يردّ عليه في قوله: “قيمة مادية”، فإنّه قد يفهم منها إرادة الأعيان دون المنافع، ودون الأمور المعنوية , لأنّ كلمة: (مادية)، بالرجوع إلى معناها في اللُّغة نجد أنّها مشتقة من كلمة (مادة)، وهي لا تطلق إِلَّا على ما له جسم، ويشغل حيزًا من الفراغ (2).

وكذلك فإنّه في الاستعمال العربي يستعمل الشيء المادي في مقابلة الشيء المعنوي.

وعليه، فكان عليه إطلاق القيمة دون تقييدها بالمادية، كما ورد في تعريف الإمام الشّافعيّ للمال – كما سبق – لتشمل أي قيمة، سواء أكانت قيمة مادية أم قيمة معنوية، وبهذا يتسع التعريف ليشمل كلّ الحقوق الّتي تكون محلًا للملك، سواء أكانت حقوقًا عينية، أم منافع، أم حقوقًا معنوية بكافة صورها، وأشكالها.

وبناءً على ما ذكرته من تعريفات للمال عند الجمهور يتبين أن أساس المالية في نظرهم أمران:

الأمر الأوّل: أن يكون الشيء له قيمة بين النَّاس مطلقًا، سواء أكان عينًا أم منفعة، أمّا إذا كان الشيء تافهًا لا قيمة له بين النَّاس , كحبة قمح، أو قطرة ماء، وغيرهما، كالحشرات، والهوام فإنّه لا يعدّ مالًا.

الأمر الآخر: أنغ تكون القيمة ناتجة من الانتفاع بهذا الشيء انتفاعًا مشروعًا في حالة السعة والاختيار، فإن كان الشيء له قيمة بين النَّاس ولكن الشّريعة أهدرت قيمته، ومنعت الانتفاع به كالخمر، والخنزير، ومنفعة آلات اللهو المحرمة فإنّه لا يعدّ مالًا، وكذا ما كان الانتفاع به في حال الضّرورة؛ كلحم الميِّتة، أو الخّمْرِ، ونحوهما للمضطر فإنها لا تعدّ مالًا. لأنّ الضّرورة تقدر بقدرها (1).

ويلحظ كذلك أن الجمهور قد اتفقت كلمتهم على اعتبار المنافع أموالًا لإمكان حيازتها بحيازة أصلها، ولأنّها المقصودة من الأعيان، ولولاها ما طلبت، والطبع يميل إليها كذلك (2).

ومما لا شك فيه: أن تعريف الجمهور للمال هو الأولى بالأخذ والاعتبارة ذلك أن الأعيان لا تقصد الذاتها، بل لمنافعها، وعلى هذا أعراف النَّاس، ومعاملاتهم، وقد اعتبر الشّرع المنفعة مالًا، إذ جعلها مهرًا في النِّكاح. قال تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ} (3)، فاشترط أن يكون المهر مالًا، فدل على كون المنفعة مالًا، ولولا ذلك لما جعلها مهرًا في النِّكاح (4). وقد اعتبر الشارع المنفعة مالًا كما في عقد الإجارة، وإن كان للحنفية تأويل لذلك سبق بيانه، كما أننا نجد أن الحنفية يطلقون المال بما يشمل المنفعة في كثير من المواطن، ومن ذلك ما جاء في “بدائع الصنائع” في أكثر من موطن. ومن ذلك:

1 – جاء في بيان شرائط الموصى به، فذكر من شروطه ما نصه:

“وأمّا ما يرجع إلى الموصى به فأنواع منها أن يكون مالًا … ومنها أن يكون مالًا متقومًا …. سواء” كان المال عينًا، أو منفعة عند عامة العلماء” (1).
وقال في بيان حكم الوصيَّة:

” .. أمّا الوصيَّة بالمال فحكمها ثبوت الملك في المال الموصى به للموصى له، والمال قد يكون عينًا، وقد يكون منفعة ….. ” (2).
وهذا تصريح من الحنفية بأن المنفعة تكون مالًا.

– كما أن الأخذ بمفهوم الجمهور للمال يسمح بتوسيع دائرة المال في هذا العصر لتشمل أشياء كثيرة لم تكن معروفة من قبل، مثل الأشياء المعنوية، وهي المعروفة بالحقوق الذهنية، وحقوق الابتكار، وهو ما سيأتي الكلام عليه من حيث حكم أخذ المال على هذه الحقوق – إن شاء الله تعالى -.

– كما أن في إهدار المنافع، وعدم اعتبارها أموالًا، ضياعًا للحقوق، وتسليطًا للظلمة على منافع الأعيان الّتي يمتلكها غيرهم (3).

– وتظهر ثمرة الخلاف بين الحنفية والجمهور في مسائل منها:

أوَّلًا: في باب الغصب:

فمن غصب شيئًا، وانتفع به مدة، ثمّ ردّه إلى صاحبه، فعند الحنفية لا يضمن قيمة المنافع، إِلَّا إذا كان المغصوب عينًا موقوفة، أو مملوكة ليتيم، أو شيئًا معدًا للاستغلال، وهذا الاستثناء عند المتأخرين منهم فقط، وعند الجمهور يضمن قيمة المنافع؛ لأنّها أموال.

ثانيًا: في باب الإجارة:

إذا استأجر شخص دارًا مدة معينة، ثمّ مات قبل انتهاء مدة الإجارة، فعند الحنفية: ينتهي العقد بموت المستأجر؛ لأنّ المنفعة ليست مالًا حتّى تورث، بينما الجمهور يقولون: إنَّ الورثة يحلون محل الميِّت حتّى تنتهي مدة الإجارة (1).

بقيت كلمة فيما يتعلّق بمفهوم المال في الاصطلاح، وهي: أن الفقهاء، وإن اختلفوا في مالية المنافع، لكنهم متفقون على أنّها تكون محلًا للملك، فهم يقررون في كتاب الإجارة مثلًا – وقد سبق أن بينت ذلك -: أن المستأجر مالك لمنفعة العين المؤجرة، ويرددون ذلك في فروع كثيرة (2).

أخذ المال على أعمال القُرَب

1 Trackbacks & Pingbacks

  1. خطة بحث أخذ المال على أعمال القرب - المكتبة العربية الكبرى

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*