الحالة الاقتِصاديَّة للمسلمين في المجتمع المَدَني

الحالة الاقتِصاديَّة للمسلمين في المجتمع المَدَني

الحالة الاقتِصاديَّة للمسلمين في المجتمع المَدَني

المَطْلَب الثالث: الحالة الاقتِصاديَّة للمسلمين في المجتمع المَدَني

تُظهر كُتُب السيرة أن الحالة الاقتِصاديَّة العامة في المدينة كان فيها مِن ضيقِ العيش الشيءُ الكثيرُ، ويتضح ذلك مِما يلي:

جوع النبي صلى الله عليه وسلم

أولًا: حديث جابر بن عبد الله – رضي الله عنه – قال: (مكث النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه يحفرون الخندق ثلاثًا ما ذاقوا طعامًا؛

فقالوا: يا رسول الله، إن ها هنا كُدْيَةً من الجبل، فقال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -:

«رشُّوا عليها الماء» فرشوها؛ ثم جاء النبي – صلى الله عليه وسلم –

فأخذ المِعْوَلَ أو المِسْحاة، ثم قال: «بسم الله»،

ثم ضَرَبَ ثلاثًا، فصارتْ كثيبًا يُهال،

قال جابر: فحانتْ مني الْتِفاتة، فرأيتُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – قد شَدَّ على بطنه حجرًا)!

وفي لفظٍ آخرَ: (لما حفر النبيُّ وأصحابه الخندق أصاب النبي والمسلمين جهدٌ شديدٌ، فمَكثوا ثلاثًا لا يجدون طعامًا؛

حتى ربط النبيُّ على بطنه حجرًا من الجوع) ([1]).

وفي رواية الطبَراني قال: (لما حفر النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – الخندق أصاب المسلمين جوعٌ شديدٌ،

حتى ربط النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – على بطنه صخرةً مِن الجوع،

فانطلقتُ إلى أهلي فقلتُ: قد رأيتُ في وجه رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه الجوعَ،

فذبحتُ عَناقًا لنا؛ وأمرتُ أهلي فخبزوا شيئًا مِن شعير كان عندهم، وطبخوا العَناقَ،

ثم دعوتُ النبيَّ – صلى الله عليه وسلم – فأخبرتُه بالذي صنعتُ،

فقال: «فانْطَلِقْ فهَيِّئ ما عندك حتى آتيك»،

فذهبتُ فهَيَّأْتُ ما كان عندنا، فجاء رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – والجيشُ جميعًا؛

فقلتُ: يا رسول الله، إنما هي عَناقٌ جعلتُها لك ولنفرٍ مِن أصحابك،

فقال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «ائتِ بقَصْعةٍ»، فأتيتُه بقَصْعَةٍ؛

ثم قال: «ائدِمْ فيها»، ثم دعا عليها بالبركة؛ ثم قال: «بسم الله»،

ثم قال: «أدْخِلْ عشرةَ رجالٍ» ففعلْتُ، فإذا طعِمُوا وشبِعُوا خرَجُوا،

وأدخلتُ عشرةً أخرى، حتى بلَغ الجيشُ جميعًا، والطعامُ كما هو) ([2]).

حديث أم سليم

ثانيًا: حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه – الذي جاء فيه: أنَّ أبو طَلْحَة قال لأُمِّ سُلَيْمٍ:

لقد سمعتُ صوتَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ضعيفًا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيءٍ؟

قالتْ: نعم، فأخرجَتْ أقراصًا مِن شعير، ثم أخرجتْ خِمارًا لها، فلفَّت الخبزَ ببعضه، ثم دسَّتْه تحت يدي ولاثَتْنِي ببعضه،

ثم أرسلتْني إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -،

قال: فذهبتُ به، فوجدتُ رسولَ الله – صلى الله عليه وسلم – في المسجد، ومعه الناس، فقمتُ عليهم،

فقال لي رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «أأرسلك أبو طَلْحَة» فقلتُ: نعم،

قال: «بطعام»، فقلت: نعم، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لمن معه: «قوموا»،

فانطلق وانطلقتُ بين أيديهم، حتى جئتُ أبا طَلْحَة فأخبرتُه،

فقال أبو طَلْحَة: يا أم سليم، قد جاء رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – بالناس، وليس عندنا ما نُطعمهم؟

فقالتْ: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طَلْحَة حتى لقيَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، فأقبل رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – وأبو طَلْحَة معه،

فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «هلمِّي يا أُمَّ سُلَيْمٍ، ما عندك»

فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فَفُتّ، وعصرتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً فأدْمَتْهُ،

ثم قال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: «ائذَنْ لعشرة» فأذِنَ لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا،

ثم قال: «ائذنْ لعشرة» فأذِن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا،

ثم قال: «ائذنْ لعَشَرة» فأذِنَ لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا،

ثم قال: «ائذَنْ لعشرة» فأكل القومُ كلُّهم وشبعوا، والقومُ سبعون أو ثمانون رجلاً!» ([3]).

حديث ابو هريرة

ثالثًا: حديث أبي هُرَيْرَة – رضي الله عنه – قال: كان أهل الصُّفَّة أضياف أهل الإسلام، لا يأوون على أهل ولا مال،

والله الذي لا إله إلا هو، إن كنتُ لأعْتَمِدُ بكَبِدي على الأرض مِن الجوع، وأشدُّ الحجَر على بطني من الجوع،

ولقد قعدتُ يومًا على طريقهم الذي يخرجون منه، فمَرَّ بي أبو بكر، فسألتُه عن آيةٍ مِن كتاب الله، ما أسأله إلا ليَسْتتبعني، فمَرَّ ولم يفعلْ،

ثم مَرَّ بي عمرُ، فسألتُه عن آية من كتاب الله ما أسأله إلا ليستتبعني، فمَرَّ ولم يفعلْ،

ثم مَرَّ أبو القاسم – صلى الله عليه وسلم – فتَبَسَّم حين رآني وقال: «أبا هُرَيْرَة»، قلتُ: لبيك يا رسول الله قال: «الْحَقْ»، ومضى فاتبعتُه،

ودخل منزله فاستأذنتُ فأذِن لي، فوجد قدَحًا مِن لبن، فقال: «مِن أين هذا اللبن لكم»؟ قيل: أهداه لنا فلان،

فقال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: «أبا هُرَيْرَة» قلتُ: لبيك، فقال: «الْحَقْ أهل الصُّفَّة فادْعُهم،

وهم أضيافُ أهل الإسلام، لا يأوون على أهل ومال»، إذا أتته صدقة بعث بها إليهم،

ولم يتناولْ منها شيئًا، وإذا أتته هدية أرسل إليهم، فأصاب منها وأشركهم فيها،

فساءني ذلك، وقلتُ: ما هذا القدح بين أهل الصُّفَّة وأنا رسوله إليهم، فسيأمرني أن أُديرَه عليهم، فما عسى أن يُصيبَني منه،

وقد كنت أرجو أن أصيبَ منه ما يُغنيني! ولم يكن بُدٌّ مِن طاعة الله وطاعة رسوله،

فأتيتهم فدعوتهم، فلما دخلوا عليه فأخذوا مجالسهم، فقال: «أبا هُرَيْرَة، خُذ القدح وأعطِهم»،

فأخذتُ القدَح، فجعلتُ أُناوله الرجل، فيشرب حتى يُروى، ثم يرده فأناوله الآخر حتى انتهيتُ به إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -،

وقد روى القوم كلهم،

فأخذ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – القدح، فوضعه على يديه ثم رفع رأسه فتبسم،

فقال: «أبا هُرَيْرَة، اشربْ»، فشربتُ ثم قال: «اشربْ»، فلم أزَل أشرب، ويقول: «اشربْ»، حتى قلتُ: والذي بَعَثَكَ بالحق ما أجد له مَسْلكًا، فأخذ القدح فحمد الله وسَمَّى ثم شرب؛ والحديث حسن صحيح ([4]).

الهامش

[1] مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241 هـ)، تحقيق شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد وآخرين، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1421 هـ- 2001 م، (22/ 129) رقم الحديث: 14221، وقال في الحاشية ما نصه: إسناده صحيح على شرط البخاري، رجاله ثقات رجال الشيخين غير أيمن المكي والد عبد الواحد، فمن رجال البخاري.

وهو في «زهد» وكيع (124)، ومن طريق وكيع أخرجه هنَّاد في «الزهد» (765)، وأبو عوانة (4/ 354 – 355، والبيهقي في «دلائل النبوة» (3/ 422).

[2] المعجم الأوسط، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني (المتوفى: 360 هـ)، تحقيق طارق بن عوض الله بن محمد وعبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين، القاهرة، (3/ 318).

[3] صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، 1422 هـ، (4/ 193)، رقم الحديث 3578.

[4] سنن الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (المتوفى: 279 هـ)، تحقيق إبراهيم عطوة عوض، مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي مصر، (4/ 648)، رقم الحديث: 2477، وقال في الحاشية: حكم الألباني صحيح.

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*