الخاتمة

الخاتمة .. تتضمن هذه الخاتمة خلاصة لأهم ما في هذه الرسالة من موضوعات فكريَّة، ونتائج، وتوصيات؛ مِمَّا خلص إليه البحث في تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة

الخاتمة

تتضمن هذه الخاتمة خلاصة لأهم ما في هذه الرسالة من موضوعات فكريَّة، ونتائج، وتوصيات؛ مِمَّا خلص إليه البحث في تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة والدراسة النقديَّة لموقف المستشرقين منه، وذلك على النحو الآتي:

1 – في ضوء الدراسة التأصيلية لتميز الأُمَّة الإسلاميَّة، تبين الآتي:

أولًا: اشتمال مفهوم يتميز الأُمَّة الإسلاميَّة على ما اختصت به من دون سائر الأُمم، وتحقق هذا المفهوم بمدلوله العلمي فيها، وبمعطياته المتنوعة، على نحوٍ متفرد من حيث وحدة المصدر والاتجاه، وشمول الرؤية، وكمال النظم بحيث صبغها بصبغته، وميَّزها بطابعه، فكانت أُمَّةً وسطًا.

ثانيًا: ارتكاز تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة على القرآن الكريم والسنة المطهرة، على ضوءِ فهم السلف الصالح لهما، وتحقيق ذلك في حياة الأُمَّة عبر عصورها.
ثالثًا: استفاضة الأدلة على منزلة التميُّز وضرورته، وأنَّه من سنن اللَّه -عز وجل- مِمَّا يؤكد أنَّ تَمَيُّز هذه الأمَّة قدرًا إلهيًّا، واختيارًا ربانيًّا، وتكريمًا من العليم الخبير، ويبين عظم المسؤولية في تحقيقه.

رابعًا: أنَّ ضرورة التميُّز أساس في إبراز ذاتيَّة الأُمَّة، وإظهار سمتها وسماتها, ولا سيما مع تقدم الزمان، وتقدم وسائل الاتصال، وتداخل الثقافات، وتلاقي الأمم بمناهجها المختلفة، وثقافاتها المتنوعة، وسيرورة البشريَّة نحو العالمية في نظمها وقيمها وتصوراتها، فالتميُّز ضرورة للأمَّة الإسلاميَّة؛ ليكون ضمانة لها من الضياع، أو التراجع، أو التفريط.

خامسًا: إنَّ تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة بمقوماته وخصائصه وأهدافه ووسائله، تَمَيُّز فريد لا يعني -بحال- الانغلاق في دوائر الذاتيَّة الضيقة، أو الإقليمية المحدودة، أو العنصرية المقيتة، بل هو تَمَيُّز يعلي من قيمة الفرد، ويهتم بمصلحة المجتمع، وسيادة الأُمَّة لارتكازه على ما يأتي:

أ- عقيدة التوحيد؛ التي فطر اللَّه الناس عليها، فهي بذلك: عقيدة سهلة المأخذ، واضحة بينة بيضاء نقية، تعرض قضايا الوجود، وحقائق عالم الغيب وعالم الشهادة، بأسلوب حي مؤثر، يجعل للإيمان أثره العميق في نفس الفرد، وفي استقامة سلوكه، وفي الجماعة ونظام حياتها، وبذلك يتحقق تَمَيُّز الأُمَّة بهذه العقيدة الفذَّة الأصلية، دون غيرها من عقائد الأمم التي داخلها الشرك، والشك، والهوى، والآراء الفاسدة، والأفكار الرديئة، فصارت بذلك أسوأ نماذج التعقيد والتناقض.

ب- الشريعة الإسلاميَّة الغراء، المنبثقة من عقيدة التوحيد، التي تربط الأُمَّة بمنظومة من القيم والنظم، تلازم هذه العقيدة ملازمة محكمة، وتعمد على مصادر جعلتها صالحة لكل زمان ومكان وإنسان، لما اشتملت عليه من أحكام تجلب المصالح، وتدفع المفاسد، وتنطوي على مرونة تمكنها من احتواء المستجدات، وربطها بالقواعد المقررة والأصول الثابتة، وفقا لضوابط شرعيَّة دقيقة.

ج- الأخُوَّة الإسلاميَّة ووحدة الأمَّة؛ فهي أُخُوَّة توجبها عقيدة الإسلام، وشريعته، وتربط شبكة العلاقات الاجتماعية بأواصر قويَّة، قوامها الحق والخير والإحسان, والتعاون على البر والتقوى، ومكافحة الشر والرذيلة والفتن.

وعلى أساس من هذه الأُخُوَّة تحققت وحدة الأُمَّة الإسلاميَّة على أوسع نطاق، وكانت بما تفردت به من ارتكازها على التقوى ميزانًا للكرامة، والتفاضل، والتنافس، ونمو البر والإحسان, وشيوع العفو والتسامح؛ والوحدة النموذجيَّة الراسخة، التي أقامت صروح الحق والعدل في أرجاء المعمورة، كما تشهد بذلك حضارتها الزاهرة.

د- الخصائص التي تفرد بها تَمَيُّز الأمَّة الإسلاميَّة؛ وأهمها:

• الربانية: فمصدر التميُّز كتاب اللَّه -عز وجل- وسنة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، فهو {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [البقرة: 138].

• العالَمِيَّة: التي تقتضيها ربانيَّة الإسلام من حيث هو خطاب لكافة البشر، ومنهج شامل مستجيب لحاجاتهم في إطار عالمي لجميع الناس الذين ارتضوا الإسلام دينًا، وانضموا تحت لوائه، دون قيد بزمان أو مكان.

• الوسطيَّة: التي هي سمة الأُمَّة الإسلاميَّة، ودليل تحققها بالحق والخير {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}.

• الإيجابيَّة الخيِّرة: ومظهرها السبق إلى الخير والصلاح والإصلاح، والمسارعة إلى الحق والعدل والبر والإحسان وكل عمل صالح يراد به وجه اللَّه -عز وجل- فهو سبق مبرأ مِمَّا يضر بالآخرين، أو بالكون، بل ينجسم مع سنن اللَّه في الكون والأنفس والحياة.

هـ – أهداف تَمَيُّز الأمَّة الإسلاميَّة المتمثلة في تحقيق العبوديَّة للَّه، التي هي الغاية من خلق الثقلين، وجعلها خالصة للَّه رب العالمين، وفقًا لما شرع، واقتداء برسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-.

ويهدف كذلك لتحقيق الاستخلاف بإقامة دين اللَّه في الأرض، بالدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيمان باللَّه، ولا يتأتى هذا إلَّا بتحقيق الهدف الذي سبق؛ لأن الأُمَّة إذا لَمْ تحقق عبوديتها الخالصة للَّه فقدت سيادتها وعزتها.

و- وسائل تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة التي يتحقق من خلالها، والتي تسهم في بناء الشخصية الإسلاميَّة للفرد والأُمَّة.

• تأتي اللغة العربيَّة في مقدمتها، فهي شعار الأُمَّة، وهي من أهم وسائل تَمَيُّزها؛ لأنَّها اللسان الذي أُنْزِلَ به القرآن الكريم، وبلَّغ به الرسول الكريم -صلى اللَّه عليه وسلم- رسالة ربه، وهو السبيل لفهم نصوص الدين، والطريق إلى معرفته، ومعرفة نهج السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وتأثيرها عظيم في العقل والخلق والسلوك والدين.

• ثُمَّ يأتي تاريخ الإسلام وحضارته؛ حيث نشأ هذا التاريخ من انبثاق النور في بطحاء مكة المكرمة، متواصلًا مع تاريخ النبوات السابقة، ومتميِّزًا في نشأته وتطوره، وجاءت حضارة الإسلام على غير مثال سابق؛ من حيث أصالة الأسس، وقوة الجذور، وروح الحياة المتجددة، ذات التأثير الفاعل في حياة البشريَّة، وحركتها وآمالها وأهدافها، وبدأ هذا التاريخ؛ ونشأت هذه الحضارة في دنيا الواقع بصورة فعليَّة ملموسة، وبوقائع ذات أبعاد ضخمة في حاضر الإسلام ومستقبله.

وإذا كان مِمَّا اتسم به تاريخ هذه الأُمَّة تفرده واستقلاله عن تواريخ الأُمم الأخرى، فإنَّ مرد ذلك جملة من المقومات التي استندت إليها حياة المسلمين، ومنها:

• الالتزام بالإِسلام، والاعتزاز به.

• الوعي الشامل بالثقافة الإسلاميَّة، وما يخالفها من الثقافات الأُخرى.

• الدعوة والجهاد.

• التعاون والتناصر والتآزر.

وبهذه المقومات ونحوها، تحقق تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة تاريخيًا وحضارة، وتجلَّى أثر الإسلام في التاريخ البشري.

2 – وفي ضوء الدراسة النقديَّة لموقف المستشرقين من تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، تبين الآتي:

أولًا: استهداف الأُمَّة الإسلاميَّة من قبل أعدائها منذُ أن تكونت، كما بين ذلك اللَّه -عز وجل- في كتابه الكريم.

ثانيًا: أنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة واجهت -في سالف عصرها- أصنافًا من التحديات التي تستهدف دينها ووحدتها؛ ومن أبرز تلك التحديات، الغزو العقدي الذي حاول النيل من عقيدة التوحيد، من خلال التفسيرات الفلسفيَّة لقضايا العقيدة، ونشر العقائد الباطنيَّة.

ثالثًا: انتصار الأُمَّة الإسلاميَّة في كافة التحديات التي واجهتها منذُ بداية تاريخها، العسكريَّة منها والفكريَّة.

رابعًا: تواجه الأمَّة الإسلاميَّة في تاريخها الحديث تحديًا خطيرًا يتمثل في غزو الحضارة الغربية التي تتعارض في كثير من مبادئها وقيمها ومنطلقاتها ومنهجها في الحياة مع مبادئ الإسلام، وقيمه، ومنهجه، ونظمه، والتي اتخذت مختلف الوسائل والأساليب لتحقيق غزو الأُمَّة الإسلاميَّة واحتوائها ثقافيًّا، ومن ذلك تبني الاستشراق ودعمه، فنشأت مؤسسات استشراقية كبرى بما توفر لها من دعم مادي ومعنوي، وسارت حركة الاستشراق هادفة -في مسارها العام- إلى تقويض المقومات العقديَّة والثقافيَّة والروحيَّة لهذه الأُمَّة، ومحاولة اجتثاث الجذور التاريخيَّة المقومة لشخصيتها، وروحها الذاتيَّة، لتصير إلى خلل فطري، وخواء روحي، يسهل في مناخه الفاسد المشوش غزو الأُمَّة الإسلاميَّة، وبالفكر والمبادئ

والمفاهيم والتصورات الغريبة على دين الأُمَّة وعقيدتها، فعمدوا إلى ما يأتي:

أ- إنكار تَمَيُّز العقيدة الإسلاميَّة، والزعم بأنَّها مستقاة من اليهوديَّة، والنصرانيَّة، والمجوسيَّة، والوثنيَّة.

ب- الزعم بأنَّ الشريعة الإسلاميَّة مقتبسة من القانون الروماني.

ج- الزعم بأنَّ النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قد ألف القرآن الكريم، وأنَّ السنَّة الشريفة -في معظمها- من وضع المسلمين لمقاصد شخصية، وسياسيَّة، ومذهبيَّة.

د- أنَّ العبادات والشعائر الدينيَّة في الإسلام مقتبسة من اليهود، ومتأثرة بالمجوسيَّة والنصرانيَّة، وكذلك بقايا الوثنيَّة.

هـ – إلصاق التهم بالإِسلام، ونبيه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وحملته، وسائر الأُمَّة الإسلاميَّة، وعلى الرغم من التحولات الفكريَّة والتاريخيَّة في الغرب نحو الماديَّة والمناهج العقليَّة والعلميَّة؛ فإنَّ تلك الصورة لم تتغير كثيرًا عن زمن سيادة النصرانيَّة، فسرعان ما اصطبغت بالصبغة الاستعمارية ثُمَّ بالصهيونية، في مسار الحركة الاستشراقية العام.

و- الإساءة إلى التاريخ الإسلامي، وإخفاء محاسنه؛ ومن أبرز ما أظهروه:

• دعوى انتشار الإسلام بالسيف.

• تفسير التاريخ الإسلامي بمنظور روحي أو مادي بحسب تغيُّر النظرة الغربية من النصرانيَّة إلى الماديَّة.

وانطلاقًا من التناقض في المناهج المستخدمة، فقد وصف الإسلام بانَّه دين شهواني، ونزعته ماديَّة، وصف العقل المسلم بأنَّه غير قادر على البحث العلمي الموزون؛ لأنَّه فطر بالوراثة على البساطة وإدراك المسائل في صورة جزئيات، منفصلة متباعدة، في غير ما تناسب ولا انجسام،

ولا ارتباط، فهو غير قادر على الربط بين الأشياء برباط منطقي. . يتأثر بالخرافة، ويميل إلى التفسير الغيبي، فلا يقدر على تفسير القضايا تفسيرًا علميًّا موزونًا، واتهموا المسلمين -بحكم عقيدتهم- بالجبريَّة، والتواكل، والكسل، والخمول، وانتهوا بناءً على ذلك، إلى زعمهم أن انحطاط الأُمَّة الإسلاميَّة وتخلفها، يرجع إلى تمسكهم بالدين، والتقيد بتعاليمه وعقائده.

ز- أنكر معظم المستشرقين تأثير الإسلام في الحضارة الأندلسيَّة، وتجاهلوا تأثيره الحضاري في الغرب.

وعلى الرغم من ذلك كلّه؛ فإنَّ من الإنصاف أن يذكر هنا أنَّ أفرادًا قلائل، وفي فترات متباعدة في تاريخ الاستشراق، ذبوا عن الإسلام، وعن الأُمَّة الإسلاميَّة، وأنصفوا تاريخ الإسلام وحضارته، وأشادوا بقيمه ومبادئه، وتوافروا على خدمة علوم العربيَّة والإسلام، ومنهم من دخل الإسلام، ومنهم من اقتصر على الثناء عليه، والدفاع عنه، خدمة للحق، وانتصارًا للعلم والمنهج والموضوعيَّة.

بالإضافة إلى ما سبق؛ فإنَّ من أهم النتائج والتوصيات التي خلص إليها البحث؛ ما يأتي:

أولًا: استمرار تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة بتمييز اللَّه لها، وكما يدل على ذلك وعد المصطفى -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولكن ينبغي عليها أن تحقق في ذاتها جملة من الشروط الشرعيَّة اللازمة لتحقيق التميُّز، ومن أهمها:

أ- الثقة في اللَّه قبل كل شيء، وإخلاص النيَّة له، ثُمَّ تحديد الهدف من اتخاذ أيِّ أسلوب أو وسيلة للتصدي للأخطار المحدقة بها.

ب- الاعتصام بكتاب اللَّه -عز وجل- وسنَّة رسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- كالسلف الصالح.

ج- المعرفة بحال الأُمَّة وما فيها من ضعف، وأخطأ نتيجة الانحرافات عن الصراط المستقيم.

د- الوعي بالغزو الثقافي والصراع الفكري ضد تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وإعطائه ما يستحق بوصفه قضية مصيريَّة من أجل إثبات الذات، وكشف الخصم.
ثانيًا: ومن النتائج التي توصل إليها البحث سقوط الشبهات الاستشراقية، حول تَمَيُّز الأُمَّة الإسلاميَّة جملة وتفصيلًا، ويوصي البحث أن يستخدم في إسقاطها المنهج الذي طبقه سلف الأُمَّة في حق الفرق الضالَّة، حيث تدفع بعض الشبهات من طرف بما قاله الطرف الآخر، ويدفع الباطل الأكثر بما هو أقل باطلًا منه، ثُمَّ بما في تلك الشبهات من التعارض والتناقض، وما يرد به بعضهم على بعضهم الآخر، إلى أن تنحصر الشبهات في أضيق نطاق، ثُمَّ ينصب عليها النقد والرد، حتى يتحقق دفعها وإسقاطها البتة، ومن ثُمَّ الاحتجاج بتلك الشبهة والآراء على فساد المنهج الاستشراقي ذاته.

ثالثًا: ومِمَّا يوصي به البحث الالتزام بمنهج الإسلام في المجادلة، كما أصَّله القرآنُ الكريم، وطبقه الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وسار عليه سلف الأُمَّة الصالح، وتقيَّد به علماء الأُمَّة ومفكروها في تاريخها القديم والحديث على السواء، وأنَّ هذا المنهج يحقق العدل والإحسان, ويجلب الخير والنفع للأُمَّة الإسلاميَّة في اتصالها بالآخرين، ويتضمن حسن التعامل مع أهل الكتاب، والتسامح مع المخالفين، وفي الوقت نفسه يعصمها من الخديعة، والخب، ويدرأ عنها مغبَّة الإذابة، والنزول عن تَمَيُّزها الذي عصمها اللَّه به من الانزلاق والخسران، ولئلا يصدق عليها إبليس ظنّه: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الحشر: 16].

رابعًا: ومن النتائج التي توصل إليها البحث: التفريق بين الحكم على الاستشراق كحركة، وعلى المستشرقين بصفتهم أفرادًا ومدارس، ففيما يتعلق بالاستشراق -بصفته حركة- فهو حركة معادية للإسلام، وجهت في مسارها العام ضد الأُمَّة الإسلاميَّة، وارتبطت بدوائر العداء للإسلام وأمته، أمَّا المستشرقين بصفتهم أفرادًا أو مدارسًا، فإنَّ المنهج العادل -واللَّه أعلم- في الحكم عليهم هو أن يدرس إنتاج ذلك المستشرق أو تلك المدرسة دراسة نقديَّة تبين ما في ذلك الإنتاج من أخطاءٍ، وما فيه من صواب، ثُمَّ تتم الموازنة والتقويم، والرد على ما يشتمل عليه ذلك الإنتاج من الباطل، وتتم الإفادة مِمَّا وصل إليه من آراء صائبة، ويستفاد منها في الرد على شبهات المستشرقين الآخرين وآرائهم، وعندئذٍ ينفك النقد عن الشخص لذاته، وينصب على أقواله بطريقة منهجيَّة موضوعيَّة بعيدة عن الانفعال والمؤثرات الجانبيّة، ويتحقق بذلك قوله تعالى: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8].

خامسًا: ومِمَّا يوصي به البحث ضرورة الاحتراز مِمَّا وقع فيه بعض المفكرين والباحثين الذين تصدوا للاستشراق والرد على شبهات المستشرقين، إذ وقع في ردودهم تزيدٌ في دفع الشبهات، بما جرَّ على حقائق الإسلام شيئًا من التشويه، أو النفي، أو وقع فيها ما يخل ببعض عقائد الإسلام وتشريعاته وأخلاقه، ومسلمات تاريخه وحضارته, بسبب ما يتصف به ذلك المفكر أو الباحث من خلل في ذلك أو بعضه، أو قصور في تصوره، أو عجز في معلوماته ومعارفه تجعله دون الدرجة التي يستوجبها الأمر الذي تصدى له، لذلك فإنَّ الباحث يرى أهميَّة اللجان المتخصصة في تناول الدراسات الاستشراقية، ونقدها؛ ليتحقق بذلك العمل العلمي المتخصص في كل حقل علمي.

سادسًا: ومِمَّا يوصي به البحث: ضرورة الوعي بالمراحل التاريخيَّة التي تمر فيها الأُمَّة الإسلاميَّة في علاقتها بالأمم الأخرى، والأطوار التي تطورت خلالها الدراسات الاستشراقية؛ لتحديد حجم العداء، وإنزاله في منزلته الملائمة له، من غير تهوين لشأنه، ولا تعظيم لخطره، ولأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ لذلك فإنَّه ينبغي على ولاة أمر الأُمَّة الإسلاميَّة، من قادة وعلماء ومفكرين وباحثين؛ أن يحققوا في معرفة التيارات والقوى المعادية للأُمَّة الإسلاميَّة خصيصة السبق والمسارعة، ولعله ما قد يُعرَفُ في العصر الراهن بمسمى (الدراسات الاستراتيجية)، وعن طريقها، أو ما يحل محلها: يتم الوعي بوضع الأُمَّة على حقيقته، وما يحيط بها من قوى معادية، ومن جهة أُخرى إدراك التحولات في مسار الدراسات الاستشراقية، وتقديرها بقدرها، من حيث سلبياتها وإيجابياتها، والموازنة بين ذلك، لتكون الأُمَّة على بينة من أمرها, ولتعد للأمر عدَّته، وما يستلزم من وسائل وأساليب، وبخاصة ما يتصل بالاستشراق بصفته حركة تعتمد على البحوث العلميَّة والأعمال الموسوعيَّة، والدوريات ونحو ذلك من الأعمال (الأكاديميَّة) والتعليميَّة، وما يتصل بها من عقد المؤتمرات الدوليَّة، التي زادت على ثلاثين مؤتمرًا دوليًّا، أمَّا المؤتمرات الإقليميَّة: فإنَّه يصعب حصرها، وذلك كله يتصل بفكر الأُمَّة الإسلاميَّة وثقافتها وتاريخها وحضارتها، وواقعها ومستقبلها، ويعدُّ -في حقيقة الأمر- من خصوصياتها، وبطانة أمرها، والتصدي لهذا الواقع، ومواجهة هذا التحدي لا يتأتى على الوجه المطلوب إلَّا على مستوى الأُمَّة، من حيث الاهتمام والتخطيط والإعداد والتنسيق والشمول والتكامل والتنفيذ.

وختامًا فإنَّه ينبغي الإشادة بما أنجز من أعمال نقديَّة لإنتاج المستشرقين مع ما تنطوي عليه من تكرار، وعدم تنسيق، وأوجه قصور أخرى متنوعة؛ منها: أنَّها لم ترق بعد لتكون في مستوى الإنتاج الاستشراقي لا من حيث الكم أو الكيف، ولكنَّها خطوات راشدة -بمشيئة اللَّه وعونه وتوفيقه- تشق طريقها لدفع عادية الاستشراق والمستشرقين بالوسائل والأساليب العلميَّة المستخدمة في المناهج البحثيَّة المقررة.

كما ينبغي الإشادة بما تمَّ إنجازه على مستوى الأُمَّة من أعمال تعالج ما أحدثه الاستشراق بصفة مباشرة أو غير مباشرة، وبخاصة العمل على إنجاز تراجم لمعاني القرآن الكريم إلى اللغات العالميَّة، وفي مقدمتها اللغة الإِنجليزيَّة والفرنسية، لما لها من أهميَّة في مزاحمة تلك التراجم التي أنجزها المستشرقون وظلت على مدى قرون عدّة، منتشرة لدى الغرب بما فيها من باطل وتزوير وافتراء يرمي إلى صرف غير المسلمين بعامة والأوربيين بخاصة عن قبول الإسلام، أو أي شيء فيه ليبقى هؤلاء على كراهيتهم له، وحقدهم عليه.

وإنَّ ما قامت به الرئاسة العامَّة لإدارات البحوث العلميَّة والإفتاء بالتنسيق مع الأمانة العامَّة لمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة؛ من إعداد تراجم لمعاني القرآن الكريم إلى اللغات العالَميَّة الحيَّة بدءًا بالإِنجليزية والفرنسية، ليُعَدُّ عملًا رائدًا من شأنه أن يدفع أثر الاستشراق، ويصد عاديته عن الأُمَّة الإسلاميَّة، وعلى دستور حياتها الذي جاء رحمة للعالمين.

ومِمَّا يجدر ذكره في هذا السياق تلك العناية الفائقة بالترجمة -المشار إليها- بدءًا بتشكيل لجان متخصصة لتدارس الترجمات السابقة، واختيار أدق التعابير، وأنسبها للتعبير عن القرآن الكريم، وألطف المعاني في اللغات المترجم إليها، بأيدٍ أمينة، وقلوب مؤمنة محبة للَّه ورسوله -صلى اللَّه عليه وسلم- وكتابه ولأُمَّة الإسلام، وتعمل بعقول واعية مدركة.

وتوجد أعمال أخرى تقوم بها بعض الجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات الإعلاميَّة والصحفيَّة في العالم الإسلامي تتناول الاستشراق والمستشرقين بالدراسة والنقد، ولكنها دون المستوى المطلوب وبخاصَّة إذا قورنت بما قام به المستشرقون، وما أنجزته الحركة الاستشراقية خلال قرون عدّة، ويكفي للمثال على ذلك المؤتمرات الدوليَّة الاستشراقيَّة التي زادت على الثلاثين مؤتمرًا دوليًّا، واتسمت بالتنسيق والتعاون والتكامل فيما بين المستشرقين من ناحية، والأطروحات من ناحية أخرى، وما اتخذته الأُمَّة الإسلاميَّة إزاء ذلك.

ولا شك أنَّ البون شاسع جدًّا، ولكن ما يعول عليه أن تحقق الأُمَّة الإسلاميَّة في ذاتها الشروط التي تقدم ذكرها، وعند ذلك سيكون الاستشراق ذاته والمستشرقون -المعادون للإسلام- أنفسهم في أزمة، ويتحقق فيه وفيهم قول اللَّه تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36) لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال: 36 – 38].

والحمد للَّه الذي بنعمته تتم الصالحات، سبحان ربك ربِّ العزَّة عمَّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد للَّه رب العالمين.

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*