الدعوة والجهاد

الدعوة والجهاد باعتبارهما من أنجع الوسائل في تحقيق تميّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وهما جناحا انتشار الإسلام، ونشوء تاريخه وحضارته

الدعوة والجهاد

الدعوة والجهاد؛ باعتبارهما من أنجع الوسائل في تحقيق تميّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وهما جناحا انتشار الإسلام، ونشوء تاريخه وحضارته، فالأُمَّة الإسلاميَّة أُمَّة دعوة وجهاد، ولها منهجها المتميِّز في تطبيق هذين المبدأين اللذين أعطيا تاريخ الإسلام وحضارته طابعه الفريد، وبهما تحقق تميُّز الأُمَّة، فالدعوة إعلام بذاتية الأُمَّة، والجهاد تأكيد لها ودفاع عن وجودها من عدوان غيرها أو جعلها بالقهر والاستبداد تحت نير سيادة أمم أخرى.

أمَّا الدعوة فإنها تنبثق من قول الحق -عز وجل-: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] ، (فهو إعلان تشمل مساحته الزمنية جميع الأجيال، ومساحته المكانية تسع العالم كلَّه. . .،

ومسلك النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابه من بعده، وإجماع المسلمين في كل مكان يدل على عالميَّة هذه الدعوة. . ويترتب على ذلك. . مواصلة نشر الدعوة وإبلاغها للناس. . .،

ولما كانت الدعوة الإسلاميَّة دعوة عالميَّة في الزمان والمكان جاءت أنظمتها شاملة لجميع شؤون الحياة، ومتطلبات المجتمعات في كل زمان ومكان، فهي تشمل أمور العقيدة، والعبادة وما يتفرغ عنهما من أنظمة للحياة) .

ولأنَّ الإسلام هو دين اللَّه المختار لجميع المكلفين، وهو الدين الخاتم إلى أن يرث اللَّه الأرض ومن عليها: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، ولا يقبل اللَّه من مكلف دينًا سواه: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85] ولأنَّ دَعوة الإسلام ترتكز على عقيدة التوحيد الخالص للَّه وتحقيق العبوديَّة له، بما يتوافق مع الفطرة التي فطر اللَّه الناس عليها؛ فقد (دعا اللَّه -تبارك وتعالى- الناس جميعًا -في غير إكراه- إلى اتباعها؛ لأنها دعت إلى عقيدة التوحيد التي دعا إليها الرسل، وفاصلوا أقوامهم عليها، فوضح للناس جميعًا منذُ خلق آدم أبي البشر أن جميع ما أنزله، هو في حقيقته كتاب واحد ورسالة واحدة، تلخصت كلها في القرآن الكريم، فلا مدعاة للاختلاف بينهم إذا صدقوا العزم، وأخلصوا القصد، ونبذوا البغي والعصبيَّة، في هذا يقول جلَّ شأنه: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213]. . .،

إنَّ الحق تبارك وتعالى لم يترك عباده هملًا دون أن يبين لهم ما يتقون، فما دام قد بين لعباده أنَّه قد ضمن لهم الرزق في حياتهم الدنيا، فلا بدّ أن يتضمن كتابه له ما يضرهم، وما ينفعهم في مسار حياتهم المتعددة الجوانب، في شتّى صورها بدءًا من واجب الفرد إلى نظام الأُسرة مرورًا بشرائع الأمَّة. .،

ثُمَّ بعد ذلك لا يقف جهد النظام الإسلامي عند هذا الهدف وإنَّما يبني أحكامه على وحدة شاملة لجميع أهل الأرض أعلنها اللَّه تعالى في كتابه. .،

فشمول الرسالة المحمديَّة للنظام يحكم الفرد والأسرة والمجتمع والدولة، فضلًا عما يدعو اللَّه إليه من وحدة أهل الأرض جميعًا تحت راية الإسلام، لا يستهدف علوًّا في الأرض ولا فسادًا، وإنَّما يستهدف تمكين سلطان الدين في الأرض. .،

ثُمَّ يظل نداء اللَّه للمؤمنين والمؤمنات يعلو بخصوصية ما ميَّزهم اللَّه به على طوائف البشر جميعًا، وبما حققه المؤمنون أنفسهم من إدراك عملي لجوهر رسالة التوحيد في الأرض) .

والدعوة إلى هذا الحق وإلى صراط اللَّه المستقيم جوهر رسالة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- للناس كافة {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28]، وقد حمل الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- عبءَ الرسالة فبلغ عن ربه، واستفرغ في ذلك جهده، والدّارس لسيرته الشريفة يقف على حقيقة أنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن في (جميع الأماكن والأزمان والأحوال، ودعا جميع أصناف الناس، كما استخدم جميع الأساليب والوسائل المشروعة المتاحة له. . .،

ويدعو فوق الجبل، وفي المسجد، والطريق، والسوق، وفي منازل الناس في المواسم، وحتى في المقبرة، كما يقوم بالدعوة في الحضر والسفر، وفي الأمن والقتال، وفي صحته ومرضه، وحينما كان يزور أو يزار، وكان يوجه دعوته إلى من أحبوه، ومن أبغضوه، وآذوه، ومن استمعوا إلى دعوته، ومن أعرضوا عنها، وبعث -عليه السلام-: الرسائل والرسل إلى الملوك والرؤساء ممن لم يتمكن من الذهاب إليهم بنفسه، واستمر -عليه الصلاة والسلام- في أداء هذه المهمَّة الجليلة مشمرًا عن ساعديه، باذلًا كل ما في وسعه، حتى لحق بالرفيق الأعلى. .

وما أكثر المواقف في سيرته المطهرة التي يتجلّى فيها حرصه الشديد على إخراج البشرية من الظلمات إلى النور، وإبعادهم عن كل ما يعرضهم لغضب الرب وعذابه) ، وسلك الصحابة الكرام وسلف الأُمَّة الصالح هذا المسلك متأسين برسولهم -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقد (حفظ تاريخ الدعوة الإِسلاميَّة المشرق مواقف السلف من هذه الأُمَّة من الصحابة ومن بعدهم -رضي اللَّه عنهم-، وهي تدل على تحمسهم البالغ للدعوة الإِسلاميَّة، وحرصهم الشديد على إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتعليمهم الكتاب والحكمة. .

كانوا يبدؤون بدعوة الأعداء إلى الإِسلام قبل القتال معهم، كما كانوا يحثونهم على قبوله، ويفرحون عند استجابتهم لذلك، ويتأسفون ويحزنون لإعراضهم عنه. .

بل كان الدعاة والمعلمون يُبْعَثُون إلى البلاد المفتوحة لنشر الإِسلام، وتفقيه الناس أمور دينهم) .

والدعوة على هذا النحو تسهم في تحقيق تميُّز الأُمَّة الإِسلاميَّة وهو ما اتسم به تاريخ الإِسلام وحضارته، وقد شهد بذلك بعض المنصفين من الغربيين مثل (سير توماس أرنولد) الذي ألف كتابًا وأسماه (الدعوة إلى الإِسلام)، وقال فيه: (إنَّ الذي دفع المسلمين إلى أن يحملوا رسالة الإِسلام معهم إلى شعوب البلاد التي دخلوها، وجعلهم ينشدون لدينهم بحق مكانًا بين ما نسميه أديان الرسالة لهي حماسة من ذلك النوع، من أجل صدق عقيدتهم، وليس موضوع هذا الكتاب، إلَّا صورة من تاريخ ظهور هذه الحماسة في تبليغ الدعوة، ودواعي وألوان نشاطها) .

وقال -أيضًا-: (يرجع انتشار هذا الدين في تلك الرقعة الفسيحة من الأرض إلى أسباب شتى: اجتماعية وسياسيَّة ودينيّة، على أن هناك عاملًا من أقوى العوامل الفعَّالة التي أدت إلى هذه النتيجة العظيمة، تلك هي الأعمال المطردة التي قام بها دعاة المسلمين، ووقفوا حياتهم على الدعوة إلى الإسلام متخذين من هدي الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- مثلًا أعلى، وقدوة صالحة) .

ويلفت (توماس أرنولد) النظر إلى جهود التجار المسلمين والحجاج العائدين من مكة المكرمة، وطلبة العلم في نشر الدعوة إلى الإسلام، قائلًا: (وحيثما شق الإسلام طريقه نجد هناك الداعي المسلم حاملًا الدليل لعقائد هذا الدين؛ فالتاجر سواء أكان من العرب أم (الفلبي) أم (المندنجو) يجمع بين نشر الدعوة وبيع سلعته، وإن مهنته وحدها لتصله صلة وثيقة مباشرة بأولئك الذين يريد أن يحولهم إلى الإسلام، والحاج الذي عاد من مكة مليئًا بالحماسة من أجل نشر العقيدة الإِسلاميَّة التي وقف عليها كل جهوده متنقلًا من مكان إلى آخر، وطالب العلم الذي يلقى تكريمًا باعتباره رجل علم تفقه في الدين والشريعة الإِسلاميَّة) .

ويربط باحث آخر من الغربيين وهو (لوثروب ستودارد) بين نهضة الدعوة إلى الإسلام في العصر الحديث وبين بداية انتشارها فيقول: (لا شيءَ أدلَّ على هذه النهضة الإِسلاميَّة الحديثة “الكبرى” من هذه اليقظة الروحانية الدينيَّة التبشيرية، الناشئة والمنتشرة خلال مئة السنة الأخيرة، ولا غرابة في ذلك، فقد كان الإسلام على الدوام دين هداية الناس، وإخراجهم من ظلمات الشرك إلى نور التوحيد، هذا التاريخ شاهد حق على ما قام به المبشرون المسلمون في أول عهد الإسلام من الأعمال الجليلة التي لم يقم بمثلها غيرهم من المبشرين، ولا ننسى أن روح التبشير ونشر الدعوة في سبيل الرسالة لم تبرح حيّة على الدوام، على انحطاط الممالك الإسلاميَّة وتدنيها، فلذلك ما انفك الإسلام طيلة القرون الوسطى ينتشر في الهند والصين، وبينما كانت الرسالة المحمديَّة تنتشر في نائي تلك الأصقاع، كان الترك ينشرونها، ويرفعون أعلامها في شبه جزيرة البلقان، وبين القرنين الرابع عشر والسادس عشر، كان المبشرون المسلمون يفتحون بلاد غربي إفريقية، وجزائر الهند الهولندية، وجزائر الفليبين فتحًا دينيًا مبينًا) .

وبعد أن يذكر ما حدث للدعوة الإسلاميَّة من خمود في أعقاب ذلك، ثُمَّ ما حدث لها في العصر الحديث من يقظة أشار إلى حقيقة لازمت الدعوة إلى الإسلام، فيقول: (وعند اعتبار شأن انتشار الإسلام هذا الانتشار، يجب أن تعلم العلم اليقين أنّ كل مسلم هو بغريزته وفطرته مبشر بدينه، ناشر له بين الشعوب غير المسلمة ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، وعلى ذلك إن نشر الرسالة المحمديَّة لم يقم به رجال التبشير وحدهم. .

بل شاركهم فيه جماعات عديدة من السياح والتجار والحجاج على اختلاف أجناسهم، ولا يؤخذن من هذا أن لم يقم في المسلمين مبشرون (دعاة) ارتشفوا كؤوس الحمام في سبيل الدعوة الإسلاميَّة، فعديد المبشرين الذين هم على هذا الطراز كثير. .،

وقد اعترف عدد كبير الغربيين بهذا الأمر، فقد قال أحد الإنكليز -في هذا الصدد- منذ عشرين سنة: “والإسلام يفوز في أواسط إفريقية فوزًا عظيمًا حيث الوثنيَّة تختفي من أمامه اختفاء الظلام من فلول الصباح، وحيث الدعوة النصرانية باتت كأنها خرافة من الخرافات”، وقال مبشر بروستنتي فرنسي: “ما برح الإسلام (يتقدم) منذ نشوئه حتى اليوم فلم يعثر في سبيله إلَّا القليل، وما زال يسير في جهات الأرض حتى بلغ قلب إفريقية مذلّلًا أشق المصاعب، ومجتازًا أشد الصعاب، غير واهن العزم، فالإِسلام حقًّا لا يرهب في سبيله شيئًا، وهو لا ينظر إلى النصرانية، منازعته الشديدة، نظرة المقت والازدراء، فلهذا هو حقيق بالظفر والنصر، إذ بينما كان النصارى يحلمون بفتح إفريقية في نومهم، فتح المسلمون جميع بقاع القارة في يقظتهم”) .

أمَّا الجهاد فله مفهوم واسع، يقول الراغب الأصفهاني: (الجهاد والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو، والجهاد ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس وتدخل ثلاثتها في قوله تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج: 78] , وقوله تعالى: {وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 41]، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنفال: 72]. . . والمجاهدة تكون باليد واللسان) .

وبهذا يتبين أنَّ الجهاد يبدأ من داخل المؤمن كي ينتصر على أهوائه وشهواته ويجاهد نزغات الشيطان ووسوسته، ليستقيم على صراط اللَّه المستقيم، وبذلك يكون فردًا صالحًا في مجموع الأُمَّة، ثُمَّ يرقى إلى إدراك مهمته في الحياة، وواجبه في نشر الدعوة والدفاع عنها، وبذلك يندرج في الأُمَّة الإسلاميَّة، ثُمَّ إنّ هذه الأُمَّة مضطرة إلى الجهاد للمحافظة على ذاتيتها والدفاع عن وجودها والاضطلاع برسالة ربها في نشر دينه وإعلاء كلمته، وللجهاد في الإسلام معنى حضاري فريد؛ (فالجهاد يعكس مفهوم الأمن الإِسلامي الذي يركز على إيصال الرسالة وتبليغها إلى الآخرين بغية توفير الأمن الفكري والمادي والنفسي لبقاء النوع البشري ورقيه، ذلك أن مصدر الخطر على بقاء النوع البشري ورقيه -حسب التصور الإِسلامي- يكمن في (القيم) التي تَكْفُرُ -أي: تَحْجُبُ وتُخْفِي- قوانين الخلق في النشأة والمصير، وتقتصر على نوازع التمتع بالحياة وشهواتها، ومن هذا -الكفر- تتشوه جميع أشكال الاعتقاد والشعور والممارسات في ميادين السلوك والاجتماع والعلاقات، حتى إذا ظهر أهل الكفر في الأرض أشاعوا الفتن، والمظالم السياسيَّة، والمفاسد الاجتماعية، وردوا شبكة العلاقات الاجتماعية إلى عهود الغاب والهمجيَّة والتخلف، ولذلك كان طلب بذل النفس لمحاربة قيم الكفر ومؤسساته وممثليه، وبذل المال لنشر قيم الرسالة الإسلاميَّة وإقامة مؤسساتها والإنفاق على العاملين والدارسين فيها حتى يتحقق التفوق للقيم الإسلاميَّة فيشيع السلام ويكون الدين كله للَّه، وهذا المفهوم الإِسلامي للأمن والسلام يختلف تمام الاختلاف عن مفهوم الأمن القومي الذي ترفع لواءه المجتمعات المعاصرة، وتتخذ ذريعة لممارسة مختلف أشكال العدوان ضد بعضها. .) .

ويختلف مفهوم الجهاد في الإسلام -كذلك- تمام الاختلاف عن المفاهيم القديمة والحديثة، فهو مختلف عن مفهوم الغزو لدى العرب قبل الإسلام، ويختلف عن مفهوم الحرب المقدسة لدى الغرب ، وإنَّما هو (بذل الوسع وغاية الجهد لنيل أكبر مطلوب وأكبر وطر للمسلم طاعة اللَّه ورضوانه، والخضوع لحكمه، والاستسلام لأوامره، وذلك يحتاج إلى جهاد طويل وشاق ضد كل ما يزاحم ذلك من عقيدة، وتربية، وأخلاق، وأغراض، وهوى، وكل ما ينافس في حكم اللَّه وعبادته من آلهة في الأنفس والآفاق، فإذا حصل ذلك للمسلم وجب عليه أن يجاهد لتنفيذ حكم اللَّه، وأوامره في العالم من حوله، وعلي بني جنسه، فريضة من اللَّه، وشفقة على خلق اللَّه؛ ولأنَّ الطاعة الانفراديَّة قد تصعب وتمتنع أحيانًا بغير ذلك، وذلك ما يسميه القرآن (الفتنة)، ومعلوم أنَّ العالم كله بما فيه من جماد ونبات وحيوان وإنسان، خاضع لمشيئة اللَّه وأحكامه التكوينيَّة، وقوانينه الطبيعية {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83] , {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ} [الحج: 18] فيتعين أن جهاد المسلم إنَّما هو لتنفيذ شريعته التي جاء بها الأنبياء، وإعلاء كلمته ونفاذ أحكامه، فلا حكم إلَّا للَّه، ولا أمر إلَّا له، وهذا الجهاد مستمر ماضٍ إلى يوم القيامة، وله أنواع وأشكال لا يأتي عليها الحصر، منها القتال، وقد يكون أشرف أنواعه، وغايته أن لا تبقى في الدنيا قوتان متساويتان متنافستان، تتجاذبان الأهواء والأنفس {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: 193].

ومن مقتضيات هذا الجهاد أن يكون الإنسان عارفًا بالإِسلام الذي يجاهد لأجله، وبالكفر والجاهلية التي يجاهد ضدها، يعرف الإسلام معرفة صحيحة ويعرف الكفر والجاهلية معرفة دقيقة، فلا تخدعه المظاهر، ولا تغره الألوان، ولا يجب على كل مسلم أن تكون معرفته دقيقة بالكفر والجاهلية، ومظاهرهما، وأشكالهما وألوانهما, ولكن على من (يتولى زمام الدعوة إلى الإسلام)، أو يتولى قيادة الجيش الإِسلامي ضد الكفر والجاهلية، أن تكون معرفته بالكفر والجاهلية فوق معرفة عامة المسلمين وأوساطهم، كذلك يجب أن يكون استعدادهم كاملًا وقوتهم تامَّة، يقارعون الحديد بالحديد، بل بأقوى من الحديد، ويقابلون الريح بالإعصار، ويواجهون الكفر وأهله بكل ما يقدرون عليه. . .، وبكل ما اكتشفه الإنسان ووصل إليه العلم في ذلك العصر، من سلاح وجهاز،

واستعداد حربي لا يقصرون في ذلك ولا يعجزون: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60] .

ومن خلال القيام بدراسة الدعوة والجهاد باعتبارهما من وسائل تحقيق تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة يظهر الترابط بينهما، ويتجلَّى مفهوم الجهاد، وتحديد مظاهره، وفي ضوء هذا فإنَّه: (لا يكون الجهاد أصيلًا شاملًا ما لم تتابع التربية وظيفتها في تأصيل معناه وتبيان مظاهره، وتفصيلها حسب متطلبات الزمان والمكان، والذي يقرر عمل التربية في هذا المجال ثلاثة عوامل؛ الأول: درجة تطور البشرية، والثاني: نوع التحديات القائمة في الداخل والخارج، والثالث: نسخ المظهر الجهادي، أو رفع النسخ عنه، وانطلاقًا من هذه العوامل الثلاثة ينقسم ظاهر الجهاد إلى ثلاثة مظاهر رئيسية يندرج تحت كل منهما تطبيقات عملية لا حصر لها ولا نهاية؛ وهذه المظاهر الرئيسية هي:

1 – الجهاد التربوي: يستهدف الجهاد التربوي تزكية الإنسان المسلم من منزلة -الخضوع للغرائز والدوافع- الآنية المؤقتة التي تبقيه حبيس الشهوات والانفعالات الفردية التلقائية والارتقاء به إلى منزلة -تحقيق الذَّات- التي يحقق الإنسان عندها إنسانيته، فيسترشد بتفكيره وعقله وخبراته المنظمة عن الخالق والكون والإنسان والحياة.

2 – الجهاد التنظيمي: وغاية هذا الجهاد تنظيم (وسع) الأُمَّة -حسب التعبير القرآني- أي: طاقاتها وقدراتها المعنوية والماديَّة والبشرية، والتنسيق بينها بما يكفل حشدها وتكاملها -دون هدر أو نقص- لتحقيق أهداف الرسالة.

3 الجهاد العسكري: وغاية هذا الجهاد هو إزالة العوائق التي تحول دون الحفاظ على بقاء النوع البشري ورقيه، حين لا تنجح أشكال الجهاد التربوي والتنظيمي في تحقيق هذه الغاية وحدها، ويتجلى اقتران هذا النوع من الجهاد بالرسالة الإسلاميَّة من خلال الضوابط العقيديَّة والأخلاقية التي تحكمه وتوجهه بحيث لا يخرج لحظة واحدة عن غايات الرسالة وأهدافها، وحين تتحقق أهداف الرسالة دون قتال يتوقف الجهاد القتالي ويصير ممنوعًا) .

وبالنظر لمنطلقات الجهاد وغاياته ومظاهره، وضوابطه الشرعيَّة ومجالاته ووسائله، يتبين أنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة أُمَّة مجاهدة لتحقيق مراد اللَّه في نفسها أولًا وقبل كل شيء، ثُمَّ لنشر دعوة الإسلام إلى الخلق كافَّة، ثُمَّ يأتي الدفاع عن وجود الأُمَّة، ونشر الدعوة، والاضطلاع يحمل الرسالة لتكون كلمة اللَّه هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى؛ ولأنَّ حكمة اللَّه اقتضت أن لا يستجيب جميع الناس لصوت الحق، ولا يلتزم أكثرهم بالإِسلام، بل ينبري لدعوة الإسلام في كل زمان أعداء ألداء، وخصومٌ جائرون، فإنَّ مجاهدة هؤلاء تكون من المبادئ الإسلاميَّة والمجاهدة تكون في صور كثيرة، منها: الصبر على آذاهم وتقوى اللَّه في ذلك لقوله تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186] , ومنها المجادلة بالتي هي أحسن وبخاصة مع أهل الكتاب لقوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت: 46]، وقد تنتهي المجادلة معهم بالمباهلة لقوله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61].

ومن صور الجهاد المصابرة والمرابطة لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200].

قال ابن قيم الجوزية في تفسيرها: (والمصابرة: مقاومة الخصم في ميدان الصبر، فإنَّها مفاعلة تستدعي وقوعها بين اثنين كالمشاتمة والمضاربة. . .

والمرابطة: وهي الثبات واللزوم والإقامة على الصبر والمصابرة. .

فالمرابطة كما أنَّها لزوم الثغر الذي يخاف هجوم العدو منه في الظاهر، فهي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان. .،

وسمّي المرابط مرابطًا: لأن المرابطين يربطون خيولهم ينتظرون الفزع، ثُمَّ قيل لكل منتظر قد ربط نفسه لطاعة ينتظرها: مرابط. . .) .

وقال في موضع آخر: (وجماع هذه الثلاثة وعمودها الذي تقوم به هو تقوى اللَّه تعالى، فلا ينتفع الصبر ولا المصابرة ولا المرابطة إلَّا بالتقوى) .

وقد تصل مجاهدة الأُمَّة الإسلاميَّة لغيرها من الأمم إلى درجة القتال وعندها فإنَّ للإسلام منهجًا متميزًا لم يشهد له التاريخ مثيلًا، من حيث الضوابط الشرعيَّة لإعلان الحرب والقتال، وما شرعه الإسلام في التعامل مع أهل الكتاب -ومن ألحقه علماء الأُمَّة الإسلاميَّة بهم- إذا لم يستجيبوا لدعوة الإسلام، فإنهم يخيرون بين دفع الجزية أو القتال، فإذا اختاروا الجزية فإنها تؤخذ منهم لاعتبارات عدّة، وإلى جانب ذلك فإنَّ لأسلوب أخذها في الإسلام أخلاقًا ساميَّة (سبق ذكر مجملها)، وإذا أبوا إلَّا القتال فإنَّ للقتال والحرب في الإسلام منهجًا فريدًا يُمكن تلخيص مرتكزاته في الآتي:

1 – أن يكون لإعلاء كلمة اللَّه، يقول أبو الحسن العامري: (لسنا نشك أنَّ الوقائع الحربيَّة بين أصناف الخليقة لن تقع إلَّا على جهات ثلاث، هي: الجهاد، والفتنة، والتصعلك، فأمَّا الجهاد: فهو الذي يتولاه عمَّار البلاد، وساسة العباد، من الدفاع عن الدين، وصيانة للمراتب، وأما الفتنة: فهو ما يقع بين طبقات الأمم من الهَيَجِ والقتال: لتعصب بلدي، أو تعصب نسبي، وأمَّا التصعلك: فهو ما يقصد به من انتهاب المال، واستلاب الأملاك، فالنوع الأول نتيجة القوة التمييزية، وهو محمود عند ذوي الألباب، وأمَّا النوعان الآخران فأحدهما نتيجة القوة الغضبيَّة، والآخر نتيجة القوة الشهويَّة، وكلاهما مذمومان عند ذوي الألباب) .

ويصف أبو الحسن العامري الجهاد القتالي في الإسلام ممثلًا في الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- فيقول: (ونحن متى تتبعنا حال محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- في حروبه ووقائعه وجدناه جاعلًا لقصارى غرضه من الثبات القوي في مصافِّ القتال كلمة يبذلها خصمه قريبة من الإقرار بوحدانية من له الخلق والأمر، والتصديق بما أرسل إليه من عنده -جل جلاله- حتى إذا وجدها منه أغمد سيفه، وأوجب على نفسه حمايته) .

ب- أن لا يكون اعتداءً ولا تجاوزًا، وكون القتال في سبيل اللَّه لإعلاء كلمة اللَّه، وإظهار الحق، وإزهاق الباطل، فإنَّ أيَّ مظنَّة للظلم أو التجاوز أو التعسف في استعمال الحق، ونحو ذلك مِمَّا لا يتفق مع غاية القتال وأخلاق الإسلام فيه، كل ذلك لا يجيزه الإسلام ولا يرضاه، بل نهى عنه وحرَّمه.

وقد استنتج بعض الباحثين من ذلك أمرين؛ أحدهما: أنَّ القتال في الإسلام (ليس للإجبار على اعتناق الإسلام. . .) .

والآخر: أنَّه (ليس عقابًا على الكفر. . . الذي ولد عليه صاحبه ونشأ عليه. .

وصاحبه لم يسبق له الدخول في الإسلام (أمَّا) الكفر الطارئ على صاحبه بعد الدخول في الإسلام. . . فيه حدّ الردَّة كما ورد في السنة وعمل الخلفاء الراشدين مع إجماعهم عليه. . .) .

وفي هذا ما يؤكد سماحة الإسلام في أمر الجهاد، ومن أبرز ذلك هذان الأمران:

الأول: إنَّه لَمْ يكن من مشروعية القتال في الإسلام حمل الناس بالقوة المسلحة على اعتناق الدين؛ لأن في القرآن العظيم نصًا واضحًا وصريحًا ومحكمًا يمنع من هذا الهدف، وهو قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256].

الثاني: أن لا يكون عقابًا على الكفر الأصلي الذي ولد عليه صاحبه ونشأ، فالكفر أعظم الذنوب، ومع ذلك فالأمر فيه موكول إلى اللَّه سبحانه يعاقب عليه في الآخرة بالخلود في النَّار، أمَّا في الدنيا فليس لأحد أن يعاقب صاحب الكفر الأصلي بالقتال عليه أو القتل، ودم الكافر كفرًا أصليًّا مصون كماله وعرضه، إلَّا إذا حارب المسلمين أو انضم لمن يحاربهم، فيكون هو الذي أهدر دم نفسه) .

ج- للقتال في الإسلام ضوابط وأخلاق تكفل السلام للبشرية قاطبة، بل تجعل السلام هو السائد، وهو المأمور بالجنوح إليه لقوله تعالى: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال: 61] فالسلام في الإسلام يحقق (احترام النوع الإنساني لإنسانيته، وذلك عام لكل الناس: أفرادًا، وأسرة، وجماعات، ومجتمعات إنسانية عالميَّة في إطار الكرامة، والمساواة والعزَّة، وإرادة الخير والحق. .

وشامل لكل أحوال الإنسان، فهو لا يعني مجرد الكف عن الحرب بأيِّ ثمن، ولو كانت هناك حرب نفسية داخل الإنسان، أو جحيم لا يطاق داخل الأسرة، أو مهما يقع في الأرض من ظلم وفساد، ومهما يلحق العباد من لأواء وشدة وضنك، وإنَّما يمتد ليشمل هذه المراحل كلها، وتلك الأحوال كلها، في خطوات متدرجة تدرجًا منطقيًا متوازنًا) .

ومن هنا يتضح (أنَّ الإسلام يبدأ محاولة السلام أولًا في ضمير الفرد، ثُمَّ في محيط الأسرة، ثُمَّ في وسط الجماعة، وأخيرًا يحاول في الميدان الدولي بين الأمم والشعوب. . .

وإنَّه ليسير في تحقيق هذه الغاية الأخيرة في طريق طويل يعبر فيه عن سلام الضمير إلى سلام البيت إلى سلام المجتمع إلى سلام العالم في نهاية المطاف) .

ولعل تحية الإسلام وهي (السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته)؛ التي يتبادر بها المسلمون عند لقائهم، وعند وداعهم، مِمَّا يدل على نزعة السلام على الأُمَّة الإسلاميَّة، حتى لقد بلغ الأمر بالآداب الإسلاميَّة أن لو فرقت بين اثنين شجرة أو شاخص أو نحوهما، وهما في طريق ما أن يبادر أحدهما الآخر بالسلام حال لقائهما في ذلك الطريق، وقبل ذلك وبعده مسمَّى (الإسلام) ذاته فهو يتضمن السلام والمسالمة.

أمَّا حالة القتال والحرب فهي حالة طارئة ومقيدة بشروط دقيقة، ولها ضوابط وأخلاق تكفل الرحمة بالخلق من إنسان وحيوان وما يحيط بهما من موجودات البيئة الفطريَّة ، ومن هذه الضوابط ما يأتي:

أولًا: (ضوابط قبل بدء القتال، ومنها: أن لا يقاتل العدو إلَّا إذا سُدَّت كل الطرق أمام التوصل إلى عقد اتفاق سلمي. . .،

ومنها: ألا نبدأهم بالقتال حتى يبدؤونا هم به مع أخذ الحذر الدقيق منهم. . .

ومنها: أنه إذا كان بيننا وبين العدو عهد بعدم الاعتداء، وبدرت (منه) بوادر قويَّة على خيانة العهد وجب علينا أن نعلمه بنقض العهد من جانبنا قبل أن نقاتله. . .

الثاني: ضوابط أثناء القتال، أن يكون مقصورًا على من قاتلنا فعلًا، أو عزم على قتالنا يقينًا، أو ظنًا قويًّا تؤيده قرائن الأحوال الواردة من العدو. .

وأن لا يكون اعتداءً وتجاوزًا من جانبنا كقتل الشيوخ والنساء والذرية، والضعفاء، والرهبان المعتزلين في خلواتهم أو بيوتهم. . .

وحظر ضرب الأهداف المدنية -كما هو معروف في الفقه الدولي الحديث- أي: أنَّ الجيش المسلم حين يخوض حربًا واجبة شرعًا، فعليه أن يقتصر حربه على قتال من حمل السلاح من العدو وجابهنا به، أو شارك فيه بأي لون من ألوان المشاركة كالتخطيط، ونقل المؤن والعتاد والجنود إلى ميدان القتال، أو المؤسسات الحربية، ومركز القيادات وإصدار الأوامر وتدبير شؤون القتال، أمَّا النساء والأطفال وكبار السنن ورجال الدين والرهبان الذين حبسوا أنفسهم في أديرتهم ومعابدهم، ولم تكن لهم صلة بأمور الحرب الدائرة، وكذلك الزروع والماشية والمؤسسات المدنية كمخازن المياه والتموين الغذائي للمدنيين، والطرق غير الحربية ومراكز الطاقة الحيويَّة المتصلة بحياة العامَّة اليوميَّة، والمدارس والمعاهد والجامعات والمستشفيات المدنية، فهذه كلها لا يتعرض لها بسوء أخذًا بسنة صاحب الرسالة -صلى اللَّه عليه وسلم- وخلفائه الراشدين، والاعتداء عليها داخل في الاعتداء المنهي عنه في قوله تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190] هذا ما يرجحه كثير من الفقهاء، ولكنه مشروط بشرط عادل ومنهم وهو: أن لا يعتدي علينا العدو بضرب هذه الأهداف لدينا، فإذا اعتدى العدو علينا بضرب مثل هذه الأهداف جاز لنا ضرب ما تصل إليه أيدينا من منشآته كذلك؛ أخذًا بمبدأ المعاملة بالمثل لقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] .

ومن الضوابط الأخلاقية أثناء القتال (عدم المثلة بقتلى الأعداء. . .

لأنها عمل حقير، ولا تليق بكرامة الإنسان مسلمًا كان أو غير مسلم. . والاستجابة إلى كف القتال إذا طلب العدو ذلك شريطة ألا يكون مخادعًا. . .) .

أمَّا الضوابط التي تكون بعد القتال فتتعلق بالأسرى وكيفية التعامل معهم على نحو ما ذكر الفقهاء في ذلك ، وما يجب على المسلمين بعد القتال مع إحراز النصر من (الالتزام الكامل بمنهج اللَّه من التواضع، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونصر اللَّه واتباع هديه في كل شؤون الحياة الخاصة والعامة: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41]. . .

إن النصر والتمكين في الأرض من أجلّ النعم على المسلمين بعد الإيمان باللَّه، وشكر هذه النعم يكون بطاعة اللَّه ورسوله، لا بالسعي في الأرض فسادًا، والطغيان على عباد اللَّه. . . وفي هذا الإطار المحكم من التوجيه الإسلامي الخلقي جرت معارك المسلمين مع أعدائهم) .

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*