الرد على أقوال المستشرقين في العقيدة

الرد على أقوال المستشرقين في العقيدة .. يتضح من الأقوال السابقة موقف عامّة المستشرقين في استهدافهم تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة من خلال محاولاتهم تشويه عقيدتها

موقف المستشرقين من العقيدة الإسلامية (3)

ثالثًا: الرد على أقوال المستشرقين في العقيدة :

يتضح من الأقوال السابقة موقف عامّة المستشرقين في استهدافهم تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة من خلال محاولاتهم تشويه عقيدتها، وذلك بنسبتها إلى اليهودية أو النصرانية أو إلصاق الوثنية في عقيدتها، وهذه وتلك برزت

بشكل صارخ في كتابات كبار المستشرقين الذين نفذوا إلى عقول المسلمين من خلال دعاوى العلمية والموضوعية والمنهجية، وتهدف كتاباتهم في مجملها وجوهرها إلى المسِّ بعقيدة التوحيد، وعدم الاعتراف بأصالة الأُمَّة الإسلاميَّة، ولا يُسْتثنَى من هذه القاعدة إلَّا أفراد قلائل تحرروا من المسلك الاستشراقي المتعصب، واتسم بعض ما كتبوه عن الإسلام وعقيدته بالإنصاف، ولعل من المناسب قبل الرد على ما ورد من الأقوال والآراء فيما سبق الإلماح لبعض الأقوال المنصفة التي ذكرها عدد قليل من المستشرقين القلائل، ومنها ما قاله (توماس كارلايل): القد أصبح من أكبر العار على كل فرد متمدن في هذا العصر أن يصغي إلى القول بأنَّ دين الإسلام كذب، وأنّ محمدًا خدَّاع مزور، فإنَّ الرسالة التي أدَّاها ذلك الرجل ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرنًا لمئات الملايين من الناس أمثالنا خلقهم اللَّه الذي خلقنا) .
ويقول (كلوداتيانسافاري): (أسس محمد ديانة عالمية تقوم على عقيدة بسيطة لا تتضمن إلَّا ما يقره العقل من إيمان بالإله الواحد الذي يكافئ على الفضيلة، ويعاقب على الرذيلة، والغربي المتنور إن لم يعترف بنبوته لا يستطيع إلَّا أن يعنبره من أعظم الرجال الذين ظهروا في التاريخ) .
ويقول (هنري دي كاستري): (أمَّا فكرة التوحيد فيستحيل أن يكون هذا الاعتقاد وصل إلى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من مطالعة التوراة والإنجيل، إذ لو قرأ تلك الكتب لردَّها لاحتوائها على مذهب التثليث، وهو مناقض لفطرته مخالف لوجدانه منذ خلقته، وظهور هذا الاعتقاد بواسطته دفعة واحدة هو

أعظم مظهر في حياته، وهو بذاته أكبر دليل على صدق رسالته وأمانة نبوته، ولعل هذا البرهان من أوضح الأدلة على إن الإسلام وحي من اللَّه، فإنَّ مفهوم (التوحيد) الإسلامي عقيدة تميَّز بها الإسلام عن غيره) .
وعلى الرغم من كون قول (كارلايل) لا يرقى إلى الإنصاف الكامل، إذ ليست الكثرة والاستمرار دليل على الحق، وإنَّما الحق أولى بالاتباع، وكذلك قول (سافاري) ينطوي على خطأ وهو قوله بأنَّ محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- أسس ديانة عالميَّة، والحقيقة أنه جاء مرسلًا من عند اللَّه إلى الناس جميعًا وهو خاتم الأنبياء وسيد المرسلين. وعلى الرغم من هذا وذاك فإن قولهما يُعَدّ أقرب إلى الإنصاف قياسًا إلى ما ذكر من أقوال المستشرقين الآخرين، أمَّا قول (هنري دي كاستري) فإنَّه أكثر إنصافًا، ولعل مسلكه العام ظل مستمرًّا على هذا النحو، واللَّه أعلم.

أمَّا الرد على أقوال المستشرقين السابقة فهو على النحو الآتي:
1 – إنَّ تلك الأقوال التي تشكك في تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة من خلال نسبة عقيدتها إلى اليهودية أو النصرانية أو الوثنية لا تقوى على حجب حقيقة تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة المرتكز على عقيدة صحيحة واضحة فذَّة جاء بها محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ربه، ومهما أثاروا حولها من ضباب كثيف، فإن اللَّه متم نوره ولو كره الكافرون، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33]، وقال تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: 32]، وقال تعالى: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [الصف: 8].
يقول عبد اللطيف الطيباوي عن كتابات المستشرقين في هذا المجال:

(إن ما أريق من مداد سود صحائف المجلدات المتعددة عن (أصول) الإسلام لا يقدم دليلًا مقنعًا بالمعنى التاريخي الصارم بحيث يثبت أن مثل هذا الاقتباس قد حدث فعلًا، بل على العكس، فإن الشاهد المعاصر الوحيد الذي ما يزال باقيًا هو (القرآن الكريم) وهو يستبعد مثل هذا الاحتمال بأقطع عبارة، ومن المستغرب أن هذا الشاهد الوحيد يُطرح في الغالب جانبًا) .
2 – يخلط هؤلاء المستشرقين المتحاملون على تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة في دراساتهم لعقيدتها الإسلاميَّة بين العقيدة الصافية النقية الحقة التي بينها القرآن الكريم والسنة النبوية (القولية والفعلية والتقريرية) وبين واقع المسلمين بعامة وواقع الفرق الضَّالة بخاصة، وكان من نتائج هذا الخلط أن جاءت دراسات المستشرقين في مسائل العقيدة (جهلًا مركبًا) كما سماها بذلك أحد المفكرين لأنهم درسوها في ضوء مناهج زائغة، وقدموها للناس مشوهة مزورة ومكذوبة .
فقد تركزت أقوالهم على دعوى؛ أن العقيدة الإسلاميَّة تأثرت باليهودية أو النصرانية أو الوثنية أو هي مزيج من ذلك كله، والرد على ذلك يتركز في الآتي:
أ- لو كان المراد بأن عقيدة الإسلام وبخاصة توحيد اللَّه وحده لا شريك له وإخلاص العبادة له هي العقيدة التي جاءت بها أنبياء بني إسرائيل، وجاء بها المسيح عليه السلام في صورتها الصحيحة التي أرادها اللَّه فإن ذلك حق وصحيح .

ومن المعلوم بالضرورة في دين الإسلام أن الدين واحد من لدن آدم عليه السلام وحتى خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} [الشورى: 13]، وقال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- فيما رواه أبو هريرة -رضي اللَّه عنه-: “. . . والأنبياء إخوةٌ لعلّات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد” ، ولكن أولئك المستشرقين لا يقصدون ذلك، بل يقصدون التراث اليهودي والنصراني كما قال أحدهم: (إن على الإسلام أن يقر بحقيقة أصله: ذلك التأثير التاريخي للتراث اليهودي النصراني) ، ومن المسلَّم به (أنه لا توجد أقوال ثابتة تبين لنا حقيقة التوحيد وماهيته في اليهودية؛ لأن اليهود قد ضمنوا التوراة كثيرًا من المتون المتعارضة، التي لا يُمكن الجمع أو التوفيق بينها، وهذا يدل على أن أفكار مؤلفي هذه الأسفار كانت متشتتة، وموزعة بين الوثنية المتمثلة في تجسيد اللَّه وتشبيهه بخلقه، وجعل الأنداد والنظائر له، وبين عقيدة التوحيد الخالصة التي جاء بها أنبياء اللَّه المذكورون في توراة اليهود، وفي القرآن والسنة عند المسلمين) .
وكذلك النصرانية التي ترتكز عقيدتها بعد التحريف على التثليث، ومنيت بالشرك بدلًا من التوحيد ورد في مقدمة كتاب (هيم ماكبي): بولس

وتحريف المسيحية: (كانت مأساة السيد المسيح الحقيقية أنه ولد في قوم أعظم مواهبهم تزوير التاريخ) .
ويتساءل (جون هك): (كيف وصل اليهود مع الأمميين من المسيحيين إلى عبادة كائن بشري محطمين هكذا فكرتهم في وجود إله واحد بطريقة أودت بهم إلى الميتافيزيكية المعقدة للتثليث؛ ففي تعاليم المسيحية الباكرة، كما نقلنا عنها من الكتاب الخامس للعهد الجديد -للقديس لوقا-؛ أعلن يسوع أنَّه إنسان أرسله اللَّه إليكم مؤيدًا بأعمالٍ ضخمة وأمارات، وبعد ثلاثين سنة فقط أفتتح إنجيل (مرقص) بهذه الكلمات: (ابتداءً إنجيل يسوع المسيح ابن اللَّه)؛ وفي إنجيل (يوحنا) الذي كتب بعد ثلاثين سنة أخرى، عُزِيَ هذا الكلام إلى يسوع نفسه وصور على أنَّه إله يمشي على الأرض!) .
وفي إجابة (هِكْ) على سؤاله يستشهد بقول آخر: (كم كانت منشرة فكرة التجسيد الإلهي في الحياة البشرية للعالم القديم؛ لذا فليس من المستغرب البتة تأليه يسوع في تلك البيئة الثقافية؛ ففي اليهودية نفسها، كانت فكرة تسمية الإنسان (ابن اللَّه) تستند إلى تقليد قديم) .

وللمرء أن يتساءل أيضًا أين التوحيد في هذا التراث اليهودي النصراني، وصدق اللَّه القائل: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 30 – 31].
ب- أمَّا قولهم بأن عقيدة الإسلام تأثرت بالوثنية فإن هذا القول مجاف لحقيقتها وما هو إلَّا نتيجة ما يسمى الإسقاط النفسي أو على حد المثل العربي (رمتني بدائها وانسلت) ، ولئن تسربت الوثنية إلى اليهودية وإلى النصرانية كما سبق ذكره؛ فإنَّ الإسلام ما جاء إلَّا لمحارتجها والقضاء عليها ونشر عقيدة التوحيد الخالص للَّه جل وعلا؛ رُوِيَ عن ابن عمر -رضي اللَّه عنه-؛ أنّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: “أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلَّا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءَهم وأموالهم إلَّا بحق الإسلام وحسابهم على اللَّه” .
وإذا كان بعض المستشرقين يربط بين شعائر الحج والعمرة في الإسلام وبين الوثنية، ويزعم بأن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- أبقى على بعض شعائر الوثنية، وبخاصة تقبيل الحجر الأسود، فإنَّ الرد على ذلك من وجوه:

أولها: إن ما كان من بقية الحق المتمثل في بعض الآثار الدينية التي تعود إلى الحنيفية السمحة فإن عقيدة الإسلام التي جاء بها الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- لاتناقضها بل تجلوها وتبقي على ما كان حقًّا منها، وفي مقدمة ذلك بعض شعائر الحج والعمرة من طواف وسعي وغيرهما ، قال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161].
ثانيًا: رد بعض الباحثين على زعم (بروكلمان) في هذا بقوله: (كان على بروكلمان أن يعرف مكانة الحجر الأسود عند عرب الجاهليَّة، وسبب تقديسه بعد الإسلام، وكان عليه أن يميَّز بين الوثن والصنم من جهة، وبين الحجر الأسود الذي لم نسمع في الروايات التاريخية شيئًا عن عبادة العرب له، لقد اتخذ العرب آلهتهم في الجاهليَّة من أشياء لا تحصى، ومع ذلك لم يرد مطلقًا أن الحجر الأسود كان ضمن آلهتهم، بل كانت له منزلة محترمة؛ لأنَّه من بقايا بناء إبراهيم للكعبة، وبناء على ذلك فالإسلام لم يقر وثنية كانت في الجاهليَّة، واستلام الحجر الأسود في الحج يرجع إلى اعتبار رمزي، لا إلى تقديس الحجر ذاته، لقد أعادت قريش بناء الكعبة، واختلفت بطونها على من يعيد الحجر مكانه، وأقبل محمد الأمين قبل البعثة بخمس سنوات، فدعوه لرجاحة عقله وحبِّهم له، فهو الأمين؛ ليفصل في الأمر فبسط رداءه، ووضع فيه الحجر، وجاء من كل بطن رجل، حمل من طرف الرداء، حتى أوصله عليه الصلاة والسلام إلى موضعه، فوضعه بيده الشريفة، وأنهى مشكلة حرجة، وسبب احترامه أنه

من بقايا بناء إبراهيم للكعبة، ولم يكن في يوم من الأيام وثنًا يعبد، لا في الجاهليَّة ولا في الإسلام. . .) .
ثالثًا: إنَّ تقبيل الحجر الأسود عبادة للَّه له دلالات ومقاصد لا تخدش عقيدة التوحيد فهو حجر لا يضر ولا ينفع بذاته، وهذه عقيدة المسلمين فيه كما علمهم رسول الهدى -صلى اللَّه عليه وسلم- فهذا عمر بن الخطاب يقول عند تقبيله للحجر الأسود: (إني أعلم أثك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- يقبلك ما قبلتك) ، ولعلماء المسلمين في قول عمر -رضي اللَّه عنه- هذا أقوال عديدة، منها: قول ابن جرير الطبري: (إنَّما قال ذلك عمر لأن الناس كانوا حديثي عهد بعبادة الأصنام، فخشي عمر أن يظن الجهَّال أن استلام الحجر من باب تعظيم بعض الأحجار، كما كانت العرب تفعل في الجاهليَّة) .
وقال ابن حجر: (وفي قول عمر هذا: التسليم للشارع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدة عظيمة في اتباع الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- فيما يفعله، ولو لم يعلم الحكمة فيه، وفيه دفع ما وقع

لبعض الجهال من أن في الحجر الأسود خاصية ترجع إلى ذاته، وفيه بيان السنن بالقول والفعل، وأن الإمام إذا خشي على أحد من فعله فساد اعتقاد أن يبادر إلى بيان الأمر، ويوضح ذلك) .
وهناك روايات عديدة عن أصل ذلك الحجر وما يرمز إليه أورد جملة منها ابن حجر وبين ما في أسانيدها من ضعف، ولكن يستفاد من مجموعها الآتي:
1 – إن عمر -رضي اللَّه عنه- في بعض الروايات رفع قوله: (إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع) إلى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وهذه قاصمة الظهر لـ (كارل بروكلمان) ومن سار على نهجه في هذا الزعم.
2 – إن تقبيل الحجر -وقد فعله رسول الهدى -صلى اللَّه عليه وسلم- أمر من لدن الحكيم الخبير- شبيه بأمر اللَّه الملائكة أن تسجد لآدم، فكان السجود طاعة لأمر اللَّه وعندما عصى إبليس كتبت عليه اللعنة ، فاستلام الحجر وتقبيله عبادة للَّه وتعظيم للَّه وليس لذات الحجر، وهذا التعليل يقبله العقل السليم ولا يعارض الشارع.
3 – رُبَّمَا كان الحجر الأسود بمثابة الشاهد على التوحيد يقدم شهادته يوم القيامة لمن حجَّ البيت أو اعتمر أو زاره وطاف به، وحينما يقبل يكون (ذلك امتثالًا لأمر اللَّه رمزًا للتوحيد والعبودية للَّه كما ترمى الجمار بالحجر رمزًا لعداوة الشيطان ومجافاته) .

وخلاصة القول: (إن فكرة وثنية الحجر الأسود هي فكرة غربية بثتها حركة الاستشراق. . وسعت لترويجها منذ زمن بعيد. . فقد سبق بروكلمان إليها بعض المستشرقين، مثل (درايكت) و (بورشورت سمث). .) ، في محاولتهما نفي تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة والطعن في أهم مقومات ذلك التميُّز وهي عقيدة التوحيد الخالص، كما عبَّرَ عن ذلك (الكونت هنري دي كاستري)؛ بقوله: (فظهور هذا الاعتقاد -يعني: توحيد اللَّه وإفراده بالعبادة دون سواه- بواسطته -يعني: محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- دفعة واحدة هو أعظم مظهر في حياته، وهو بذاته أكبر دليل على صدقه في رسالته وأمانته في نبوته، ولعل هذا البرهان من أوضح الأدلة على أن الإسلام وحي من اللَّه فإن مفهوم التوحيد الإسلامي عقيدة تميُّز بها الإسلام عن غيره) .
وهناك ردود أخرى تتعلق بمصدر العقيدة سيجري إيرادها في مجال أقوال المستشرقين حول الربانية، ويبقى هنا الالتفات إلى مقولة (جولدزيهر) بأن مسائل الخلاف العقدية التي برزت في القرنين الأولين عند الكلام الإسلاميين (كان) تحت تأثير النشاط العقدي داخل الكنائس والفرق المسيحية الشرقية) .
وهذا القول ينطبق إلى حدٍّ كبير على واقع الفرؤا الإسلاميَّة الضَّالَّة فإنَّ كل بدعة ظهرت في دين الاسلام سلكت مسلكًا مشابهًا لليهود أو النصارى، وهذا ما يصرح به علماء الأُمَّة الإسلاميَّة ويدركونه، وهو كذلك من دلائل نبوة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- إذ ورد عنه أحاديث كثيرة تخبر بذلك منها قوله

-صلى اللَّه عليه وسلم- فيما رواه أبو هريرة -رضي اللَّه عنه-: “تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة” ، وأخبر -صلى اللَّه عليه وسلم- بأن ثنتين وسبعين فرقة في النَّار من تلك الفرق التي تنقسم إليها أمته -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنها تسلك مسلك أهل الكتاب (اليهود والنصارى) واستثنى فرقة واحدة أو ملة أو طائفة أو أُمَّة -كما يسبق ذكره- هي التي تلزم الحق وتبقى على هديه -صلى اللَّه عليه وسلم-: “ولن تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة” . وفي بعض الروايات: “وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين مِلَّة كلهم في النار إلا ملة واحدة”، قالوا: من هي يا رسول اللَّه؟ قال: “ما أنا عليه وأصحابي” .
قال ابن تيمية عند إيراده حديث: “ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة” الحديث: (وهذا المعنى محفوظ عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- من غير وجه: يشير إلى أن الفرقة والاختلاف لا بُدَّ من وقوعهما في الأمة، وكان يحذر أمته منه لينجو من الوقوع فيه من شاء اللَّه له السلامة) .
ولكن (جولدزيهر) يلبس الحق بالباطل ويكتم الحق وهو يعلم، وهذا هو المنهج المذموم الذي عابه اللَّه على أهل الكتاب واليهود بخاصة، قال

تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42]، إنَّ المتتبع لمنهج (جولدزيهر) يلمس هذا التلبيس والكتمان فهو ينتزع عقيدة الإسلام من مجريات التاريخ الإسلامي في القرنين الأولين مع التركيز على مقولات الفرق الضَّالَّة، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى يخفي بطريقة ماكرة منهج السلف الصالح وما كانوا عليه من عقيدة التوحيد الخالص. . وقد سلك هذا المسلك عند دراساته للحديث النبوي الكريم، وسيأتي مزيدٌ من الرد عليه لاحقًا ، بيد أنَّ ما كتمه (جولدزيهر) هو تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة المرتكز على عقيدة التوحيد التي أخفق فيها اليهود والنصارى وهدى اللَّه إليها الأُمَّة الإسلاميَّة.

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*