العوامل التي ساعدت على تطور الاستشراق

العوامل التي ساعدت على تطور الاستشراق .. بعد الحروب الصليبية رجحت كفة الحرب الثقافية، وهذا يعني دعم المستشرقين ودفع الحركة الاستشراقية

العوامل التي ساعدت على تطور الاستشراق

تطور الاستشراق

العوامل التي ساعدت على تطور الاستشراق

كانت فكرة حرب الأمة الإسلامية حربًا ثقافية مطروحة على الفكر الغربي قبل الحروب الصليبية، ولكن كفة المواجهة العسكرية كانت الراجحة، أما بعد الحروب الصليبية فقد رجحت كفة الحرب الثقافية، وهذا يعني دعم المستشرقين ودفع الحركة الاستشراقية، وقد ساعدت عوامل عديدة على تطور الدراسات الاستشراقية حتى بلغت أوج ازدهارها في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين.

وفيما يأتي إبراز لأهم تلك العوامل والتطورات:

1 – مما ساعد على تقدم الدراسات الاستشراقية في نهاية العصر الوسيط ما كان من الصلات السياسية والدبلوماسية مع الدولة العثمانية التي اتسعت رقعتها حينذاك، وكان للروابط الاقتصادية لكل من إسبانيا وإيطاليا مع كل من تركيا وسوريا ومصر أثر كبير في دفع الحركة الاستشراقية .

2 – وفي القرن السادس عشر الميلادي وما بعده ساعدت ما تدعى (النزعة الإنسانية) في عصر النهضة الأوروبية على تقدم الدراسات الاستشراقية بأساليب جديدة قد تكون أقرب للموضوعية من ذي قبل، ومن جهة أخرى شجعت البابوية الرومانية على دراسات الشرق من أجل التنصير .
وكان مما يرمي إليه كذلك محاولة صرف أنظار الأوروبيين عن أن تتوجه بالنقد المعادي لسلطة الكنيسة من خلال إيجاد عدو خارجي تعمل

على مهاجمته والتحذير منه لتغطي على عيوبها وأخطائها إبان النهضة الأوروبية وما انطوت عليه من حركات إصلاحية تمس العقيدة النصرانية وتهاجم سياسة الكنيسة ومظالمها ، وفي ظل هذه الظروف والتناقضات التي هزت الغرب فترة طويلة من الزمن تطور الاستشراق وراجت دراسات المستشرقين بمختلف نزعاتها وأهدافها ودوافعها، وكان لظهور الطباعة كذلك أثر بارز في دفع الاستشراق .

3 – وفي القرن السابع عشر الميلادي بدأ المستشرقون بجمع المخطوطات العربية وجلبها من بلدان الشرق ، وفي القرن نفسه أنشئت كراسي اللغة العربية في أماكن مختلفة، كان أولها: كرسي اللغة العربية في (الكوليج في فرانس) في باريس، ثم تتابعت تلك الكراسي في الجامعات الغربية إنفاذًا لقرار مجمع (فينَّا الكنسي 1312 م) .
وقد ارتبط إنشاء هذه الكراسي ثقافيًا بالأهداف التنصيرية؛ مما يؤكد ذلك ما جاء في قرار إنشاء كرسي اللغة العربية في جامعة (كمبردج عام 1636 م) حيث نص على خدمة هدفين، أحدهما: تجاري، والآخر: تنصيري، فقد جاء (في خطاب مؤرخ في 9 آذار (مارس) من سنة 1636 م

موجهًا إلى مؤسس هذا الكرسي) : (ونحن ندرك أن لا نهدف من هذا العمل إلى الاقتراب من الأدب الجيد بإلقاء الضوء على المعرفة وهي ما تزال بعد محتبسة في نطاق هذه اللغة التي نسعى لتعلمها، ولكننا نهدف أيضًا إلى تقديم خدمة نافعة إلى الملك والدولة عن طريق تجارتنا مع الأقطار الشرقية، وإلى تمجيد اللَّه بتوسيع حدود الكنيسة، والدعوة إلى الديانة النصرانية بين هؤلاء الذين يعيشون الآن في الظلمات) .

4 – وشهدت نهاية القرن السابع عشر اتجاهًا جديدًا في دراسات المستشرقين، واستمر ذلك الاتجاه خلال القرن الثامن عشر، وهو اتجاه يتسم -إلى حد ما- بنظرة علمية محايدة وفيها شيء من التعاطف مع الإسلام -في الظاهر- ويربط بعض الباحثين هذا بالنزعة العقلية التي بدأت تسود أوروبا في ذلك العين، وهي مخالفة في مسارها العام للكنيسة، وبتأثير من هذه النزعة تهيأت الفرصة لبعض المستشرقين كي يقف موقف الإنصاف، ويأبى الظلم والإجحاف الذي اتسمت به القرون الوسطى، وظهرت في هذا المناخ بعض المؤلفات المعتدلة في دراستها للإسلام وعقيدته وحضارته .

ومن أبرز ما يمثل هذا الاتجاه:

1 – المستشرق (هادريان ريلاند) أستاذ اللغات الشرقية في جامعة (أوترشت) بهولندا، الذي أصدر كتابًا باللغة الإنجليزية عام (1705 م)

عنوانه: الديانة المحمدية، ففي هذا الكتاب -كما يذكر الباحثون- عرض (هادريان) في جزء منه العقيدة الإسلامية من مصادر عربية ولاتينية، وفي جزئه الآخر قام بتصحيح الآراء الغربية التي كانت سائدة لديهم عن تعاليم الإسلام .

ولعل مقولة (هادريان): (دعوا المسلمين أنفسهم يصفوا لنا دينهم) من أكثر ما ورد في الكتاب إنصافًا لأنَّهُ بذلك يخط منهجًا أقرب إلى العلمية وينسف أباطيل من سبقه من (اللاهوتيين) والمرتزقة، وعلي الرغم من هذا المسلك القريب من العلمية والمنهجية فإن (هادريان) حدد قصده بذلك المسلك بقوله: (إنَّهُ يَتَحَتَّمَ على المرء أن يعرف الإسلام جيدًا لكي يستطيع أن يحاربه بطريقة فعالة) .

ومهما يكن السبب في قوله هذا، سواءً أكان الخوف من سلطة الكنيسة وغضب جماهيرها من اتخاذه أسلوبًا يهدف للناحية العلمية فهو لذلك يجاملها بهذا القول، أو إنه كان يريد فعلًا تغيير الأساليب القديمة ويقصد الوصول إلى فهم الإسلام فهمًا صحيحًا ممهدًا بذلك السبيل إلى محاربته من جانب النصرانية بطريقة أفضل من ذي قبل، مهما يكن الأمر فإن التاريخ أثبت أن (صورة العصور الوسطى النصرانية للإسلام ظلت في جوهرها دون تغيير، وإنما نفضت عنها الثياب القديمة لأجل أن تضع عليها ثيابًا جديدة أقرب إلى العصر) .

ب- المستشرق (يوهان جيه رايسكه) الذي كان واحدًا من أبرز علماء العربية في عصره في ألمانيا، ويذكر أن هذا المستشرق قد تحرر من الأفكار اللاهوتية، ومجَّد الإسلام ورسوله، وإليه يرجع السبق في إيجاد مكان بارز للدراسات العربية في ألمانيا، ولكنه حورب وأوذي وعزل عن عصره ومعاصريه .

5 – ويعد القرنان التاسع عشر والعشرون الميلاديان عصر الازدهار الحقيقي للحركة الاستشراقية، حيث تعززت مدارسه، وتأسست الجمعيات الاستشراقية، وأصبح لها إصدارات ومجلات، وعقدت مؤتمرات المستشرقين الإقليمية والدولية، وبرزت مظاهر النشاط الاستشراقي في أعمال عديدة بأساليب متنوعة ووسائل مختلفة.

وفيما يأتي توضيح لأبرز هذه المستجدات:

أ – إنشاء مدرسة اللغات الحية في باريس في (شهر (آذار) مارس 1795 م) في ظل الثورة الفرنسية، ومن خلال هذه المدرسة تقدمت الدراسات الاستشراقية، واتسمت بطابع علمي إلى حد ما، وقد اشتهر (سلفستردي ساسي توفي 1838 م) بنشاطه الاستشراقي، وأصبح إمام المستشرقين في عصره، وإليه يرجع القول بأن باريس غدت مركزًا للدراسات العربية وقبلة يؤمها التلاميذ والعلماء من مختلف البلاد الأوروبية ليتعلموا على يديه، وكانت جهوده منصبة على الدراسات العربية من نحو وشعر وأدب، وكانت مدرسة اللغات الحية في عهده تعد أنموذجًا لمؤسسة الاستشراق العلمي وخاصة بعد أن انفصل الاستشراق في ذلك العين عن التنصير، ولكن (سلسفتر دي ساسي) كان مرتبطًا بدوائر الاستعمار ولئن

ظهر الاستشراق منفكًا عن التنصير -في الظاهر – إلا أنه ارتبط بالاستعمار مسايرة للظروف التاريخية، كما سيأتي بيان ذلك.

ب- بدأ المستشرقون في النصف الأول من القرن التاسع عشر في مختلف بلدان أوروبا وأمريكا بإنشاء جمعيات لمتابعة الدراسات الاستشراقية، ونشأت هذه الجمعيات في إصدار المجلات والمطبوعات المختلفة ، فقد تأسست أولًا الجمعية الآسيوية في باريس عام (1822 م)، ثم الجمعية الملكية الآسيوية في بريطانيا عام (1823 م)، وتأسست الجمعية الشرقية الأمريكية عام (1842 م)، والجمعية الألمانية عام (1845 م) .
ج- وشهد القرن التاسع عشر -أيضًا- بداية المؤتمرات الدولية للمستشرقين، حيث أتاحت هذه المؤتمرات للمستشرقين في كل مكان الفرصة للتنسيق وتوثيق أواصر التعاون والتفاهم، والتعرف بصورة مباشرة على أعمال بعضهم بعضًا، وتجنب ازدواجية العمل وتكراره حرصًا على الإفادة من الوقت والجهد معًا .
وقد عقد أول مؤتمر دولي للمستشرقين في عام (1873 م) وتتابعت المؤتمرات الدولية حتى بلغت ما يزيد على ثلاثة وثلاثين مؤتمرًا ، وإلى

جانب هذه المؤتمرات فإن هناك اجتماعات وندوات ولقاءات -يصعب حصرها- منها المحلي ومنها الإقليمي .

د- إذا كان الاستعمار في حقيقته عودة للحروب الصليبية بأسلوب جديد يواجه بها الغربيون العالم الإسلامي فإن هذه المواجهة تذرعت بسلاح الفكر والمعرفة، وقد ارتبط الاستشراق بهذا ارتباطًا قويًا، بحيث كان كما قال أحد المفكرين: (عين الاستعمار التي بها يبصر ويحدق، ويده التي بها يحيى ويبطش، ورجله. . .) إلخ.

وكما أفاد الاستعمار من التراث الاستشراقي فقد أفاد الاستشراق كذلك من الاستعمار، فأصبح الاستشراق في ظل الاستعمار (شبكة ضخمة من المؤسسات الأكاديمية الممثلة في الجامعات والمعاهد والجمعيات الاستشراقية والجغرافية والدوريات ودور النشر، وهذه الشبكة متعاونة فكريًا وسياسيًا مع الاستعمار لإحكام قبضته على كل أسباب الحياة للأمة الإسلامية ، ونشأت رابطة رسمية وثيقة بين الاستشراق والاستعمار خدم الاستشراق من خلالها الاستعمار قبل دخوله بلاد المسلمين وأثناء ذلك وبعده. فأما قبل دخوله بلاد المسلمين فإن الاستشراق كان بمثابة دليل وهاد للاستعمار في مناطق الشرق على اختلاف المواقع بدءًا بالرحلات

الاستكشافية، ومن خلال الشركات الغربية التي عملت في بلاد الشرق، ووصولًا لتلك الدراسات الاستشراقية التي تضفي طابع التبرير العقلي على المبدأ الاستعماري .

وأما في الفترة الاستعمارية وبعد استيلاء عدد من دول الاستعمار على البلاد الإسلامية وسيطرتها عليها عسكريًا وسياسيًا، فقد عمل المستشرقون دائبين على محاولة إضعاف المقاومة الروحية والمعنوية في نفوس المسلمين وتشكيكهم في معتقداتهم وتراثهم حتى يتم للاستعمار -من جانب- إخضاعهم للحضارة الغربية وثقافتها، ويتاح للمستعمرين -من جانب آخر- مزيدًا من معرفة تلك الشعوب التي يستعمرونها، ومن المؤكد أن (مزيدًا من المعرفة يؤدي إلى مزيد من القوة) .
وأما بعد رحيل الاستعمار عن بلاد العرب والمسلمين فإن خدمات الاستشراق للاستعمار تمثلت في طرح الخطط المدروسة والدراسات العميقة التي أنجزها المستشرقون، وتبنتها دوائر الاستعمار ومؤسساته لفرض السيطرة على الشرق وإخضاع شعوبه وإذلالها بأساليب ظاهرها التحرر والانعتاق من الاستعمار، وحقيقتها أشد وطأة على الأمة الإسلامية من الاستعمار نفسه وأخف كلفة على المستعمر، كذلك فإن تلك الخطط تهدف إلى إضعاف العالم الإسلامي وإبعاد الأمة عن مقوماتها وإذابة ذاتيتها في حضارة الآخر وثقافته، ومنع أي محاولة من شأنها جمع شمل المسلمين مرةً أخرى.
ولعل هذه المهمة أو هذا الطور الذي خطط له الاستشراق لخدمة

الاستعمار استهدف من أبناء المسلمين من تتلمذ على أيدي المستشرقين وتشرب أفكارهم وتورط في حمل دعوتهم إلى تطوير الإسلام أو إصلاحه أو نحو ذلك من الدعوات التي فتَّت في عضد الأمة وأسلمتها للتمزق والتشرذم والضياع ، تحقيقًا للمثل الغربي القائل: (ينبغي أن يقطع الشجرة بعض أغصانها) .
* * *

دوافع الاستشراق ومظاهر نشاطه
يتضح من تاريخ الاستشراق، في جذوره الضاربة في أعماق تاريخ العلاقة بين الشرق والغرب، وما حدث له من تطور، وعلاقات متنوعة؛ جملة من الدوافع، ولكل دافع منها أهداف يسعى لتحقيقها، وأن الاستشراق اتخذ وسائل وأساليب كثيرة، وعمل في مجالات واسعة، ظهر من خلالها نشاط المستشرقين؛ وبيان ذلك فيما يأتي:

أولًا: الدوافع الاستشراقية:
يمكن بيان هذه الدوافع (وما ترمي إليه من أهداف) على النحو الآتي:
1 – دوافع دينية.
2 – دوافع سياسية.
3 – دوافع اقتصادية.
4 – دوافع علمية.
ولكل دافع من هذه الدوافع أهداف، وقد تنوعت كتابات الباحثين في تحديد هذه الدوافع والأهداف، واختلفت مسمياتها لديهم وتقسيماتهم لها ، ومهما كان الأمر فإن (الدوافع تلتقي مع الأهداف، باعتبار أن

الدافع يمثل المحرض النفسي لاتخاذ الوسائل التي توصل إلى الأهداف الغائية من العمل) ، والدافع الديني هو أهم هذه الدوافع ، ثم يليه الدافع السياسي ثم الاقتصادي، ويأتي الدافع العلمي متأخرًا، وضئيلًا بالنسبة للدوافع الأخرى، وفيما يأتي توضيح لهذه الدوافع وأهدافها:

1 – الدافع الديني:
هو المحور الأساس الذي ارتكزت عليه الحركة الاستشراقية، وقد تبين من استعراض تاريخ الاستشراق بأنه نما وترعرع في أحضان الكنيسة وكانت بدايته على أيدي الرهبان النصارى، وأنه استمر في خدمة التنصير ولم ينفصل عنه إلا نهاية القرن الثامن عشر الميلادي وكان ذلك الانفصال شكليًا، أما واقع الأمر فإنه يصعب التفريق بين المستشرق والمنصر حتى في العصر الحديث، وكان لهذا الدافع عدة أهداف من أبرزها:
أ – حماية النصارى والشعوب التابعة للكنيسة من الدخول في الإسلام.
ب- الحد من انتشار الإسلام على حساب امتداد النصرانية ونشرها.
جـ- التعرف على الإسلام ولغته بهدف تشكيك المسلمين به ومحاولة تنصيرهم.
د- معرفة اللغة العربية ودين الإسلام بهدف التعمق عن طريقهما في العهد القديم (التوراة) للاعتقاد بوجود التشابه بين اللغة العربية واللغة

العبرية، بل ذهب أحد المستشرقين وهو (دوزي) إلى دعوى التشابه بين لغة اليهود ولغة قريش ، هذا من جهة ومن جهة ثانية فإنهم يزعمون أن الإسلام مقتبس من اليهودية فلزم لذلك أن يدرسوا اللغة العربية والإسلام للتعمق في العهد القديم باعتباره جزءًا من الكتاب المقدس، وباعتبار الإسلام ولغته اللغة العربية يخدمان بطريق غير مباشر هذا الهدف الديني للاستشراق.
وقد أكد هذا الهدف (شولتنس) بقوله: (لم يدرسوا اللغة العربية لقيمتها الأدبية أو للتعمق في تاريخ الإسلام أو لدرس تطور الأدب عند المسلمين، بل لاستعمالها وسيلة درس العهد القديم واللغة العبرانية) .
هـ – إشغال الشعوب الغربية عن الهجوم على الكنيسة ومعتقداتها بالهجوم على الإسلام، وتوجيه الأنظار إليه باعتباره عدوًّا للكنيسة والشعوب الغربية .

2 – الدافع السياسي:
ما برح هذا الدافع ملازمًا للحركة الاستشراقية في كثير من مراحلها وأطوارها إذ انبرى نفر من المستشرقين لتقديم دراسات تتناول الأمة الإسلامية جغرافيًا وسياسيًا (فاتجهوا إلى دراسة هذه البلاد في كل شؤونها من عقيدة وعادات وأخلاق وثروات ليتعرفوا إلى مواطن القوة فيها

فيضعفوها وإلى مواطن الضعف فيغتنموها) ، ومن خلال تاريخ الاستشراق تبين كذلك أن المسار العام للحركة الاستشراقية قد تلوّن في مرحلة الاستعمار بما يتناسب معها، وتكونت بسبب ذلك (رابطة رسمية بين الاستشراق والاستعمار، وانساق في هذا التيار عدد من المستشرقين الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكون عملهم وسيلة لإذلال المسلمين وإضعاف شأن الإسلام وقيمه . . .).
وتبين أن الاستشراق خدم الاستعمار قبل دخوله بلاد المسلمين وأثناء دخوله وبعد خروجه، وجاء ليحقق في تلك المراحل الثلاث جملة من الأهداف السياسية من أبرزها:
أ- تبرير نزعة الاستعمار ودعمها بوساطة الكشف للمستعمرين عن مواطن الضعف في المجتمعات الإسلامية لاستغلالها في السيطرة والنفوذ والكشف عن مواطن القوة للعمل على إضعافها.
ب- إضعاف روح المقاومة لدى الشعوب التي سيطر عليها المستعمرون وإخضاعهم لسلطة المستعمر وثقافته وحضارته.
جـ- تحقيق غايات سياسية متنوعة تفرضها المراحل المتعاقبة وما تحيط بها من الظروف والأوضاع المختلفة التي ترمي في النهاية إلى احتواء الأمة الإسلامية من كل الجوانب، والتحكم في مصيرها، وفرض التبعية على أبنائها.

3 – الدافع الاقتصادي:
ومن الدوافع لدراسات المستشرقين دافع اقتصادي يُعنَي بوسائل كسب الأموال وتنميتها وفتح أسواق للصناعات الغربية في الشرق والحصول على المواد الخام منه، وهذه المصالح دفعت إلى دراسات عدة قام بها المستشرقون عن الشرق وأهله وعاداتهم وطبائعهم وطرائق معيشتهم، وأدى هذا الدافع من جانب آخر إلى البحث عن مصادر المواد الخام والطاقة ونحوها، وإذا كانت مثل هذه الدراسات الاقتصادية تهدف من حيث الأصل إلى الانتفاع بها في أسلوب التعامل مع شعوب العالم الإسلامي في مجالات التبادل التجاري والصناعي والتنمية دون ربط ذلك بالأغراض السياسية إلا أن الاستشراق تجاوز ذلك كله، وانطلق في هذا المجال بروح عنصرية طاغية وأساليب سياسية ملتوية، وقد عبر أحد المفكرين المسلمين عن ذلك بقوله: (ومن الدوافع التي كان لها أثرها في تنشيط الاستشراق، رغبة الغربيين في التعامل معنا لترويج بضائعهم، وشراء مواردنا الطبيعية الخام بأبخس الأثمان ولقتل صناعتنا المحلية التي كان لها مصانع قائمة مزدهرة في مختلف بلاد العرب والمسلمين) .

4 – الدافع العلمي:
لا يمكن للباحث في الاستشراق أن يتجاهل الدافع العلمي النزيه لدى نفر من المستشرقين توافروا على دراسة الإسلام ولغته بغية معرفة الحقيقة والتجرد من كل مؤثر، ولكن المناخ الاستشراقي العام في مسار حركته الطويلة لا يساعد هؤلاء على الظهور والانتشار.
وأقصى ما يتحقق في هذا أن يبرز أفراد اتسمت دراساتهم أن بعضها بالتجرد ووصلت إلى نتائج أقرب لحقيقة الإسلام وأكثر إنصافًا للمسلمين،

وربما أسلم بعضهم. . . وثمة أسباب جعلت هذا الدافع ضعيفًا وغير منتج في تاريخ الاستشراق والمستشرقين، ومن أبرزها:
أ- العداء الشديد للإسلام الذي سيطر على الشعور العام في الغرب عبر مراحله التاريخية، وقد أسهم الاستشراق فيه بقدر كبير، فإذا ظهر بين الحين والآخر من ينصف الإسلام فإن بحوثه لا تجد (رواجًا لا عند رجال الدين ولا عند رجال السياسة ولا عند عامة الباحثين) .
بل رُبَّما أدَّى ذلك إلى أن يعني ذلك المستشرق صنوفًا من الأذى والمتاعب .

ب- عدم توافر الأموال اللازمة التي تحتاجها مثل تلك الدراسات والبحوث؛ لأن جهات الدعم سواء كانت الكنيسة ومؤسساتها أو الهيئات السياسية أو المؤسسات الإعلامية، أو غيرها من دوائر العداء للإسلام والمسلمين، إن كل أولئك لا يبذلون الأموال في العادة إلا لخدمة أهداف محددة تسعى لتشويه الإسلام وتسيء لأمته.
ج- هناك سبب آخر وهو تأثر المستشرق -مهما كان متجردًا ونزيهًا- ببيئته وثقافة مجتمعه ولغته الأصلية ومعطيات الحضارة الغربية، وعندما يدرس الإسلام لا بد أن تعترض دراسته عقبات متنوعة تؤثر على منهجه وما يصل إليه من نتائج .
ولعل الهدف الغائي لهذا الدافع هو (إشباع نهم علمي متجرد، وتحصيل معرفة صحيحة تتصل بأمَّة) ذات شخصية متميزة لها مبادئ وقيم وعادات وأعراف وتاريخ وعلم وحضارة.
ومما ينبغي التفطن إليه هو ظهور بعض الدراسات الاستشراقية بمظهر علمي، ولكن يتذرع بها لأهداف مشبوهة وعندئذٍ يخرج هذا عن الدافع العلمي؛ لأنه أصبح غاية أو وسيلة لغاية غير نزيهة، وقد ألمح إليه بعض الباحثين المسلمين في قوله: (ومهما كان حسن الظن متوافرًا في كثير من تكلم الدراسات إلا أن ما كان منها نتيجة غاية علمية، كدراسة بلاشير لتاريخ الأدب العربي، خدمت بطريق مباشر أو غير مباشر غايات عاطفية وعصبية) .

ثانيًا: مظاهر النشاط الاستشراقي:
ظهر نشاط المستشرقين على مدى تاريخهم الطويل في مجالات مختلفة، واستخدموا وسائل متنوعة للوصول إلى أهدافهم، فأنشؤوا المؤسسات التعليمية ذات المستوى العلمي المتميز من معاهد وأقسام علمية، ومراكز بحث في الجامعات الغربية وفي بعض جامعات الشرق الإسلامي، واهتموا بالمخطوطات الإسلامية وجلبوها من مظانها بطرق مشروعة وغير مشروعة .
ثم خدموا هذه المخطوطات من نواحٍ فنية وعلمية، وأفادوا منها، وقاموا بالتحقيق والنشر والترجمة، وفي مقدمة ما قاموا بترجمته معاني القرآن الكريم إلى عدد من اللغات الأوربية ، وألفوا العديد من الكتب، في العقيدة والشريعة واللغة والتاريخ والأدب، وغيرها، وأعدوا بعض دوائر المعارف للعلوم الإسلامية، وأنجزوا بعض المعاجم اللغوية .

وأسسوا كذلك جمعيات استشراقية وأصدروا المجلات والدوريات ونحوها، وعقدوا عددًا من المؤتمرات إقليمية ودولية. . . ويمكن بيان مظاهر هذا النشاط وما اتخذ من الوسائل والمجالات فيما يأتي:
1 – التدريس الجامعي .
2 – جمع المخطوطات .
3 – التحقيق والنشر .
4 – الترجمة .
5 – التأليف .
6 – تأسيس الجمعيات .
7 – إصدار المجلات .

8 – عقد المؤتمرات .

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*