الكفاءة التَّوظيفيَّة

الكفاءة التَّوظيفيَّة

الكفاءة التَّوظيفيَّة

المطلب الثَّاني: الكفاءة التَّوظيفيَّة

 

يمكن دراسة الكفاءة التَّوظيفيَّة للنموذج وفق ما يلي:

أولًا: العمل والكسب

قال ابن تيمية رحمه الله: «وكان فقراء المسلمين من أهل الصُّفَّة وغيرهم يكتسبون عند إمكان الاكتساب الَّذي لا يصدُّهم عمَّا هو أوجب أو أحب إلى الله من الكسب،

وأما إذا أحصروا في سبيل الله عن الكسب فكانوا يقدمون ما هو أقرب إلى الله ورسوله … فإنَّ الغالب كان عليهم الحاجة لا يقوم ما يقدرون عليه من الكسب بما يحتاجون إليه من الرزق …

ولم يكن في الصَّحابة لا أهل الصُّفَّة ولا غيرهم من يتَّخذ مسألة النَّاس ولا الإلحاف في المسألة بالكدية والشحاذة،

لا بالزنبيل ولا غيره صناعة وحرفة بحيث لا يبتغي الرزق إلا بذلك». ([1])

وذكر الشَّاطبي في الاعتصام أن النَّبي – صلى الله عليه وسلم – أنزل صُفَّة المسجد من لم يجد وجهًا يكتسب به لقوت ولا لسكنى،

وحضَّ أصحابه على إعانتهم، والإحسان إليهم؛ لأنهم أضياف الإسلام،

وحق على الضيف إكرامه والإنفاق عليه حتَّى يجد السعة والرزق،

ثمَّ قال: ومع ذلك كانوا بين طالب للقرآن والسُّنة كأبي هريرة، فإنه قصر نفسه على ذلك،

وكان منهم من يتفرَّغ إلى ذكر الله وعبادته، وقراءة القرآن، فإذا غزا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – غزا معه،

وإذا أقام أقام معه، حتَّى فتح الله على رسوله وعلى المؤمنين،

فصاروا إلى ما صار النَّاس إليه غيرهم ممَّن كان ذا أهل ومال وطلب للمعاش واتِّخاذ المسكن؛ لأن العذر الَّذي حبسهم في الصُّفَّة قد زال،

فرجعوا إلى الأصل لما زال العارض،

فالذي تحصَّل أن القعود في الصُّفَّة لم يكن مقصودًا لنفسه،

بناء الصُّفَّة للفقراء مقصودًا؛ بحيث يقال: إن ذلك مندوب إليه لمن قدر عليه،

ولا هي شرعيَّة تطلب بحيث يقال: إن ترك الاكتساب والخروج عن المال والانقطاع إلى الزَّوايا يشبه حالة أهل الصُّفَّة،

والدَّليل من العمل أن المقصود بالصُّفَّة لم يدُم،

ولم يثابر أهلها ولا غيرهم على البقاء فيها، ولا عمرت بعد النَّبي – صلى الله عليه وسلم -،

ولو كان من قصد الشارع ثبوت تلك الحالة، لكانوا هم أحقَّ بفهمها أولًا،

ثمَّ بإقامتها والمكث فيها عن كل شغل ا. هـ. ([2])

وروى أنس بن مالك أن رجلًا أتى النَّبي – صلى الله عليه وسلم – ببعير فقال: يا رسول الله، أعقله وأتوكل أو أطلقه وأتوكل؟

قال: (أعقله وتوكل). قلت: ولا حجة لهم في أهل الصُّفَّة، فإنهم كانوا فقراء يقعدون في المسجد ما يحرثون ولا يتجرون، ليس لهم كسب ولا مال،

إنما هم أضياف الإسلام عند ضيق البلدان،

ومع ذلك فإنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويسوقون الماء إلى بيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، ويقرأون القرآن بالليل ويصلون.

هكذا وصفهم البخاري وغيره. فكانوا يتسببون. وكان – صلى الله عليه وسلم – إذا جاءته هدية أكلها معهم، وإن كانت صدقة خصهم بها،

فلما كثر الفتح وانتشر الإسلام خرجوا وتأمَّروا- كأبي هريرة وغيره- وما قعدوا ([3]).

ويتضح أن أهل الصُّفَّة كما ورد من آثار يعملون إذا وجدوا فرصة لذلك ومن أمثلة عملهم ما يلي:

1. تولَّى وظيفة الأذان وشؤون المسجد النبوي الشريف اثنان من أهل الصُّفَّة وهما (بلال بن رباح، وعبد الله بن أم مكتوم).

2. عمل ثلاثة من أهل الصُّفَّة في خدمة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – من غير مواليه (3) وهم (أبو فراس الأسلمي، وأسماء بن حارثة بن سعيد الأسلمي، وواثلة بن الأسقع الليثي).

3. شغل أحدهم منصب خازن المال (وزير المالية) وهو بلال بن رباح – رضي الله عنه -.

ثانيًا: وظيفة التعليم

اشتهر بعض أهل الصُّفَّة بالعلم وحفظ الحديث ([4])، والتعليم، مما ساهم في حفظ الدين الَّذي هو أهم الضروريات الخمس: ومن أشهرهم أبو هريرة – رضي الله عنه -،

فقد روى من الأحاديث خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وستين حديثًا،

فهو أكثر الصحابة رواية للحديث، وأحفظهم، وقد حكى النووي الإجماع على ذلك، وقاله سعيد بن أبي الحسن، وابن حنبل، وتبعهما ابن الصلاح، والعراقي في الألفية وغيره،

وترجمه الذهبي في طبقات الحفاظ، فنقل عن الشافعي: «أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره»،

قال: وروى كهمس عن عبد الله بن شفيق: قال: قال أبو هريرة: «لا أعرف أحدًا من أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أحفظ لحديثه مني»،

وذكر أن ابن عمر قال لأبي هريرة: «إن كنتَ لألزمنا، وأعلمنا بحديثه» ([5]).

وقد تحدث أبو هريرة – رضي الله عنه – عن طلبه العلم، وملازمته النَّبي – صلى الله عليه وسلم -، ودعائه له،

فقال: «إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -،

وتقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بمثل حديث أبي هريرة،

وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم صفق بالأسواق،

وكنت ألزم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على ملء بطني، فأشهد إذا غابوا، وأحفظ إذا نسوا، وكان يشغل إخوتي من الأنصار عمل أموالهم،

وكنت امرأً مسكينًا من مساكين الصُّفَّة، أعي حين ينسون، وقد قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في حديث يحدثه: «إنه لن يبسط أحد ثوبه حتَّى أقضي مقالتي هذه،

ثمَّ يجمع إليه ثوبه، إلا وعى ما أقول، فبسطت نمرة علي، حتَّى إذا قضى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مقالته جمعتها إلى صدري،

فما نسيت من مقالة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – تلك من شيء» ([6]).

وقد أفرد مسند أبي هريرة بالتصنيف، دون بقي بن مخلد جماعة، منهم؛ الطبراني، وإسماعيل بن إسماعيل بن إسحاق القاضي، وأبو بكر أحمد بن علي المروزي، وأبو العباس أحمد بن محمد البرقي، وخلق سواهم.

ونقل صاحب فواتح الرحموت على مسلِّم الثبوت، عن العراقي قوله: أجمع الصحابة على أن من استفتى أبا بكر وعمر أميري المؤمنين، فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذًا بن جبل وغيرهما، ويعمل بقولهم من غير نكير،

وفي محل آخر من فواتح الرحموت أيضًا: أبو هريرة فقيه مجتهد لا شك في فقاهته، فإنه كان يفتي في زمن النَّبي – صلى الله عليه وسلم – وبعده، وكان يعارض قول ابن عباس وفتواه،

وفي بعض شروح الأصول للإمام فخر الدين: روى عنه سبعمائة نفر من أولاد المهاجرين والأنصار،

وروى عنه جماعة من الصحابة قال الكتاني: قلت: وقد وقفت في تونس على رسالة جليلة لمفتي المالكية بها الأستاذ الشيخ محمد النجار سمَّاها: شمس الظهيرة في بيان فضل وفقه أبي هريرة،

ولما ذكر الحافظ ابن القيم، في كتابه: الوابل الصيب حفظ عبد الله بن عباس وفقهه قال: وأين تقع فتاوى ابن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره،

وأبو هريرة أحفظ منه بل هو حافظ الأمة على الإطلاق يؤدِّي الحديث كما سمعه، ويدرسه درسًا، فكانت همَّته مصروفة إلى الحفظ، وتبليغ ما حفظه كما سمعه،

وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقُّه والاستنباط، وتفجير النصوص، وشق الأنهار منها. وهكذا النَّاس قسمان حفاظ، ومعتنون بالاستنباط ([7])

وخرَّج الحاكم مرفوعًا: أبو هريرة وعاء العلم وأخرج الإمام أحمد عن ابن مسعود أن النَّبي – صلى الله عليه وسلم – قال له: يرحمك الله فإنك عليم معلِّم ([8]).

ومن علماء الصُّفَّة عبادة بن الصامت،

فقد ورد أنه من أئمة الفتوى من الصحابة رضوان الله عليهم ([9])، وغيرهم الكثير رضوان الله عليهم.

رابعًا: وظائف الجيش والعمل العسكري

إن انقطاع أهل الصُّفَّة للعلم والعبادة لم يعزلهم عن المشاركة في أحداث المجتمع،

والإسهام في الجهاد، وبناء الدولة الإسلامية، فالإسلام دين ودولة، ومصحف وسيف، بل كانوا كالمرابطين في سبيل الله،

فكلما جهز النَّبي – صلى الله عليه وسلم – سرية أو غزوة، كانوا من أول المسارعين إليها،

فأشبهوا قوات الطوارئ، حتَّى وصفهم الله عزَّ وجلَّ بالمحصرين في سبيل الله ([10]

حيث قال عز من قائل: {الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} ([11]) قال بعض المفسرين: «هم أهل الصُّفَّة،

كانوا نحوًا من أربعمائة من فقراء المهاجرين، يسكنون صُفَّة المسجد، يستغرقون أوقاتهم بالتعلُّم والجهاد،

وكانوا يخرجون في كل سرية بعثها رسول الله – صلى الله عليه وسلم -» ([12]).

وكان منهم الشهداء ببدر مثل صفوان بن بيضاء، وخريم بن فاتك الأسدي، وخبيب بن يساف، وسالم بن عمير، وحارثة بن النعمان الأنصاري (2)،

ومنهم من استشهد بأُحد مثل حنظلة الغسيل (3)، ومنهم من شهد الحديبية مثل جرهد بن خويلد، وأبو سريحة الغفاري (4)، ومنهم من استشهد بخيبر مثل ثقف بن عمرو (5)،

ومنهم من استشهد بتبوك مثل عبد الله ذي البجادين (6)،

ومنهم من استشهد باليمامة مثل سالم مولى أبي حذيفة، وزيد بن الخطاب (7)، نعم هكذا كانوا رهبانًا في الليل فرسانًا في النهار ([13]).

الهامش

[1] الصُّفة، دراسة تاريخية توثيقية، مرجع سابق، (ص: 49).

[2] المرجع السابق (ص: 50).

[3] تفسير القرطبي (8/ 108).

[4] الصُّفة، دراسة تاريخية توثيقية، مرجع سابق، (ص: 27).

[5] التراتيب الإدارية والعمالات والصناعات والمتاجر والحالة العلمية التي كانت على عهد تأسيس المدنية الإسلامية في المدينة المنورة العلمية، محمد الإدريسي، المعروف بعبد الحي الكتاني (المتوفى: 1382 هـ)، تحقيق: عبد الله الخالدي، دار الأرقم- بيروت، الطبعة: الثانية، (2/ 271

[6] صحيح البخاري، كتاب البيوع (2/ 721)، حديث (1942).

[7] التراتيب الإدارية (نظام الحكومة النبوية)، مرجع سابق (2/ 271).

[8] المرجع السابق، (2/ 276).

[9] المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

[10] الصُّفة، دراسة تاريخية توثيقية، مرجع سابق، (ص: 45).

[11] سورة البقرة: 273.

[12] تفسير البغوي (1/ 259).

[13] السيرة النبوية الصحيحة د. أكرم ضياء العمري، مرجع سابق (1/ 264).

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*