النهي عن التشبه بأهل الكتاب وأهل الجاهليَّة

النهي عن التشبه بأهل الكتاب وأهل الجاهليَّة فهم إما أمة عرفت الحق وتركته، (كاليهود ونحوهم) ، وأُمَّة زاغت عن الحق، وعبدت اللَّه بجهل وفي ضلال (كالنصارى ونحوهم) 

النهي عن التشبه بأهل الكتاب وأهل الجاهليَّة

تنبثق منزلة تميُّز الأمة الإسلامية من استقامتها على صراط اللَّه المستقيم، الَّذي ألزم اللَّه به عباده، وأكد عليهم انتهاجه، وذَكَّرَهُم به حتى في دعائهم، بل في كل ركعة يصلونها للَّه جلَّ وعلا؛ لئلا يزيغوا عنه، ووصفه بالاستقامة فقال تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 – 7].
وهذا الصراط الذي وصفه تعالى بأنه مستقيم، وأنه صراط المنعم عليهم، هو المنهج الذي اختاره اللَّه لعباده، وأمرهم بالسير فيه، وأن تتم عبادتهم له، واستعانتهم به، وما يتبع ذلك من أمور العبادة والعقيدة في حدوده، فينطلقون إلى اللَّه من منطلقه، ويلزمون جادَّته، ويتجهون فيه إلى غايته، وأبان اللَّه هذا المنهج لخلقه منذ آدم -عليه السلام- وحتى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، كما بين -جلَّ وعلا- أن عباده انقسموا تجاه هذا الصراط إلى ثلاث أمم على مدى التاريخ؛ أمة عرفت الحق وتركته، (كاليهود ونحوهم) ، وأُمَّة زاغت عن الحق، وعبدت اللَّه بجهل وفي ضلال (كالنصارى ونحوهم) ، وأمَّةٌ ثالِثَةٌ أنعم اللَّه عليها بالاستقامة على صراطه المستقيم، وهي الأمة الإسلامية.
وتعني الاستقامة على الصراط المستقيم في حق أُمَّة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- بخاصة (لزوم الإسلام، وترك ما سواه من الأديان، والهداية في الصراط، تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علمًا وعملًا) .

ومن لوازم ذلك مخالفة الأمتين الأخريين وعدم التشبه بهما (في الجملة، سواء كان ذلك عامًّا، في جميع أنواع المخالفات أو خاصًّا ببعضها، وسواء كان أمر إيجاب، أو أمر استحباب) ، لعدة أسباب منها:
1 – لأنَّهما على منهجين طرفين إمّا غلو وبدعة سببهما الجهل والضلال، وإما تحريف وانتحال وباطل سببه النكوص عن الحق ومعاداته، والأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةِ على منهج مستقل عن هذين المنهجين المنحرفين ذات اليمين وذات الشمال، متميِّز بما ميَّزَه اللَّه به من الحق والعلم والحكمة فوجب التمسك به ومخالفة ما عداه؛ لأنَّه الحق وليس بعد الحق إلا الضلال، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ} [آل عمران: 73].
2 – لأنَّ التشبه إذا كان فيما حذَّرَ منه الشارع يعني المتابعة في شيء من أمور العقيدة أو الشريعة أو الشعائر، ويعد ذلك هبوط من الأعلى للأدنى، وحيث إنَّ منهج الإسلام هو الحَقُّ فَإِنَّ التَّشَبه بما عليه الغير فيه متابعة للأَهواء أو الشُّبْهات أو الشهوات، وهذا مناف لمنزلة تميُّز الأمة الإسلامية، واتباعٍ لِسبيلِ غير المؤمنين، وفي ذلك وعيدٌ شديدٌ، قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115].
3 – ولما يفضي إليه التشبه بأهل الكتاب وأهل الجاهلية من محاذير قد تمس عقيدة الإيمان التي كان التميز من ثمارها المباركة، ومن تلك المحاذير: (المشاكلة بين المُقَلِّد والمُقَلَّد -بمعنى التناسب الشكلي والميول في القلب، والانصهار، والموافقة في الأقوال والأعمال، وهذا أمر مخل

بالإيمان) ، ومنها الإعجاب بالمناهج الأخرى في بعض عاداتها أو شعائرها أو نحو ذلك مما يورث ازدراء السنن، وازدراء الحق والهدي الَّذي جاء به الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- ، كما أن في المشابهة محظورًا آخر وهو ما (تورثه من المحبة والموالاة بين المُتَشابهين، فَإِنَّ المُسلم إذا قلَّد الكافر لابد أن يجد في نفسه إلفة له، وهذه الإلفة لابد أن تورث المحبة، وتورث الرِّضى، والموالاةِ لِغير المُؤْمِنينَ، وَالنُّفْرَةِ من الصّالحينَ المتقين العاملين بالسنة، المستقيمين على الدين، وهذا أمر فطري ضروري، يدركه كل عاقل، خاصة إذا شعر المقلد بالغربة أو شعر؛ بما يسمى بالانهزامية النفسية) ، وعندئذ تهتز ذاتية المسلم ويشعر بالمذلة والصغار؛ لأنَّ المقلِّد يكون في موقف الأَدنى والمقلَّد له صفة العظمة والعزة، وهذا شعور يتنافى مع ما أراده الإسلام لأُمَّتِهِ وَأفرادها من التميز والرفعة والعزَّةِ، كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8].
هذه أهم أسباب النهي عن التشبه بأهل الكتاب وغير المسلمين، ولذلك قرَّر علماء الشريعة الإسلامية أنَّ النَّهي عن التشبه بأهل الكتاب وأهل الجاهلية (قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة كثيرة الشعب، واصطلاحًا جامعًا من أصولها كثير الفروع) .
وشدَّد بعضهم في التحريم مثل (ابن كثير وابن تيمية والمناوي والصنعاني وغيرهم) .

يقول ابن تيمية: (دلَّت دلائل الكتاب والسنَّة والإجماع والآثار والاعتبار على أن مخالفة الكفار في هديهم مشروعة والتشبه بهم منهي عنه) .
ولتوضيح ما يتصل بمنزلة تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة؛ يمكن استعراض ما قَرَّرَهُ عُلَماءُ الأُمَّةِ في النهي عن التشبه بأهل الكتاب وغيرهم بإيجاز، في النقاط الآتية:

1 – المراد بالتشبه المنهي عنه.
2 – النهي عن التشبه في مجال العقيدة.
3 – النهي عن التشبه في مجال العبادة.
4 – النهي عن التشبه في مجال الشعائر والمظهر العام.

1 – المراد بالتشبه المنهي عنه: من أجل معرفة التشبه المنهي عنه لا بدَّ من التَّعَرف على مفهوم التَّشَبه في معناه اللُّغَوي، ثم تحديد التَّشَبه المَنْهِي عَنهُ، فأمّا معنى التشبه اللغوي، فهو مأخوذ من: (الشِّبْه والشَّبه والشَّبيه) وتعني: (المماثلة من جهة الكيفية، كاللون والطعم، كالعدالة والظلم) ، ومن ذلك قوله تعالى: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} [البقرة: 118] قال الراغب: (أي في الغَيِّ والجَهالَةِ) ، ومنه قوله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا

مُتَشَابِهًا} [الزمر: 23]: (يعني ما يشبه بعضه بعضًا في الأحكام، والحكمة، واستقامة النظم) ، وفي (التشبه)، معنى زائد على المماثلة وهو (المحاكاة والتقليد) .
وأما التشبه المنهي عنه فإنه: (مماثلة الكافرين بشتى أصنافهم في عقائدهم، أو عباداتهم أو عاداتهم، أو في أنماط السلوك التي هي من خصائصهم) .
ويخرج من دائرة النهي (ما لم يكن من خصائص الكفَّار، ولا من عقائدهم، ولا من عاداتهم، ولا من عباداتهم، ولم يعارض نصًّا أو أصلًا شرعيًا، ولم يترتب عليه مفسدة، فإِنَّه لا يكون من التشبه، وهذه قاعدة مجملة) ، وكذلك ما كان مشروعًا في الإسلام وفعله السلف الصالح،

إذا انتهج غير المسلمين شيئًا من ذلك واعتادوه وظهروا به فلا كلام فيه .
ومما ينبغي الإشارة إليه في هذا السياق التفريق بين أمرين اتسم بهما تميُّز الأُمَّةِ الإسلاميَّةِ، وانطبعت عليهما شخصية الأُمَّةِ الإِسْلامِيَّةِ في علاقتها بِغَيرها مِنْ أَهل الكتابِ وأَهْلِ الجاهِلِيَّةِ، الأَمر الأول ما يوجبه الإسلام من البراء من أولئك والحذر منهم والنهي عن التشبه بهم، فيما يتصل بعقيدة الإسلام وشريعته وهديه، والأمر الآخر صلات البر وحسن المعاملة، والبعد عن ظلمهم، أو الاعتداء عليهم، وهو جانب تميَّزت به الأُمَّةُ الإِسْلامِيَّةُ فِي تعاملها مَعَهُمْ، وشهد لها المنصفون بذلك، وبما اتسمت به حضاراتها وثقافتها من التسامح معهم، والبر بهم، والإحسان إليهم عبر التاريخ تحقيقًا لقول الحق تبارك وتعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] وقول الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “إنِّي لم أبعث لعانًا وإنما بُعثتُ رحمة” ، وقول اللَّه -جلَّ وعلا- {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].
وهذا الأمر وما يندرج تحته من الصلات الإنسانيَّة والمعاملات المتصلة بشؤون العمران والحضارة لا يدخل في النهي؛ وهذا ما قرَّره علماء الأُمَّة، وذكروا أن النهي عن التشبه بأهل الكتاب وأهل الجاهلية إلا يعني تحريم التعامل معهم بالتجارة المباحة واستيراد البضائع والمصنوعات النافعة، والاستفادة من خبراتهم ومخترعاتهم.
فالنَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- استأجر ابن أريقط اللَّيثيَّ ليدله على الطريق وهو كافر

واستدان من بعض اليهود ، وما زال المسلمون يستوردون البضائع والمصنوعات من الكفار، وهذا من باب الشراء منهم بالثمن. . . وليس هو من أسباب محبتهم وموالاتهم، فإنَّ اللَّه أوجب محبة المؤمنين وموالاتهم وبغض الكافرين ومعاداتهم) .

2 – النهي عن التشبه في مجال العقيدة:
استفاضت الأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية، وفهم سلف الأُمَّة في النهي عن التشبه بأهل الكتاب وأهل الجاهلية في مسائل عدة من مسائل العقيدة من أبرزها: الغلو في الدين، والاختلاف فيه والرهبانية، وتعطيل الحدود، واتخاذ القبور مساجد، والمغالاة في الأنبياء والصالحين، وبعض الشركيات الأخرى؛ التي نهى النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أُمَّتَهُ أن تسلُك فيها مَسْلَكَ اليهود والنصارى والفرس والروم وغيرهم مما يطلق عليه في الإسلام مسمى الجاهلية.
{وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى

شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [الجاثية: 16 – 19].
حيث بينت الآية ما فضل اللَّه به بني إسرائيل وما أنعم به عليهم من نعم، وما حدث منهم من اختلاف، ثُمَّ ربطت ذلك بما آل إليه الأمر من كون الرسالة نُزعت منهم، وجعلت في محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- من وأُمَّتِهِ، وَأَنَّهُم مأمورون باتباع ما شرعه اللَّه لهم ومنهيون عن متابعة أهواء الذين لا يعلمون (ويدخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعة الإسلام) ، ويدخل في أهوائهم: (هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك، فهم يهوونه؛ وموافقتهم فيه: أتباع لما يهوونه. . . ولو فرض أنْ ليس الفعل من أتباع أهوائهم فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك تكون أحسم لمادة متابعتهم، وأعون على حصول مرضاة اللَّه في تركها) .
وقد جاءت هذه الآية عامَّة في النهي عن أتباع أهواء الَّذين لا يعلمون، ومعنى الهوى: ما خالف الحق ومال بصاحبه إلى شهوة وسقط به من علوٍّ إلى سفل ، وقد جاء في الآية (بلفظ الجمع تنبيهًا على أنَّ لكل واحدٍ هوى غير هوى الآخر، ثُمَّ هوى كل واحدٍ لا يتناهى، فإذًا اتباع أهوائهم نهاية الضلال والحيرة) .
وإذا كان النهي في هذه الآية وأمثالها عام، فإنّه قد ورد من الآيات والأحاديث وأقوال السلف ما ينص على مسائل معينة وأمور محددة من ذلك الآتي:

أ – حادثة تحويل القبلة، قال اللَّه تعالى: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} [البقرة: 150]، نقل ابن كثير في تفسيرها عن كثير من السلف قولهم: (معناه لِئَلا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في القبلة، فيقولون: قد وافقونا في قبلتنا، فيوشك أن يوافقونا في ديننا، فقطع اللَّه بمخالفتهم في القبلة هذه الحجَّة) .
ب- ما حدث من بعض الصحابة من منازعة في القدر، ونهي الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- عن ذلك، وأنه كان سبب هلاك الأمم السابقة، وفي هذا نهي عن التشبه بغير المسلمين في الخوض في المسائل التي تحدث الخلاف وتضرب بعض الدين ببعضه الآخر وتكون سببًا لهلاك الأُمَّة، فَقدْ (خرج رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذات يوم، والناس يتكلمون في القدر. . . فقال لهم: “ما لكم تضربون كتاب اللَّه بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم”) .
ج- حادثة السدرة التي كان المشركون يعكفون عليها، وينوطون بها أسلحتهم، وعندما مَرَّ المسلمون بها في خروجهم مع الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى حنين، طلبوا من الرسول أن يجعل لهم ذات أَنواط، فغضب الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- وكبَّر اللَّه ولام المسلمين على ذلك، وَذكر لهم أنهم ساروا بطلبهم هذا على سنن أهل الكتاب من قبلهم، حيث قال اليهود لموسى -عليه السلام- بعد أن أنجاهم اللَّه من فرعون، وأغرقه في اليم وجنده، ومروا على قوم يعبدون

صنمًا- {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138]، وقد ورد في ذلك عن أبي واقد اللَّيثيِّ أنَّ رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لما خرج إلى خيبر مَرَّ بِشَجرةٍ للمشركين، يقالُ لها: ذات أنواط، يعلقون عليها أسلحتهم فقالوا: يا رسول اللَّه، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط؟ فقال النَّبِيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: “سبحان اللَّه هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم” .
ومن هذا الحديث يتضح أن من سنن اللَّه في خلقه ميل الإنسان بمقتضى الطبع إلى المحاكاة والمماثلة ، ومع أن الإسلام يقر الجانب الفطري عند الإنسان إلّا أَنَّهُ في مثل هذهِ الحال ينهى؛ لأن الميل هنا فيه محذور على العقيدة، ويأتي مندرجًا تحت ميل النفس إلى الفجور كما قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7 – 10].
كما أن إخبار الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بما حدث في بني إسرائيل يتضمن النهي عن مشابهتهم والسير في منهجهم، فقد قَرَّرَ علماء أصول الفقه أن الإخبار من صيغ الأمر .

3 – النهي عن التشبه في مجال العبادة:
وبالنظر إلى العبادات في الإسلام من صلاة وصيام وحج وغيرها من العبادات الأخرى يُلْحظُ بأن (الدين في مقاصده وتشريعاته وموقفه من أعدائه يقف موقف الخصوصية ورفض الباطل) والبدعة، وينتهج منهجًا ربانيًا محددًا في منطلقاته وغاياته، ومن هنا تنبثق منزلة تميُّز الأمة الإسلامية -كما سبق الإشارة إليه- وفي مجالس. العبادة بخاصة جاءت تشريعات الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- لأُمَّتِهِ مخالِفَةً لِما كان عليه أَهل الكتاب وأهل الجاهلية وغيرهم من الأعاجم سواء في مسائل الطهارة، أو الصلاة، أو الإمامة، أو الصيام، وتنهى عن مشابهتهم، وترسم للأُمَّةِ الإسلاميَّةِ مَنْهجًا مُتَمَيِّزًا في أداء عباداتها، مما يجلي ذلك الأحاديث الآتية:
– حديث أنس -رضي اللَّه عنه-: (إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأنزل اللَّه تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} [البقرة: 222] فقال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “اصنعوا كل شيء إلّا النكاح”، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. . .) الحديث.
قال ابن تيمية: (فهذا الحديث يدل على كثرة ما شرعه اللَّه لنبيه من مخالفة اليهود، بل على أَنَّه خالفهم في عامَّة أُمورِهم حتى قالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه) . ويدل قولهم هذا على

أَنَّهم تيَقَنُوا من تَمَيُّزِ الأُمَّةِ الإِسلامِيَّةِ عَنْهُمْ تَمَيُّزًا صريحًا واضحًا .
– حديث أبي أيُّوب الأنصاريِّ -رضي اللَّه عنه- أَنَّ الرَّسولَ -صلى اللَّه عليه وسلم- قالَ: “لا تَزالُ أُمَّتِي بِخَيرٍ (أو قال: على الفطرة) ما لم يُوَخِّرُوا المغرب إلى أن تشتبك النجوم” ، وفي رواية أخرى: “لن تزال أمتي في مسكةٍ ما لم يعملوا بثلاث، ما لم يؤخروا المغرب بانتظار الإظلام، مضاهاة اليهود، وما لم يؤخروا الفجر إمحاق النجوم: مضاهاة النصرانية، وما لم يكلوا الجنائز إلى أهلها” .
– حديث جابر -رضي اللَّه عنه- قال: “. . . إذا صلى الإمام جالسًا فصلوا جلوسًا، وإذا صلى الإمام قائمًا فصلوا قيامًا، ولا تفعلوا كما يفعل أهل فارس بعظمائها” ، في رواية مسلم: “إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس

والروم” إلى قوله: “فلا تفعلوا” .
قال ابن تيمية: (ففي هذا الحديث: أنه أمرهم بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة، وعلَّل ذلك بأن قيام المأمومين مع قعود الإمام يشبه فعل فارس والروم بعظمائهم في قيامهم وهم قعود. . . وهذا تشديد في النهي عن القيام للرجل القاعد. . . فهل بعد هذا في النهي عن مشابهتهم في مجرد الصورة غاية) .
– حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-، عن النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّهُ قال: “لا يزال الدين ظاهرًا ما عجَّلَ الناسُ الفطر؛ لأن اليهود والنصارى يوخرون” .
قال ابن تيمية: (وهذا نص في أن ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر لأجل مخالفة اليهود والنصارى، وإذا كان مخالفتهم سببًا لظهور الدين، فإنما المقصود بإرسال الرسل أن يظهر دين اللَّه على الدين كله، فيكون نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة) .
هذه من أبرز الأحاديث التي وردت في النهي عن التشبه بالكفار في مسائل العبادات، وهناك أحاديث كثيرة غيرها تعزز ذلك النهي، وتتناول جزئيات كثيرة تتعلق بالصلاة والطهارة والأذان والصيام والإفطار والسحور

والوصال وصيام عاشوراء، ونحو ذلك مما شرعه الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- مخالفًا لأعمال اليهود والنصارى والمشركين وكافة أمور الجاهلية .
ومما يدل على مخالفة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- لما كان عليه أهل الجاهليَّة ما حدث منه في حجَّة الوداع، فقد أَخَّرَ بعض المناسك كنفرة الحجيج من عرفة، وعجل الإفاضة من مزدلفة، وعمل أعمالًا أخرى على خلاف ما كان عليه أهل الجاهليَّةِ، وَنَصَّ على كون عمله -ذلك- جاء مخالفة لما عليه أهل الجاهليَّةِ من حيث كونهم اعتادوه، وجاءت مخالفَتُهُ لهم إحياء لمناسك الحجِّ على ما كانت عليهِ الحنيفيَّة السمحاء من ناحيةٍ وأخذًا بها إلى التمام والكمال من ناحية أخرى، وكان الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- يرمي الجمرات يوم النحر وهو على راحلته ويقول: “لتأخذوا مناسككم” .

4 – النهي عن التشبه في مجال الشعائر والمظهر العام:
أما ما يتعلق بالشعائر الدينية مثل الناقوس والبوق ورفع الصوت في الحرب والذكر والجنائز والقيام لها والشق في القبر. . . أو ما يتعلق بالمظهر العام والعادات، مثل الاحتفال بالأعياد، وما يصحبها من بدع ومنكرات، وقص الشعر، ولبس الحرير والذهب، وكذلك استعمال آنية الذهب والفضة، والزيِّ واللِّباس، ونحو ذلك من العادات والمظاهر التي يحدث فيها التشبه. . . فقد وردت جملة من الأحاديث تنهى عن ذلك، منها:
– الأحاديث الواردة في مشروعية الأذان، ومنها ما ورد في الصحيحين

عن ابن عمر -رضي اللَّه عنه- قال: (كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: قرنًا مثل قرن اليهودِ. فقال عمر: أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: “يا بلال قم فنادِ للصَّلاةِ” .
قال ابن تيمية: (ما يتعلق بهذا الحديث من شرع الأذان. . . ليس هذا موضع ذكره وذكر الجواب عما يستشكل منه، وإنَّما الغرض هنا: أن النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كره بوق اليهود المنفوخ بالفم، وناقوس النصارى المضروب باليد، علَّلَ هذه بأَنَّهُ من أمر اليهود، وعلَّلَ هذا بِأَنَّهُ من أمر النصارى. . وهذا يقتضي نهيه عما هو من أمر اليهود والنصارى. . . وإنَّما شعار الدين الحنيف الأذان المتضمن الإعلان بذكر اللَّه؛ الذي به تفتح أبواب السماء، فتهرب الشياطين، وتنزل الرحمة) .
– ما أثر عن الصحابة أنهم (كانوا يستحبون خفض الصوت عند الذكر، وعند القتال وعند الجنائز) .

قال ابن تيمية: (وكذلك سائر الآثار تقتضي أنهم كانت عليهم السكينة في هذه المواطن، مع امتلاء القلوب بذكر اللَّه، وإجلاله وإكرامه، كما أن حالهم في الصلاة كذلك، وكان رفع الصوت في هذه المواطن الثلاث من عادة أهل الكتاب، والأعاجم) .
– ما ورد عن القيام للجنازة وعن الشق في القبر. . . ومن ذلك ما روى البخاري عن أم المؤمنين عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: (كان أهل الجاهلية يقومون لها، يقولون إذا رأوها: كنت في أهلك ما كنت مرتين) ، وما رواه أهل السنن الأربعة عن جرير بن عبد اللَّه -رضي اللَّه عنه- قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: “اللَّحدُ لنا والشَّقُ لِغيرنا” .
قال ابن تيمية: (وفيه التنبيه على مخالفتنا لأهل الكتاب، حتى في وضع الميت في أسفل القبر) .
– الأحاديث والآثار الواردة في النهي عن التشبيه بهم في المزي واللِّباس، واستعمال الآنية، وقص الشعر، والأمر بصبغ الشيب لمخالفتهم

والأمر بمخالفتهم في عامة الأمور الظاهرة ، وقد استفاضت الأدلة من السنة بذلك، ومنها ما يأتي:
– ما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة -رضي اللَّه عنه- قال: (قال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم” .
– ما ورد في الصحيحين -أيضًا- عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، قال: (قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: “خالفوا المشركين: وفروا اللحى، وأحفوا الشوارب” ، وفي رواية أخرى لدى مسلم: “جزوا الشوارب وأرخوا اللحى، خالفوا المجوس” .
– ما رُويَ عن عبد اللَّه بن مسعود -رضي اللَّه عنه- قال: (قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: “ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهليَّةِ”) .
– ما روي عن عبد اللَّه بن عمرو أنه قال: “من بنى بأرض المشركين، وصنع نيروزهم ومهرجانهم وتشبه بهم حتى يموت حشر معهم يوم القيامة” .

– ما روي عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: “فرق ما بيننا وبين المشركين: العمائم والقلانس” .
– وعن وصل الشعر أخرج البخاري: (أن معاوية قال: سمعت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ينهى عنه. . . ويقول: “إنما هلكت فهو إسرائيل حين اتخذ هذه نساؤهم” .
– وعن لبس الثياب ما رواه نافع عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أو قال: قال عمر: “إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما، فإن لم يكن إلَّا ثوب فليتزر به ولا يشتمل اشتمال اليهود” ، وما رواه مسلم عن عبد اللَّه بن عمرو -رضي اللَّه عنهما- قال: (رأى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- علي ثوبين معصفرين فقال: “إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها” .
والقاعدة الشاملة في الزي واللباس كما قررها علماء الشريعة هي مخالفة الأمم الأخرى غير الإسلامية من اليهود والنصارى والمجوس وأهل الجاهلية وغيرهم والنهي عن التشبه بهم، مستدلين بمثل ما رواه ابن عمر -رضي اللَّه عنهما-، عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه نهى عن التشبه بالأعاجم، وقال: “من تشبه بقوم فهو منهم” ،

(وبهذا احتج غير واحد من العلماء على كراهة أشياء من زي غير المسلمين) .
– وعن لبس الحرير والذهب واستعمال آنية غير المسلمين، وردت عدَّة أحاديث منها؛ حديث حذيفة بن اليمان قال: قال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: “لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة” ؛ ولذلك (كان العلماء يجعلون اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة، تشبهًا بالكفار) .
– وعن الأعياد وأنواعها وما يصاحبها من البدع والشركيات عند الأمم الأخرى من غير الأمة الإسلامية، ساق العلماء -وبخاصة ابن تيمية- كثيرًا من الأدلة النقلية والعقلية، وتوسعوا في شرحها ومناقشتها وبحثها، وتقصي جزئياتها، وخلصوا إلى القول بأن الأعياد: (من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر) ، وأنه لا يجوز التشبه في ذلك بغير المسلمين من الأمم الأخرى سواء اليهود أو النصارى أو الروم أو الفرس أو غيرهم، ولا تجوز مشاركتهم فيها؛ لأن ذلك يندرج تحت قوله تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ} [الحج: 67]، (فلا فرق بين مشاركتهم في العيد وبين مشاركتهم في سائر المناهج. . . كالقبلة والصلاة والصيام) ، وفي تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا

بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72]. قال بعض المفسرين: (لا يشهدون الزور: أعياد المشركين) ، وعن أنس -رضي اللَّه عنه- قال: قدم رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: “ما هذان اليومان؟ ” قال: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “إن اللَّه تعالى قد أبدلكم بهما خيرًا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر” .
وفي هذا الحديث ما يؤكد تميُّز الأمة الإسلامية حتى في الشعائر ومظاهر الفرح وموجبات ذلك وغاياته وارتباطاته بما يجعلها ذات هوية مستقلة غاية الاستقلال عن متابعة الآخرين وتقليدهم، ولضمان هذه المنزلة لتَمَيُّز الأُمَّة الإسلامية، وبالنظر لمقاصد الشريعة الإسلامية أكد العلماء بأن (استقراء الشريعة في مواردها ومصادرها دال على أن ما أفضى إلى الكفر -غالبًا- مُحرَّم، وما أفضى إليه على وجه خفي حُرِّمَ) ، (وما أفضى إليه

في الجملة ولا حاجة تدعو إليه حُرِّمَ) وفي هذا محافظة تامة على هوية الأُمَّةِ الإِسلامِيَّةِ، ووصف دقيق لمنزلة تميزها.
ومما ينبغي الإشارة إليه في ختام هذا المطلب أن تَميُّز الأمة الإسلامية كان محل إجماع سلف الأمة قولًا وعملًا بعد أن أرسى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- مقوماته في حياة الأمة، ورسخ خصائصه، وحدد أهدافه ووسائل تحقيقه، وسار الخلفاء الراشدون على هديه -صلى اللَّه عليه وسلم- ومن تبعهم في القرون المفضَّلة، وعلي الرغم مما حدث بعد ذلك من افتراق في مناهج الأمة أثر على تميزها، فإن التميز سيستمر فيها وذلك بثبات طائفة منها على ذلك، دون تردد أو مداهنة للمخالفين حتى يأتي أمر اللَّه، وقد دلت على ذلك نصوص عدة وسجلتها كثير من الوقائع التاريخية المقرِّرة، التي توضح فهم الأمة الإسلامية لتميزها وتطبيقها التاريخي له.
ومن أمثلة ذلك ما يأتي:
– ما ورد عن أبي بكر -رضي اللَّه عنه- حين رأى امرأة لا تتكلم وسأل عنها (قالوا: حجَّت مصمتة، قال لها: (تكلَّمي، فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية) ، وهذا دليل على حرص أبي بكر على تميُّز الأمة، ونهيه عن أي مظهر من مظاهر غير المسلمين .
– واتخذ عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- من التدابير والسياسات ما يؤكد منزلة

التميز وأهميته وبخاصة فيما يتعلق بأهل الذمة، ومما يوضح ذلك شروطه مع أهل الذمة فإنه لم يكتف فيها (بأصل التمييز) بل بالتميز في عامة الهدي على تفاصيل معروفة في هذا الموضع) .
– وسار الخليفة الراشد عثمان -رضي اللَّه عنه- ومن بعده الخليفة الراشد علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنه- على ما شرطه عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه- على أهل الذمة، ووافقه عليه المؤمنون (وسار العلماء بعدهم، ومن وفقه اللَّه تعالى من ولاة الأمور على منعهم من أن يظهروا في دار الإسلام شيئًا مما يختصون به، مبالغة في أن لا يظهروا في دار الإسلام خصائص المشركين) .
وخلاصة القول في ذلك: إن منزلة تميُّز الأمة الإسلاميَّةِ محل إجماع المسلمين، مما يحدد هذه المنزلة إجماعهم على النهي عن التشبه بغير المسلمين، ولزوم مخالفتهم (في الجملة، وإن كانوا قد يختلفون في بعض الفروع، إما لاعتقاد بعضهم أنه ليس من هدي الكفار، أو لاعتقاده أن فيه دليلًا راجحًا، أو لغير ذلك، كما أنهم مجمعون على أتباع الكتاب والسنة، وإن كان قد يخالف بعضهم شيئًا من ذلك لنوع تأويل، واللَّه سبحانه أعلم) .

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*