النيابة في الحجِّ والعمرة عن الميِّت

النيابة في الحجِّ والعمرة عن الميِّت

النيابة في الحجِّ والعمرة عن الميِّت هو المبحث الثاني من الفصل الثالث أخذ المال على الحج والعمرة من بحث أخذ المال على أ‘مال القرب

النيابة في الحجِّ والعمرة عن الميِّت

المبحث الثّاني النيابة في الحجِّ والعمرة عن الميِّت

المطلب الأوّل النيابة عن الميِّت في الحجِّ الواجب

اتفق العلماء على أن الميِّت إذا أوصى بالحج عنه، فإن النيابة عنه في هذه الحالة جائزة، ولا خلاف بينهم في ذلك .

أمّا إذا مات، ولم يوص؛ فهل تصح النيابة عنه في هذه الحالة أم لا؟

اختلف العلماء في حكم ذلك على ثلاثة أقوال:

القول الأوّل: تجب النيابة عن الميِّت في الحجِّ الواجب إذا مات، ولم يوص به، ويلزم ورثته أن يقيموا من يحج عنه من رأس ماله، ولا بد، إذا لم يوجد من يحج عنه تطوعًا.

وإلى هذا ذهب الشّافعيّة ، والحنابلة ، والظاهرية ، وروي ذلك عن أبي هريرة، وابن عبّاس، وهو قول الحسن البصري، وسعيد ابن المسيَّب، وعطاء، والأوزاعي ، والثوري، وأبي ثور، وإسحاق، وغيرهم .

القول الثّاني: قالوا: إنَّ النيابة عن الميِّت جائزة، وليست واجبة؛ لأنّ فرض الحجِّ يسقط عنه، فلا يجب على ورثته الإحجاج عنه، فإن تبرعوا عنه بالحج هم أو غيرهم ممّن هم أهل للتبرع جاز ذلك.

وبهذا قال الحنفية .

لقول الثّالث: لا تجوز النيابة عن الميِّت في الحجِّ الواجب إذا لم يوص به، وهذا مذهب المالكية ، وبه قال بعض أهل العلم .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة القول الثّالث:

استدل من منع النيابة في الحجِّ الواجب عن الميِّت – إذا لم يوص – ببعض الأدلة منهاة

الدّليل الأوّل: قوله تعالى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97].

وجه الاستدلال:

أن الميِّت لا يستطيع سبيلًا إلى الحجِّ، لصدق قول من يقول: إنّه غير مستطيع بنفسه، فلا فرض عليه أصلًا حتّى تقع النيابة عنه .

مناقشة الاستدلال:

أوَّلًا: إنَّ النيابة عن الميِّت قد ثبتت بالنص كما سيأتي .

ثانيًا: إنَّ الميِّت، كان كان غير مستطيع بنفسه، إِلَّا أنّه مستطيع بماله، وبغيره فهو بهذا المعنى داخل في عموم الآية.

الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الحجِّ شُرع لمصالح، ومقاصد عظيمة، ومن هذه المصالح: تأديب النفس بمقارفة الأوطان، وتهذيبها بالخروج عن المعتاد من

المخيط، وغيره؛ ليذكر المعاد، والاندراج في الأكفان، وتعظيم شعائر الله تعالى في تلك البقاع، وإظهار الانقياد من العبد لما لم يعلم حقيقته؛ كرمي الجمار، وهذه مصالح لا تحصل إِلَّا للمباشر، كالصلاة .

مناقشة هذا الدّليل:

أوَّلًا: إنَّ النيابة عن الميِّت قد ثبتت بالنص كما سيأتي، فلا عبرة بهذا التعليل.

ثانيًا: إنَّ القياس على الصّلاة قياس لا يصح، وقد تقدّم الخلاف فيها، والقياس على أصل مختلف فيه لا يصح، وقد تقدّم بيان ذلك .

ثالثًا: إنَّ هذا قياس مع الفارق، فإن الحجِّ عبادة تشتمل على المال، والبدن، بخلاف الصّلاة، فإنها عبادة بدنية محضة لا يدخلها المال .

الدّليل الثّالث: قالوا: إنَّ الحجِّ عبادة بدنية، فتسقط بالموت، كالصلاة .

مناقشة الدّليل:

يناقش هذا الدّليل بما نوقش به الدّليل الثّاني.

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

استدل من قال بالجواز بما يأتي:

يلحظ في أدلة هؤلاء أنّها ذات شقين:

الشق الأوّل: أدلتهم على سقوط الواجب عن الميِّت.

وأدلة هذا الشق هي نفسها أدلة المانعين، إِلَّا أن المالكية استدلوا بها على المنع من النيابة بالكلية، وأمّا الحنفية فاستدلوا بها على سقوط الواجب فقط، وأمّا فعل غيره عنه فيجوز .

الشق الآخر: أدلتهم على جواز النيابة.

وهذه الأدلة هي أدلة القائلين بالوجوب، إِلَّا أن الحنفية حملوها على الجواز دون الوجوب جمعًا بين الأدلة .

ثالثًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

استدل أصحاب هذا القول بادلة من القرآن، والسُّنَّة، والأثر، والمعقول:

أ – أدلتهم من القرآن:

قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ} [النِّساء: 12].

وهذه الآية تقدمت مرارًا مع ذكر وجه الاستدلال منها، وما نوقش به وجه الاستدلال، وما أجيب به عن ذلك .

ب – أدلتهم من السُّنَّة:

الدّليل الأوّل: عن بريدة – رضي الله عنه – قال: جاءت امرأة إلى النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -، فقالت: إنَّ أمي ماتت، ولم تحج، أفاحج عنها؟ قال: (نعم حجي عنها) .

وجه الاستدلال:

حيث دل الحديث بظاهره على وجوب الحجِّ عن الميِّت، أوصى بذلك، أو لم يوص؛ فقد أمر رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – المرأة بالحج عن أمها، ولم يستفصل منها، هل أوصت أم لا؛ فدل على وجوب النيابة على الأولياء في مال الميِّت مطلقًا، أوصى بذلك أم لم يوصِ.

الدّليل الثّاني: عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، أن امرأة من جهينة، جاءت إلى النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -، فقالت: إنَّ أمي نذرت أن تحج، فلم تحج حتّى ماتت؛ أفاحج عنها؟ قال – صلّى الله عليه وسلم -: “نعم، حجي عنها؛ أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء” .

وفي رواية عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: أتى رجل النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -،

فقال: إنَّ أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت؛ فقال النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -: “لو كان عليها دين أكنت قاضيه”؟ قال: نعم؛ فقال: “فاقض الله، فهو أحق بالقضاء” .

وجه الاستدلال:

حيث دلّ الحديث بظاهره على أن من مات، وعليه حج، وجب على وليه أن يجوز من يحج عنه من رأس ماله، كما أدت عليه قضاء ديونه، وقد أجمعوا على أن دين الآدمي من رأس المال، فكذلك ما شبه به في القضاء” .

الدّليل الثّالث: عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، قال: أمرت امرأة سنان بن سلمة الجهني أن يسأل رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – أن أمها ماتت، ولم تحج؛ أفيجزئ عن أمها أن تحج عنها؟ قال – صلّى الله عليه وسلم -: إنَّعم، لو كان على أمها دين فقضته عنها، ألم يكن يجزئ عنها؟ فلتحج عن أمها) .

وجه الاستدلال:

دل الحديث على وجوب الحجِّ عن اليت الّذي مات ولم يحج أوصى بذلك، أو لم يوص لورود الأمر الصريح بذلك في قوله – صلّى الله عليه وسلم -: (فلتحج عن أمها)، ولم يستفصل السائلة، هل أوصت أمها بالحج أم” .

جـ- أدلتهم من الأثر:

الدّليل الأوّل: عن أبي هريرة – صلّى الله عليه وسلم – قال: من مات وعليه نذر، أو حج، فليقض عنه وليه .

الدّليل الثّاني: عن ابن عبّاس رضي الله عنهما: أن امرأة أتته فقالت: إنَّ أمي ماتت وعليها حجة، أفاحج عنها؟ فقال ابن عبّاس: هل كان على أمك دين؟

قالت: نعم. قال: فما صنعت؟، قالت: قضيته ععها. قال ابن عبّاس: فالله خير غرمائك، حجي عن أمك .

وقد ورد نحو ذلك عن جمع من السلف، منهم: سعيد بن السيب، وسعيد ابن جبير، وإبراهيم النخعي ، وعطاء، وسفيان الثّوريّ، وطاووس، وغيرهم
فقد أفتى هذا الجمع من الصّحابة، والتابعين، بوجوب الحجِّ عن الميِّت الّذي مات ولم يحج، أوصى بذلك، أو لم يوص .

د – أدلتهم من المعقول:

قالوا: إنَّ الحجِّ حق تدخله النيابة في حال الحياة، وقد لزمه هذا الحق، واستقر عليه في حياته، فوجب أن لا يسقط عنه بالموت؛ كدين الآدمي .

الترجيح:

من خلال ما سبق ذكره من أدلة، وما ورد عليها من مناقشات، وما أجيب به عن ذلك يتضح رجحان القول الأوّل القاضي بوجوب النيابة عن الميِّت الّذي عليه حجة الإسلام، أو أي حج واجب، سواء أوصى بذلك، أم لم يوص ويعود سبب هذا الترجيح إلى ما يأتي:

أوَّلًا: قوة أدلتهم؛ حيث استدلوا بأدلة نقلية صريحة في وجوب النيابة عن الميِّت، أوصى بذلك، أم لم يوص.

ثانيًا: أن ما استدل به المخالف أمكن الجواب عنه، ممّا يضعف من دلالته.

ثالثًا: أن في القول بوجوب النيابة تبرئة لذمة اليت، وإلزامًا لأوليائه بالتعجيل في ذلك، فإن القول بالجواز قد يدفعهم إلى التكاسل، والتهاون في قضاء الحجِّ عن الميِّت، ثمّ إنَّ القول بالمنع لا مصلحة فيه، بل القول بالوجوب هو الأحوط، وهو الّذي يتمشى مع النصوص الكثيرة الصريحة في وجوب النيابة عن الميت في أداء ما وجب عليه من الحجِّ، سواء أكانت حجة الإسلام، أم حجة من نذر، أو قضاء.

ثمرة الخلاف:

يترتب على القول بوجوب النيابة عن اليت في أداء ما وجب في ذمته من الحجِّ ما يأتي:

أوَّلًا: يجب على الأولياء المسارعة بإقامة من يحج عن ميتهم من رأس ماله ما لم يتطوع عنه أحد بذلك .

ثانيًا: يلزم الإنسان ان يوصي قبل موته بالحج عنه، إذا مات، ولم يتمكن من أداء ما وجب عليه من الحجِّ، وذلك أبرأ لذمته، وفيه إقامة لعذره عند الله تعالى.

المطلب الثّاني النيابة عن الميِّت في حج التطوع

اختلف العلماء في حكم النيابة في حج التطوع عن الميِّت على ثلاثة أقوال:

القول الأوّل: يجوز مطلقًا النيابة عن الميِّت في حج التطوع، سواء أوصى بذلك أم لم يوص.

وإلى هذا القول ذهب الحنفية ، والحنابلة ، والظاهرية .

القول الثّاني: تجوز النيابة عن الميِّت في حج التطوع، إذا أوصى به، أمّا إذا لم يوص، فلا تجوز.

وإلى هذا القول ذهب المالكية ، والشّافعيّة في القول الصحيح عندهم .

القول الثّالث: لا يجوز مطلقًا النيابة عن الميِّت في حج التطوع أوصى بذلك أم لا. وبه قال بعض الشّافعيّة .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة المانعين مطلقًا:

استدل هؤلاء بما يأتي:

قالوا: إنَّ الأصل في أعمال الأبدان أن النيابة فيها لا تجوز، وإنّما جازت في حجة

الإسلام؛ لأجل الضّرورة، وتعذر أداء الفرض، وهذا غير موجود في التطوع .

مناقشة الاستدلال:

لقد سبقت مناقشة هذا الدّليل، عند مناقشة أدلة من منع النيابة عن العاجز في حج التطوع، فأغنى عن الإعادة.

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

أمّا الأدلة الّتي استدل بها هؤلاء على جواز النيابة عن الميِّت إذا أوصى، فهي نفسها أدلة أصحاب القول الأوّل، وستأتي إن شاء الله تعالى.

وأمّا ما استدلوا به على المنع إذا لم يوص، فهو التعليل المتقدم لأصحاب القول الثّالث.

ثالثًا: أدلة القائلين بالجواز مطلقًا:

استدل هؤلاء بما يأتي:

تقدّم ذكر ما استدل به هؤلاء عند ذكر أدلة من قال يحواز النيابة في حج التطوع عن العاجز.

الترجيح:

من خلال ما ذكره أصحاب هذه الأقوال من أدلة، وما ورد عليها من مناقشات، يتبين رجحان القول الأوّل القاضي بجواز النيابة عن الميِّت في حج التطوع؛

وذلك لما يأتي:

أوَّلًا: قوة ما عللوا به؛ حيث جاءت هذه التعليلات متمشية مع النصوص الشرعية الّتي تجيز النيابة في الفرض؛ فيكون في النفل من باب أولى.

ثانيًا: أن ما علل به أصحاب الأقوال الأخرى أمكن مناقشته.

ثالثًا: أن القول يحواز النيابة فيه إحسان للميت، ورفع لدرجته، وتكفير لسيئاته، في وقت هو أحوج ما يكون لكل ما ينفعه في قبره.

رابعًا: أنّه قد عُرف عن الشارع التوسع والتيسير، في باب التطوعات فنجد أنّه يجوز في التطوع ما لا يجوز في الفرض.

 

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*