النيابة في الحج والعمرة عن الحي

النيابة في الحج والعمرة عن الحي

النيابة في الحج والعمرة عن الحي هو المبحث الأول من الفصل الثالث الذي بعنوان أخذ المال على الحج والعمرة من بحث أخذ المال على أعمال القرب

النيابة في الحج والعمرة عن الحي

المبحث الأول : النيابة في الحج والعمرة عن الحي

المطلب الأول النيابة في الحج الواجب

الفرع الأول النيابة عن القادر في الحج الواجب

أجمع العلماء على أن الحي القادر المستطيع للحج بنفسه، وماله، لا يجوز له أن يستنيب غيره في الحج الواجب، بل يجب عليه عينًا أن يحج بنفسه .

قال ابن المنذر: “وأجمعوا على أن من عليه حجة الإسلام، وهو قادر، لا يجزئه إلا أن يحج بنفسه، لا يجزئ أن يحج عنه غيره” .

وقال ابن قدامة: “ولا يجوز أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب إجماعًا” .

ومستند هذا الإجماع ظاهر، وهو قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)} [آل عمران: 97]. فقد دلت هذه الآية الكريمة دلالة قاطعة على وجوب الحج، وفرضيته على كل مستطيع مكلف، يؤديه بنفسه، فإن الحج أحد أركان الإسلام، وأحد قواعد التكليف، وأحد الواجبات العينية، فمن تركه مع الاستطاعة فهو متعرض لمقت الله وعقابه وسخطه في الدنيا والآخرة .

الفرع الثاني النيابة عن العاجز في الحج الواجب

المسألة الأولى: النيابة عن العاجز عجزًا دائمًا

لا خلاف بين العلماء أن العاجز عن الحج الواجب ببدنه عجزًا دائمًا ، وبماله كذلك، ولم يجد من ينيبه أنه لا يلزمه أن يستنيب غيره، ولا يجب عليه الحج في هذه الحالة .

والدليل على ذلك:

القياس على الصحيح العاجز بماله؛ فكما أن الصحيح لو لم يجد ما يحج به لم يجب عليه الحج، فالمريض أولى .

أما إذا كان العاجز ببدنه عجزًا دائمًا واجدًا للمال لكنه لم يجد من ينوب عنه فقد قال ابن قدامة: “وإن وجد مالًا – أي العاجز- ولم يجد من ينوب عنه فقياس المذهب أنه ينبني على الروايتين في إمكان المسير، هل هو من شرائط الوجوب، أو من شرائط لزوم السعي؟ فإن قلنا: من شرائط لزوم السعي ثبت الحج في ذمته، هذا يحج عنه بعد موته، وإن قلنا: من شرائط الوجوب لم يجب عليه شيء” .

وأما إذا كان العاجز ببدنه عجزًا دائمًا، واجدًا للمال، ولمن ينوب عنه في أداء ما عليه من الحج الواجب، فهل يلزمه أن يستنيب من يحج عنه أم لا؟

اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:

القول الأول: يجب على العاجز ببدنه عجزًا دائمًا أن يستنيب من يحج عنه.

وإلى هذا القول ذهب أبو حنيفة في رواية عنه ، وهو المذهب عند الشافعية ، والحنابلة ، والظاهرية .

وبه قال جمع من السلف منهم: علي بن أبي طالب – رضي الله عنه -، والحسن البصري، وسفيان الثوري ، وعبد الله بن المبارك ، واسحاق ابن راهويه .

القول الثاني: يجوز للعاجز عجزًا دائمًا أن يستنيب من يحج عنه، ولا يجب عليه ذلك.

وإلى هذا ذهب الحنفية، وهو المذهب عندهم ، وبه قال بعض المالكية، ولكنهم قالوا يجوز ذلك مع الكراهة .

قال محمد بن الحسن : “لا بأس بالحج عن الميت، وعن الرجل، والمرأة، إذا بلغا من الكبر ما لا يستطيعان أن يحجا، وهو قول أبي حنيفة والعامة من أصحابنا” .

القول الثالث: لا تجوز النيابة في الحج الواجب عن العاجز ببدنه عجزًا دائمًا، وإن كان مستطيعًا بماله، وإن وجد من ينوب عنه في ذلك.

وبهذا قال المالكية في المشهور عندهم، وهو المعتمد من مذهبهم على الصحيح .

قال الدسوقي : “والمعتمد منع النيابة عن الحي مطلقًا أي: سواء كان صحيحًا أم مريضًا، كانت النيابة في الفرض أم في النفل … ولا فرق بين أن تكون النيابة بأجرة أم تطوعًا” .

سبب الخلاف:

يرجع سبب الخلاف بين العلماء في هذه المسألة إلى أمرين:

الأول: معارضة القياس للأثر.

قال ابن رشد مبينًا ذلك: “وذلك أن القياس يقتضي أن العبادات لا ينوب فيها أحد عن أحد؛ فإنه لا يصلي أحد عن أحد باتفاق، ولا يزكي أحد عن أحد، وأما الأثر المعارض لهذا فحديث ابن عباس المشهور … ” .

وقد ذكر حديث الحثعمية، وسيأتي الكلام حوله مفصلاً.

الثاني: دخول العاجز عجزًا دائمًا المستطيع بغيره وماله تحت قوله تعالى: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (97)} [آل عمران: 97]، فبعض العلماء قال: يدخل؛ فاجاز النيابة، وهم أصحاب

القولين الأولين، والبعض قال: لا يدخل؛ لأنه عاجز غير مستطيع بالنظر إلى نفسه، فلا يدخل في عموم الآية، وهؤلاء هم أصحاب القول الثالث .

الأدلة والمناقشة:

أولاً: أدلة المانعين من النيابة، وهم أصحاب القول الثالث:

استدل هؤلاء بأدلة من القرآن، والسنة، والأثر، والمعقول.

أ – أدلتهم من القرآن الكريم:

الدليل الأول: قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (97)} [آل عمران: 97].

وجه الاستدلال: الاستدلال بهذه الآية من عدة وجوه:

الوجه الأول: أن الحج إنما فرضه الله تعالى على المستطيع إجماعًا، والمعضوب، والمريض لا استطاعة لهما .

الوجه الثاني: أن الله تعالى إنما أوجب الحج عمن يستطيع الوصول بنفسه إلى بيت الله الحرام، والعاجز ببدنه لا يستطيع الوصول، فلا يتناوله الخطاب .

الوجه الثالث: أن المراد بالاستطاعة في الآية هي الاستطاعة البدنية؛ إذ لو كانت المالية لقال: إحجاج البيت، والحج فرع بين أصلين:

أحدهما: بدني صرف؛ كالصلاة، والصيام، فلا استنابة فيه.

والآخر: مالي صرف؛ كالصدقة، والزكاة، يستناب فيه، والحج فيه عمل بدن، ونفقة مال، فمن غلب البدن رده إلى الصلاة، ومن غلب المال رده إلى الصدقة .

مناقشة الاستدلال:

وجوه الاستدلال الثلاثة مردّها إلى أن المراد بالاستطاعة في الآية هي الاستطاعة البدنية فقط دون المالية، وما دام أنه عاجز ببدنه، فلا استطاعه له فلا يجوز له أن يستنيب غيره لسقوط فرض الحج عنه.

ويناقش ذلك:

بأن الاستطاعة في الآية جاءت عامة؛ فتشمل من كان مستطيعًا بنفسه وماله، وبغيره، والعاجز ببدنه مستطيع بماله وبغيره فيدخل في عموم الآية الكريمة .

الدليل الثاني: قوله تعالى: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39)} [النجم: 39].

الدليل الثالث: قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (18)} [فاطر: 18].

وجه الاستدلال من الآيتين الكريمتين:

فقد أخبر الله جل وعلا أن الإنسان ليس له إلا ما اكتسب بنفسه، وليس له إلا ما سعى فيه بنفسه، وليس له ما سعى فيه غيره، والنيابة إنما هي سعي الغير، فلا تصح؛ فمن قال: إن له سعي غيره، فقد خالف ظاهر الآية .

مناقشة الاستدلال:

أولاً: أن الآية ليست على عمومها، بل هي مخصوصة بالنصوص الكثيرة الدالة على جواز النيابة عن المعضوب، ومن في حكمه، وستأتي.

قال ابن حزم: “هذه سورة مكية بلا خلاف، وهذه الأحاديث كانت في حجة الوداع، فصح أن الله تعالى بعد أن لم يجعل للإنسان إلا ما سعى تفضل على عباده، وجعل لهم ما سعى فيه غيرهم عنهم بهذه النصوص الثابتة” .

ب – أدلتهم من السنة:

الدليل الأول: عن علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًا، أو نصرانيًا؛ وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (97)} [آل عمران: 97] .

وجه الاستدلال:

في هذا الحديث جعل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – شرط وجوب الحج على المكلف أن يكون له مال يوصله إلى بيت الله الحرام؛ وذلك بقوله: “زادًا وراحلة”، وزاد المعضوب

وراحلته لا يبلغانه بيت الله تعالى، فصار وجوده كعدمه .

مناقشة الاستدلال:

أولاً: إن هذا الحديث لا يصح؛ قال الترمذي: “هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث يُضعف في الحديث” .

ثانيًا: لو سلمنا صحة الحديث، فإنه لا دلالة فيه على منع النيابة عن المعضوب، ومن في حكمه؛ لأنه ليس له ذكر في الحديث، فظاهره في الصحيح المالك للمال الموصل إلى بيت الله الحرام، أما العاجز المالك للمال فلم يتعرض له الحديث بنفي، ولا إثبات فيؤخذ حكم الاستنابة في حقه من أدلة أخرى .

ج – أدلتهم من الأثر:

الدليل الأول: ما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: لا يصومن أحد عن أحد، ولا يحجن أحد عن أحد .

الدليل الثاني: عن القاسم بن محمد قال : لا يحج أحد عن أحد .

وجه الاستدلال من الأثرين:

يدل الأثران على منع النيابة في الحج مطلقًا.

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذه الآثار بما يأتي:

أن هذه الآثار معارضة بما جاء عن النبي – صلى الله عليه وسلم – حيث صحت الأحاديث في النيابة عن المعضوب ومن في حكمه.

ثم إن هذه الآثار معارضة بآثار صحيحة عن الصحابة؛ كابن عباس وغيره، وستأتي.

د- أدلتهم من المعقول:

الدليل الأول: قالوا: إن الحج عبادة لا تصح فيها النيابة مع القدرة، فكذا مع العجز كالصلاة .

مناقشة الاستدلال:

أولاً: إن هذا قياس جاء في مقابلة نصوص كثيرة تدل على النيابة كما سيأتي، والقياس في مصادمة النص باطل .

ثانيًا: إن قياس الحج على الصلاة قياس مع الفارق؛ فإن الحج عبادة يدخلها المال بخلاف الصلاة .

الدليل الثاني: قالوا: لو صحت النيابة في الحج – وهو من العبادات البدنية – لصحت في الأعمال القلبية كالإيمان، وغيره من الصبر، والشكر، والرضا، والتوكل … وما أشبه ذلك، ولم تكن التكاليف واجبة على المكلف عينًا لجواز النيابة، فيكون مخيرًا ابتداءً بين الفعل والاستنابة .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا التعليل بما يأتي:

أولاً: أن قياس الحج على الإيمان، وأعمال الإيمان القلبية قياس فاسد؛ لأن النصوص جاءت بجواز النيابة، بل بإيجابها في الأول دون الثاني، فيكون قياسًا في مقابلة النص.

ثانيًا: وأما قولهم: “لم تكن التكاليف واجبة، بل يكون المكلف مخيرًا ابتداءً … ” فيجاب عن ذلك بأن: هذا كلام لا يستقيم؛ لأننا لا نقول بجواز الاستنابة مطلقًا، سواء أكان قادرًا أم عاجزًا دون قيد أو شرط، بل الاستنابة مقيدة، وقد ذكر ذلك في محل النزاع.

ثانيًا: أدلة القائلين بالجواز دون الوجوب:

وهؤلاء هم أصحاب القول الثاني وأدلة هؤلاء في مجملها هي أدلة أصحاب القول الأول القائلين بالوجوب، ولكنهم حملوها على الجواز دون الوجوب، فإن استناب غيره جاز له ذلك، وصحت الاستنابة، وسياتي ذكر هذه الأدلة، وبيان دلالتها على الوجوب لا الجواز.

وقد استدلوا على الجواز بأدلة أخرى منها:

الدليل الأول: من السنة: ما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلاً سأل رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: أأحج عن أبي؟ قال – صلى الله عليه وسلم -: (نعم، إن لم تزده خيرًا لم تزده شرًا) .

وجه الاستدلال:

قالوا: في قوله – صلى الله عليه وسلم -: (إن لم تزده خيرًا لم تزده شرًا) دليل على أنه ندب لا فرض؛ لعدم جزمه – صلى الله عليه وسلم – بأن الحج عنه يزده خيرًا .

مناقشة الاستدلال:

أولاً: إن هذا حديث ضعيف تفرد به عبد الرزاق، عن الثوري؛ فلم يروه أحد من أصحاب الثوري الذين هم أعلم به من عبد الرزاق. وعليه فيكون هذا الحديث خطأ من عبد الرزاق.

قال ابن عبد البر: “أما هذا الحديث فقد حملوا فيه على عبد الرزاق لانفراده به عن الثوري من بين سائر أصحابه، وقالوا: هذا حديث لا يوجد في الدنيا عند أحد بهذا الإسناد إلا في كتاب عبد الرزاق، أو في كتاب من أخرجه من كتاب عبد الرزاق، ولم يروه أحد عن الثوري غيره، وقد خطأوه فيه، وهو عندهم خطأ” .

ثانيًا: قالوا: إن لفظ هذا الحديث منكر، لا تشبه ألفاظ النبي – صلى الله عليه وسلم -، إذ كيف يأمر بما لا يدري، هل ينفع أم لا ينفع .

الدليل الثاني: من المعقول:

قالوا: إن المقصود بعبادة الحج هو تعظيم البقعة بالزيارة، والمال شرط يتوصل به إلى هذا المقصود، وهذالمقصد فائت في حق المعضوب، ولا يعتبر وجود الشرط – وهو وجود المال -؛ لأن الشرط تبع، والتبع لا يقوم مقام الأصل في إثبات الحكم به أبتداء، لأن المال ليس ببدل عن أصل الحج، لأن الحج لا يتأدى بالمال، وإنما يتأدى بمباشرة النائب بالحج عنه، فإذا لم يكن المال بدلاً عن أصل الحج فلا يثبت الوجوب باعتباره .

مناقشة هذا التعليل:

يمكن مناقشة هذا التعليل بما يأتي:

أولاً: لا نسلم لكم أن المقصود من الحج هو تعظيم البقعة بالزيارة فقط، بل له مقاصد كثيرة منها إنفاق المال في سبيل الله، وهذا يتأتى من المعضوب ومن في حكمه، ولا يسقط الميسور بالمعسور .

ثانيًا: سلمنا لكم أن المقصود من الحج هو تعظيم البقعة بالزيارة، لكن هذا المقصود يحصل بمباشرة الشخص نفسه، وبنائبه، بدليل إقراره – صلى الله عليه وسلم – كذلك، وأمره به كما دلت على ذلك الأحاديث الكثيرة كما سيأتي.

ثالثًا: إنَّ الأدلة الكثيرة قد قامت على وجوب النيابة – كما سيأتي -؛ فلا عبرة بهذا التعليل.

ثالثًا: أدلة القائلين بوجوب النيابة:

وهؤلاء هم أصحاب القول الأوّل، وقد استدلوا لما ذهبوا إليه بأدلة كثيرة من القرآن، والسُّنَّة، والأثر، والمعقول:

أ – أدلتهم من القرآن:

الدّليل الأوّل: قوله تعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97].

وجه الاستدلال:

أن الله تعالى قد أوجب الحجِّ على المستطيع، والاستطاعة على معنيين:

أحدهما: أن يستطيع الحجِّ بنفسه وماله. والآخر: أن يعجز عنه بنفسه … ، ولكنه يستطيع بماله، ويجد من ينوب عنه، والعاجز ببدنه يستطيع على المعنى الآخر، فيدخل تحت الآية، فيجب عليه ان يستنيب من يحج عنه .

ومما يؤيد هذا أن الاستطاعة عند العلماء هي الزّاد، والراحلة، كما ورد في عدة روايات، وهي بمجموعها صالحة للاحتجاج، والعمل على ذلك عند أهل العلم، قال التّرمذيّ بعد ذكر حديث الزّاد والراحلة: “هذا حديث حسن، والعمل عليه عند أهل العلم أن الرَّجل إذا ملك زادًا وراحلة وجب عليه الحجِّ” .

ب – أدلتهم من السُّنَّة:

الدّليل الأوّل: عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه قال: كان الفضل بن عبّاس

رديف رسول الله – صلّى الله عليه وسلم -، فجاءته امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر قالت: يا رسول الله إنَّ فريضة الله على عباده في الحجِّ أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفاحج عنه؟ قال – صلّى الله عليه وسلم -: “نعم” .

وفي رواية: قالت: يا رسول الله، إنَّ أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحجِّ، وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره، فقال النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -: (فحجي عنه) .

وفي رواية: قالت: فهل يقضى عنه أن أحج عنه؟ قال – صلّى الله عليه وسلم -: “نعم” .

وجه الاستدلال:

حيث أمر النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – المرأة أن تحج عن أبيها الفريضة بقوله – صلّى الله عليه وسلم -: (فحجي عنه)، والأمر المطلق يقتضي الوجوب، كما هو الراجح عند الأصوليين ثمّ إنَّ المرأة قد ذكرت أن فريضة الحجِّ لازمة على أبيها في هذه الحالة، ولم ينكر عليها النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -، بل أمرها بالحج عنه؛ فدل على أن الحجِّ يجب على المعضوب، ومن في حكمه .

الدّليل الثّاني: عن أبي رزين العقيلي، أنّه أتى النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، إنَّ أبي شيخ كبير لا يستطيع الحجِّ، ولا العمرة، ولا الظعن؛ فقال – صلّى الله عليه وسلم -: (حج عن أبيك، واعتمر) .

وجه الاستدلال:

حيث أمر النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – أبا رزين بالحج عن أبيه، وقد بين له أبو رزين حال أبيه، وأنّه عاجز ببدنه، ومع هذا فقد أمره بالحج؛ فدل على أن العاجز ببدنه عجزًا دائمًا يلزمه الحجِّ، وزاد فيه العمرة؛ فدل على أنّها كالحج في الحكم.

الدّليل الثّالث: عن ابن عبّاس رضي الله عنهما، أن رجلًا جاء إلى النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -، فقال: إنَّ أبي شيخ كبير لا يستطيع أن يحج، أفاحج عنه؟ قال رسول الله: “نعم”. قال الرَّجل: أيجزئ عنه؟ قال – صلّى الله عليه وسلم -: إنَّعم، أرأيت لووإن على أبيك دين، فقضيته عنه، ألَّا يجزئ عنه؛ فإنّما هو مثل ذلك) .

وجه الاستدلال:

حيث بين رسول الله – صلّى الله عليه وسلم – أن الحجِّ واجب على العاجز؛ كالشيخ الكبير، ونحوه؛ لأنّه شبهه بالدين، والدين واجب الأداء، فيجب على العاجز ببدنه أن يستنيب من يحج عنه، وقد أكد النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – ذلك بقوله: (فإنّما هو مثل ذلك)، أي: مثل الدِّين في وجوب الأداء.

وقد وردت أحاديث كثيرة في معنى الأحاديث السابقة، وفيما ذكرته غنية.

مناقشة الاستدلال بالاحاديث السابقة:

أورد المانعون بعض المناقشات على الأحاديث السابقة، منها:

أوَّلًا: أن النيابة في الأحاديث السابقة إنّما وقعت على سبيل التبرع، وليس فيها تصريح بالوجوب .

قال القرطبي: “حديث الخثعمية ليس مقصوده الإيجاب، وإنّما مقصوده الحث على بر الوالدين، والنظر في مصالحهما دنيا ودينًا، وحبب المنفعة إليهما جبلة وشرعًا … “. ثمّ ذكر حديث تشبيه الحجِّ بالدين، ثمّ قال: ” … ففي هذا ما يدلُّ على أنّه من باب التطوعات، وإيصال البرّ، والخيرات للأموات …. ” .

ويجاب عن ذلك بما يلي:

1 – لا نسلم لكم أن هذه النصوص لا تصريح فيها بالإيجاب، أو أنّه ليس المقصود منها الإيجاب، بل قد جاء الإيجاب فيها بالفاظ صريحة نحو قوله – صلّى الله عليه وسلم -: (فحجي عنه)، وقوله – صلّى الله عليه وسلم -: “حج عن أبيك، واعتمر” .

2 – سلمنا أنّها لا تفيد الوجوب، وأنّها من باب التبرعات والبر، وعليه فإنها في هذه الحالة تفيد جواز النيابة، وأنتم لا تقولون به. ومن ثمّ تكونون قد نقضتم مذهبكم المانع من النيابة مطلقًا .

ثانيًا: قالوا: إنَّ ما رخص فيه النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – للخثعمية إنّما هو خاص بها، كما اختص سالم مولى أبي حذيفة بجواز الرضاعة بعد الحولين، أي: الرضاعة في الكبر

مع اشتراط الله تعالى تمام الرضاعة في الحولين .

واحتجوا لدعوى الخصوصية هذه، بزيادة وردت في بعض طريق الحديث، وفيها قوله – صلّى الله عليه وسلم -: (لتحجي عنه، وليس لأحدٍ بعده) .

ويجاب عن دعوى الخصوصية بما يأتي:

1 – أن الأصل عدم الخصوصية ؛ فالعام يعمل به حتّى يردّ ما يخصصه، ولادليل على التخصيص هنا.

2 – أن القياس على قصة سالم مولى أبي حذيفة قياس مع الفارق، فلا يصح. وبيان ذلك: أن قصة سالم ، جاءت معارضة لاشتراط الله -عَزَّ وَجَلَّ- تمام الرضاعة في الحولين ، ولأجل هذا التعارض ذهب الجمهور إلى أنّه لا يحرم من الرضاع إِلَّا ما كان في الصغر، وأمّا قصة سالم فهي خاصّة بسالم، ورخصه له دون غيره .

وأمّا حديث الخثعمية فلا شيء يعارضه من كتاب الله، ولا من سنة رسوله – صلّى الله عليه وسلم -.

3 – أن هذه الزيادة الّتي احتجوا بها لا تصح؛ فقد وردت بإسنادين ضعيفين .

قال الحافظ ابن حجر: “ولا حجة فيه؛ لضعف الإسنادين مع إرسالهما، وقد عارضه قوله – صلّى الله عليه وسلم – في حديث الجهنية الاضي في الباب:

(اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء) .

ثالثًا: قالوا: إنَّ هذه الأحاديث خاصّة بالابنيحج عن أبيه، أمّا غيره فلا .

ويجاب عن ذلك:

بأن هذا جمود ، ويرد هذا القول ما جاء في رواية عن ابن عبّاس؛ قال: جاء رجل إلى النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -، فقال: إنَّ أختي ماتت، ولم تحج؛ أفاحج عنها؟ فقال النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -: (أرأيت لو كان عليها دين فقضيته، فالله أحق بالوفاء) .

ووجه الاستدلال من هذا الحديث ظاهر؛ فالسائل هنا أخ عن أخته، لا ابن عن أبيه؛ فبطل ما زعموا.

ج- أدلتهم من الأثر:

الدّليل الأوّل: عن مسلم القُرّي ، قال: قلت لابن عبّاس رضي الله عنهما: إنَّ أمي حجت، ولم تعتمر، أفاعتمر عنها؟ قال: نعم .

الدّليل الثّاني: عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب أنّه قال في الشّيخ الكبير: إنّه يجهز رجلًا بنفقته، فيحج عنه .

وجه الاستدلال من الأثرين:

حيث أفتى الصّحابة – رضي الله عنهم – بوجوب الحجِّ عن الشّيخ الكبير، ومن في حكمه .

وقد ورد نحو ذلك عن عطاء، وطاووس، ومجاهد ، وسعيد بن المسيَّب ، وغيرهم .

د – أدلتهم من المعقول:

الدّليل الأوّل: القياس على الصوم، فكما أن الحجِّ عبادة تجب بإفسادها الكفارة، فجاز أن يقوم غير فعله فيها مقام فعله، كالصوم، فإنّه إذا عجز عنه افتدى .
مناقشة هذا الدّليل:

هذا قياس مع الفارق، فلا يصح؛ لأنّ الفدية في حق الشّيخ الفانى بدل عن أصل الصوم بالنص، بخلاف الحجِّ فإن المال ليس بديلًا عن أصل الحجِّ، بدليل أنّه لا يتأدى بالمال، وإنّما يتأدى بمباشرة النائب بالحج عنه .

الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ المعضوب، ومن في حكمه يصدق عليه أنّه مستطيع، فيجب عليه الحجِّ؛ وذلك لأنّ الاستطاعة كما تكون بالنفس، تكون ببذل المال، وطاعة الرجال، ولهذا يقال لمن لا يحسن البناء: إنك مستطيع بناء دارك إذا كان معه ما يفي ببنائها .

الدّليل الثّالث: القياس على الميِّت: فكما أنّه تجوز النيابة عن الميِّت فكذلك العاجز ببدنه عجزًا دائمًا يحامع أن كلًا منهما قد أيس من الحجِّ بنفسه .

الترجيح:

من خلال ما سبق من أدلة، وما دار حولها من مناقشات، وما أجيب به عنها يظهر- والله أعلم- رجحان القول الأوّل القاضي بوجوب النيابة في الحجِّ على العاجز عجزًا دائمًا، كالمعضوب ومن حكمه، إذا كان واجدًا للمال، ولمن ينوب عنه؛ وذلك لوجوب الحجِّ عليه. وإذا كان الحجِّ واجبًا عليه فإنّه يجب عليه في هذه الحالة أن يستنيب من يمَضي عنه الحجِّ الواجب عليه.

ويعود سبب ترجيح هذا القول إلى ما يأتي:

أوَّلًا: قوة أدلة أصحاب هذا القول، حيث جاءت أدلتهم ظاهرة في الوجوب من حيث الدلالة، وأمّا من حيث الثبوت فإن لهم أدلة من القرآن، وأدلة من السُّنَّة معظمها في البخاريّ ومسلم، أو في أحدهحا، وما كان منها خارجًا عن الصحيحين فهو صحيح، لا شك في صحته.

ثانيًا: أن ما استدل به أصحاب الأقوال الأخرى من أدلة أمكن مناقشتها بما يضعف من دلالتها.

ثالثًا: إنَّ في ترجيح هذا القول إعمال لظاهر الآية، ولظاهر النصوص الّتي جاءت صريحة عن النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم – في الدلالة على ما نحن فيه.

رابعًا: في ترجيح هذا القول أخذ بالأحوط في الشّريعة الإسلامية؛ فإن الحجِّ أحد أركان الإسلام، ولا يجب في عمر الإنسان إِلَّا مرّة واحدة؛ فالاحتياط له مطلوب.

المسألةُ الثّانية: النيابة عن العاجز عجزًا مؤقتًا

العاجز عجزًا مؤقتًا كالمريض الّذي يُرجى برؤه، والمحبوس، ومن في حكمه، هل يجوز لهؤلاء الاستنابة في أداء ما وجب عليهم من حج أم لا؟ أم هل ينتظرون حتّى يزول العذر، ثمّ يؤدون الحجِّ بانفسهم؟

اتفق العلماء على أنّه لا يجوز لهؤلاء الاستنابة ابتداء، بل عليهم الانتظار حتّى يزول العذر، ثمّ يؤدون الحجِّ بانفسهم .

ولكن، إذا خالف من كان عذره مؤقتًا، فاستناب من يؤدِّي عنه الحجِّ الواجب، فما الحكم؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأوّل: إنَّ الاستنابة لا تصح في هذه الحالة، ولا يجزئه الحجِّ عنه، ولاتبرأ ذمته بذلك، وإذا صح وجب عليه الحجِّ بنفسه.

وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من المالكية ، وهو القول الصحيح عند

الشّافعيّة ، وهو قول الحنابلة .

القول الآخر: في ذلك تفصيل، وبيانه كالآتي:

أ – أن يستمر العذر حتّى يموت.

وفي هذه الحالة يكون الحجِّ عنه قد وقع مجزئًا، وتبرأ ذمته.

ب- أن يزول عذره قبل الموت.

وفي هذه الحالة يتبين أن الحجِّ لم يقع مجزئًا، ويجب عليه أن يباشر الحجِّ بنفسه. وإلى هذا ذهب الحنفية ، وهو قول عند الشّافعيّة .

إِلَّا أن أبا يوسف، صاحب الإمام أبي حنيفة، لم يربط صحة الاستنابة هنا باستمرار العذر إلى الموت، وعدمه، وإنّما ربط ذلك بفعل النائب، فإذا برئ المريض،

أو خبرج السجين قبل فراغ النائب من الحجِّ لزم المستنيب الإعادة بنفسه، وإن لم يبرأ إِلَّا بعد فراغ النائب فلا إعادة عليه، ويجزئه فعل النائب، وتبرأ ذمته .

سبب الخلاف:

يعود سبب الخلاف إلى أن العاجز عجزأ مؤقتًا المريض ونحوه، فيه شبهان شبه بالصحيح، وشبه بالمأيوس منه، فأمّا كونه يشبه الصحيح فلأن عذره مرجو الزَّوال، فأشبه الصحيح، وأمّا كونه يشبه المأيوس منه فلأنّه لا يقدر على الحجِّ بنفسه، فأشبه المأيوس من برئه.

فمن غلب الجانب الأوّل منع النيابة عنه مطلقًا، ومن غلّب الجانب الآخر صحح النيابة عنه، وقال: يجزئه الحجِّ من النائب.

الأدلة والمناقشة:

أ – أدلة أصحاب القول الثّاني:

استدلوا على مذهبهم ببعض الأدلة العقلية، منها:

الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ العلّة في جواز النيابة عن العاجز هي حصول اليأس عن الأداء بالبدن، وحينئذ تجوز له الاستنابة، والعاجز عجزًا مؤقتًا إنَّ دام به العذر إلى أن مات، تحقق اليأس عن الأداء بالبدن فوقع الحجِّ عنه موقع الجواز، وتبرأ ذمته.

وإن برأ من مرضه، أو خرج من حبسه تبين أنّه لم يقع فيه الياس عن الأداء بالبدن؛ فيلزمه حينئذ أن يحج بنفسه .

مناقشة هذا الدّليل:

أوَّلًا: حاصل هذا التعليل هو إلحاق من يرجى زوال عذره بمن لا يُرجى زوال عذره، وهو المأيوس منه، وفي هذا الإلحاق نظر؛ لأنّ المأيوس من برئه عاجز على الإطلاق، آيس من القدرة على الأصل، فأشبه الميِّت .

ثانيًا: أن النص قد ورد في الحجِّ عن الشّيخ الكبير، وهو ممّن لا يُرجى منه الحجِّ بنفسه، فلا يقاس عليه إِلَّا من كان مثله .

ب – أدلة أصحاب القول الأوّل:

استدل هؤلاء بما يأتي:

الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ العاجز عجزًا مؤقتًا يرجو القدرة على الحجِّ بنفسه، فلم يكن له الاستنابة، ولا تجزئه إنَّ فعل كالفقير ، فإن الفقير يرجو الغنى، ولذا لا تجوز له اللاستنابة.

الدّليل الثّاني: أن النص إنّما جاء في حق من كان عذره دائمًا، كالشيخ الكبير، ومن في حكمه، فيقتصر على ما ورد به النص، ويلحق به من كان مثله .

الترجيح:

الّذي يظهر من خلال الأدلة، والمناقشات هو رجحان القول الأوّل القاضي بمنع الاستنابة في حق من يرجى زوال عذره كالريض مرضًا عارضًا، والمحبوس، ومن في حكمه.

ووجه هذا الترجيح قوة ما علل به أصحاب القول الأوّل؛ حيث جاء متمشيًا مع ظاهر الأدلة، وأصول الشّرع.

وما علل به أصحاب القول الثّاني إنّما هو قياس لا يصح، كما سبق بيانه. ثمّ إنّه جاء مخالفًا لظاهر الأحاديث النبوية الّتي جاءت فيها الرُّخصة لمن كان عجزه دائمًا دون من سواه.

المطلب الثّاني النيابة في حج التطوع

الفرع الأوّل النيابة عن القادر في حج التطوع

تقدّم الكلام عن النيابة عن الحي القادر في الحجِّ الواجب، وأنّها لا تصح بالإجماع.

أمّا النيابة عن الحي القادر الصحيح في حج التطوع فقد اختلف العلماء في حكمها على قولين:

القول الأوّل: يجوز للحي القادر على الحجِّ بنفسه أن يستنيب في حج التطوع. بهذا قال الحنفية ، والشّافعيّة في قول ، وهو إحدى الروايتين عند الحنابلة، وهي المذهب .

القول الآخر: لا يجوز للحي القادر أن يستنيب في حج التطوع، ولا تصح الاستنابة.

وقد ذهب إلى هذا القول المالكية في المعتمد في المذهب ، وهو قول عند الشّافعيّة، وهو المذهب ، وهو الرِّواية الثّانية عند الحنابلة .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة القول الثّاني:

استدل من منع الاستنابة في حق الصحيح القادر في حج التطوع بما يأتي:

القياس على حج الفرض، فكما أن الصحيح القادر لا يجوز له الاستنابة في حج الفرض فكذلك لا تجوز الاستنابة في حج التطوع؛ لأنّه قادر على الحجِّ بنفسه .

مناقشة الاستدلال:

نوقش هذا الدّليل بما يأتي:

أنّه لا يلزم من المنع من الاستنابة في الفرض للقادر المنع منها في التطوع، لأنّ الأمر في التطوع موسع عليه، ويجوز فيه ما لا يجوز في الفرض، كما في الصّلاة، فإنّه يجوز في صلاة التطوع القعود فيها مع القدرة على القيام، ولا يجوز ذلك في الفرض، فكذا هنا .

الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ الأصل في أعمال الأبدان أن النيابة فيها لا تجوز، وإنّما

جاز في حجة الإسلام؛ لأجل الضّرورة، وتعذر أداء الفرض، وهذا غير موجود في حج التطوع، فلا تجوز الاستنابة فيه .

مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:

أن النصوص، وإن دلت على جواز النيابة في الفرض للضرورة، إِلَّا أنّها لم تمنع النيابة في التطوع، ثمّ إنَّ فرض الحجِّ لازم لكل مكلف قادر مستطيع بنفسه، بخلاف التطوع، فإنّه لا يلزمه؛ فيجوز أن يفعله بنفسه، أو بغيره.

ثانيًا: أدلة القول الأوّل: استدل من قال بالجواز بما يأتي:

الدّليل الأوّل: قالوا: يجوز للقادر أن يستنيب في حج التطوع؛ لأنّه حجة لا تلزمه بنفسه، فجاز أن يستنيب فيها كالعضوب .

الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ كلّ عبادة جازت النيابة في فرضها، جازت النيابة في نفلها، كالصدقة. وعليه، فإذا جازت النيابة في فرض الحجِّ جازت النيابة في نفله .

الدّليل الثّالث: قالوا: إنَّ الاستنابة في حج التطوع هي عبارة عن إنفاق المال في طريق الحجِّ، ولو فعله الإنسان بنفسه كان طاعة عظيمة، فكذلك إذا صرفه إلى غيره ليفعله عنه يكون جائزًا، وأمّا كونه صحيحًا فلا يمنعه ذلك عن أداء التطوع بهذا الطريق، وإن كلان يمنعه من أداء الفرض؛ لأنّ الأمر في التطوع موسع عليه، فإنّه يجوز في التطوع ما لا يجوز في الفرض، كما في الصّلاة، فجوز في تطوعها أن يصلّي قاعدًا مع القدرة على القيام، فكذلك هنا في حجة الإسلام .

الترجيح: الراجح من القولاين هو القول الأوّل؛ لقوة ما عللوا به، ولأن ما علل به أصحاب القول الثّاني أمكن مناقشته.

الفرع الثّاني النيابة عن العاجز في حج التطوع

العاجز عن الحجِّ سواء أكان عجزه دائمًا أم مؤقتًا، هل يجوز له الاستنابة في حج التطوع أم لا؟

اختلف العلماء في حكم ذلك على قولين:

القول الأوّل: يجوز للعاجز أن يستنيب في حج التطوع.

وإلى هذا ذهب الحنفية ، والشّافعيّة على القول الصحيح عندهم ، والحنابلة ، والظاهرية .

القول الآخر: لا يجوز للعاجز أن يستنيب في حج التطوع.

وبه قال المالكية ، وهو قول عند الشّافعيّة .

الأدلة والمناقشة:

أوَّلًا: أدلة أصحاب القول الثّاني:

استدل من منع الاستنابة في حج التطوع عن العاجز بما يأتي:

الدّليل الأوّل: قالوا: لا تجوز الاستنابة في حج النفل عن العاجز؛ لأنّه غير مضطر إلى الاستنابة فيه، فلم تجز الاستنابة فيه قياسًا على الصحيح .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:

أن القياس على الصحيح لا يصح؛ لأنّ ذلك قياس على مسالة خلافية، ثمّ إنّه قد تقدّم أن الراجح جواز الاستنابة في حق الصحيح.

الدّليل الثاني: قالوا: إنَّ العبادات البدنية بعيدة عن قبول الاستنابة، وإنّما جوزنا ذلك في الفرض للضرورة .

مناقشة الاستدلال:

يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:

أوَّلًا: لا نسلم لكم أن العبادات البدنية بعيدة عن قبول الاستنابة، بل تقبل النيابة، وقد تقدّم ذلك في أكثر من مبحث.

ثانيًا: أن الحجِّ ليس عبادة بدنية محضة، بل هو عبادة مركبة من المال، والبدن؛ ففارق العبادات البدنية بذلك .

ثالثًا: أن حج التطوع موسع فيه، بخلاف حج الفرض، فيجوز في التطوع ما لايجوز في الفرض، فلا يلزم من صحة الاستنابة في الفرض للضرورة منع ذلك في التطوع .

ثانيًا: أدلة أصحاب القول الأوّل:

استدل من أجاز الاستنابة في حج التطوع عن العاجز بما يأتي:

الدّليل الأوّل: قالوا: إنَّ الحجِّ عبادة تدخل النيابة في فرضها، فتدخل في نفلها؛ لأنّ كلّ عبادة جازت النيابة في فرضها جازت النيابة في نفلها كالصدقة .

مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:

أوَّلًا: أن القياس على الزَّكاة لا يصح. لأنّه قياس مع الفارق، وبيان ذلك: أن الزَّكاة عبادة مالية محضة تدخل النيابة فيها إجماعًا، بخلاف الحجِّ فإنّه عبادة مركبة من المال، والبدن.

ثانيًا: أن قياس جواز الاستنابة في النفل على جواز ذلك في الفرض غير مسلم؛ لأنّ النيابة في الفرض مختلف فيها، فمنعها البعض، وأجازها البعض، ثمّ إنَّ من أجازها في الفرض إنّما علل ذلك بالضرورة، ولا ضرورة في النفل.

الدّليل الثّاني: قالوا: إنَّ حج النفل حج لا يلزمه، عجز عن فعله بنفسه، فجاز له أن يستنيب فيه كالشيخ الكبير .

مناقشة الاستدلال: يمكن مناقشة هذا الدّليل بما يأتي:

أن القياس على الشّيخ الكبير قياس مع الفارق، فإن الشّيخ الكبير ثبتت النيابة عنه بالنص للضرورة؛ لأنّ الحجِّ واجب عليه، بخلاف المستنيب في حج التطوع فإن الحجِّ ليس واجبًا عليه، فلا ضرورة تدعو للاستنابة.

الترجيح:

بالنظر في أدلة الفريقين، وما علل به كلّ فريق، وما ورد على هذه الأدلة من مناقشة يظهر رجحان القول الأوّل القاضي بجواز الاستنابة للعاجز في حج التطوع؛ وذلك لما يأتي:

أوَّلًا: أن القول بالجواز أقرب إلى نصوص الشّرع، حيث جاءت النصوص تجيز الاستنابة في الفريضة، للعاجز، ونحوه، فإذا جازت النيابة في الفرض جازت في النفل من باب أولى.

ثانيًا: أن عُرف الشّرع التوسع، والتيسير في باب التطوعات، فيجوز في التطوع ما لا يجوز في الفرض، ومن أمثلة ذلك الصّلاة، كما مرّ سابقًا في الفرع الأوّل.

ثالثًا: أن الاستطاعة كما تكون بالبدن تكون بالمال؛ لأنّ الحجِّ عبادة مركبة منهما، فإذا عجز ببدنه فهو مستطيع بما له، وبمن ينوب عنه، فيدخل تحت الآية {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} [آل عمران: 97]، فإذا كان ذلك في الفرض، فكذلك في النفل؛ لأنّه يشترط في النفل ما يشترط للفوض، ولا فرق.

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*