تعريف الاستشراق

تعريف الاستشراق لغة: مصدر الفعل (استشرق)، وقد ذكر صاحب معجم متن اللغة: أنها (مولدة عصرية) ، ولكن إذا أُمعن النظر في هذا الفعل وجد أن بعض حروفه مزيد وبعضها أصلي

تعريف الاستشراق

مفهوم الاستشراق والمستشرقين
تعريف الاستشراق:
أ- تعريفه لغة:
الاستشراق لغة: مصدر الفعل (استشرق)، وقد ذكر صاحب معجم متن اللغة: أنها (مولدة عصرية) ، ولكن إذا أُمعن النظر في هذا الفعل وجد أن بعض حروفه مزيد وبعضها أصلي.
أما المزيد فهي همزة الوصل والسين والتاء، وزيادة همزة الوصل لئلا تُبْدَأ اللفْظَةُ بساكن (لأنَّ الابْتداءِ بالساكِنِ مُمْتَنِع) ، وأما السين والتاء فتستعملان للطلب، كقولهم: استخرج استخراجًا، والاستخراج: طلب الخروج، واستصحب استصحابًا والاستصحاب لطلب الصحبة. . . وتستعملان بمعنى التحول والانتقال كقولهم: استحجر الطين؛ أي: صار حجرًا، وكقولهم: (استنوق الجمل، استيست الشاة؛ أي: صار الجمل كالناقة في طباعها، وصارت الشاة كالتيس، ومنه المثل: (إن البغاث بأرضنا يستنسر) .

وأما الحروف الأصلية في لفظ (استشرق استشراقًا) فهي: شَرَقَ؛ وقد ورد لدى ابن فارس في معجمه قوله: (شرق: الشين والراء والقاف: أصل واحد يدل على إضاءة وفتح، من ذلك: شرقت الشمس؛ إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت. . . والشرق المشرق. . . ومن قياس هذا الباب: الشاة الشرقاء: المشقوقة الأذن، وهو من الفتح الذي وصفناه) .
وقال الراغب الأصفهاني: (والمشرق والمغرب إذا قيلا بالإفراد فإشارة إلى ناحيتي الشرق والمغرب، وإذا قيلا بلفظ الجمع فاعتبارٌ بمطلع كل يومِ ومغربة، أو بمطلع كل فصل ومغربة) ، وبعد أن يستشهد على ذلك بآيات قرآنية وردت في كل من المعاني التي ذكرها، قال في تفسير قوله تعالى: {مَكَانًا شَرْقِيًّا} [مريم: 16]: (أي: ناحية الشرق) .

من هذه المعاني اللغوية يتبين المدلول اللُّغوي للاستشراق والمستشرقين وفقًا لما عرَّفه صاحب معجم متن اللغة بقوله: (استشرق طلب علم الشرق ولغاتهم) ، ويقال لمن يقول بذلك مستشرق وجمعه مستشرقون، ولما ينجزوه استشراقًا.
ومما يعمق الدلالة اللّغوية للاستشراق والمستشرق كون لفظ (أشرق) يأتي بمعنى الإضاءة والفتح، وهذا المعنى له دلالة فلسفية ومعنوية:
– أما الدلالة الفلسفية فهي: (ظهور الأنوار العقلية ولمعانها وفيضانها على الأنفس. . .) كما يقول الفلاسفة ويقولون -أيضًا-:
(الحكمة المشرقية أو حكمة الإشراق باعتبار الشرق هو المنبع الرمزي لإشراق النور) .
– وأما الدلالة المعنوية فهي إطلاق الاستشراق بمعنى طلب الشرق على طلب علومه ومعارفه، وهذا إطلاق معنوي.
وصلة الاستشراق والمستشرقين بهاتين الدلالتين شديدة ولا سيما أنه قد ورد في بعض المراجع التاريخية؛ إنه كان يطلق على طالب العلم لدى الأمم الغربية قديمًا؛ مستشرق، إما باعتباره يطلب الحكمة ونورها في الفكر والعقل ونورها هذا يسمى إشراقًا، وإما باعتباره يطلب العلم والحكمة ومنبعها الدين ومهد الأديان الشرق، فكأنه بطلبه العلم رحل إلى

الشرق، وفي هذا الإطلاق نقل لمعنى الشرق من الاتجاه ناحية الشرق حسًا إلى الاتجاه إلى علومه، وهو ولا شك إطلاق معنوي .

ب- تعريفه اصطلاحًا:
عرف الاستشراق بتعريفات عدة، بعضها يتناول الاستشراق من حيث موضوع دراساته أو أسلوبه في تلك الدراسات أو منطلق البحث أو غايته أو ارتباطاته الدينية والسياسية وحركته، وبعضها الآخر يتناول المستشرقين أشخاصًا وفئات.
فأما الاستشراق موضوعًا وحركة وإنتاجًا ومنهجًا فقد عرف بتعريفات كثيرة من أبرزها الآتي:
1 – عرفه المستشرق الألماني (رودي بارت) بقوله: (الاستشراق هو علم الشرق أو علم العالم الشرقي) .
2 – وعرفه إدوار سعيد بقوله: (الاستشراق أسلوب في الفكر قائم على تمييز. . . بين الشرق في معظم الأحيان والغرب) .
وقال -أيضًا-: (الاستشراق يمكن أن يناقش ويحلل بوصفه المؤسسة المشتركة للتعامل مع الشرق التعامل معه بإصدار تقريرات حوله، وإجازة الآراء فيه وإقرارها، وبوصفه، وتدريسه، والاستقرار فيه وحكمه،

وبإيجاز: الاستشراق (بوصفه أسلوبًا غربيًا) للسيطرة على الشرق، واستبنائه، ولامتلاك السيادة عليه) .
ومما قال في تعريفه أيضًا: إنه ذلك (الفرع المنظم تنظيمًا عاليًا الذي استطاعت الثقافة الغربية عن طريقه أن تتدبر الشرق -بل حتى- أن تنتجهُ سياسيًا، واجتماعيًا، وعسكريًا، وعقائديًا، وعلميًا، وتخيليًا، في مرحلة ما بعد عصر التنوير) .
3 – ذكر (رود نسون): أن (كلمة الاستشراق دخلت على معجم الأكاديمية الفرنسية في: (1838 م)، وتجسدت فكرة نظام خاص مكرس لدراسة الشرق) .
4 – وعُرِّف الاستشراق بأنه: (ذلك التيار الفكري الذي تمثل في الدراسات المختلفة عن الشرق الإسلامي والتي شملت حضارته وأديانه، وآدابه ولغاته، وثقافته، ولقد أسهم هذا التيار في صياغة التصورات الغربية عن العلم الإسلامي معبرًا عن الخلفية للصراع الحضاري بينهما) .
هذا عن تعريفات (الاستشراق).
أما تعريفات المستشرقين فمن أبرزها الآتي:
1 – جاء في قاموس أكسفورد المستشرق هو: (من تبحر في لغات الشرق وآدابه) .

2 – وعرف (أنجلو جويدي) المستشرق بأنه: (من جمع بين الانقطاع إلى درس بعض أنحاء الشرق وبين الوقوف على القوى الروحية الأدبية التي أثرت على تكوين الثقافة الإنسانية) .
3 – وعرف (ديتريش) المستشرق بقوله: (ذلك الباحث الذي يحاول دراسة الشرق وتفهمه، ولن يتأتى له الوصول إلى نتائج سليمة في هذا المضمار ما لم يتقن لغات الشرق) .
4 – ويقول إدوارد سعيد: (كل من يقوم بتدريس الشرق، أو الكتابه عنه، أو بحثه -ويسري ذلك سواء أكان المرء مختصًا بعلم الإنسان (الإنثروبولوجي)، أو بعلم الاجتماع، أو مؤرخًا، أو فقيه لغة (فيلولوجيا) – في جوانبه المحددة والعامة على حدٍّ سواء، هو مستشرق وما يقوم. . . بفعله هو استشراق) .

في ضوء هذه التعريفات للاستشراق والمستشرقين، ومن خلال المدلول اللغوي المتقدم ذكره تتأكد أهمية تحديد المراد بالشرق ومكانة اللغة العربية والإسلام في الدراسات الاستشراقية ولدى المستشرقين.
أما المراد بالشرق فإن بعض الباحثين من المستشرقين وغيرهم قد توقف عنه بغية تحديده، وفيما يأتي أبرز ما توصلوا إليه:
1 – يقول باحث غربي: (الظاهر أن اسم الشرق تعرض لتغيير في معناه، فالشرق بالقياس إلينا نحن الألمان، يعني: العالم السلافي، العالم الواقع خلف الستار الحديدي -وهذه المنطقة يختص بها علميًا بحوث شرق أوروبا osteuropaforscling ، أما الشرق الذي يختص به الاستشراق فمكانه جغرافيًا في الناحية الجنوبية الشرقية بالقياس إلينا، والمصطلح يرجع إلى العصر الوسيط، بل إلى العصور القديمة، إلى الوقت الذي كان فيه البحر المتوسط يقع كما قيل في وسط العالم، وكانت الجهات الأصلية تحدد بالنسبة إليه- فلما انتقل مركز ثقل الأحداث السياسية بعد ذلك من البحر المتوسط إلى الشمال بقي مصطلح الشرق رغم ذلك دالًّا على الدول الواقعة شرق البحر المتوسط -كذلك تعرضت لفظة (الشرق)، في أعقاب الفتوحات العربية الإسلامية لتغيير آخر في معناها أو إذا شئنا دقة أكثر؛ تعرضت لاتساع في نطاق مدلولها- فقد انطلق الفاتحون في ذلك الوقت

من شبه الجزيرة العربية إلى ناحية الشمال والشرق فحسب، بل إلى ناحية الغرب كذلك، وزحفوا في غضون عشرات من السنين، إلى مصر وشمال إفريقية حتى بلغوا المحيط الأطلسي، واستوطن الإسلام قطاع بلدان شمال إفريقية دينًا، وتعرب السكان تدريجيًا، وهم الأقباط في مصر والبربر غربها- ومنذ ذلك العين تعتبر مصر وبلدان شمال إفريقية ضمن الشرق، ويختص الاستشراق حتى بشمال غرب إفريقية الذي يسمى بالمغرب أي بلد غروب الشمس، وإن كان اسمه- الاستشراق- يفترض أَنَّهُ يختص بالبلدان الشرقية دون غيرها- ومهما يكن من أمر فإن الاسم لا يبين بوضوح مستقيم المقصود منه بالضبط، والمهم هو الموضوع ذاته) .
2 – ويقول أحد الباحثين العرب: (إن مفهوم هذه الكلمة (الشرق) يتغير تبعًا لاختلاف المكان، وتبعًا لتغير الأزمان، فالشرق يختلف بالنسبة للياباني أو العربي أو الألماني أو الإنجليزي أو الأمريكي – والشرق يختلف بالنسبة لأهالي العصور القديمة والوسطى، أو للبشر في تاريخنا الحديث والمعاصر، وخاصة بعد اكتشاف الأمريكيتين) .
3 – ويقول أحد المستشرقين في ذلك: (ليس استعمال كلمة الشرق في تاريخ الحضارة متفقًا مع معناها الجغرافي تمامًا؛ فإن بلدان الشرق الأدنى المتحضرة كان يجب تسميتها في روسيا بالجنوب -وكذلك إفريقية الشمالية التي تعد جزءًا من الشرق الإسلامي، جنوبية بالنسبة إلى أوربا- ابتدأ استعمال كلمة الشرق بمعنى البلاد المتحضرة مقابلًا للغرب في عصر

الإمبراطورية الرومانية- ولم يكن يوجد في نظر اليونان إلا الجنوب الحار المتحضر والشمال البارد موطن المتوحشين، وكانوا في تقسيمهم العالم إلى أقسامه المختلفة يسيرون على هذا الأساس نفسه، فيجعلون أوروبا شمالي آسيا وإفريقية معًا؛ فلو كانت سيبيريا معلومة لهم لعدت قسمًا من أوروبا) .
4 – ويعالج باحث عربي هذه المسألة قائلًا: (أما الغرب فهو اصطلاح حديث جرينا فيه على ما اصطلح عليه الأوروبيون في عصور الاستعمار من تقسيم العالم إلى شرق وغرب، يعنون بالغرب أنفسهم، ويعنون بالشرق أهل آسيا وإفريقية الذين كانوا موضع استعبادهم واستغلالهم، وجرينا نحن على هذا الاستعمال، والكلمة وإن كانت حديثه اصطلاحيًا واستعمالًا فيه قديمة في مفهومها ودلالتها، فقد كان في العالم من زمن قديم قوتان تصطرعان وتتنازعان السيادة إحداهما في الشرق والأخرى في الغرب، تمثل ذلك في الصراع بين الفرس والروم، ثم في الصراع بين المسلمين والروم، ثم في الصراع بين المسلمين والصليبيين، ثم في الصراع بين العثمانيين والأوروبيين مدًا وجزرًا، ثم كان آخر فصول هذه الملحمة الصلات بين الشرق ممثلًا في آسيا وإفريقية، وبين الغرب ممثلًا في أوروبا وأمريكا) .

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*