تعريف التيمم في اللغة والاصطلاح

تعريف التيمم في اللغة والاصطلاح

المبحث الأول تعريف التيمم في اللغة والاصطلاح

أولاً: تعريف التيمم في اللغة:

التيمم في اللغة: القصد. قال ابن فارس ([1]) ـ رحمه الله ـ: «الياء والميم كلمة تدل على قصد الشيء، وتعمده، وقصده» ([2]).

يقال: تيممت فلانًا، وتأممته، ويممته، وأممته أي: تعمدته وقصدته، ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} [البقرة: 267] أي: ولا تعمدوا ولا تقصدوا ([3]).

وقوله تعالى: {وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2] أي: قاصدين ([4]).

ومنه أيضًا قول الشاعر:

تيممتِ العينَ التي عند ضارجٍ … يفئ عليها الظلُّ عرمضها طامي ([5])

وقول الشاعر:

فما أدري إذا يَّمْمتُ أرضًا … أريد الخير أيهما يليني

أالخير الذي أنا أبتغيه … أم الشر الذي هو يبتغيني ([6])

ثم كثر استعمال هذه الكلمة حتى صار التيمم مسح الوجه واليدين بالتراب ([7]).

ثانيًا: تعريف التيمم في الاصطلاح:

عرَّف فقهاء المذاهب الأربعة التيمم بعدة تعريفات، وفيما يلي تلك التعاريف:

أولاً: تعريفه عند الحنفية:

هو استعمال الصعيد في عضوين مخصوصين على قصد التطهر بشرائط مخصوصة ([8]).

وهذا التعريف جيد، يكاد يكون أقرب التعاريف للتيمم، إلا أن التعريف ينقصه عبارة (على صفة مخصوصة) وهي قيد مهم،

فكان الأولى تقييد التعريف بها؛ ليكون التعريف جامعًا لفروض التيمم.

ثانيًا: تعريفه عند المالكية:

طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين بنية، تستعمل عند عدم الماء أو عدم القدرة على استعماله ([9]).

ثالثًا: تعريفه عند الشافعية:

إيصال التراب إلى الوجه واليدين بدلاً عن الوضوء والغسل أو عضو منهما بشرائط مخصوصة ([10]).

ويؤخذ على التعريفين السابقين ما يلي:

1 ـ تقييد التيمم بالتراب، مع أن التيمم يجوز بكل ما تصاعد على وجه الأرض من رمل وتراب وغيرهما ـ على القول الراجح ([11]) ـ؛ لعموم قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43، المائدة: 6].

2 ـ عدم تقييد التعريفين بعبارة (على صفة مخصوصة).

رابعًا: تعريفه عند الحنابلة:

استعمال تراب مخصوص لوجه ويدين بدل طهارة ماء لكل ما يُفعل به عند عجزٍ عنه شرعًا ([12])، أو مسح الوجه واليدين

بتراب طهور على وجه مخصوص ([13]).

وبالنظر إلى تعريف الحنابلة للتيمم نجد أنه يُعد ناقصًا لأمرين:

1 ـ تقييد التيمم بالتراب، مع أن التيمم يجوز بكل ما صعد على وجه الأرض.

2 ـ عدم تقييد التعريف بعبارة (بشرائط مخصوصة) وهي قيد مهم؛ لأن المعاني الشرعية لا توجد بدون شروطها، فلابد من ذكر الشروط حتى يتحقق المعنى الشرعي ([14]).

التعريف المختار وشرحه:

ويمكن ـ بعد هذه التعاريف السابقة ـ أن نخلص إلى أن التعريف المختار للتيمم اصطلاحًا هو: قصد الصعيد الطيب لمسح الوجه واليدين بشرائط مخصوصة على وجه مخصوص؛ وذلك لما يلي:

1ـ أن هذا التعريف موافق للمعني اللغوي؛ إذ لابد في الألفاظ الاصطلاحية المنقولة عن اللغوية أن يوجد فيها المعنى اللغوي غالبًا، ويكون المعنى الاصطلاحي أخص من اللغوي ([15]).

ولا شك أن التعريف الموافق للمعنى اللغوي أولى من غيره؛ لأن الأصل إنما هو التقرير دون التغيير؛ لكون التقرير أقرب إلى الفهم، وأسرع إلى الإنقياد،

ولهذا كان التقرير هو الغالب، وكان متفقًا عليه بخلاف التغيير ([16])، فكان هذا التعريف أولى من غيره من التعاريف السابقة.

2ـ أن هذا التعريف لا ترد عليه الاعتراضات السابقة؛ لكونه جامعًا مانعًا، جامعًا لشرائط التيمم وفروضه، مانعًا من دخول غيره فيه.

3ـ أن هذا التعريف قد قيد التيمم بالصعيد وهذا ما نصت عليه الآية الكريمة في قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43، المائدة: 6].

شرح التعريف:

لفظ: (قصد) يدل على اشتراط النية في التيمم.

ولفظ: (الصعيد) يدل على جواز التيمم بكل ما صعد على وجه الأرض من تراب وحجارة ورمل ونحو ذلك.

ولفظ: (الطيب) يدل على اشتراط طهارة ما يتيمم به، فلا يصح التيمم على الأرض النجسة.

ولفظ: (لمسح الوجه واليدين) بيان لمحل التيمم، وهو الوجه واليدان، فلا يكون التيمم إلا فيهما.

ولفظ: (بشرائط مخصوصة) إشارة إلى شروط التيمم وأسبابه.

ولفظ: (على وجه مخصوص) إشارة إلى فروض التيمم وأركانه.

الهامش

[1] هو: أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا الرازي المالكي، كان رأسًا في الأدب، بصيرًا باللغة والنحو والحديث والفقه، ولد سنة (329هـ) بقزوين، من كتبه: معجم مقاييس اللغة، والمجمل في اللغة، توفي بالري ـ شمال إيران، بضاحية طهران ـ سنة (395هـ).

انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي (17/ 103 ـ 106)، ط: مؤسسة الرسالة 1413هـ، الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب لليعمري (1/ 36)، ط: دار الكتب العلمية، وفيات الأعيان لابن خلكان (1/ 118 ـ 120)، ط: دار الثقافة.

[2] معجم مقاييس اللغة (6/ 152)، ط: دار الجيل 1420هـ.

[3] جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري (3/ 81)، ط: دار الفكر 1405هـ.

[4] تفسير البغوي (2/ 7)، ط: دار المعرفة.

[5] البيت لامرئ القيس، من قصيدة له يصف الحمر الوحشية. شرح ديوان امرئ القيس (ص 228)، ط: دار إحياء العلوم، الشعر والشعراء لابن قتيبة (ص 54)، ط: دار الكتب العلمية 1405هـ.

[6] البيت للمثقب العبدي، ديوان المثقب العبدي (ص 212، 213)، جامعة الدول العربية 1391هـ، المفضليات للمفضل الضبي (ص292)، ط: دار المعارف، خزانة الأدب للبغدادي (11/ 85)، ط: دار الكتب العلمية 1998م.

[7] الصحاح للجوهري (5/ 2064)، ط: دار العلم للملايين 1404هـ، النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (ص1026، 1027)، ط: دار ابن الجوزي 1423هـ، لسان العرب لابن منظور (12/ 23)، ط: دار صادر، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير لأحمد الفيومي (2/ 681)، ط: المكتبة العلمية.

[8] بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (1/ 309)، ط: دار الكتب العلمية 1424هـ، البناية شرح الهداية للعيني (1/ 510)، ط: دار الكتب العلمية 1420هـ.

[9] مواهب الجليل للحطّاب (1/ 477)، ط: دار الكتب العلمية 1416هـ، الفواكه الدواني لأحمد بن غنيم (1/ 236)، ط: دار الكتب العلمية 1418هـ.

[10] مغني المحتاج لمعرفة ألفاظ المنهاج لمحمد الشربيني (1/ 245)، ط: دار الكتب العلمية 1415هـ، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي (1/ 263)، ط: مصطفى الحلبي 1386هـ.

[11] سيأتي بحث هذه المسألة (ص 360 ـ 376).

[12] منتهى الإرادات لابن النجار (1/ 25)، ط: مؤسسة الرسالة 1421هـ.

[13] كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي (1/ 385)، وزارة العدل 1421هـ.

[14] رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين (1/ 348)، ط: دار إحياء التراث العربي 1419هـ.

[15] المصدر السابق، وانظر: مرقاة المفاتيح للقاري (2/ 209)، ط: دار الكتب العلمية 1422هـ.

[16] الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (4/ 296)، ط: دار الكتاب العربي 1404هـ.

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*