تعريف القربة

تعريف القربة

تعريف القربة هو المطلب الأول من المبحث الثاني من بحث بعنوان أخذ المال على القرب

تعريف القربة

المطلب الأوَّل تعريف القربة

وفيه فرعان:

الفرع الأوَّل تعريف القربة في اللُّغة

قال ابن فارس: “القاف، والراء، والباء: أصل صحيح يدلُّ على خلاف البعد. يقال: “قَرُبَ يقرُبُ قرْبًا، والقربان: ما قرِّب إلى الله تعالى من نسيكة وغيرها” (1).
قلت: اتفقت كلمة علماء اللُّغة على أن القُرْبة مأخوذة من (قَرُبَ) – بالضم -، بمعنى: دنا.

يقال: قَرُبَ الشيء: يقْرُبُ قُرْبًا وقرْبةً: إذا دنا.

ويقال: القُرْب في المكان، والقُرْبة في المنزلة، والمكانة.

وقيل لما يُتقرَّب به إلى الله تعالى: قُرْبةٌ، والجمع: قُرَبٌ، وقُرُباتٌ. وتقرّب إلى الله بشيء: طلب به القربة عنده.

والقُرْبان: ما يتقرب به إلى الله تعالى (2).

الفرع الثّاني تعريف القربة في الاصطلاح الشرعي

بالنظر في تعريفات للقربة العلماء تبين أن لهم في ذلك اتجاهين:

الاتجاه الأوّل: هو اتجاه من نظر إلى القربة على أنّها الشيءُ المتقرَّبُ به إلى الله

تعالى، ولذا جاءت تعريفاتهم منصبة على ذات القربة؛ إمّا بذكر جنسها الشامل

لكل أنواعها، وإما بتعداد بعض القرب.

وإلى هذا الاتجاه ذهب بعض الحنفية (1)، والمالكية (2)، والشّافعيّة (3)، والحنابلة (4).

واختار هذا الاتجاه جمع من أهل العلم (5).

الاتجاه الآخر: هو اتجاه من نظر إلى القربة على أنّها فعل التقرب نفسه، دون النظر إلى ذات القربة من حيث جنسها.

وإلى هذا الاتجاه ذهب بعض الحنفية (6)، والمالكية (7)، والشّافعيّة (8).

وسوف أذكر تعريفات القربة عند أصحاب الاتجاهين، ثمّ أبين الراجح والمختار من هذه التعريفات – إن شاء الله تعالى-.

أوَّلًا: القربة عند أصحاب الاتجاه الأوّل:

جاءت تعريفات أصحاب هذا الاتجاه متقاربة في معناها، وإن اختلفت في ألفاظها، ولذا سوف أذكر ما اتفقوا عليه من القيود، ثمّ أذكر القيود الّتي زادها بعضهم على ما اتفقوا عليه:

أمّا التعريف الّذي اتفقوا على قيوده فهو أن القربة هي:

“ما يتقرب به إلى الله تعالى” (1).

وسوف أبين مفردات هذا التعريف، ثمّ أذكر القيود الّتي زادها بعضهم عليه.

مفردات التعريف:

ما: جنس يشمل كلّ ما يتقرب به؛ سواء أكان من العبادات، أم من غيرها كالتبرعات، ونحوها، ويشمل كذلك ما لايتقرب به من الأعمال؛ كالبناء، والخياط، ونحو ذلك، ممّا يفعل لأجل المال، وكذلك الأعمال الّتي يستوي في فعلها المسلم والكافر.

يتقرب به: قيد لإخراج ما لايتقرب به من الأعمال الّتي لايختص فاعلها أن يكون من أهل القربة.

إلى الله تعالى: قيد لإخراج التقرب إلى المخلوقين لحاجة، أو منفعة دنيوية، فهذا

قيد جيء به لبيان أن التقرب المراد هو التقرب إلى الله تعالى، لا إلى غيره من المخلوقين.

* أمّا القيود الّتي زادها بعض الفقهاء فهي على النحو التالي:

زاد بعض الحنفية على التعريف المتقدم قيدًا، وهو: ” … فقط، أو مع الإحسان إلى النَّاس كبناء الرِّباط والمسجد” (1). وذلك ليشمل نوعي القربة من حيث التعدي، وعدمه، فيشمل القرب غير المتعدية، وهي القرب المتعينة من صلاة، ونحوها، والقرب المتعدية كالأذان، والإمامة، والقضاء، والإفتاء، والتعليم.
والذي أراه: أن هذا القيد لا حاجة إليه في التعريف؛ لأنّ كلمة (ما) تشمل كلّ أنواع القرب المتعدية الّتي فيها إحسان للناس، وغير المتعدية كما مثلنا من قبل.

وزاد بعض المالكية (2)، والشّافعيّة (3) على التعريف المتقدم ما يأتي: ” … من نسيكة، وصدقة، وعمل صالح”. وهذا بيان منهم لما يتقرب به إلى الله تعالى، وأرى كذلك أنّه لا حاجة إليه في التعريف؛ لأنّ كلمة (ما) تفيد العموم، والشمول؛ فتشمل ما ذكروه، وغيره ممّا يتقرب به إلى الله تعالى من الأعمال، سواء أكانت من العبادات، أو غيرها من الأعمال الصالحة.

وعليه، فلا حاجة لتقييد القربة بما ذكروه، ثمّ إنَّ قولهم: “وعمل صالح”، يشمل جميع القرب. وبناء على ذلك فإن هذه الزيادة تكرار في التعريف، وزيادة لا داعي لها.

وبالتالي يسلم التعريف الّذي اتفقوا على قيوده، ويعتبر حدًا لمفهوم القربة عند أصحاب هذا الاتجاه.

ثانيًا: القربة عند أصحاب الاتجاه الآخر:

وقد عرّف هؤلاء القربة بعدة تعريفات:

التعريف الأوّل:

أن القربة “هي فعل ما يثاب عليه، بعد معرفة من يتقرب إليه به، وإنَّ لم يتوقف على نيّة” (1).

وهذا التعريف جارٍ على مذهب المتكلمين؛ وبيان ذلك: أن قوله: “بعد معرفة من يتقرب إليه به”، يدلُّ على أن من شرط القربة العلم بالمتقرَّب إليه، وأنّه لا يمكن أن توجد قربة إِلَّا بعد العلم بالمعبود سبحانه وتعالى، والعلّم بالله تعالى لا يكون إِلَّا بعد النظر، والاستدلال، أو القصد إلى النظر، كما يزعم أرباب الكلام، فإنهم يقولون: إنَّ أول واجب على المكلَّف هو النظر، أو القصد إلى النظر … ولكن أهل السُّنَّة، وأئمة السلف متفقون على أن أول واجب على المكلَّف هو الشهادتان، والتوحيد أول ما يُدخَلُ به في الإسلام، وآخر ما يخرج به في الدنيا (2).

والدّليل على ذلك هو قول النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -:

(أمرت أن أقاتل النَّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إِلَّا لله، وأن محمدًا رسول الله …). وفي رواية: (حتّى يقولوا لا إله إلا الله …) (3).

وهذا القيد ذكروه في التعريف؛ ليبينوا أن هناك من الأفعال ما يكون طاعة، ولكن لا يكون قربة، مثل قضية النظر المؤدي إلى معرفة الله الّتي ذكروها، فإنها عندهم طاعة، وليست بقربة؛ لعدم تحقق شرط القربة، وهو العلم بالمتقرب إليه.

وقوله: وإنَّ لم يتوقف على نيّة: قيد ذكِرَ لبيان أن من القرب ما لا يشترط فيه النية، ومنها ما يشترط فيه ذلك، فأمّا ما لا يشترط فيه النية فنحو: القرب الّتي لا لبس فيها كالإيمان بالله تعالى، وتعظيمه، وإجلاله، والخوف، والرجاء، والتوكل، والتسبيح، وقراءة القرآن، ونحو ذلك:

قال القرافي: “القربات الّتي لا لبس فيها لا تحتاج إلى نيّة؛ كالإيمان بالله تعالى، وتعظيمه، وإجلاله، والخوف من نقمه، والرجاء لنعمه، والتوكل على كرمه، والحياء من جلاله، والمحبة لجماله، والمهابة من سلطانه.

وكذلك التسبيح، والتهليل، وقراءة القرآن، وسائر الأذكار، فإنها متميزة لجنابه سبحانه وتعالى … ” (1).

وأمّا القربات الّتي تحتاج إلى نيّة، وهي العبادات من صلاة، وصيام، وحج، وغيرها، سواء أكانت واجبة، أم مندوبة، فلابد فيها من نيّة؛ لأنّ سورة فعلها ليست كافية في تحصيل المصلحة المقصودة منها، وهي تعظيم الرب سبحانه وتعالى، والخضوع له، وإنّما يحصل ذلك إذا قصدت من أجله؛ لأنّ التعظيم بالفعل دون قصد المعظم محال، ولذلك اشترطت في هذه العبادات النية، وهي إخلاص العمل لله سبحانه وتعالى (2).

وقد شرعت النية في هذا القسم لأمرين:

الأوّل: تمييز العبادات عن العادات.

فمثلًا: الغُسْل قد يكون تبردًا، وقد يكون عبادة شرعية، ولا يميز بينهما إِلَّا النية، وكذلك الذَّبح، قد يكون لمجرد الأكل، وقد يكون للتقرب إلى الله تعالى بإراقة الدِّم، ولا يميز لنا ذلك إِلَّا النية (1).

الآخر: تمييز مراتب العبادات:

فالصلاة منها ما يكون فرضًا، ومنها ما يكون مندوبًا، والنية هنا لتمييز ما هو فرض ممّا هو غير ذلك. وكذلك الصَّدقة منها ما هو واجب، ومنها ما هو تطوع، ولايفرق بينهما إِلَّا النية، وكذلك الصوم، وغيره من العبادات (2).

التعريف الثّاني:

منهم من عرّفها بأنّها: “طلب القرب إلى الله تعالى، بما أمر به، وتجنب ما نهى عنه” (3).

وهذا التعريف لا يختلف في مقصوده عن التعريف السابق؛ لأنّ قوله: طلب القرب إلى الله تعالى، يفيد أمرين:

الأوّل: طلب القرب؛ وقد بينه بقوله: بما أمر به – أي: بفعل الأوامر، وتجنب ما نهى عنه. وهذا بعينه معنى قوله في التعريف السابق: “فعل ما يثاب عليه”، فإن اللإنسان يثاب على فعل ما أمره الله به، وترك ما نهاه عنه.

الآخر: أن التقرب إلى الله تعالى لا يكون إِلَّا بعد معرفته سبحانه وتعالى؛ لأنّه هو المقصود بالقربة.

التعريف الثّالث:

ومنهم من عرّفها بأنّها: “ما كان معظم المقصود منه رجاء الثّواب من الله تعالى” (4).

التعريف الرّابع:

ومنهم من عرَّفها بأنّها: “ما يصير المتقرب به متقربًا” (5).

التعريف الخامس:

ومنهم من عرّفها بأنّها: “الطّاعة” (1). وليس بصحيح؛ للفرق بين القربة والطاعة – وسيأتي -.

التعريف المختار:

والذي أراه راجحًا من تعريفات القربة هو: ما ذهب إليه أصحاب الاتجاه الأوّل، وهو أن القربة هي: “ما يتقرب به إلى الله تعالى”.

وذلك لما يأتي:

أوَّلًا: أنّهم نظروا إلى حقيقة القربة في نفسها، وهو المطلوب في التعريف.

ثانيًا: أنّه بالنظر إلى النصوص الواردة في الكتاب والسُّنَّة المتعلّقة – بالقربة نجد أن مفهوم القربة فيها دائر على الأعمال نفسها،

ومن ذلك قوله تعالى: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ} [التوبة: 99].

وقوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ ..} [المائدة: 27].

ومن السُّنَّة قول النّبيّ – صلّى الله عليه وسلم -: (عليكم بقيام اللّيل، فإنّه دَأْبُ الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومكْفَرَةٌ للسيئات، ومنهاة للإثم) (2).

وقوله – صلّى الله عليه وسلم -: (اللَّهُمَّ فأيَّما مؤمن سببته، فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة) (3).

فهذه النصوص تدل على أن القربة تطلق في الغالب، ويراد بها أعمالها.

ثالثًا: أن هذا الاصطلاح هو ما عليه أكثر أهل العلم، واختاره كثير من المحققين، كما سبق أن ذكرنا، والله تعالى أعلم (1).

أخذ المال على أعمال القُرَب

1 Trackbacks & Pingbacks

  1. خطة بحث أخذ المال على أعمال القرب - المكتبة العربية الكبرى

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*