جوانب مفهوم إيجابية الأمة الإسلامية

موقف المستشرقين من خصيصة إيجابيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة يقول المستشرق (رينان) أقوال كثيرة تحامل فيها على الإسلام وعلى الأمَّة الإسلاميَّة، وحاول أن يحجب بأقواله هذه إيجابيتها الخيِّرة التي شهد بها المنصفون من أبناء جنسه

موقف المستشرقين من خصيصة إيجابيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة

إذا كانت الأُمَّة الإسلاميَّة من خلال تميّزها قد شيدت صروح المجد والحضارة، وأسهمت في رقي البشرية، والنهوض بعزيمة الشعوب والأفراد، وبالعمل الصالح، والإصلاح الشامل، وما تنطوي عليه رسالة الإسلام من قيم إيجابيَّة خيِّرَة استظلت الإنسانية بها ردحًا من الزمن، وتدرجت بها في معارج العلم والمعرفة والنور، ودفعت بعجلة التنمية الشاملة أشواطًا كبرى لم يشهد التاريخ لها مثيلًا، رعاية لحقوق الإنسان، وحفاظًا على مكانته، وإسعادًا له أنَّى كان، فإنَّ معظم المستشرقين -من خلال دراساتهم وأبحاثهم التي يروج لها بأنَّها علمية وتوصف بالنزاهة والمنهجية- قد درجوا على القول بأن الأمَّة الإسلاميَّة أُمَّة خاملة تفرض عليها قيمها الدينية -من خلال ما زعموا من الجبر في عقيدتها- واقعًا متخلفًا تهبط معه الهمم، وتستسلم بسببه لأيِّ مصير، ولا تحسن إلَّا الجمود والكسل والخمول والتهالك على الملذات الجسديَّة والدنيويَّة التي يفترون على الإسلام بأنَّه دعا إليها.

(فهذا “رينان” المستشرق الفرنسي يصور عقيدة التوحيد في الإسلام بأنَّها عقيدة تؤدي إلى حيرة المسلم، كما تحط به كإنسان إلى أسفل الدرك، على حين أنَّ عقيدة التوحيد مزيَّة الإسلام، وآية على أنَّه الرسالة الكاملة الواضحة لخالق الكون في كونه، كما أنَّها الطريق السليم والوحيد إلى رفع شأن الإنسان وتكريمه؛ لأن صاحب هذه العقيدة لا يخضع في حياته لغير اللَّه، ولا يتوجه في طلب العون إلى غير اللَّه سبحانه وتعالى) .

يقول (رينان) عن عقيدة القدر والاختيار: (المسائل الأساسية في كل دين هي التي ترتبط بالقدر، والمغفرة، والحساب، وهي كلمات ثلاث مصبوغة بصبغة دينيَّة تلقي في النفس الاعتقاد بوعورة المسالك في تفهمها. . . وقد ظهرت على أطلال العالم القديم بعد خمسمئة عام من انقضائه ديانتان: إحداهما ربانية، والثانية بشرية، تمثلان ذينك المذهبين المتناقضين، ولكن بتلطيف في التناقض. . . أمَّا الأولى (الديانة الربانية) -ويقصد بها النصرانية- ومن خصائص هذه الديانة ترقية شأن الإنسان بتقريبه من الحضرة الإلهية، على حين أن الديانة الثانية البشرية: وهي الإسلام المشوبة بتأثير مذهب الساميَّة، تنحط بالإنسان إلى أسفل درك، وترفع الإله عنه في علاء لا نهاية له) .

ويقول عن العقل الباطن في ظل الإسلام، وعن عقلية الأُمَّة المسلمة: (إنَّ الدين الإسلامي أخر العقل البشري، وحجبه عن التأمل في حقائق الأشياء بنفوذ زاد مفعول تأثيره عن الأديان الأُخرى، حتى جعل بعض البلاد التي انتشر فيها كميدان لا يعبر البحث عن حقائق الأشياء الذي به يتسع العقل، وزد على ذلك أن عقول أهل هذه البلاد قاصرة من نفسها، وما يتميز به المسلم هو بغضه للعلوم،، واعتقاده أن البحث كفر وقلة عقل لا فائدة فيه) .

وقبل هذا قال عن عقول المسلمين: (كل من ذهب معنا إلى المشرق أو إلى إفريقية رأى أنَّ عقولهم بلغت من الحمق غايته، حتى كأنَّ دينهم صار كنانًا على قلوبهم فحجبها عن أن تعي شيئًا من العلوم والأفكار الجديدة، فلا ترى إلَّا القليل من أولادهم من تشاهد فيه النباهة، لكن إذا بلغ العشر أو الاثنتي عشرة سنة وتعلم العقائد صار متعصبًا في الدين، وأخذ يختال حمقًا على غيره ظانًّا أنَّ هذا هو الحق فيعد نفسه سعيدًا بما اختصه مِمَّا هو في الحقيقة سببًا لانحطاطه) .

ولهذا المستشرق (رينان) أقوال كثيرة تحامل فيها على الإسلام وعلى الأمَّة الإسلاميَّة، وحاول أن يحجب بأقواله هذه إيجابيتها الخيِّرة التي شهد بها المنصفون من أبناء جنسه، وكتبوا فيها كتابات مشهورة، وقد يصعب الرد التفصيلي على ما ورد في أقواله من أفكار واتهامات التي إن صدقت على بعض البيئات الإسلاميَّة أو على بعض الفئات أو بعض المراحل التاريخيَّة في حياة الأُمَّة الإسلاميَّة فإنَّها لا تصدق على الإسلام بحال من حيث العقيدة والتشريع والأخلاق والنظام، وهي تتنافى مع تميز الأُمَّة الإسلاميَّة وما اختصَّ به من إيجابية خيِّرة أثبتها التاريخ، وسطَّرتها الأقلام المنصفة، وسيرد بعد قليل ما يوضح ذلك، ويُمكن أن يشار هنا بيانًا لموقف (رينان) وأمثاله إلى ما ذكره (غوستاف لبون) في مؤلفه (حضارة العرب) عن غالبيَّة المستشرقين حينما يكتبون عن الإسلام وتاريخ أُمَّته فكان مِمَّا قال: (نجد المقابلة مدهشة بين الإسلام وسائر المعتقدات التي تزعم مع هذا أنها أسمى منه. .، ورُبَّما تساءل القارئ: لماذا غمط اليوم حق العرب وتأثيرهم، وأنكر حسناتهم علماء عرفوا باستقلال أفكارهم، وكانوا بحسب الظاهر بمعزل عن الأوهام الدينيَّة، وهذا السؤال قد سألته نفسي، وأرى أن الجواب عليه غير ما أنا كاتب ذلك أن استقلال آرائنا هو في الواقع صوري أكثر مِمَّا هو حقيقي؛ ونحن لسنا أحرارًا على ما نريد في خوض بعض الموضوعات، وهذا لأن فينا أحد رجلين: الرجل الحديث الذي صاغته دروس التهذيب، وعملت البيئة الأدبية والمعنويَّة في تنشئته، والرجل القديم المجبول على الزمن بخميرة الأجداد، وبروح لا يعرف قراره يتألف من ماضٍ طويل؛ وهذا الروح اللاشعوري هو وحده الذي ينطق في معظم الرجال، ويبدو في أنفسهم بمظاهر مختلفة، يؤيد فيهم المعتقدات التي اعتقدوها، ويملي عليهم آراءهم، وتظهر هذه الآراء بالغة حدًّا عظيمًا من الحريَّة في الظاهر فتحترم) .

ويواصل قوله: (لا جرم أن أشياع محمد كانوا خلال قرون طويلة من أخوف الأعداء الذين عرفتهم أوروبا، فكانوا بتهديدهم الغرب بسلاحهم في عهد شارل مارتيل، وفي الحروب الصليبية، وبعد استيلائهم على الآستانة، يذلوننا بمدنيتهم الساميَّة الساحقة، وإلى أمس الدابر لم ننج من تأثيراتهم، ولقد تراكمت الأوهام الموروثة المتسلطة علينا، والنقمة على الإسلام وأشياعه في عدة قرون، حتى أصبحت جزءًا من نظامنا، وكانت هذه الأوهام طبيعة متأصلة فيها، كالبغض الدوي المستتر أبدًا في أعماق قلوب النصارى لليهود، وإذا أضفنا إلى أوهامنا الموروثة في إنكار فضل المسلمين هذا الوهم الموروث أيضًا النامي في كل جيل، بفعل تربيتنا المدرسية الممقوتة، ودعوانا أن جميع العلوم والآداب الماضية أتتنا من اليونان واللاتين فقط، ندرك على أيسر سبيل أن تأثير العرب البليغ في تاريخ مدنية أوروبا قد عم تجاهله) .

ويؤكد (لوبون) (أنَّه كان للمدنية الإسلاميَّة تأثير عظيم في العالم، وتم لها هذا التأثير بفضل العرب، بل بصنع العناصر المختلفة التي دانت بالإسلام، وبنفوذهم الأدبي هذبوا الشعوب البربرية التي قضت على الإمبراطورية الرومانية، وبتأثيرهم العقلي فتحوا لأوروبا عالم المعارف العلميَّة والأدبيَّة والفلسفية، وهذا ما كانت تجهله، وعلى ذلك كان العرب ممدّنينا وأساتذتنا مدّة ستمئة سنة) .

وكان ثمة رد آخر خص به (غوستاف لوبون) المستشرقون (إرنست رينان) مفندًا زعمه أن الإسلام كان يقيم عائقًا حيال تقدم العلوم! ففي محاضرة ألقاها (رينان) في (السوربون) في 29 آذار (مارس) 1883 م، وضمنها فيما بعد كتابه: (الإسلام والعلم)، المطبوع في باريس سنة 1883 م، أراد إثبات مناقضة الإسلام للعلوم، ولكنه لم يستطع أن ينكر ما اتفق للعلوم من ازدهار في البلدان الإسلاميَّة في قرون كثيرة، وبما كان لمفكري الإسلام من نفوذ دائم مارسوه في أوروبا في القرون الوسطى، ولكنه عزا ذلك التقدم والنفوذ إلى تقصير البيزنطيين في حفظ التراث العلمي، وإهمالهم له بباعث من تدينهم القائم على الجهل، فحالوا بذلك دون نفوذ الحضارة القديمة التي كانوا مؤتمنين عليها فى الغرب مباشرة. ولو كانوا حفظةً على هذه الحضارة علمًا بها وفهمًا لها وحرصًا على الاستفادة منها؛ لما كان هنالك اضطرار إلى تلك (الدورة العربيَّة) التي وصل العلم اليوناني بها إلينا في القرن الثاني عشر مارًا من سورية وبغداد وقرطبة وطليطلة.

وكان مِمَّا رد به (غوستاف لوبون) على رينان قوله: (أراد مسيو رينان أن يثبت -في محاضرته- عجز العرب، ولكن ترهاته كانت تنقض بما يجيء في الصفحة التي تليها.

فبعد أن قال مثلًا: إن تقدم العلوم مدين للعرب وحدهم مدة ستمئة سنة؛ عاد فزعم أن الإسلام اضطهد العلم والفلسفة، وقضى على الروح في البلاد التي دانت له،. . .) .

ويرى بعض المستشرقين بأنَّ الأمَّة الإسلاميَّة بحكم سلبيتها ورجعيتها لا تصلح إلَّا أن تقاد، وقد كان الاستشراق وراء نشر هذا المبدأ الاستعماري، وفرض التبعيَّة للحضارة الغربية عليها يقول (جيب): (إنَّ العالم الإسلامي له حق الاختيار في تحديد طبيعته في الحياة، ولكن بعد أن يتابع الفكر الغربي، ويخضع لقوانينه الوضعية) .

وحيث إن من المستشرقين من تصدى للكتابة عن إيجابية الأُمَّة الإسلاميَّة، وأبرز جوانب الريادة والسيادة فيها، وأنصف تاريخها في الإسهام الحضاري ونشر العلم والمعرفة وتنمية الحياة البشرية على خير وجه، فقد جاءت مثل هذه الكتابات ردًا مفحمًا -باستخدام المناهج الاستشراقية نفسها- على المتحاملين على الإسلام وأمجاده وتاريخ الأمَّة الإسلاميَّة وحضارتها ويذكر هنا نموذجان -فقط- من المؤلفات التي عالجت هذا الجانب:

النموذج الأول:

كتاب (شمس العرب تسطع على الغرب) لمؤلفته (زيغريد هونكة)، وقد حاز هذا الكتاب شهرة واسعة ما بين مادح له وقادح فيه؛ حيث انبرى عددٌ من النقاد الأوروبيين لمهاجمة المؤلفة وكتابها واتهامها بالتعصب للعرب والتحيز لهم، وفي مقابل ذلك انبرى آخرون للدفاع عنها، وتأييد ما توصلت إليه من نتائج، وقررته من ثناء على الحضارة العربية.

بينت المؤلفة في مقدمة كتابها: أنها تود: إنصاف الحضارة العربية بعد أن تعرضت لظلم الدارسين الغربيين، وأن أقصى ما اعترفوا به: (أنَّ العرب نقلوا كنوز القدامى إلى بلاد الغرب) ، ورأت أنَّ هذه المقولة لا تعدو أن تجعل للعرب في الواقع دور (ساعي البريد فقط)، وأنها تقلل من قدر دورهم الحضاري، وتطمس الكثير من حقائق تاريخهم.

والحقيقة كما تقول المؤلفة: (أنَّ هذا الشعب رائدٌ لغيره من الشعوب في أنحاء الدنيا في غضون سبعمئة وخمسين عامًا، وحاملٌ مشعل الثقافة ردحًا جاوز عصر الإغريق الذهبي بضعفيه أكثر من أي شعب آخر، كما بينت (فضل الحضارة العربية على الإنسانية، وتميزها عن الحضارات السابقة بعدد من الصفات النبيلة) ، وأوضحت: (مدى تأثُّر الحضارة الغربية بالحضارة العربية، ودورها في حفظ التراث الحضاري للإنسانية جمعاء، وإبداع العلماء في ظل هذه الحضارة في تصحيح عددٍ كبير من المفاهيم الثقافية والحضارية، وما أضافوا من إنجازات مهمَّة في خدمة الإنسانية، ظلت تُدَرَّس في أوروبا إلى عهد قريب. . .) .

ومِمَّا عنت به كذلك دراسة المراكز العلمية للاتصال بين الحضارتين مثل الأندلس وصقلية والبندقية وجنوب فرنسا وإيطاليا، وكذا الأحداث التاريخية التي سببت الاحتكاك الحضاري وبخاصة الحروب الصليبية .

كما استشهدت بعدد من الدارسين الغربيين على يد العرب. . كما فصَّلت القول في أثر الحضارة العربية في تقدم كثير من المعارف والعلوم، وعرضت لأسماء بارزة من العلماء المسلمين، وما ابتكروه في شتى العلوم والمعارف.

وخصت الأندلس بقسم مستقل قارنت فيه بين ما كانت عليه الأندلس في ظلِّ الحضارة العربية من نهضة علميَّة وأدبية وفنيَّة وبين ما كانت عليه أوروبا من جهالة مطبقة ، وأوضحت أن العرب: (حولوا الأندلس في مئتي عام حكموها من بلد جدب فقير مستعبد إلى بلد عظيم مثقف مهذب يقدس العلم والفنّ والأدب، قدَّم لأوروبا سبل الحضارة وقادها في طريق النور) .

وفي تصوير مظاهر الحضارة العربية الإسلاميَّة في الأندلس، وتأثيرها الكبير على الحضارة الغربية، أشارت إلى:

1 – نقل بعض أنماط الحضارة الغربية عن العرب؛ (كالزخرفة المحبَّبة إلى النفوس، التي ألقت أضواء باهرة جميلة على ذلك العالم الرتيب الذي كان يومًا من الأيام قاتِمًا كالحًا باهتًا) .

2 – نقل كثير من الكلمات العربيَّة إلى بعض اللغات الأوروبية ، وكذا نقل الأرقام العربية التي تعلمتها كل الأمم المتحضرة من العرب، (ولولا تلك الأرقام لما وُجِدَ هذا الصرح الشامخ من علوم الرياضة والطبيعة والفلك، بل لما وجدت الطائرات التي تسبق الصوت، أو صواريخ الفضاء. لقد كرمنا هذا الشعب الذي منَّ علينا بذلك الفضل الذي لا يقدر، حين أطلقنا على أرقام الأعداد عندنا اسم الأرقام العربية) .

3 – هدية هارون الرشيد لشارلمان ذلك الرمز الحضاري الذي يدل على مهارات العرب في اختراع الساعات، وقد وصف مؤرخ القيصر (شارلمان) تلك الساعة بقوله: (نحن ما زلنا حتى يومنا هذا نقف فاغري الأفواه دهشةً وإعجابًا كلَّما رأينا ساعة كبيرة في مبنى البلدية، وما يرافق دقاتها من ظهور شخوص صغيرة متحركة، تذكرنا بما فعله العرب، في الماضي البعيد، حبًّا بالألعاب الميكانيكية وولعًا بها) .

وفي الكلام عن تأثير الأُمَّة الإسلاميَّة في المسار الحضاري، وما أسهمت به من ثقافة وعلم ومعرفة تأكيد على خصيصة من خصائص تميزها هي خصيصة الإيجابية الخيِّرة.

النموذج الثاني:

كتاب (فضل الإسلام على الحضارة الغربية) الذي نقله إلى العربية حسين أحمد أمين، وهو -أصلًا- بعنوان (تأثير الإسلام في أوروبا خلال العصر الوسيط) من تأليف المستشرق مونتغمري وات .

انطلق مؤلف هذا الكتاب من الرغبة في إنصاف الإسلام والاعتراف للأُمَّة الإسلاميَّة بتأثيرها في شتى مجالات المعرفة وميادين الحياة، وما أسهمت به في تاريخ البشريَّة العام، وأفادت منه الحضارة الغربية.

يقول المؤلف في هذا الصدد: (إنَّه من أهم واجباتنا معشر الأوروبيين الغربيين، والعالم في سبيله أن يصبح عالمًا واحدًا، أنْ نصحح هذه المفاهيم الخاطئة. . وأن نعترف اعترافًا كاملًا بالدين الذي ندين به للعالم العربي والإسلامي) .

وفي منحى المؤلف من حيث إبراز جوانب التأثير للثقافة العربية الإسلاميَّة على الحضارة الغربية ما يدل دلالة واضحة على خصيصة إيجابيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة؛ وتتمثل هذه الدلالة في الإسهام الحضاري الذي نالت من خيره البشرية واستظلت بظل الحضارة الإسلاميَّة ردحًا من الزمن.

ويتكون هذا الكتاب من ستة فصول، تحدث فيها المؤلف عن المسلمين في أوروبا، ومواجهة الغرب لهم، وذيله بقائمة تشتمل على كلمات إنجليزية اشتُقّت من أصل عربي. . .، وفيما ورد في بحث المؤلف من أفكار تتصل بإيجابيَّة الأُمَّة الإسلاميَّة ما يدفع بعض الشبهات المناقضة لذلك؛ كما أثارها كثيرٌ من المستشرقين الغربيين في مجمل إنتاجهم الفكري، ومن أبرز ما تناوله المؤلف في كتابه بعنوان: (المسلمون في أوروبا) وساق حديثه في نقاط عدَّة، منها:

1 – كلامه عن كثرة المؤلفات الاستشراقية التي تناولت الأوجه المختلفة لتأثير العالم الإسلامي في أوروبا خلال العصر الوسيط، ويرى أنها تفقد النظرة الشاملة إلى ذلك التأثير، ويبين أنَّه لم يعثر فيها على محاولة واحدة تتسم بالشمول، وتقوم أهمية الإسهام الإسلامي في الحضارة الأوروبية .

ثُمَّ أوضح أنَّه لا ينظر (إلى المسلمين باعتبارهم دخلاء على القارة الأوروبية -كما قد يفعل بعض مؤرخي أوروبا- وإنَّما باعتبارهم ممثلين لحضارة ذات إنجازات عظيمة تدين لها بالفضل رقعة كبيرة من سطح الأرض، ثُمَّ فاضت ثمار هذه الإنجازات على رقعة أرض مجاورة) .

2 – في نظرته لاحتكاك المسلمين بالغرب في إسبانيا عسكريًّا يشير إلى مراحل قوة الدولة الإسلاميَّة في إسبانيا ومراحل ضعفها، وما صاحب ذلك من تأثيرات إيجابية في الحضارة الغربية.

ويذكر أنَّ: (مملكة غرناطة الصغيرة التي كانت تحكمها أسرة النصريين قد حققت إنجازات رائعة في ميدان الأدب العربي، وخلفت في ميدان المعمار أثرًا من أعظم ما شهدته إسبانيا الإسلاميَّة ألا وهو قصر الحمراء) .

3 – تحدث عن الجانب العسكري إبَّان وجود المسلمين في صقلية وإيطاليا، وأنَّه على الرغم من وضع حد دائم لاحتلال المسلمين إيطاليا، وأنهم أخرجوا منها، ثُمَّ خرجوا أيضًا من صقلية فإنَّ الطابع الإسلامي في مظاهر حياة بعض حكام الجزيرة التالين كان أقوى من الطابع المسيحي .

4 – تحت عنوان: الدوافع وراء التوسع العربي؛ يتحدث (مونتغمري وات) عن الجهاد فيرد على فرية انتشار الإسلام بالسيف، ويحاول إنصاف المسلمين في هذه القضية إلَّا أنَّه يدس بشكل خفي في كلامه عن هدف الجهاد عند المسلمين، إذ يقول: (رُبَّما كان القصد من الآيات القرآنية التي تحث على القتال في سبيل اللَّه أو الجهاد في سبيل اللَّه هو حض الآخرين على الانضمام إلى هذه الغزوات) .

ويقول أيضًا: (إنَّه إذ نَمت قوة النبي، وعظمت سلطته، وتطلعت قبائل كثيرة وجماعات أصغر إلى التحالف معه، اشترط على هؤلاء اعتناق الإسلام والشهادة أنَّه نبي مرسل) .

ولا شك أنَّ أهداف الجهاد في الإسلام أجل وأسمى مِمَّا ذكره (مونتغمري وات) ، كذلك الإيمان بنبوة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنَّه مرسل إلى الثقلين من أسس الدخول في الإسلام، ولكن (مونتغمري وات) لا يؤمن برسالة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا بنبوته .

وعلى الرغم مِمَّا في كلامه من دس مردود فإنَّه يؤكد (أنَّ تأثير العالم الإسلامي في أوروبا الغربية جاء بصورة أساسية من خلال إسبانيا، ثمَّ بدرجة أقل من خلال صقليَّة) .

5 – يفرق في كلامه عن الفتوحات الإسلاميَّة والغزوات الهمجيَّة التي كان يقوم بها الألمان والسلافيون والمجريون والإسكندنافيون، موضحًا ما بينهما من فروق، ومقررًا أنَّ الواجب يقضي برفض أيّ ميل إلى تشبيه العرب بأولئك الآخرين ؛ لأن العرب أصحاب (أعظم حضارة وثقافة في تلك المنطقة الشاسعة ما بين المحيط الأطلسي وأفغانستان، وإننا لنجد شيئًا لا يكاد العقل يصدقه، وبالتالي فهو يخلب اللب حين (نرى) كيف تحولت الحضارات القديمة إلى حضارة إسلامية) .

وفي مقارنة لطيفة بين الحضارة اليونانية والحضارة الإسلاميَّة، حيث أوقعت الأولى (فاتحها القوي في أسرها) على حين أنَّ العرب نشروا لغتهم وبعض مناحي تفكيرهم على معظم الشعوب التي دانت لهم على الرغم من أنَّهم (كانوا على مستوى حضاري وثقافي أعلى من مستوى الفاتحين) وخرج من هذه المقارنة معترفًا بذلك التميُّز للأمَّة الإسلاميَّة، وأنَّ هذا التميُّز هو السر في إيجابيتها الحضارية.

وعلى الرغم مِمَّا يرد في بحثه من أخطاء فقد أشاد بالثقافة الإسلاميَّة، وتحدث عن أصالتها وعن إسهام (العلماء والكتاب في إسبانيا الإسلاميَّة مساهمة جليلة في إثراء الأدب والعلم العربيين، وتلك إذًا هي الثقافة التي قدر لإسبانيا أن تعرفها وتنهل منها بعد فتح العرب والبربر لها) .

6 – تناول في موضوع آثار وجود المسلمين في أوروبا ما تحقق للأوروبيين من فنون الحياة الرغيدة في مختلف نواحي الحياة في إسبانيا في ظل الحضارة الإسلاميَّة، سواء في الملبوسات أو المأكولات أو أساليب الأناقة والتجميل والنحت وتجليد الكتب ونحت العاج وأساليب البناء والزخرفة، والآنية وصناعة الخزف، ونحو ذلك .

وما أدت إليه تلك الحضارة من قيام مدن لها مسميات ويحكمها النظام والإدارة والقانون، وأنَّ (ميادين الإدارة المحلية في إسبانيا الإسلاميَّة قائمة على أساس من الأفكار المستقاة من الشرق الأوسط، حيث ورث العرب تراث آلاف من سني الخبرة في مجال حياة الحضر) ، كما تحدث عن امتزاج الثقافات في إسبانيا في العصر الإسلامي مؤكدًا على أنها كانت تستلهم الإسلام بصفة أساسية واستشهد بشكوى (ألفارو) -وهو مسيحي من قرطبة برتبة (أسقف) (من أن شباب الطائفة المسيحية يجذبهم الشعر العربي لدرجة أنهم أغفلوا دراسة اللغة اللاتينية، وأقبلوا على دراسة العربية) .

وعالج (مونتغمري وات) (إنجازات العرب في ميادين العلم والفلسفة) متسائلًا (إلى أيِّ حدٍّ كان العرب مجرد نقلة لما اكتشفه اليونانيون؟، وإلى أيِّ حدٍّ بلغت إنجازاتهم المبتكرة؟) ، مشيرًا إلى تحيّز كثير من المستشرقين في دراستهم، مؤكدًا أنَّ ذلك التحيز كان مرتبطًا بالصورة المشوهة عن الإسلام.
ويؤكد أن العرب ليسوا مجرد نقلة للفكر اليوناني، وإنَّما كانوا حملة للشعلة، مبدعين، حافظوا على العلوم التي درسوها، ثُمَّ وسعوا آفاقها، ثُمَّ بيَّن بأن الأوروبيين حينما شرعوا حوالي عام (1100 م) في الاهتمام الجدي بعلوم أعدائهم العرب وفلسفتهم كانت هذه العلوم والفلسفة في أوجها، وكان على الأوروبيين أن يتعلموا كل ما بوسعهم تعلمه من العرب قبل أن يتمكنوا هم أنفسهم من إحراز المزيد من التقدم في هذه المجالات .

وفي الفصل الأخير من كتابه تحدث (مونتغمري وات) عن الإسلام والوعي الأوروبي، وركَّزَ في هذا الفصل على أربع نقاط، وهي:

الأولى: الفكرة الشائعة عن الإسلام، وقد سبق الحديث عنها .

الثانية: الصورة المناقضة لأوروبا، ومحورها أنَّ الصورة التي ألصقها الأوروبيون بالإسلام هي في حقيقة الأمر صورة أوروبا الغربية، وإلى جانب ذلك ذكر المؤلف: بأنَّه ترسخ في العقليَّة الغربية التنكر الشديد للأثر الإيجابي الذي قامت به الحضارة الإسلاميَّة، واستشهد على ذلك بأقوال للمشاهير من علماء الغرب .

الثالثة: الوضع المخالف في العالم الإسلامي، وفيها بين ما حدث للعالم الإسلامي من ضعف نتيجة الفرقة في صفوف المسلمين، وأنَّ ذلك مكن للغرب من التفوق والقيادة الحضارية فيما بعد .

الرابعة: مغزى الاحتكاك بالإسلام بالنسبة لأوروبا، وقد وضح في هذا أنَّ إحساس الأوروبيين بالنقص أمام الحضارة الإسلاميَّة كان سببًا لتشويه صورة الإسلام رغبة في تعويض هذا النقص من جهة، ومن جهة أخرى (كان لصورة الإسلام التي خلقها الباحثون المسيحيون في ذلك الوقت في إقناع المسيحيين الآخرين بأنَّهم في حربهم ضد المسلمين إنَّما يحاربون من أجل نصرة النور على قوى الظلام، وأنَّه حتى وإن كان المسلمون أقوياء، فإن دينهم خير من الإسلام) .

ويرد على ذلك ردودًا قويَّة يرتكز بعضها على نظريات علميَّة كقوله: (وبفضل ما أسهم به (فرويد) من أفكار، نعلم جيدًا أن الظلمة التي ينسبها المرء إلى أعدائه ما هي إلَّا إسقاط للظلمة الكامنة فيه هو، والتي لا يريد الاعتراف بها.

وعلى ذلك فإنَّه ينبغي علينا أن ننظر إلى الصورة الشائهة للإسلام باعتبارها إسقاطًا لما اكتنف عقول الأوروبيين من الجهالة. . .) ، وقوله -أيضًا-: (إنَّ الصورة الأوروبية للإسلام ترمز للشرور القائمة في أوروبا ذاتها) .

ويخلص (مونتغمري وات) في نهاية كتابه إلى القول: (لم يقتصر دور الإسلام على تعريف أوروبا الغربية بالكثير من منتجاته الماديَّة، واكتشافاته (التكنولوجية)، ولا على إثارة اهتمام الأوروبيين بالعلوم والفلسفة، بل دفع أوروبا أيضًا إلى تكوين صورة جديدة لذاتها، وقد أدَّت مواجهة الأوروبيين العدائية للإسلام إلى تهوينهم من شأن المسلمين في حضارتهم، ومبالغتهم في بيان أفضال التراث اليوناني والروماني عليها) .

وفي ختام هذا المطلب فإنَّ من المناسب الربط بين ما سطرته الأُمَّة الإسلاميَّة من إيجابية خيرة عادت بالنفع والخير على الإنسانية قاطبة، وسجّلها التاريخ البشري بإعزاز وإكبار، وبين إيجابية الإسلام ذاته، وأنَّ هذا الإسهام الحضاري الخيِّر كان منبثقًا عن حيويَّة الإسلام في عقيدته وشريعته ورؤيته للكون والحياة والإنسان، وفي ذلك تقول المستشرقة الإيطالية (لورا فيشيا فاغليري) في كتابها دفاع عن الإسلام: (بفضل الإسلام هزمت الوثنية في مختلف أشكالها. لقد حرَّرَ مفهوم الكون وشعائر الدين، وأعراف الحياة الاجتماعية من جميع الهولات أو المسوخ التي كانت تحط من قدرها، (وحرر) العقول الإنسانية من الهوى. لقد أدرك الإنسان آخر الأمر مكانته الرفيعة. .

لقد (حرر) الروح من الهوى، (وأطلق) إرادة الإنسان من القيود التي طالما أبقته موثوقًا إلى إرادة أُناس آخرين، أو إلى إرادة قوى أخرى يدعونها خفية. لقد هوى الكهان، وحفظة الألغاز المقدسة الزائفون، وسماسرة الخلاص، وجميع أولئك الذين تظاهروا بأنَّهم وسطاء بين اللَّه والإنسان والذين اعتقدوا بالتالي أن سلطتهم فوق إرادات الآخرين، لقد هوى هؤلاء كلهم عن عروشهم. إنَّ الإنسان أمسى خادم اللَّه وحده، ولم تعد تشده إلى الآخرين من الناس غير التزامات الإنسان الحر نحو الإنسان الحر، وبينا قاسى الناس في ما مضى مظالم الفروق الاجتماعية أعلن الإسلام المساواة بين البشر، لقد جُعِلَ التفاضل بين المسلمين، لا على أساس من المحتد أو أي عامل آخر غير شخصية المرء، ولكن على أساس من خوفه اللَّه وأعماله الصالحات، وصفاته الخلقية والفكرية ليس غير. . .) .

ولعله من المسلمات والبدهيات أن يقال: إنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة كلما التزمت الإسلام، واستلهمت قيمه وتعاليمه حققت بذلك إحدى الخصائص الملازمة لتميُّزها، وهي خصيصة الإيجابية الخيِّرَة، وكلما نكصت عن تلك القيم والتعاليم ارتكست في دركات التخلف والانحطاط، وخسر العالم بانحطاطها خسائر فادحة .

 

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*