خاتمة بحث أخذ المال على أعمال القرب

خاتمة بحث أخذ المال على أعمال القرب

خاتمة بحث أخذ المال على أعمال القرب للمؤلف عادل بن شاهين بن محمد شاهين ، رسالة ماجستير

خاتمة بحث أخذ المال على أعمال القرب

الخاتمة

الحمد لله، الّذي يسر بكرمه ومنه، إنجاز هذا البحث، وأعان بقدرته على تجاوز عقباته، وما عرض من صعابه، فالحمد لله الّذي بنعمته تتم الصالحات.

وفي هذه الخاتمة – نسأل الله حسنها – أذكر ملخصًا لهذه الرسالة يعطي فكرة واضحة عن مضمونها، ومن خلال ذلك أبرز أهم النتائج الّتي توصلت إليها من خلال البحث في هذا الموضوع، والتي يغلب على ظني أنّها جديرة بالذكر في هذا المقام.

وهذه النتائج -في الحقيقة- تكشف عن سمات هذا البحث وأصوله العامة، وتعطي للقارئ تصورًا عامًا وسريعًا عما حوته هذه الرسالة، وبيان ذلك على النحو التالي:

1 – لا تخفى أهمية المال في حياة النَّاس، ولهذا كان لا بد له من مفهوم واضح بينهم، ونظرًا لتنوعه وكثرة أشكاله وصوره في حياة النَّاس فقد ترك الشارع تحديد مفهومه لعرف النَّاس في تعاملاتهم فكل ما عد في العرف مالًا فهو المال.

2 – المال في الاصطلاح الفقهي شامل للأعيان والمنافع على السواء كما ذهب إليه جمهور الفقهاء، وخالفهم في ذلك الحنفية، والحق هو ما ذهب إليه الجمهور، لكون المنافع هي المقصودة من الأعيان، ولولاها ما طلبت، ولأنّه يمكن حيازتها بحيازة أصلها.

ولأن الأخذ بهذا المفهوم للمال، يجعل دائرته تتسع في هذا العصر لتشمل الحقوق المعنوية كحق الابتكار والاختراع والحقوق الذهنية وغيرها.

3 – أنواع المال المأخوذ على القرب كثيرة من أهمها: الرزق -بالفتح والكسر في الراء- والأجرة، والجعالة، والهدية، والوقف، والوصية، والزكاة، ويختلف حكم المال المأخوذ على القرب باختلاف هذه الأنواع على تفصيل في ذلك سبق بيانه.

4 – الرزق هو من أهم أنواع المال المأخوذ على أعمال القرب، وهو -في الجملة- جائز بالاتفاق، إِلَّا أنّه وقع فيه خلاف في بعض المسائل كالقضاء وغيره وذلك لمدارك أخرى.

5 – الرزق بمفهومه الخاص عند الفقهاء: (هو ما يرتبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين) وهذا النوع من الأزاق خاص بما يؤخذ من بيت المال إِلَّا أن الرزق تتسع دائرته لتشمل ما كان من بيت المال وما كان من غيره نحو ما يؤخذ من الجمعيات الخيرية وبعض الأفراد على أعمال القربة كتدريس القرآن والدعوة ونحو ذلك، ولهذا كان لا بد من تعريف الرزق بمعناه العام وهو أنّه: “ما يأخذه المسلم، إعانة له على أعمال القرب الّتي يتعدى نفعها للمسلمين”.

6 – الإجارة من أكثر أنواع المال المأخوذ على القرب أهمية نظرًا لكثرة الخلاف فيها في جلَّ الأبواب، ولهذا قمت ببيأنّها بتحديد معناها في اللُّغة والاصطلاح، وبيان حكمها وأقسامها وشروطها لتعلّق ذلك كله بمباحث الرسالة.

7 – الجعالة صحيحة ومشروعة، خلافًا للحنفية، الذين عدوها من أنواع الإجارة الفاسدة أو الباطلة، وهي من المعاوضات المأخوذة على القرب، وإن اختلفت عن الإجارة في أشياء كثيرة، من كونها تصح مع جهالة العمل، والعامل، وكونها عقد جائز لا لازم وغير ذلك من الفروق.

8 – الهِبَة والوقف والوصية ونحوها ممّا يؤخذ على القرب تعد في حقيقتها في معنى الأرزاق للإعانة على الطّاعة، وليست في معنى العوض، إِلَّا أن الهدية، قد تأخذ معنى العوض إذا كانت بسبب ولاية من الولايات الشرعية، فحينئذ تحرم على الصحيح. وقد تأخذ حكم الجواز إذا لم تكن بسبب الولاية، والأولى تركها.

9 – بيت المال، وهو الجهة الّتي تختص بكل ما يردّ إلى الدولة أو يخرج منها ممّا يستحقه المسلمون من مال، وهو يشبه في هذا العصر ما يسمى بوزارة المالية أو الخزانة، وبيت المال يمثله إمام المسلمين أو من يعهد إليه بذلك.

ولبيت المال موارد كثيرة منها الفيء وزكاة الأموال الظاهرة وخمس الخارج من الأرض من معدن، وهذا الخارج من البحر وغير ذلك من الموارد الّتي سبق بيانها.

10 – ولبيت المال مصارف كثيرة ومتنوعة بحسب تنوع المال الموجود فيه. فالأموال الزكوية والصدقات مصرفها لمن سمى الله في كتابه، وهم الأصناف الثمانية المنصوص عليها.

وأهم مصرف فيه هو الفيء حيث يصرف منه كلّ ما يتعلّق بالمصالح العامة للمسلمين كعطاء الجند وأرزاقهم، وتكاليف الجهاد، والمصالح العامة للبلد من مساجد وطرق ومدارس ونحو ذلك، ورواتب الموظفين الذين يحتاج إليهم المسلمون في أمورهم العامة كالقضاة والمفتين والمحتسبين والأئمة والمؤذنين والمدرسين ونحوهم ممّن فرغ نفسه لمصالح المسلمين.

11 – القربة الشرعية هي ما يتقرب به إلى الله، وهذا هو المفهوم الراجح لمعنى القربة، فإن للعلّماء في تحديد معنى القربة اتجاهين:
اتجاه يرى أن القربة هي نفس الشيء المتقرب به إلى الله، والاتجاه الآخر على أن القربة هي نفس فعل التقرب، دون النظر إلى ذات القربة من حيث هي.

12 – هناك فرق بين القربة وبين الطّاعة والعبادة، فالطاعة أعم من القربة ومن العبادة، فكل قربة أو عبادة طاعة ولا ينعكس، والقربة أعم من العبادة فكل عبادة قربة ولا ينعكس.

13 – القرب تتنوع من حيث حكمها التكليفي، ومن حيث العموم والخصوص، ومن حيث اشتراط النيّة فيها وعدمه، ومن حيث تعدي نفعها فاعلها وعدم تعديه،

فهناك قرب عامة، وقرب خاصّة، وهناك قرب يشترط فيها النية، وقرب لا يشترط فيها ذلك وهكذا.

14 – لا يجوز إجماعًا، الاستئجار على الصّلاة عن الحي سواء أكانت صلاة واجبة، أم كانت صلاة تطوع، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المرء قد تركها متعمدًا أم تركها لعذر، وسواء أكان حين تركها صحيحًا أم مريضًا.

15 – الصلوات المنذورة الّتي تركها الميِّت ولم يوف بها، يجوز على الراجح من أقوال الفقهاء قضاؤها عن الميِّت بأجرة، إذا لم يؤدها الولي عنه ولم يتبرع أحد بأدائها عنه، وعليه فإن اللإنسان إذا أوصى قبل موته، بقضاء ما وجب في ذمته من صلاة نذر، وكان له تركه استؤجر من تركته من يقضي هذه الصلوات عنه.

16 – إذا وجد متطوع بالأذان والإقامة حسبة لله تعالى، فإنّه لا يجوز في هذه الحالة إرزاق غيره من بيت المال ولا الاستئجار على هذه الشعيرة العظيمة، فإن عُدم المتطوع جاز أخذ الرزق على الأذان حينئذ، وأمّا الأجرة فالصحيح الراجح من أقوال الفقهاء أنّه لا يجوز الاستئجار على الأذان واللإقامة إِلَّا للحاجة أو الضّرورة، وهي خشية تعطل هذه الشعيرة، وحاجة المؤذن لقوته الواجب.

17 – لا خلاف بين الفقهاء أن ما يعطاه الإمام في الصلوات، من غيرشرط أن ذلك جائز، سواء أكان ذلك رزقًا من بيت المال، أم وقفًا، أم هدية أم نحو ذلك ممّا يكون على سبيل البرّ والصلة واللإحسان، فإن لم يتيسر ذلك، فإنّه لا يجوز الاستئجار على إمامة الصلوات إِلَّا للحاجة أو الضّرورة كما سبق في الأذان.

18 – عمارة المساجد وصيانتها من أجل القرب إلى الله تعالى، وقد اتفق الفقهاء على جواز الاستئجار على ذلك.

19 – لا يجوز باتِّفاق الفقهاء الاستئجار على صلاة الجنازة أمّا تجهيز الميِّت ودفنه، فإنّه إنَّ كان فرض كفاية، جاز الاستئجار عليه، وإن تعين فإنّه لا يجوز ذلك.

20 – النيابة في العبادات الّتي لها تعلّق بالمال كالزكاة والصدقات والمنذورات والكفارات، ونحوها تصح النيابة فيها بالاتفاق.

21 – العاملون على الزَّكاة هم من يوليهم الإمام جمع الزَّكاة والقيام عليها، حتّى تصل إلى مستحقها، وهؤلاء يستحقون العوض على عملهم على قدرعنائهم وعملهم وسعيهم، باتِّفاق الفقهاء؛ لأنّهم أحد الأصناف الزكوية، وما يأخذونه إنّما هو أجرة عمله وليس رزقًا على الصحيح من أقوال الفقهاء رحمهم الله تعالى، ولهذا فإنهم يأخذون من الزَّكاة وإن كانوا أغنياء باتِّفاق الفقهاء.

22 – لا يجوز للعامل على الزَّكاة قبول هدية أرباب الأموال الزكوية بالاتفاق سواء أذن له الإمام أم لا، وسواء كان للمهدي عادة بإهداء العامل قبل ولايته أم لا، على الصحيح.

23 – الحي القادر على الصِّيام بنفسه، لا يجوز بالإجماع النيابة عنه في فعله، أمّا إنَّ كان عاجزًا، سواء أكان عجزه عجزًا دائمًا أم موقتًا، فهذا لا تجوز النيابة عنه كذلك بالإجماع، سواء أكان ذلك في الصوم الواجب أم في صوم التطوع.

24 – أجمع العلماء على عدم صحة الإجارة على صوم الفرض عن الحي العاجز عن الصوم بنفسه، سواء أكان عجزه دائمًا أم موقتًا، وكذلك اتفقوا على عدم جواز الاستئجار على صوم التطوع عن العاجز، ولم يخالف في ذلك سوى ابن حزم فقال: بالجواز، وهو قول مردود.

25 – إذا مات المسلم وقد وجب عليه صوم سواء أكان صومًا من رمضان أم من نذر أم من كفارة فله حالتان:

الأولى: أن يموت قبل تمكنه من صيام ما وجب عليه لعذر شرعي ففي هذه الحالة لا شيء عليه، وتبرأ ذمته بذلك.

الثّانية: أن يموت بعد تمكنه من صيام ما وجب عليه، ولكنه فرط في الصِّيام إلى أن أدركه الموت، وفي هذه الحالة فإن الراجح من أقوال الفقهاء أنّه يستحب لوليه قضاء ما وجب عليه من صيام، سواء أكان صومًا من رمضان أم من نذر أم من كفارة، وكذلك تصح نيابة الأجنبي عنه كما تصح من الولي.

26 – تصح الإجارة على الصوم الواجب على الميّت بالنذر فقط دون غيره من الصوم الواجب بأصل الشّرع، على الصحيح من أقوال الفقهاء.

27 – الاعتكاف عبادة بدنية محضة لا تصح النيابة فيها عن الحي باتِّفاق الفقهاء، أمّا عن الميِّت فإنّه يستحب للولي النيابة عنه في قضاء ما وجب عليه من الاعتكاف، وعليه فإنّه لا يصح الاستئجار على الاعتكاف عن الحي بالاتفاق، أمّا عن الميِّت فالصحيح جواز ذلك.

28 – أجمع العلماء على أن الحي القادر المستطيع للحج بنفسه وماله لا يجوز له أن يستنيب غيره في الحجِّ الواجب، بل يجب عليه أن يحج بنفسه، فإن كان الحجِّ تطوعًا جاز له أن يستنيب على الصحيح.

وأمّا العاجز عجزًا دائمًا بنفسه وماله، فهذا لا حج عليه أصلًا فلا يلزمه استنابة غيره للحج عنه، فإن عجز عن الحجِّ ببدنه عجزًا دائمًا ولكنه يملك المال الّذي يكفي للحج، ووجد من ينوب عنه في الحجِّ، فالصحيح الراجح من أقوال الفقهاء أنّه يجب عليه أن يستنيب غيره ليحج عنه الحجِّ الواجب عليه.

فإن كان عجزه مؤقتا فقد اتفق الفقهاء على أنّه لا يجب عليه الاستنابة فإن استناب غيره حال عجزه، فالصحيح أن الاستنابة لا تصح في هذه الحالة وإن صح لزمه الحجِّ بنفسه.

أمّا في حج التطوع فإنّه يجوز للعاجز سواء كان عجزه دائمًا أم مؤقتًا أن يستنيب غيره ليحج عنه حج التطوع على الصحيح من أقوال الفقهاء.

29 – الميِّت إذا أوصى أن يحج عنه بعد موته، فإنّه يجوز في هذه الحالة النيابة عنه في أداء ما وجب عليه من حج واجب، وذلك باتِّفاق الفقهاء، لا خلاف بينهم في ذلك، أمّا إذا مات ولم يوص بما وجب عليه من حج واجب، فالصحيح من أقوال الفقهاء أنّه يلزم ورثته أن يقيموا من يحج عنه من رأس ماله فإن تطوع أحد بالحج عنه جاز ذلك.

أمّا حج التطوع عن الميِّت فالصحيح جواز النيابة عنه مطلقًا في ذلك سواء أوصى بذلك أم لم يوص.

30 – المال المأخوذ على الحجِّ عن الغير، أنواع ثلاثة:

الأوّل: النفقة: فإن حج أحد عن الميِّت بنفقته مدة حجه، فإن هذا جائز بالاتفاق، والحاج في هذه الحالة يكون نائبًا محضًا.

الثّاني: الجعالة: وهي جائزة على الحجِّ على الراجح من قولي الفقهاء، فإن قال له: حج عني ولك ألف، أو من حج عنه فله كذا، فإن حج عنه استحق الجعل على الصحيح كما سبق.

الثّالث: الإجارة: الإجارة على الحجِّ والعمرة عمن تصح النيابة عنه صحيحة وجائزة على الراجح من أقوال الفقهاء، ولكن ينبغي أن يكون قصد النائب هو الإحسان إلى المحجوج عنه، وتحصيل النفقة المشروعة، لا أن يكون قصده من الحجِّ هو الاكتساب بذلك فقط.

31 – أجمع العلماء على صحة النيابة في ذبح الهدي والأضاحي، وعليه فإن الاستئجار على ذبح الهدي أو الأضاحي، جائز بالاتفاق إذا كانت أجرة الجازر من غيرها، أمّا إذا كانت أجرته منها بأن يأخذ لحمًا أو نحوه في مقابل عمله، فالذي عليه جمهور العلماء أن ذلك لا يجوز للنص والمعقول.

32 – يجوز للمجاهدين والمرابطين في الثغور الأخذ من الزَّكاة قدر حاجتهم وجهادهم، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء.
كما يجوز للمجاهدين أخذ الرزق أو العطاء من بيت المال قدر كفايتهم وكفاية من يعولون وهذا بالاتفاق، ونقل بعضهم الإجماع على ذلك.

33 – الاستئجار على الجهاد إذا كان فرض عين لا يجوز بالاتفاق أمّا إذا كان فرض كفاية فلا يجوز كذلك على الصحيح، سواء أكان المستأجر هو الإمام أم غيره من الرعية، وسواء أكان الأجير ممّن يلزمه الجهاد في الأصل وهو المسلم الحر أم كان لا يلزمه الجهاد أصلًا كالعبد والمرأة.

34 – الجعل على الجهاد إذا كان على معنى النفقة في سبيل الله، فإنّه في هذه الحالة يكون من الجهاد بالمال، وحكمه حكم الجهاد بالنفس فقد يكون فرض عين أو فرض كفاية, وقد جاء الشّرع بالترغيب فيه والحض عليه، وهو من أعظم القرب إلى الله تعالى.

أمّا إذا كان الجعل على معنى المعاوضة، فحكمه حكم الإجارة سواء بسواء على ما سبق بيانه.

35 – تعليم القرآن الكريم بغير أجرة من أفضل القرب إلى الله تعالى، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء، فإن أخذ المعلم الرزق على ذلك من بيت المال، جاز ذلك بالاتفاق.

أمّا الأجرة على تعليم القرآن، فالراجح أنّها تجوز للحاجة والضرورة.

36 – أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن الكريم جائز بالاتفاق، والأصل في ذلك قوله – صلّى الله عليه وسلم -: “إنَّ أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله).

37 – الصحيح من قول العلماء أن قراءة القرآن يصل ثوابها للميت، وهو مذهب جمهور السلف، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه تعالى وتلميذه الإمام ابن قيم الجوقلة.

38 – لا يجوز الاستئجار على تلاوة القرآن الكريم للأموات وهذا الّذي عليه جمهور أهل العلم، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

39 – أجمع العلماء على استحباب كتابة المصحف وتحسين كتابته وأن من قام بذلك حسبة لله تعالى، فإن عمله هذا من أفضل القربات إلى الله تعالى.

فإن أخذ الكاتب أجرة على ذلك، فالذي يظهر من كلام الفقهاء جواز ذلك بلا خلاف، وقد نقل بعض أهل العلم الإجماع على جواز ذلك.

40 – بيع المصحف وشرائه جائز على القول الراجح من قولي الفقهاء لدعاء الحاجة لذلك، ولعموم الأدلة الدالة على حل البيع والشراء، والبيع إنّما وقع على الورق والجلد والطباعة ونحو ذلك.

وأمّا بيع المصحف للكافر فالصحيح بطلان ذلك وأنّه لا يجوز.

41 – يجوز لطالب العلم أخذ الرزق من بيت المال بلا خلاف، كما يجوز له الأخذ من الزَّكاة إنَّ كان فقيرًا بالاتفاق، أمّا إذا كان غنيًا فالصحيح أنّه لا يجوز له الأخذ منها.

42 – طالب العلم الشرعي الّذي لا يتفرغ للكسب لانشغاله بالعلّم، تجب له النفقة وإن كان قادرًا على الكسب.

43 – تعليم العلوم الشرعية احتسابًا من أفضل القرب، ولكن إن أخذ المعلم الرزق من بيت المال فإن ذلك جائز بالاتفاق.
وأمّا الاستئجار عليه فالكلام في هذه المسألة كالكلام في مسألة الاستئجار على تعليم القرآن الكريم، وهو الجواز للحاجة والضرورة.

44 – يجوز أخذ العوض المالي على التأليف والتحقيق في العلوم الشرعية، ويعد حق التأليف والنشر من الحقوق المصونة شرعًا ولأصحابها حق التصرف فيها ولا يجوز الاعتداء عليها.

45 – عقد الضمان المالي من عقود الإرفاق والإحسان والتبرعات لا يجوز أخذ العوض عليه سواء أكان ذلك أجرة أم جعالة وهذا باتِّفاق الفقهاء رحمهم الله تعالى.

ومن التطبيقات المعاصرة لهذا العقد ما تقوم به البنوك من معاملات مبينة على هذا العقد ومن ذلك: خطاب الضمان والاعتماد المستندي، فإذا كان ما يأخذه البنك على هذه المعاملات هي مصروفات إدارية فهذا لا حرج فيه.

أمّا أخذ المال في مقابل ما يقوم به البنك من ضمان للعميل، فالصحيح أنّه لا يجوز للبنك أخذ عموله أو فائدة أو أجرة مقابل الضمان، لكون الضمان في الأصل من عقود الإحسان ولأن الفائدةُ الّتي يأخذها البنك ربًا فلا يحل له ذلك.

46 – الوديعة عند الفقهاء من عقود الإحسان والإرفاق، والأصل فيها أن يقوم بها الإنسان احتسابًا لوجه الله تعالى، فإن شرط أجرة على حفظها وحرزها فالصحيح عدم جواز ذلك لأنّها معروف وإحسان.

47 – الودائع المصرفية في حقيقتها هي قروض من العميل للبنك فأي فائدة يدفعها البنك للعميل فإنها ربا محرم لا يجوز، فإن كانت لأجل ففيها ربا الفضل وربا النسيئة، وإن كانت ودائع جارية ففيها ربا الفضل، فإن لم يأخذ العميل عليها فائدة، فلا تخلوا من محاذير شرعية كثيرة أخرى.

48 – القرض من أهم عقود الإحسان والإرفاق والتبرع، وقد أجمع العلماء على أن المقرض إذا شرط زيادة أو هدية أو منفعة على القرض أن ذلك يكون ربًا، ويترتب على ذلك فساد عقد القرض.

أمّا إذا كان القرض على سبيل الإحسان والبر، ثمّ قام المقترض برد أفضل أو أكثر من القرض فالصحيح جواز ذلك، إذا لم يكن عن شرط أو جرى بذلك عرف.

49 – الناظر على الوقف يستحق الأجرة على عمله فإذا شرطها له الواقف وحدد لها مقدارًا استحق ما حدده له كثيرًا كان أو قليلًا، فإذا لم يحدد له الواقف أجرة، فإنّه لا يأخذ أجرته إِلَّا بإذن القاضي، ما لم يكن معروفًا بأخذ الأجرة على مثل هذه الأعمال، وتقدر أجرته في هذه الحالة بأجرة المثل.

50 – للوصي على اليتيم أن يأكل من ماله بالمعروف إنَّ كان فقيرًا فإن كان غنيًا فلا يجوز له ذلك، وما يأكله يكون على سبيل الإباحة فيملكه بذلك، فإن طلب الوصي أجرة على عمله وقيامه على شئون اليتيم جاز ذلك وتقدر الأجرة بأجرة المثل.

51 – أجمع العلماء على أن ولي أمر المسلمين تجب له النفقة ولعياله بالمعروف من بيت مال المسلمين، وكل ما يستلزمه ذلك المنصب من نفقة فإن ذلك في بيت المال.

52 – للقاضي أخذ الرزق من بيت المال إنَّ كان فقيرا بالاتفاق، أمّا إنَّ كان غنيًا فالصحيح جواز ذلك أيضًا، أمّا إذا كان الرزق من الخصوم، فإن كانت له كفاية فلا يجوز له الأخذ من الخصوم، فإن كان فقيرًا فله الأخذ إذا كان الاكتساب يقطعه عن القضاء وذلك وفق شروط محددة، أمّا الاستئجار على القضاء

فالصحيح أن ذلك لا يجوز مطلقًا، وكذلك الهدية إذا كانت بسبب الولاية.

53 – أعوان القاضي يجوز لهم أخذ الرزق من بيت المال، أمّا إذا عدم الرزق فإنّه يجوز لهم أخذ الأجرة على أعمالهم من الخصوم.

54 – المأذون الشرعي لعقود الأنكحة، إذا كان مفرغًا لهذا العمل من قبل الإمام فله رزقه من بيت المال كبقية أعوان القاضي، وإلا جاز له أخذ الأجرة على عمله من العاقد ما لم يكن متبرعًا بعمله فلا يجوز له ذلك.

55 – القسام له أخذ الرزق من بيت المال باتِّفاق الفقهاء، فإن تعذر رزقه من بيت المال، جاز له أخذ الأجرة على عمله ممّن يريدون القسمة، سواء أكان هو قسام القاضي أم قسام الشركاء.

56 – يجوز للشاهد إنَّ كان فقيرًا أخذ النفقة الّتي يحتاجها لإقامة الشّهادة وذلك بلا خلاف بين الفقهاء، فإذا كان الشّاهد غنيًا، فالصحيح أنّه لا يجوز له أخذ النفقة الّتي تتطلبها الشّهادة ممّن شهد له لوجوبها عليه.

أمّا الرزق من بيت المال فإنّه يجوز للشاهد أخذه على تحمل الشّهادة وأدائها باتِّفاق الجمهور، بخلاف الأجرة على الشّهادة فإنّه لا يجوز للشاهد أخذ الأجرة على الشّهادة على الراجح من أقوال الفقهاء.

57 – الإفتاء من أهم المناصب الشرعية، فإذا فرغ الإمام من يقوم بهذا المنصب فإن كان فقيرًا فله أخذ الرزق على عمله من بيت المال بالاتفاق، أمّا إذا كان المفتي غنيًا فالصحيح جواز ذلك أيضًا.

أمّا أخذ الأجرة على الإفتاء من المستفتين، فلا يجوز ذلك مطلقًا إِلَّا إذا كانت الفتوى كتابةً فتجوز الأجرة عليها حينئذ؛ لأنّ الكتابة لا تلزمه على الصحيح.

58 – الحسبة من أهم الوظائف الدينية وأشرف الولايات الشرعية، وقد اتفق الفقهاء على جواز أخذ الرزق من بيت المال على الحسبة، أمّا الأجرة على ذلك فإن كان له رزق من بيت المال فلا يجوز له أخذ الأجرة على عمله، فإن لم يكن له رزق، فلأهل البلد أن يعطوه كفايته مجازاة له على إحسانه إليهم،

وإلا جاز له أخذ الأجرة على عمله للحاجة والضرورة ليستعين بها على عمله ويقضي بها حاجته الضرورية، فيكون قد أكل طيبًا وعمل صالحًا، والله تعالى أعلم.

وبعد هذا السَّرد لمحتوى الرسالة بإيجاز شديد تكون الرسالة قد أتت على نهايتها، وأكون قد أنجزت بعون الله تعالى وتوفيقه ما خططت لبحثه ودراسته وهنا أكرر ما سبق أن قلته: أن هذا جهدي ومستطاعي، فما فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله من ذلك وأتوب إليه. والحمد لله الّذي بنعمته تتم الصالحات وصلّى الله على محمدٍ وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليمًا كثيرًا.

أخذ المال على أعمال القُرَب

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*