خصائص العقيدة الإسلاميَّة

خصائص العقيدة الإسلاميَّة .. لَمَّا كانت العقيدة الإسلاميَّة من عند اللَّه -عز وجل- فقد اختصت بخصائص فريدة. . . منها كونها عقيدة الفطرة، الوضوح واليسر

خصائص العقيدة الإسلاميَّة

ولَمَّا كانت العقيدة الإسلاميَّة من عند اللَّه -عز وجل- فقد اختصت بخصائص فريدة. . . منها الآتي:

أ- كونها عقيدة الفطرة:
فقد فطر الإنسان على الإيمان باللَّه، قال تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30]، وقال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “ما من مولود إلَّا يولد على الفطرة” ، وهذه الفطرة منقادة لتوحيد اللَّه وإفراده بالعبادة ونفي الشرك، قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ} [الأعراف: 172 – 173].
فسَّرَها ابن كثير بقوله: (يخبر اللَّه تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم: أنّ اللَّه ربهم ومليكهم، وأنَّه لا إله إلَّا هو، كما أنَّه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه. . .) .
ومِمَّا يستنتج من هذه الشهادة مع الفطرة تأكيد العهد والميثاق، وهو بهذا يتفق مع المدلول اللغوي للعقيدة المأخوذ من (عَقَدَ) ومنه عَقْد وعقود (والعقود أوثق العهود. . .) .
وقد أشار بعض علماء الاجتماع (إلى حاجة الإنسان إلى العقيدة؛

لأنها تمثل الغذاء الروحي والفكري له، وتحقق له الهدوء والاستقرار النفسي، ولعل هذا هو ما يسفر سعي الإنسان المستمر للارتباط بعقيدة ما، من أجل إشباع الحاجة النفسية للعقيدة) ، وفي ذلك دلالة واضحة على فطرية العقيدة.
وبما أنّ عقيدة الإسلام هي عقيدة الفطرة، وهي عقيدة العهد فإنَّ (الإنسان يبقى حائرًا قلقًا مضطربًا نفسيًّا حتى يؤمن الإيمان الكامل بوجود اللَّه ووحدانيته سبحانه وتعالى، فإذا وصل إلى هذه المرتبة وجد الأمن النفسي والراحة الداخلية والطمأنينة القلبيَّة) .
وهذا من شواهد تميُّز الأمة الإسلاميَّة إذ تسهم العقيدة (في صياغة الشخصية المتماسكة. . وكذلك تسهم في تحقيق تماسك الجماعة Group Cohesion وتحقيق التكامل الاجتماعي Sociallnte gration على مستوى المجتمع كله، لما تحققه من الشعور بالترابط والتقارب والإلفة والقوة بين أبناء العقيدة الواحدة، نتيجة لوحدة المنطق ووحدة الهدف) .

ب- الوضوح واليسر:
اختصت العقيدة الإسلاميَّة بخصيصة الوضوح واليسر (فهي عقيدة بسيطة واضحة لا غموض فيها، ولا تعقيد، ومن مظاهر بساطة العقيدة الإسلاميَّة:
– أساسها واضح قائم على التوحيد، فاللَّه واحد وهو صاحب السلطان على كل شيء.

– ثُمَّ إنَّ العلاقة التي تقيمها بين العبد وربه هي علاقة واضحة تقوم على عبودية العبد لربه؛ الذي يتوجه إليه بالطلب والدعاء دون واسطة أحد، أو شفاعة الآخرين، إذ لا رهبانية فيها، ولا رجال دين، ولا صكوك غفران، وجميع الخلق عند اللَّه سواء لا يفضلون بكرامة أو مقام، إلَّا بمقدار طاعتهم للَّه وعملهم الصالح.
– وبتجاوب الناس معها عبر التاريخ الطويل على مختلف أصنافهم ودرجاتهم دونما تفريق، وهذا مِمَّا ساعد على الانتشار في معظم بقاع الأرض بسرعة مذهلة وفي فترة وجيزة من غير إكراه أو إجبار أو إغراء؛ لأنها دعوة وليست تبشير، تقوم على حوافز داخلية في النفس البشرية) .
ولعل من أبرز ما يدل على هذا الوضوح والصفاء ما تتضمنه كلمة التوحيد التي هي شعار الإسلام وعنوانه (لا إله إلَّا اللَّه محمد رسول اللَّه) فقد نفت تأليه غير اللَّه من (بشر أو حجر، أو شيء في الأرض أو في السماء. . .، وإفراد اللَّه بالألوهية، والإقرار لمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم- بالرسالة وما يعني ذلك من محبته التي تفضي إلى متابعته، والاقتداء بهديه، والتمسك بسنته، وجماع ذلك “تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عمَّا عنه نهى وزجر، وأن يعظم أمره ونهيه” ، ولهذا كانت رسالة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى ملوك الأرض وزعمانها: {تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} [آل عمران: 64].
إنَّ قضية التثنية في الألوهية -إله الخير والنور وإله الشر والظلمة- وقضية التثليث في الوثنيات القديمة، أو في المسيحية المتأثرة بها (الأب

والابن والروح القدس)، لا تتمتع واحدة منها بالوضوح لدى المؤمنين بها، ولهذا تعتمد على الإيمان بغير برهان. . . بخلاف قضية التوحيد فهي تستند إلى العقل، وتعتمد على البرهان (فيما يدركه العقل أمَّا ما كان فوق مدرج العقل الإنساني فإنّ معرفته عن طريق الوحي)، قال تعالى للمشركين: {أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النمل: 64]، ويقيم الأدلة على الوحدانية بمثل قوله: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22]، {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} [المؤمنون: 91]، فالتوحيد في حد ذاته قضية واضحة في ضمير كل مسلم، ودليلها أيضًا واضح في فكره، كما أن أثرها كذلك واضح في حياته) .
كذلك ما يتعلق بالنظرة للحياة الآخرة، والإيمان بالوحي والرسالات وعالم الغيب فكل ذلك يعتقده المسلم وفقًا لما جاء به الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- وما علَّمَ به أمته، قال تعالى: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة: 1 – 5]، قال بعض المفسرين: (وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس، فإنَّه لا يتميز بها المسلم من الكافر، إنَّما الشأن في الإيمان بالغيب، الذي لم نره ولم نشاهده، وإنَّما نؤمن به، لخبر اللَّه وخبر رسوله، فهذا الإيمان الذي يُمَيَّزُ به المسلمُ من الكافر؛ لأنَّه تصديق مجرد للَّه ورسوله، فالمؤمن يؤمن بكل ما أخبر اللَّه به، أو أخبر به رسوله، سواء شاهده، أو لم يشاهده وسواء فهمه وعقله، أو لم يهتد إليه

عقله وفهمه بخلاف الزنادقة والمكذبين بالأمور الغيبيَّة؛ لأنَّ عقولهم القاصرة المقصرة لم تهتد إليها فكذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ففسدت عقولهم، ومرجت أحلامهم، وزكت عقول المؤمنين المصدقين المهتدين بهدي اللَّه) .
ويندرج تحت الإيمان بالغيب الإيمان بالملائكة والرسل والكتب السماويَّة واليوم الآخر، وبالقضاء والقدر و (بجمع ما أخبر اللَّه به من الغيوب الماضية والمستقبلة، وأحوال الآخرة (وأهوالها ومشاهدها) وحقائق أوصاف اللَّه وكيفيتها، وما أخبرت به الرسل من ذلك، فيؤمنون بصفات اللَّه ووجودها، ويتيقنونها، وإن لم يفهموا كيفيتها ، قال تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [البقرة: 177]، وقال تعالى: {كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة: 285].
وفي حديث جبريل عليه السلام، قال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- في جوابه عن الإيمان: “أن تؤمن باللَّه وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث” ، وعن علي -رضي اللَّه عنه- قال: (كنا جلوسًا مع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- ومعه عود ينكت في الأرض، وقال: “ما منكم من أحدٍ إلَّا قد كتب مقعده من النَّار أو من الجَنَّة” فقال رجل من القوم: ألا نتكل يا رسول اللَّه؟ قال: “لا، اعملوا فكل ميسر” ثُمَّ قرأ: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} [الليل: 5] .

والشاهد من هذا كله أنَّ عقيدة الإسلام التي يقوم عليها تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة عقيدة واضحة بينة لا غموض فيها ولا لبس، تنبع من الفطرة التي فطر اللَّه الناس عليها وأشهدهم على أنفسهم، وتعاقبت رسل اللَّه تترى لتوضح هذه العقيدة، وتعيد الناس لجادتها وتعلمهم حقائقها ومقتضياتها بغاية اليسر والوضوح، قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24]، وقال تعالى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى} [المؤمنون: 44]، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25].
(هذا الوضوح المشرق في العقيدة بالنظر إلى الأنبياء عامّة، وإلى محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- خاصَّة، يقابله غموض مطبق في العقائد الأخرى، وأبرزها المسيحيَّة التي لم يتضح لأتباعها حقيقة المسيح: ما هي؟ حتى إنّهم عقدوا المجامع تلو المجامع للبحث في طبيعة المسيح ما هي؟ أهو إله؟ أم ابن إله؟ أم بشر خالص؟ أم بشر حلَّ فيه الإله؟ أم جزء من أقانيم ثلاثة يتكون منها الإله: هي الأب، والابن، والروح القدس؟ والروح القدس نفسه اختلفوا فيه ما هو، وما علاقته بالأقنومين الآخرين؟ وأم المسيح التي ولدته ما هي أيضًا؟ وما نصيبها من اللاهوت والناسوت أو الإلهية والبشرية) .
حدث هذا الغموض في المسيحية عندما تأثرت بالأمم الأخرى المجاورة لها، وفقدت تميُّزَها المتمثل في العقيدة الحقة التي جاء بها عيسى عليه السلام من عند اللَّه .

ج- استقلال منهجها في الاستدلال عن الطرائق الفلسفيَّة:
تعتمد الفلسفة في استدلالها على قضايا الوجود على اصطلاحات فلسفية لا تصلح إلَّا لنخبة من العلماء الذين درسوها وحصلوا علومها، ومع ذلك فإنَّ هذا الضرب من الفكر يخالطه الشك والارتياب ويقبل الرفض والطعن ، وعن هذا قال الفيلسوف الإنجليزي برتراند رسل: (صحيح أن المتكلمين قد اخترعوا أدلة يُمكن أن يقال عنها إنها منطقية، ومثبتة لوجود اللَّه، وهذه الأدلة وما شابهها قد أقرها الفلاسفة الكبار، ولكن المنطق الذي تستند عليه هذه الأدلة هو منطق أرسطو، الذي قد رفضه -عمليًا- كل علماء المنطق باستثناء رجال الدين) .
أمَّا منهج العقيدة الإسلاميَّة في الاستدلال على قضايا الكون والحياة والإنسان وعلاقة ذلك بموجد الوجود كلَّه فإنَّه يقوم على أدلّة سهلة المأخذ ميسورة لجميع الناس، ولعل هذه الخصيصة كانت السبب في زعم بعض المفكرين (بأن القرآن يصلح. . . للعامة، والفلسفة تصلح للخاصة من الناس) ، أو كما قيل: (الديانة هي فلسفة الشعوب والجماهير. . . والفلسفة هي ديانة الأفذاذ الممتازين) .

وقد قام أحد الباحثين بدراسة أنواع الأدلة في القرآن الكريم وقسمها على النحو الآتي:
1 – أدلة كونية.
2 – أدلة نفسية.
3 – أدلة عقلية .

فالأدلة الكونية: تعنى بالنظر في الكائنات للتدليل (على وجود اللَّه تعالى ووحدانيته، وسعة قدرته، وعظيم حكمته، وعلى يسر البعث عليه عز شأنه. . . وقد اتخذ هذا الاستدلال كل زوايا الكائنات وجهة له، كوجود الكون بعد العدم، وسعة هذا الوجود، وعظمته، وعجائبه، وكانتظامه على قوانين مطردة، ونواميس محكمة، وابتنائه على الحكمة وحسن التدبير، والتكامل العجيب بين أجزائه، والعناية بكل أحيائه، عناية تبلغ غاية الإعجاز. . . وفي كل هذا يتجه القرآن إلى عقل الإنسان وفكره، ووجدانه وحسه، وإلى تجاربه وملاحظاته، وعلومه ومعارفه، بل يتجه إلى مشاهداته العادية المبنيَّة على الحس، لينتقل من ملاحظاتها في أوضاعها المختلفة إلى ما وراءها، وليدرك من هذه المقومات البدهيَّة، نتائجها الجازمة فيدور الدليل بين البصر والنظر، والسمع والفكر. . . وهذا اللون على سهولته أقوى أنواع الأدلة، وأقربها إلى النفولس والإقناع، والجزم واليقين، لدلالته على المطلوب بذاته، ومن أقصر سبيل، حيث يعتمد على المسلمات البدهيّة المحسوسة أو المعقولة، بخلاف أدلة المتفلسفين، التي تدل على المطلوب دلالة ناقصة، وتحتاج مقدماتها غالبًا إلى برهنة، ودليل ثالث خارج عنها، كاستدلالهم بحدوث العالم على أنّ له محدثًا، لكن من هو؟!

فهذا يحتاج إلى دليل آخر خارج عن علومهم ومعارفهم، فضلًا عن معرفة صفات هذا الموجد وحقوقه سبحانه وتعالى، بل قد تحتاج النتيجة ذاتها إلى استدلال عليها) .

والأدلة النفسية: (تثير الجانب النفسي في الإنسان، ليتأمل من داخله، ويستدل بشعوره، وليتواءم مع هذه الفطرة المنقدحة في حناياه، بأن هذا الكون حق، وأن وراءه حكمة وقصدًا عظيمًا، وهذه الأدلة بالغة الأهمية للإنسان، وفي قضية الإيمان بالذات، التي لا تعتمد على مجرد المعرفة العقليَّة، وإنَّما لا بُدَّ أن تتشابك فيها عناصر هذا الكيان الإنساني البديع، لتستقر وتأنس، وتنفعل وتتحرك. . . وماذا تغني المعارف والحواس إذا كان وراءها قلب خرب لا يتجاوب مع ما يحفل به هذا الكون من جمال وجلال وإبداع يدل على عظمة صانعه ومبدعه جلَّ شأنه) .
والأدلة العقليَّة: (تقوم على عمليات فكريَّة، كترتيب المقدمات واستخراج نتائجها، حسب ضوابط وقوانين وراء بداهة الحس، ومشاعر النفس، وإن كان الإدراك في الجميع راجع إلى النقل، والأدلة العقليَّة أوسع مدى من أشكال المنطق اليوناني، وضروبه؛ لذلك لم يتقيد القرآن الكريم به، وإنَّما جاء على نمط خاص في الاستدلال العقلي، واستخرج منه العلماء أنواعًا كثيرة. . . ولا يزال القرآن الكريم حمَّالًا لمزيد من الأوجه، التي يتسع لها العقل البشري الفاحص المتأمل. . . وهو كما بذَّ طرق العرب رغم نزوله بلغتهم، فهو كذلك يبذ طرق الفلاسفة وأصحاب المنطق اليوناني وأضرابهم، وقد حاول أقوام من المتفلسفين والمتكلمين المسلمين، أن ينزلوا الأدلة القرآنية على طرائق الفكر البشري، وموازينه في

المنطق الأرسطي، وهذه المحاولة حبس للأدلة القرآنية في نطاق آخر محلي محدود، تخبو فيه أنوار الفطرة الإنسانية وراء الحدود والقيود، ولا يسلم في كل حال من الخلل والعلل) .
وإذا كانت الطرائق الفلسفية قد أودت بأصحابها في كثير من الأحوال إلى الشك والجدل العقيم والحيرة ورُبَّما إلى الإلحاد، فإنَّ منهج العقيدة الإسلاميَّة في الاستدلال على وجود اللَّه ووحدانيته وفي رؤيتها للكون والحياة والنفس الإنسانية قد أثارت (كوامن النفس العربية، وبعثت العرب إلى الإيمان واليقين، وأقنعتهم إقناعًا أخرجهم من ديارهم وأموالهم. . . دفاعًا عن هذا الحق الذي آمنوا به، واستخراجًا للناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، ولا تزال آثاره، ودلائله حيَّة نابضة. . .) .
وبناء على ذلك فإنَّ هذه العقيدة الفذَّة مقومٌ أساس من مقومات تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة.

د- الانضباط وملازمة الحق والانتصار له:
ومن خصائص العقيدة الإسلاميَّة أنَّها عقيدة منضبطة بضوابط شرعيَّة وقيود أخلاقيَّة ملازمة للحق ومناصرة له، فقد أثبتت الدراسات الاجتماعية بأنَّ العقيدة (تعد الموجه الأساس لسلوك الفرد، حيث تتحول إلى موجَّهَات قيمية Valueorientions تترجم إلى واقع سلوكي، فالمعتقدات هي التي تحكم وتصبغ وتحدد القيم، وهذه الأخيرة، هي التي تحدد مسارات السلوك وتضبطه وتحكمه وتوجهه) .

ومِمَّا يؤكد ذلك ويشهد به ما يلاحظ في واقع البشر وتاريخ الإنسان من (إقدام أصحاب العقيدة إلى التضحية بأنفسهم في سبيل عقيدتهم -سواء أكانت عقيدة صحيحة أم فاسدة) ، وقد تخرج هذه التضحية من دائرة العرف والمألوف لتصبح نوعًا من الفوضى والهمجيَّة والحماسة الطائشة كالذي تفعله (بعض فرق البوذية في جنوب شرق آسيا (حيث تقدم) على الانتحار الجماعي بالحرق، تنفيذًا لبعض تعاليم البوذيَّة) ، بيد أنَّ العقيدة الإسلاميَّة وهي عقيدة الفطرة والعقل والحق والفضيلة والخير والمعروف تتسم بالانضباط وملازمة الحق ومناصرته، وإذا كان الجهاد في سبيل اللَّه وهو ذروة سنام الإسلام من أعظم الأدلة على فاعليَّة العقيدة الإسلاميَّة، حيث يقدم المسلم على الاستشهاد في سبيل اللَّه، ويستعذب الموت دفاعًا عن دينه ، فإنَّ لذلك ضوابط شرعيَّة تفرضها عقيدة الإسلام على الأُمَّة الإسلاميَّة، وقد أثبت التاريخ التزام الأُمَّة الإسلاميَّة في مجمل تاريخها بتلك الضوابط.
وعلى سبيل المثال فإنَّ قتال الكفَّار في الفتوحات الإسلاميَّة كان آخر ما تلجأ إليه الأمَّة بعد الدعوة إلى الدخول في الإسلام، أو دفع الجزية، فإذا لم يتحقق ذلك وأصبح القتال هو الحل الوحيد، فإنَّه مقيد أيضًا بأخلاقيات إنسانية سامية شهد بها المنصفون وسجلها التاريخ، من مثل قول (بيجي رودريك): (قوانين الحرب في الإسلام تعتبر أكثر القوانين إنسانيَّة ورأفة، فهي تضمن السلامة التامَّة للنساء والولدان والشيوخ وجميع غير المحاربين، فليس هناك في نظر الإسلام أبشع من جريمة قصف

المستشفيات والمدارس وأماكن العبادة ومساكن المدنيين في المنطقة المعادية، وإنَّما يجعل الإسلام لهذه المرافق الإنسانية قدسيتها ويحذر من المساس بها، فهذه الوصيَّة التي كان يوصي بها الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- قادة المسلمين، وكذلك كان موقف الخلفاء الراشدين من بعده (-رضي اللَّه عنهم-) بل لقد ظلت هذه سمة بارزة في جميع الحروب الإسلاميَّة على مرّ العصور) .
إنَّ ما تتسم به العقيدة الإسلاميَّة من أخلاق وانضباط راجع إلى مصادرها الأصلية، كتاب اللَّه وسنة المصطفى -صلى اللَّه عليه وسلم- قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]، والشاهد من هذه الآية أنَّها حددت ضوابط القتال بـ (أن يكون القتال في سبيل اللَّه أي لنصرة الحق لا في نزوات شخصية أو عنصريَّة. . . وأن يكون مقصورًا على من يقاتل المسلمين. . . وأن لا يكون اعتداءً وتجاوزًا. . كقتل الشيوخ والنساء والذريَّة والضعفاء والرهبان المعتزلين في خلواتهم أو بيوتهم، والترهيب من الاعتداء بعد النهي عنه، بأن اللَّه لا يحب المعتدين) .
ومن السنَّة المطهرة تلك الوصايا الخالدة عن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- لأمراء جيوشه إذ كان يوصيهم بوصايا متنوعة، منها:
– قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “اغزوا جميعًا في سبيل اللَّه، فقاتلوا من كفر باللَّه،

ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداَّ، فهذا عهد رسول اللَّه منتشر فيكم” .
– وقوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “من قتل صغيرًا أو حرق نخلًا أو قطع شجرة مثمرة، أو ذبح شاة لإهابها لم يرجع كفافًا” .
– وروى الشيخان عن ابن عمر -رضي اللَّه عنهما- أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: “نهى عن قتل النساء والصبيان” .
– وروى الإمام أحمد وابن أبي شيبة عن ابن عباس -رضي اللَّه عنهما- قال: كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا بعث جيوشه، قال: “اخرجوا باسم اللَّه فقاتلوا في سبيل اللَّه، من كفر باللَّه ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع” .
وسار الخلفاء الراشدون على هدي الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- ومن بعدهم سلف

الأُمَّة الصالح، واستمرت الأُمَّة الإسلاميَّة في تاريخها القديم والحديث منضبطة بضوابط هذه العقيدة ولم يند عن هذا المسار إلَّا حالات نادرة وشاذَّة، رُبَّمَا أظهرت معالجة المسلمين لآثارها: قيمة العدل والإحسان، التي تميَّزت بها الأُمَّة الإسلاميَّة في سيادتها على غيرها من الأمم، وأعني بذلك -كمثال- حادثة فتح (سمرقند) حينما فتحها المسلمون -كما تذكر المراجع التاريخيَّة- دون تخيير أهلها في (الدخول في الإسلام، أو دفع الجزية، أو القتال) وما إنْ رفع أهل سمرقند أمرهم إلى خليفة المسلمين حتى أوكل ذلك لأحد قضاة المسلمين فحكم بالآتي:
أولًا: خروج المسلمين من سمرقند.
ثانيًا: دفع تعويضات من خزانة الدولة الإسلامية لأهل (سمرقند) مقابل ما نزل بهم من أضرار من جراء دخول المسلمين بلادهم دخولًا مخالفًا لمنهج الدعوة.
ثالثًا: تعاد دعوتهم إلى الإسلام فإن أبوا خُيِّرُوا بين الصلح وبين القتال.
ولكن أهل (سمرقند) تنازلوا عن شكواهم بعدما لمسوا من الروح الطيبة والخلق الكريم، والسلوك الجميل من المسلمين الفاتحين) .
وإذا كانت هذه الضوابط التي ضبطت بها العقيدة الإسلاميَّة تحجبها عن إيذاء الآخرين، وعن الإفساد في الأرض وعن إهلاك الحرث والنسل حينما يبلغ بها الاندفاع أقصاه ممثلًا في قتال الكُفَّار، فإنَّ هناك ضوابط

أخرى تكفل المحافظة على الفرد نفسه داخل كيان الأُمَّة الإسلاميَّة، قال تعالى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 195]، قال بعض المفسرين: (والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين: لترك ما أمر اللَّه به العبد، إذا كان تركه موجبًا أو مقاربًا لهلاك البدن أو الروح، وفعل ما هو سبب موصل إلى تلف النفس أو الروح، فيدخل تحت ذلك أمور كثيرة. . . ومن ذلك تغرير الإنسان بنفسه في مقاتلة، أو سفر مخوف، أو محل مسبعة (أرض يكثر فيها السباع) أو حيَّات، أو يصعد شجرًا، أو بنيانًا خطرًا، أو يدخل تحت شيء فيه خطر ونحو ذلك) .
وينطبق ذلك على الأُمَّة الإسلاميَّة حيث جاء الأمر في الآية بصيغة الجمع.
وبهذه الخصوصية يتضح أن العقيدة الإسلامية ليست (موجة عاطفة تهز القلوب وتثير المشاعر فحسب، بل هي قوة عقليَّة ووجدانية معًا) تُسَلِّمُ قيادها للَّه رب العالمين في جميع ما تأتي وتذر، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162 – 163].
ويطول البحث في الإحاطة بخصائص العقيدة الإسلاميَّة، وحسب الباحث أن تناول منها ما يبرز تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة في الجوانب العقدية المتصلة به .

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*