دلائل عالمية الإسلام من الكتاب والسنة

دلائل عالمية الإسلام من الكتاب والسنة، ووقائع السيرة النبوية، وأحداث التاريخ الإسلامي . توافرت الأدلة من الكتاب والسُّنَّة على عالميَّة الإسلام ممثلًا في رسالة محمد

دلائل عالمية الإسلام من الكتاب والسنة،

ووقائع السيرة النبوية، وأحداث التاريخ الإسلامي

توافرت الأدلة من الكتاب والسُّنَّة على عالميَّة الإسلام ممثلًا في رسالة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- وأمته، (وهذا كله معلوم بالاضطرار من دين الإسلام. . . وفي القرآن من دعوة أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ومن دعوة المشركين، وعُبَّاد الأوثان، وجميع الإنس والجن ما لا يحصى إلَّا بكلفة) ، وكذلك في السنَّة النبويَّة.

أولًا: القرآن الكريم: جاءت في كتاب اللَّه -عز وجل- آيات مستفيضة بصيغ متنوعة، وأساليب عديدة؛ منها:

أ- بوصف رسالته -صلى اللَّه عليه وسلم- والإخبار عنها بأنَّها للناس أو كافَّة للناس؛ كقوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [النساء:

79]، وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28]، فدلت الآيتان ونحوهما على عالميَّة الرسالة المحمَّدية، وهما من النصوص الصريحة على ذلك، وفي الآية الثانية جاء لفظ (كافَّة) لزيادة الدلالة في العموم، وقد قال بعض المفسرين: (في الكلام تقديم وتأخير؛ أي: وما أرسلناك إلَّا للناس كافة أي عامَّة) ، وقال آخر: (إلَّا رسالة عامَّة لهم فإنَّها إذا عمتهم كفتهم أن يخرج أحد منهم، أو إلَّا جامعًا لهم في البلاع، فهي حال من الكاف والتاء للمبالغة) ، ومهما كان تقدير الكلام وإعرابه فإنَّه دالٌّ على العموم والعالمية.

ووصف اللَّه الرسالة المحمديَّة بأنها رحمة للعالمين، وأنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يهدي سبل السلام، وأن اللَّه أنزل عليه الفرقان ليكون للعالمين نذيرًا، وأخبر اللَّه -عز وجل- بأن محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- نذير للبشر، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وقال تعالى يخاطب أهل الكتاب، ويخبرهم بأنَّهم مقصودون بدعوة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- وملزمون بالإيمان برسالته: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 15 – 16]، وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [الفرقان: 1]، وقال -أيضًا-: {نَذِيرًا لِلْبَشَر} [المدثر: 36].

ب- وجاءت آيات مستفيضة فيها أمر اللَّه تعالى لمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يبلغ الناس رسالة ربه، وأنَّه أرسل إليهم جميعًا، وأن عليهم أن يؤمنوا به ويتبعوه، كقولى تعالى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 20]، وقال تعالى: {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158]، وقبل هذه الآية أثنى اللَّه على الذين يؤمنون بمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم- وينصرونه ويعزرونه ويتبعون النور الذي أنزل معه وأنهم هم المفلحون؛ قال تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ. . .} [الأعراف: 157] الآية.

ج- وجاء الخطاب في آيات كثيرة موجهًا إلى أهل الكتاب -بخاصة- كالآية السابقة: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ

وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ} [الأعراف: 157]، وكقوله تعالى مخاطبًا بني إسرائيل: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 41 – 42].

وفي آيات عديدة بين اللَّه لأهل الكتاب أنهم مشمولون بدعوة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبلغهم بمبعثه، وأنه جاءهم على فترة من الرسل يبشرهم وينذرهم، وتأتي دعوتهم للإيمان به في بعض الأحوال مقترنة بالوعيد الشديد إن لم يقبلوها، كما بين لهم جلَّ وعلا أنها مصدقة لما معهم من الكتاب، وأن محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- مأمور بأن يظهر ما أخفوه من الكتاب؛ من ذلك قوله تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: 15]، وقال تعالى: {يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة: 19]، وكقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [النساء: 47].

د- وممَّا جاء في القرآن الكريم وهو يدل على عالميَّة رسالة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ بصفة تضرب في أعماق تاريخ البشريَّة، وتستمر عبر تاريخها المقبل إلى قيام السَّاعة في الآخرة؛ أخذ الميثاق على جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى أتباعهم أن يؤمنوا بمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم- وأن ينصروه وأن يأمر بعضهم بعضًا بذلك، وبين اللَّه أنه أخذ عليهم هذا الميثاق وأقروا به، وأشهدهم عليه، وأكد شهادتهم بشهادته جلَّ وعلا، والدليل قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81)} [آل عمران: 81].

قال ابن كثير في تفسيرها: (يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم -عليه السلام- إلى عيسى -عليه السلام- لمهما آتى اللَّه أحدهم من كتاب وحكمة وبلغ أي مبلغ، ثُمَّ جاء رسول اللَّه من بعده ليؤمنن به ولينصرنه. . . قال علي بن أبي طالب وابن عمه ابن عباس -رضي اللَّه عنهما-: ما بعث اللَّه نبيًّا من الأنبياء إلَّا أخذ عليه الميثاق لئن بعث اللَّه محمدًا وهو حيٌّ ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بُعثَ محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه) .

وحيث إن نبي اللَّه ورسوله عيسى -عليه السلام- كان آخر الأنبياء والمرسلين قبل محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- فإنَّه قد بشَّرَ به، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ} [الصف: 6] .

ومن يتدبر الآيات التي جاءت بعد الآية التي ذُكِرَ فيها الميثاق يتبين له من منطوقها ومفهومها، ومِمَّا تدل عليه صراحة وضمنًا: أنَّ (الوفاء بهذا العهد هو الدين، فمن ابتغى سواه من الأديان والملل والنحل والمذاهب فقد ابتغى غير دين اللَّه، وهذا ما يفيده الاستفهام الإنكاري في قوله تعالى: {أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83] .

وقبل هذه الآية: (حكم اللَّه تعالى على المتولين الذين يعرضون عن الرسالة بالفسق) ، إذ قال تعالى: {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران: 82]، ثُمَّ بين اللَّه تعالى في تلك الآيات أنه لا يقبل من أحد غير دين الإسلام فقال: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]، (وهذه الصيغة عامَّة، فإنَّ صيغة “مَنْ” الشرطية من أبلغ صيغ العموم، فيدخل فيها أهل الكتاب وغيرهم، وسياق الكلام مع أهل الكتاب، وهذا يدل على أنَّه تعالى أراد أهل الكتاب بهذه الآية كما أراد غيرهم، بل معظم صدر سورة آل عمران: في مخاطبة أهل الكتاب ومناظرة النصارى. . وذكر اللَّه تعالى في أول السورة أن الدين عنده هو الإسلام، وأنَّ أهل الكتاب أمروا بالإسلام كما أمر به الأميون الذي لا كتاب لهم) .

وملحظ آخر؛ وهو أنَّ ميثاق دينهم الذي واثقتهم عليه رسل اللَّه إليهم، وواثقهم اللَّه به، وأخذ عليهم إصرهم، والإصر -كما فسَّره العلماء- هو: (العهد المؤكد الذي يُثبِّط ناقضه عن الثواب والخيرات) : يأمرهم بالإيمان بمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، أي: بالدخول في دين الإسلام، وأنَّ الذين يؤمنون بمحمد -صلى اللَّه عليه وسلم- يؤمنون بجميع الرسالات ويؤمنون بجميع الأنبياء والرسل، وبهذا تتحقق للمسلمين العالميَّة الحقَّة وتكون الأُمَّة الإسلاميَّة ذات تميُّز من أهم خصائصه خصيصة العالميَّة، قال تعالى: {قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 84]، إنه الإسلام والإسلام -فحسب- الطريق الوحيد للعالمية، والأُمَّة الإسلاميَّة

هي الوحيدة التي تتجلَّى فيها العالميَّة؛ لأنها تؤمن بجميع الرسالات وتقر بجميع الأنبياء والمرسلين، وتؤمن بما أنزل على محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- وما أنزل على جميع أنبياء اللَّه ورسله {لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 84].

ثانيًا: وأمَّا في السنة النبوية: فقد وردت أحاديث كثيرة تبين عموم رسالته -صلى اللَّه عليه وسلم- وشمولها وعالميتها، منها الآتي:

أ- قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “أُعطيتُ خمسًا لم يعطهنَّ أحد من قبلي: نصرتُ بالرعب مسيرة شهر، وجعلت في الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيُّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت في المغانم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيتُ الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثتُ إلى الناس عامَّة” .

والشاهد في هذا الحديث قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثتُ إلى الناس عامَّة” حيث أخبر -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّ مِمَّا خصَّه اللَّه به دون سائر المرسلين كونه بعث برسالة عامَّة لجميع الناس؛ لذلك فإنَّ من أهم خصائص تميُّز الأمَّة الإسلاميَّة العالميَّة في الخطاب إلى جميع الناس.

ب- وقال -صلى اللَّه عليه وسلم-: “والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأُمَّة، يهودي، ولا نصراني، ثُمَّ يموت ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلَّا كان من أصحاب النار” .

والشاهد من هذا الحديث برواياته المختلفة أنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة لا تقصر على قوميَّة بعينها، وإنَّما هي أُمَّة متميّزة، ومن أهم خصائص تميُّزها عالميتها، وأن هذه العالمية تمتد إلى اليهود والنصارى، ولا يسعهم الخروج عنها لكونهم أهل كتاب، وإنَّما دخلوا في عموم خطاب الإسلام، فهم ابتداءً من أمة الدعوة باعتبارهم مقصودين بدعوة الإسلام ، وفي هذا دلالة واضحة على عالمية الأُمَّة الإسلاميَّة.

ج- وبالنظر إلى سيرة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- يلحظ أنَّ عموم رسالته -صلى اللَّه عليه وسلم- وعالميتها واضح من وقت مبكر ومن الأدلة على ذلك ما تفوه به -صلى اللَّه عليه وسلم- حين الجهر بالدعوة، فقد ورد في مصادر السيرة أنه -صلى اللَّه عليه وسلم- حينما أمر بالجهر بالدعوة، ونزل عليه قول اللَّه: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر: 94] جمع قومه وقال: “الحمد للَّه أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه وأشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له” ثُمَّ قال: “إنَّ الرائد لا يكذبُ أهله، واللَّه لو كذبت الناس جميعًا ما كذبتكم ولو غررت الناس ما غررتكم، واللَّه الذي لا إله إلَّا هو إني لرسول اللَّه إليكم خاصَّة وإلى الناس كافَّة. . . ” .

د- وأخبر -صلى اللَّه عليه وسلم- بأنَّه مرسل إلى الناس كافَّة بل إلى الثقلين، وهو ما تواترت به أخبار السيرة، وعن ذلك يقول ابن تيمية: (فإنَّه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام: أن رسالة محمد بن عبد اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- لجميع

الناس؛ عربهم وعجمهم، ملوكهم وزهادهم، وعلمائهم وعامتهم، وأنها باقية دائمة إلى يوم القيامة، بل عامَّة للثقلين الجن والإنس، وأنه ليس لأحد من الخلائق الخروج عن متابعته وطاعته وملازمة ما يشرعه لأُمَّته من الدين. . .، بل لو كان الأنبياء المتقدمون أحياء لوجب عليهم متابعته وطاعته) .

ومِمَّا يؤيد ذلك أنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لعمر -رضي اللَّه عنه- وقد عرض عليه بمكتوب من التوراة: “والذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثُمَّ اتبعتموه وتركتموني لضللتم. . . ” ، وفي رواية أخرى: “لو أن موسى -صلى اللَّه عليه وسلم- كان حيًّا ما وسعه إلَّا أن يتبعني” .

هـ – وأخبر -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَّته، إبان حفر الخندق: بأنَّ ملكها سيبلغ ما زُوِيَ له من الأرض، وقد وردت في هذه القصَّة روايات كثيرة يذكرها المؤلفون في دلائل نبوته -صلى اللَّه عليه وسلم- ، ولعل من أصح تلك الروايات ما أخرجه الإمام مسلم من حديث ثوبان -رضي اللَّه عنه- أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: “إنَّ اللَّه زوى لي الأرض فرأيتُ مشارقها ومغاربها، وأنَّ أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيتُ الكنزين الأحمر والأبيض” .

ففي هذا الحديث ذكر الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّ اللَّه جمع له الأرض، وأطلعه على مشارقها ومغاربها، وبشَّرَه بأن ملك أمته سيبلغ ما رآه منها، وأنه سيورث هذه الأُمَّة الإسلاميَّة ملك كسرى وقيصر، حيث فسَّر العلماء قوله -صلى اللَّه عليه وسلم-: “وأعطيت الكنزينْ الأحمر والأبيض” بأن المراد بهما الذهب والفضَّة، وفيهما رمز لملك كسرى وملك قيصر .

و- وفي قصة إسلام (عدي بن حاتم) أورد ابن إسحاق أنَّ عديًّا قال: (بعث رسول اللَّه، وكنتُ أشد الناس له كراهة -أو من أشد الناس- فلحقت بأقصى أرض العرب، من قبل الروم، وكرهتُ مكاني أشد من كراهتي الأمر الأول، فقلتُ: لآتين هذا الرجل، فلئن كان صادقًا لا يخفى عليَّ، ولئن كان كاذبًا لا يخفى عليَّ -أو لا يضرني، شك محمد- فقدمت المدينة، فاستشرفني الناس، فقالوا: عدي بن حاتم، فأتيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فقال: “يا عدي بن حاتم، أسلم تسلم”، فقلت؛ إنَّ في دينًا، فقال: “أنا أعلم بدينك منك” .

ويذكر تفاصيل الحوار الذي دار بينه وبين الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى أن قال له الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “هل أتيت الحيرة؟ ” فقلتُ: لا، وقد علمت مكانها، قال: “توشك الظعينة أن تخرج من الحيرة حتى تطوف بالبيت بغير جوار، ويوشك أن تفتح كنوز كسرى بن هرمز” فقلت: كنوز كسرى بن هرمز؟ فقال: “كنوز كسرى بن هرمز -مرتين- ويوشك أن يخرج الرجل الصدقة من ماله، فلا يجد من يقبلها” قال: فقد رأيتُ الظعينة تخرج من الحيرة

حتى تطوف بالبيت بغير جوار، وقد كنت في أول جيش أغار على المدائن، وأيمُ اللَّه لتكونن الثالثة، إنَّه لقول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-) .

وفي رواية أخرى أخرجها الإمام أحمد جاء في قوله: “واللَّه ليُتِمَّنَّ اللَّه هذا الأمر” من حديث خَبَّاب قال: (شكونا إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا اللَّه -عز وجل-؟. . . قال: “قد كان الرجل فيمن كان قبلكم يؤخذ فيحفر له في الأرض فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل بنصفين، فما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون العظمة من لم أو عصب فما يصده ذلك عن دينه، واللَّه ليتمن اللَّه هذا الأمر حتى يسير الراكب من المدينة إلى حضرموت لا يخاف إلَّا اللَّه -عز وجل-، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون” .

ز- ومن الأحاديث الصحيحة -في ذلك أيضًا- حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص عن فتح القسطنطينية، وأنَّه دعا بصندوق له حلق، وأخرج منه كتابًا ثُمَّ قال: (بينما نحن حول رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نكتب؛ إذ سئل رسول اللَّه: أيّ المدينتين تفتح أولًا؟ قسطنطينية أو روميَّة؟ فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: “مدينة هرقل أولًا، يعني: قسطنطينية” .

ح- ومن الأحاديث الصحيحة الدَّالة على عالميَّة الأُمَّة الإسلاميَّة ما أخرجه الإمام مسلم أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: “تغزون جزيرة العرب، فيفتحها اللَّه، ثُمَّ فارس، فيفتحها اللَّه، ثُمَّ تغزون الروم، فيفتحها اللَّه، ثُمَّ تغزون الدَّجَّال، فيفتحه اللَّه” .

والحقيقة أنَّ ما ورد من الأحاديث الشريفة، وما تحدثت عنه مصادر السِّيرة النبويَّة الشريفة عن عالميَّة الإسلام وانتشاره من الكثرة بمكان، وقد جاء الواقع التاريخي مصدقًا لما أخبر به الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومؤكدًا صدق رسالته وصحة نبوته، وقد اجتهد العلماء في مؤلفاتهم في القديم والحديث لإظهار هذا الجانب وهو جانب تدعمه الآيات القرآنية الصريحة، والأحاديث النبويَّة المفسرة والشارحة والمفصلة لأمور الإسلام وشؤون أُمَّته، والوقائع التاريخية المتظافرة، ولعل فيما تقدم من إيراد الآيات والأحاديث وبعض وقائع السِّيرة ما يبرز جانب التميُّز، ولعل من المناسب -أيضًا- إيراد بعض الأحداث التاريخية الأخرى التي تؤكد هذه الخصيصة، وخلاصتها في الآتي:

أ- تكونت الأُمَّة الإسلاميَّة في بداية تاريخ السيرة النبوية وظهور الإسلام في مكة المكرمة من أجناس مختلفة، فكان منها علي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق، وأم المؤمنين خديجة بنت خويلد وإمامهم ومعلمهم وقائدهم محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- وهؤلاء من سادة قريش وعلية مجتمعها، وكان يقف معهم على قدم المساواة بلال الحبشي، وصهيب الرومي،

وسلمان الفارسي، مِمَّا يرمز إلى رابطة أخرى غير رابطة الجنس والوطن ونحوهما من الروابط الأخرى، وإنَّما قامت الأُمَّة على رابطة التقوى والإيمان باللَّه) .
ب- ومِمَّا يؤكد مفهوم عالميَّة الإسلام: (ما قام به الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ من إرسال الكتب، وبعث الرسل إلى من عاصره من ملوك وحكام، غير مستند في ذلك إلى قوته الماديَّة أو منعه جيشه إذ لم يكن يملك من ذلك [إلَّا الشيء القليل]. . . ولكنه كان يبشر بدعوة الخير، منطلقًا من يقينه بضرورة أن يشع نورها في أرجاء المعمورة فيمحو ظلام النفوس. . . ويعفي على فساد الواقع. . . معتمدًا قبل كل شيء على نصر اللَّه وتأييده) ، ومبلغًا رسالة ربه .

ج- ومِمَّا يؤكد عالميَّة الأُمَّة الإسلاميَّة مجيء الوفود إلى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى المدينة، قال ابن إسحاق: (لما افتتح رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مكَّة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه) .

وقال ابن هشام: (إنَّ ذلك في سنة تسع، وأنَّها كانت تسمى سنة الوفود) ، وقد علل المؤرخون في القديم والحديث أسباب توافد العرب

إلى عاصمة دولة الإسلام لإشهار إسلامهم ومبايعة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، والانضواء تحت مظلَّة الأُمَّة الإسلاميَّة وراية لا إله إلَّا اللَّه محمد رسول اللَّه، عللوا ذلك بسبب (سقوط مكة زعيمة الشرك بأيدي الفاتحين، وهزيمة التحالف الوثني الأخير في حنين [فكان ذلك] آخر ضربتين حاسمتين للوجود الوثني في جزيرة العرب، انهار بعدها جدار الكفر، وانطلقت حركة الإسلام بخفّة وسرعة، حيث أزيلت العوائق، إلى كل مكان، وأدركت القبائل العربية التي ظلت على وثنيتها ألَّا مناص لها من تحديد موقفها من الإسلام ودولته المتفردة بالحكم والسلطان في الجزيرة كلها، وأن عنادها وتشبثها بمواقفها السابقة فقد مبرراته بدخول مكة في الإسلام، وانتماء هوازن، أكبر القبائل الوثنية، للدين الجديد، فراحت هذه القبائل تتسابق في إرسال وفودها إلى المدينة قاعدة الإسلام، مبايعة على الإسلام أو مصالحة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولكثرة هذه الوفود التي انهالت على المدينة في العام التالي لفتح مكة ومطلع الذي يليه، سماه المؤرخون “عام الوفود” ، .

وواضح أنَّ هذا يتفق مع ما ذكره ابن إسحاق مؤرخ السيرة الأول، إذ قال: (وإنَّما كانت العرب تربّص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت الحرام، وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم -عليه السلام-، وقادة العرب لا ينكرون ذلك، وكانت قريش هي التي نصبت لحرب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وخلافه، فلما افتتحت مكة ودانت له قريش، ودوّخها الإسلام، وعرفت العرب أنَّه لا طاقة لهم بحرب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولا عداوته، فدخلوا في دين اللَّه كما قال اللَّه -عز وجل-: {أفواجًا} يضربون إليه من كل وجه) .

وتاريخ هذه الوفود وما اشتمل عليه من معان عميقة ودلالات ذات أبعاد واسعة، فيما يتعلق بعالمية الإسلام وأمته، مِمَّا أسهب العلماء في ذكره ودراسته وتفسير أحداثه ومتعلقاتها ، بيد أنَّ مِمَّا ينطوي عليه بصفة خاصَّة التأكيد على عالميَّة الأُمَّة الإسلاميَّة، فقد وسعت قبائل وشعوب، وبلدان على الرغم مِمَّا كان بينها من الاختلافات، والتناقضات؛ على صعيد المصالح، وعلى سعيد الاتجاهات الفكريَّة، والتشريعية، والسلوكيَّة، وعلى الرغم مِمَّا تتسم به علاقاتُها من صراع واقتتال وتناحر وتناجز لأتفه الأسباب، وما كانت عليه من انحطاط، وتخلف في الثقافة والحضارة، وفي العقيدة والتصور، فإنَّ الإسلام صهرها في أُمَّة واحدة وأخرجها لتكون {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] بما لم يشهد له التاريخ مثيلًا، فدلَّ ذلك على خصيصة العالمية، وأنها إحدى خصائص تميُّز الأمَّة الإسلاميَّة.

د- ومن بين تلك الوفود بخاصّة نصارى العرب ممن كان منهم في جنوب الجزيرة أو شمالها، فقد كان لهم مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مواقف فيها الكثير من العبر، والدلائل على عالميَّة الإسلام والاعتراف بنبوة -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنَّه خاتم الأنبياء والمرسلين، وأنَّه هو الذي بشرت به كتبهم، وإذا كانت قصة عدي بن حاتم تشتمل على شيء من ذلك فإنَّ هناك شواهد أخرى من أبرزها:

1 – ما حدث من وفد نجران من مجادلة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- ومناظرته حول المسيح -عليه السلام-، وقد ذكر بعض المفسرين أن صدرًا من سورة آل عمران نزل بهذا الشأن ، وجاءت فيه آية المباهلة، ولكنَّهم أحجموا عنها، واختاروا

لأنفسهم دفع الجزية، وكانوا -كما ذكر العلماء- أول من دفع الجزية في الإسلام ، وقصة ذلك مذكورة في كتب السيرة والتفسير وأسباب النزول.

قال ابن كثير: (سورة آل عمران. . . مدنية؛ لأن صدرها إلى ثلاث وثمانين آية منها نزلت في وفد نجران، وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة. . . . .) ، ثُمَّ قال في تفسير قوله تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِين} [آل عمران: 61]: (كان سبب نزول المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران: أن النصارى لما قدموا فجعلوا يحاجون في عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من النبوة والإلهية، فأنزل اللَّه صدر هذه السورة ردًّا عليهم) .

وبعد أن أورد ابن كثير تفاصيل ما حدث بينهم وبين الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- من مناظرة وجدال قال: (فأنزل اللَّه في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم صدر سورة اَل عمران إلى بضع وثمانين آية منها. . .) ، وذكر ما كان من أمر مشورتهم فيما سمعوا من القرآن الكريم، وما وقفوا عليه من حقيقة نبوة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأن صاحب الرأي فيهم قال: (واللَّه يا معشر النصارى لقد عرفتم أنَّ محمدًا لنبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمت أنه ما لاعن قوم نبيًّا قط فبقي كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، وأنّه الاستئصال منكم إن فعلتم، فإنْ كنتم أبيتم إلَّا ألف دينكم والإقامة

على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل، وانصرفوا إلى بلادكم) .

والشاهد من هذا اعتراف وفد النصارى بنبوة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومن المُسَلَّم به عندئذٍ الاعتراف بأصلين آخرين يتصلان بهذا الأصل؛ وهما: أنَّ محمدًا -صلى اللَّه عليه وسلم- خاتم الأنبياء والمرسلين، وأنَّه بعث للناس كافَّة؛ لأن الاعتراف بنبوته يلزمهم أن يعترفوا بهذين الأصلين الاخرين لكون النبي لا يكذب، وهذا مِمَّا يسلمون به فلزم أن يصدقوه فيما قال من كونه آخر الأنبياء والمرسلين، وأنَّ رسالته عامَّة وشاملة .

2 – وحدث أنَّ (فروة بن عمرو الجذامي)، وكان ملك عرب الروم، وعاملًا لهم على من يليه من العرب، بعث برسوله إلى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، معلنًا إسلامه، وأهدى للرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- بغلة بيضاء، (وكان منزله (مَعَان) بأرض الشام، فلمَّا بلغ الروم ذلك من إسلامه، طلبوه حتى أخذوه، فحبسوه عندهم، فلما اجتمعت الروم لصلبه. على ماء لهم يقال له: عفراء بفلسطين قال:

بلغ سراة المسلمين بأنَّني … سلم لربِّي أعْظُمِي ومقامي ثُمَّ ضربوا عنقه، وصلبوه على ذلك الماء يرحمه اللَّه) .

هـ – وتوافدت القبائل مرة أخرى في حجة الوداع لملاقاة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- والأخذ عنه أمور الإسلام ومناسك الحج وشعائر الدين، وقد كان أناب عنه في حجَّة العام التاسع للهجرة أبا بكر الصديق، وألحق به علي بن أبي طالب -رضي اللَّه عنهما- لنزول سورة (براءة) لإعلانها للناس في يوم الحج الأكبر ، وجاءت حَجَّة الوداع وقد علت كلمة اللَّه، واكتمل الدين، فالتقت الأُمَّة الإسلاميَّة برسولها -صلى اللَّه عليه وسلم- في سورة مثاليَّة، بعد أن أصبحت مصطبغة بعقيدة التوحيد، داخلة تحت لواء الشريعة الإسلاميَّة.

يقول أحد المؤرخين عن هذه الصورة الجليَّة للأُمَّة الإسلاميَّة في حجة الوداع وعن دولة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: (حَجَّ في العام العاشر حجَّته الأخيرة على النظام الإسلامي، وحجَّ معه فيها ما يزيد على مئة ألف لم يكن من بينهم مشرك واحد، وفي الفترة التي تقع بين إعلان (البراءة من المشركين) ووفاة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- طبق الرسول (أمر البراءة) بحذر شديد وكياسة سياسية بارعة، وتجنب الاصطدام بالقبائل، ولذلك كان يكتفي من وفودها بإعلان إسلامهم، ويرسل معهم عند عودتهم مسلمين يعلمونهم الإسلام في بلادهم، والواقع أن (إعلان البراءة) بوقف الوثنيَّة نهائيًّا، أمر لا يُمكن إدراك أبعاده، إلَّا إذا نظرنا إلى المسألة من جانبها الحضاري و (الاستراتيجي) كضرورتين يرتبط بعضها ببعض، وتسوقان إلى اتخاذ إجراء حاسم كهذا.

فأمَّا أولاهما: فهي أنَّ الوثنية، على خلف سائر الأديان الأخرى، تمثل الدرك الأسفل في موقف الإنسان الديني من الكون، موقف يشده إلى الحجارة، ويصده عن التقدم إلى الإمام، ويحجب عن بصيرته الرؤية الشاملة لدور الإنسان في الأرض وعلاقته بالقوى الأخرى في الوجود، ولو بقي

العربي على وثنيته لظل بحكم موقفه هذا أسير جهله وتأخره، وسجين عالم تضيق آفاقه، ثُمَّ ما تلبث أن تعزله عن العالم وتحصره في قلب الصحراء.
وأمَّا ثانيتهما: فتقوم على أن الدولة (العقيدية) التي أنشئت في قلب المنطقة العربية، وامتد نفوذها السياسي إلى كافة أرجاء الجزيرة، وبدأت تحشد قواها وطاقاتها الجهادية للانتقال صوب الخطوة التالية في التحرك إلى العالم المحيط كله، هذه الدولة كان عليها أن تعتمد (استراتيجية) صارمة، واضحة المعالم من أجل أن تحمي وجودها في شبه الجزيرة العربية، من جيوب الوثنية العربية، ومراكز القوى الجاهليَّة، وأن تحيط مركز انطلاقها إلى العالم بسياج الوحدة العقيدية والسياسية على السواء، لئلا تضرب من الخلف وهي تمارس صراعها مع القوى الخارجيَّة، حاشدة له جل طاقاتها.

وهكذا يجيءُ إعلان (البراءة) نصرًا حضاريًّا واستراتيجيًا لدولة الإسلام، وهي تتهيأ للخطوة التالية في (تحضير) العالم و (جهاد) قياداته (الكافرة) جميعًا من أجل منح حريَّة الاعتقاد للإنسان حيثما كان) .

ورُبَّما يصدق هذا الوصف على مظهر الدولة الإسلاميَّة في عهد الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- وفي عهودها الأخرى، حينما يُنْظَرُ إليها من خارج الأحداث، وتفسر بطريقة فلسفية، ولكن من ينعم النظر في طبيعة التشريع الإسلامي؛ في جوانبه العقدية، والسياسيَّة، والأخلاقيَّة، وغيرها؛ يلحظ أنَّ مجرى الأحداث فيه، تختلف عن تلك التفسيرات، التي رُبَّما تستقيم من وجه، ولكنها لا تستقيم من كل وجه؛ ذلك أنَّ الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- أبلغ رسالات ربه، وفعل ما أُمِر به، وبالنظر إلى قضية (البراءة من المشركين)؛ يدرك الناظر أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-؛

التاسعة، وبعد أن انطلق إلى حيث أمره، نزل أول سورة (براءة)، فألحق الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- به عليًّا -رضي اللَّه عنهما-، مِمَّا يدل على عدم التخطيط المسبق من قبل الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وإنَّما نزل الوحي بأمر جديد، وأسرع المصطفى -صلى اللَّه عليه وسلم- في تنفيذه، كعادته في إجابة أمر ربه القائل: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]، وكان -صلى اللَّه عليه وسلم- يتلقى أمر ربه فيهتدي به، ويسير في ضوئه منذُ بعثه اللَّه وحتى توفاه إليه، ولعل ما فعله -صلى اللَّه عليه وسلم- في مبرك ناقته حين نزوله في المدينة، وقوله: “خلوا سبيلها فإنَّها مأمورة” من الشواهد على ذلك؛ صحيح أنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يخبر عن أحداث ستقع ويعلم من الغيب ما علَّمَهُ اللَّه، ولكن لا يعني ذلك أن تفسير أحداث السيرة على نحو يصبغها بالعبقرية والسياسة وأساليب الحنكة والدهاء، وحقيقة تلك الأحداث مرتبط بالنبوة ومقتضياتها.

وما حدث من ردَّة بعض قبائل العرب عقب وفاة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وموقف أبي بكر الصديق منها وعدم مهادنته لهم، أو النظر إليها من منطلق الموازنة بين قدرة دولة الإسلام على مواجهتهم، والتغاضي عن بعض ما أوجبه عليهم الإسلام، بل التمسك بالمبدأ، مهما آلت إليه الأوضاع، ومهما كانت النتائج، على الرَّغم مِمَّا أشار به عمر بن الخطاب، من التدرج معهم، ومهادنتهم ، إنَّ هذا الموقف مِمَّا يعزز ما سبقت الإشارة إليه من كون طبيعة الأحداث والمواقف في تاريخ الإسلام لها خصوصيتها ومنطلقها المشدود برباط الربانيَّة، والنظر في المستجدات وبحثها وفقًا للبحث عن مراد اللَّه فيها.

غير أنَّه يُمكن القول بأنَّ ما أشار إليه الباحث في قوله السابق يؤكد منطلق عالميَّة الأُمَّة الإسلاميَّة من خلال الناحيتين اللتين ذكرهما، وهما الوحدة العقيدية والوحدة السياسيَّة باعتبارهما أساس عالميَّة تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وهذا ما أكده تطور الأحداث وامتدادها.

وبالنظر لتاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة منذُ أنْ أخرجها اللَّه للناس لتكون خير أُمَّة تؤمن باللَّه وتعلي كلمته وتطبق شرعه وتدعو لوحدانيته وطاعته، وجعلها بذلك شاهدة على الناس، انداحت دائرة امتدادها في مشارق الأرض ومغاربها من ذلك الحين وحتى العصر الراهن وإلى ما شاء اللَّه، وفي عهد الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- تكونت الأُمَّة الإسلاميَّة من أفراد من العرب والروم والفرس والحبشة -كما سبق الإشارة إلى ذلك- ثُمَّ خرجت دعوتها إلى نطاق عالمي، إذ وصلت إلى (آذان) المسؤولين في الدولتين الكبيرتين في آسيا وأوروبا، وإلى الحبشة ومصر وإفريقية) .

وفي غضون بضعة عقود أصبحت الأُمَّة الإسلاميَّة؛ هي الأُمَّة العالميَّة التي دان لها الشرق والغرب أو كاد، واستظلت البشرية بحضارتها الزاهرة ردحًا من الزمن، تحررت فيها الضمائر والعقول، وراجت العلوم والمعارف، ثُمَّ دالت دولتها بسببٍ من ذاتها، وبسبب مكائد القوى المعادية لها، وما نالت من سيادتها، حتى تراجعت إلى الوراء، وغُلِبَتْ على أمرها، وفرض عليها التخلف والحرمان، إلى درجة غير معقولة، ومع ذلك (فإنَّ الإسلام بمبادئه السامية، وتشريعاته الملائمة وجد له أعوانًا وأنصارًا وقلوبًا في كل جهات العالم، وأن البيئات التي وجدوا فيها لم تكن حائلة دون تطبيق تعاليمه، وأن أجناسهم وألوانهم ولغاتهم لم تقف حائلًا دون اعتناق هذا الدين، والتفاعل مع مبادئه، كان له في بعضها تاريخًا قديمًا لازمها قرونًا عدَّة لم تزده الأيام إلَّا قوة في نفوسهم واعتزازًا به، وهذا من أكبر الأدلة على عالميَّة الإسلام وحيويته واتفاقه مع جميع الحاجات البشرية، فكل الجماعات الإنسانية التي جاء لينظمها ويسمو بها، دون النظر إلى الحواجز التي أقامها الناس فكانت سببًا في متاعبهم وآلامهم التي لن تنتهي إلَّا إذا عادوا إلى الأوضاع الصحيحة التي فطر اللَّه الإنسان عليها) .

وتبقى جوانب أخرى تعد من دلائل عالميَّة الأُمَّة الإسلاميَّة يأتي الحديث عنها

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*