روح العبادة وأسرارها

روح العبادة وأسرارها . أن العبودية للَّه شعارها الإيمان بالغيب ولو لم تره، والطاعة لأمره ولو لم تحط بسره، وحسب المؤمن أن يعلم بالإجماع أن اللَّه غنيٌّ عن العالمين

روح العبادة وأسرارها

سبق التعريف بالعبادة والعبوديَّة، وما تقتضيه من خضوع للَّه ومحبة له ولرسوله -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأنَّ تلك المحبَّة تفضي إلى متابعته -صلى اللَّه عليه وسلم- عن نيَّة وقصد، والتزام بما كان عليه من عبادة.

ثُمَّ إنَّ فائدة العبادة تعود للمكلف نفسه في المقام الأول، وكذلك تنعكس آثارها على حياته وحياة الأُمَّة من حوله، وسيأتي الحديث عن هذا الجانب في نقطة أخرى، أمَّا البحث هنا فيتركز على روح العبادة وأسرارها، وإن كان من المسلمات لدى المسلمين (أن العبودية للَّه شعارها الإيمان بالغيب ولو لم تره، والطاعة لأمره ولو لم تحط بسره، وحسب المؤمن أن يعلم بالإجماع أن اللَّه غنيٌّ عن العالمين، وإذا تعبد سبحانه عباده بشيء فإنَّما يتعبدهم بما يصلح أنفسهم، ويعود عليهم بالخير في حياتهم الروحيَّة والماديَّة، الفردية والاجتماعية، الدنيويَّة والأخرويَّة، بيد أن الإنسان المحدود قد تخفى عليه حكمة اللَّه جل علاه، وكم للَّه من أسرار خافية حتى عن أفهام الأذكياء من الناس، وكما أخفى سبحانه كثيرًا من أسرار هذا الكون عن الإنسان، أخفى عليه بعض أسرار ما شرع ليظل الإنسان في هذا وذاك متطلعًا بأشواقه وراء المجهول آملًا في الوصول، معترفًا بالقصور، وليظل دائمًا في دائرة العبوديَّة المؤمنة التي شعارها دائمًا: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة: 285]) .

ولذلك فإنَّ جوهر العبادة وروحها الحقيقية هي كما قال ابن تيمية: (غاية الذل للَّه بغاية المحبَّة له) ، وإنَّما شرعت العبادات المفروضة من صلاة وزكاة وحج وصوم ونطق بالشهادتين ونحوها من العبادات المعيَّنة بأوصافها وأوقاتها لتدريب الإنسان على تحقيق العبوديَّة الشاملة للَّه، ولتذكيره بعظمة اللَّه وسلطانه عليه .
وأمَّا أسرار العبادة فإنَّها من الكثرة بمكان، ومنها ما هو ظاهر جلي، ومنها ما هو خفي حتى يصل إلى ما لا يحيط بعلمه إلَّا اللَّه -عز وجل- وفيما يأتي ذكر بعض هذه الأسرار:
أولًا: أن العبادة حق للَّه -عز وجل- على أن تكون خالصة له دون سواه، فهو المستحق للعبادة لأنَّه الخالق الرازق، الذي له الأمر كله، وإليه المصير، ومن حقيقة كونه الخالق المالك المتصرف، وما سواه عبيد له فإنَّه يستحق أن يعبد ولا يعصى، وأنْ يشكر ولا يُكفَر، وقد أمر بعبادته وجعلها الغاية من خلق الثقلين -كما سبقت الإشارة إلى ذلك- (والأصل في العبادات أن تؤدى امتثالًا لأمر اللَّه، وأداء لحقوقه على العباد، وشكرًا لنعمائه التي لا تنكر. . .، والأصل فيها (كذلك) أنَّها ابتلاء لعبوديَّة الإنسان لربه) .

قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص: 68]، وقال تعالى: {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 70]، وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 1 – 2].
فدلت هذه الآيات على أن العبادة حق للَّه فرضه على عباده، وفي الحديث الشريف: أنّ الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- قال لمعاذ بن جبل رضي اللَّه عنه: “هل تدري ما حقُّ اللَّه على عباده؟ ” ، فقال معاذ: اللَّه ورسوله أعلم . فقال الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-: “حق اللَّه على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على اللَّه -عزَّ وجلَّ- أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا” .
ثانيًا: ومن أسرار العبادة أنَّها تحقق الانسجام مع حقيقة الوجود وحقيقة المكلف، فكل الوجود قانت للَّه وعابد له بالتسخير، والمكلف من الإنس والجن عابد للَّه بالاختيار، قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7 – 8]، ومن رحمة اللَّه بخلقه أن جعل الفطرة تميل إلى الحق وتريده وتطلبه.

يقول ابن تيمية عن هذا: (والقلب خلق يحب الحق ويريده ويطلبه، فلما عرضت له إرادة الشر طلب دفع ذلك، فإنَّه يفسد القلب كما يفسد الزرع بما ينبت فيه من الدغل؛ ولهذا قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9 – 10]، وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14 – 15]) .
وقبل ذلك بيَّن أنَّ من سر العبوديَّة للَّه إصلاح القلب من الفساد، وأنَّ ذلك لا يتحقق إلَّا بتعبئة القلب بحب اللَّه والخضوع له، ويقول: (ومن أعظم أسباب البلاء إعراض القلب عن اللَّه، فإنَّ القلب إذا ذاق طعم عبادة اللَّه والإخلاص له لم يكن عنده شيءٌ قط أحلى من ذلك، ولا ألذ ولا أطيب، والإنسان لا يترك محبوبًا إلَّا بمحبوب آخر يكون أحب إليه منه، أو خوفًا من مكروه، فالحب الفاسد إنَّما يصرف القلب عنه بالحب الصالح، أو بالخوف من الضرر، قال تعالى في حق يوسف (عليه السلام): {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]، فاللَّه يصرف عن عبده ما يسوءه من الميل إلى الصور والتعلق بها، ويصرف عنه الفحشاء بإخلاصه للَّه، ولهذا يكون قبل أن يذوق حلاوة العبوديَّة للَّه والإخلاص له تغلبه نفسه على اتباع هواها، فإذا ذاق طعم الإخلاص، وقوي في قلبه انقهر له هواه بلا علاج، قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ} [العنكبوت: 45]، فإنَّ الصلاة فيها دفع للمكروه وهو الفحشاء والمنكر، وفيها تحصيل المحبوب وهو ذكر اللَّه، وهذا المحبوب أكبر من دفع المكروه، فإنَّ ذكر اللَّه عبادة للَّه، وعبادة القلب للَّه مقصودة لذاتها) .

وقال -أيضًا- في مكان آخر: (إنَّ ترك الفواحش من زكاة النفوس، وزكاة النفوس تتضمن زوال جميع الشرور من الفواحش والظلم والشرك والكذب وغير ذلك) .
ثُمَّ إنَّ انسجام المكلف مع حقائق الوجود، وشعوره بوجوده هو لا يتحقق إلَّا بعبوديته للَّه (وإذا تبين هذا، فكلما ازداد القلب حبًّا للَّه ازداد له عبوديَّة، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حبًّا وحريّة عما سواه، والقلب فقير بالذات إلى اللَّه من وجهين: من جهة العبادة، وهي العلَّة الغائيّة، ومن جهة الاستعانة والتوكل، وهي العلّة الفاعليَّة، فالقلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا يلتذ، ولا يسعد، ولا يطيب، ولا يسكن، ولا يطمئن إلَّا بعبادة ربه، وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن، إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه، ومن حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه، وبذلك يحصل له الفرح والسرور واللذَّة والنعمة والسكون والطمأنينة، وهذا لا يحصل إلَّا بإعانة اللَّه له، لا يقدر على تحصيل ذلك له إلَّا اللَّه، فهو دائم مفتقر إلى حقيقة {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]) .

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*