صورة العقيدة الإسلاميَّة في العصور الوسطى عند الغرب .

صورة العقيدة الإسلاميَّة في العصور الوسطى عند الغرب . برزت هذه الصورة لدى الغربيين في العصور الوسطى من خلال اللاهوت الذي فرضته الكنيسة على النصارى بما كان لديها من سلطة

موقف المستشرقين من العقيدة الإسلامية (1)

صورة العقيدة الإسلاميَّة في العصور الوسطى عند الغرب .

توافر عددٌ من المستشرقين على دراسة العقيدة الإسلاميَّة من خلال دراسة القرآن الكريم والسنّة النبوية والسيرة والتاريخ الإسلامي، وزعموا (عدم أصالة الإسلام واعتماده على الأديان السابقة) ، وأصبحت هذه النتيجة كما قال أحد المستشرقين: (موضة) بين عموم المستشرقين) ، ولكي يصلوا إلى هذه النتيجة قاموا بتجزئة أمور العقيدة الإسلاميَّة إلى أجزاء متناثرة، وحاولوا إرجاعها إلى مصادر أخرى في الأديان السابقة، ولاشك أنّ هذا المسلك محاولة لنفي تميُّز الأُمَّة الإسلاميَّة، وذلك بزعم نسبة عقيدتها إلى أخلاطٍ من اليهودية والنصرانية والوثنية، ويتناول البحث هنا الأمور الآتية:

1 – صورة العقيدة الإسلاميَّة في العصور الوسطى عند الغرب.

2 – نماذج من آراء المستشرقين في زعمهم تأثر العقيدة الإسلاميَّة بالديانتين اليهودية والنصرانية، وتأثرها كذلك بالوثنية.

3 – مناقشة تلك الآراء والرد عليها.

أولًا: صورة العقيدة الإسلاميَّة لدى الغرب في العصور الوسطى:

برزت هذه الصورة لدى الغربيين في العصور الوسطى من خلال اللاهوت الذي فرضته الكنيسة على النصارى بما كان لديها من سلطة قاهرة مدعمة بالسلطة الزمنية آنذاك، وسبق مِمَّا دَلَّ عليه تاريخ الاستشراق أن الحركة الفكرية التي نشطت في الأندلس إبَّان الحضارة الإسلاميَّة التي احتكت بالغرب قد انقسمت إلى شطرين:
أولهما: عمل على تشويه العقيدة الإسلاميَّة لتحصين الغرب النصراني من انتشار الإسلام فيه.
أمَّا الشطر الآخر: فقد عنى بعلوم المسلمين في الطب والفلك ونحوهما، وحرصًا منه على الإفادة منها تولى نقلها إلى اللغات الأوروبية، وتوافر على دراستها.
ومِمَّا تبيَّن -أيضًا- أنَّ تلك الحركة الفكرية اتسمت بشطريها بالعداء للإسلام وعقيدته، وقد وضَّح هذه الحقيقة أحد المستشرقين بقوله: (صحيح أنَّه كان ثمة بعض الإحاطة بالإسلام من قبل، سواء بفضل المصادر البيزنطية، أو بفضل صلات المسيحيين بالمسلمين في إسبانيا، غير أن تلك المعارف السائدة وقتذاك كانت مشوبة إلى حدٍّ رهيب بالأوهام والأخطاء، فقد نُظِرَ إلى العرب باعتبارهم وثنيين يعبدون محمدًا، ونظر إلى محمد باعتباره ساحرًا بل الشيطان بعينه) .
ويقول مستشرق آخر: (ظل محمد زمنًا طويلًا معروفًا فى الغرب معرفة سيئة، فلا تكاد توجد خرافة ولا فظاظة إلَّا نسبوها إليه) .
وأستعرضُ فيما يأتي بعض المرتكزات لهذه الصورة من أقوال

ومواقف حدَّدَت صورة العقيدة الإسلامية لدى الغرب في العصور الوسطى:
– زعم (يوحَنَّا الدمشقي): (أن الإسلام زندقة مسيحيَّة نسطورية الأصل والمضمون، وأنَّ محمدًا لم يكن نبيًّا مرسلًا، بل صاحب نبوة منتحلة مبتدعة: Pseudo – Prophentes جاء العرب من قومه بكتاب مُخْتَلَقٍ، جمع أشتات مادته من راهب من أتباع آريوس المنشق عن الكنيسة، وإنه إنَّما ملك قلوب أتباعه بما كان يصطنع من ورع وتقوى كاذبة ” Feigning Piety ” .
ويُعدُّ (يوحنَّا الدمشقي) من أوائل من (دَشَّنَ حملات الإفك والافتراء) وألَّفَ في ذلك كتبًا -سبق الإشارة إليها- قصد بها حماية النصارى من عقيدة الإسلام وكان منطلقها وما جاء من بعدها (الإثارة والتحريض والتحريف ونشر المفتريات واختلاق الأكاذيب، انطلاقًا وتأسيسًا على تصور غريب ذاع وانتشر في الغرب مفاده: أن العدو الذي لا تستطيع مغالبته بالقوة الماديَّة، فليس من سبيل إلى مقاومته إلَّا بالاستغراق في عالم من الخيال الماجن، والجهل الخدوع الذي يصور العدو على غير صورته وحقيقته؛ درءًا لخطره واستبعادًا لشروره، واستهزاءً بدوره التاريخي وقيمه ومآثره) .
وكما سبق ذكره، فإنَّ (يوحنَّا الدمشقي) بمؤلفاته وحملاته على عقيدة الإسلام يُعَدُّ -أيضًا- ممهد الجادّة للمستشرقين المتحاملين على عقيدة

الإسلام ورسوله وأمته، وما كتبوه عن الإسلام سبقهم إليه بما يزيد على ألف عام .
– ألَّفَ (ثيوفانس) المؤرخ البيزنطي الشهير كتابًا عن حياة محمد؛ عُدَّ من بعده مرجعًا معتمدًا وموثقًا يستمد اللاحقون منه مادتهم عن الإسلام، جاء فيه: (. . . توفي عام 632 للميلاد حاكم العرب ونبيهم الكذَّاب (ماومود – Mouamed) الذي أضلَّ بمكره وسحره في أول أمره جمعًا من اليهود الذين اعتقدوه باطلًا بأنَّه المسيح المخلص الذي ينتظرونه، فآمن به عدد من أحبار اليهود، ودخلوا في عقيدته، وارتدوا عن دين موسى الذي كانوا عليه) .
وعلى هذا النحو أظهر محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- في الغرب في القرون الوسطى حتى (إذا أشرقت شمس “القسطنطينية” على السقوط تحت سنابك خيل محمد الفاتح وقواته ازدادت هذه الخيالات المختلفة إسرافًا، فنقرأ في مؤلف لكاتب مجهول قوله: “إن راهبًا من النحلة الآريوسيَّة لما تحقق أن العرب قوم سخفاء سذج وبسطاء؛ قرر في نفسه أنْ يضع لهم كتابًا في الدين والعقيدة، كما فعل من قبل آريوس المنشق عن الكنيسة والدين الصحيح فاختلى إلى نفسه، واختلق كتابًا أسماه القرآن ضمَّنَهُ جملة العقائد المخالفة للمسيحية. . . ثُمَّ أعطاه لأحد تلامذته المسمى محمدًا الذي زعم لأتباعه أن الكتاب كان محفوظًا في اللوح مع جبريل. فآمنوا بدعواه وصدقوه، وهكذا تأسس هذا الدين المزعوم”) .

– وصُوِّر الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- على أنَّه الصنم المعبود عند أتباعه، وصُوِّر كذلك المسلمون (كوثنيين يعبدون مجمعًا من الأوثان المعبودة مشخصة في صور تماثيل مصنوعة من الذهب والفضة يتقرب إليها وتعبد وفق تقاليد وطقوس معينة، ويستثار رضاها ويلتمس عونها في الحروب والقتال ضد النصارى، حتى إذا فشل العرب في القتال، وغالب أمرهم أن يفشلوا، لعنت الآلهة وشتمت ودست في التراب) .
هذه نبذة مختصرة عن صورة العقيدة الإسلاميَّة لدى الغرب في عصورهم الوسطى، اختصرت القول فيها؛ لأنها أصبحت مرفوضة في أعراف المستشرقين في العصر الحديث، ووجهوا لها انتقادات حادَّة ووصفوها بالتعصب والجهل والحماقة، ولكن السؤال هل جاءت الدراسات الاستشراقيَّة فيما بعد أقرب إلى الإنصاف والبحث العلمي المجرد عن الأحقاد التاريخيَّة الموروثة، والتعصب الديني الأعمى؟! هذا ما سيجري بحثه في النقطة الآتية:

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*