طلب الماء قبل التيمم

طلب الماء قبل التيمم

طلب الماء قبل التيمم

المبحث الأول : طلب الماء قبل التيمم

وفيه خمسة مطالب:

المطلب الأول: … حكم الطلب.

المطلب الثاني: … وقت الطلب.

المطلب الثالث: … مسافة الطلب.

المطلب الرابع: … صفة الطلب.

المطلب الخامس: … تكرار الطلب.

المطلب الأول : حكم الطلب

مَن عَدِمَ الماء وأراد الطهارة لفعل صلاة مكتوبة أو نافلة فإنه لا يخلو من ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أن يتيقن العادم من وجود الماء في المكان الذي هو فيه أو يغلب ذلك على ظنه كما إذا أخبره عدل بكون الماء قريبًا، أو يجد علامة ظاهرة دالة على قربه كما إذا رأى خضرة أو طيورًا، فإن وجودها دليل على قرب الماء، فإنه في هذه الحالة يلزمه الطلب باتفاق العلماء ([1]).

واستدلوا على ذلك بأدلة منها:

أولاً: من الكتاب:

قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43، المائدة: 6].

وجه الدلالة:

أن الله سبحانه وتعالى شرط لجواز التيمم عدم وجود الماء، وهذا واجد للماء في الظاهر فيلزمه طلب الماء.

ثانيًا: من المعقول:

2ـ أنه يعد واجدًا للماء نظرًا للدليل وهو غلبة الظن، لأنها قائمة مقام العلم في العبادات ([2]).

3ـ أنه إذا كان يسعى لأشغاله الدنيوية القريبة فلأن يسعى لما يعتبر شرطًا من شروط الصلاة أولى ([3]).

4ـ قياسًا على من علم أن بقربه ماء لم يجز له التيمم، فكذا إذا غلب على ظنه ([4]).

الحالة الثانية: أن يتيقن عدم الماء في المكان الذي هو فيه، أو يغلب ذلك على ظنه، كأن يكون في بعض رمال البوادي، أو ما أشبه ذلك، أو يخبره عدل عن عدم الماء في المكان الذي هو فيه، فإنه في هذه الحالة يتيمم ولا يجب عليه طلب الماء باتفاق الفقهاء ([5]).

واستدلوا على ذلك بأدلة منها:

1ـ أن طلب ما يعلم استحالة وجوده محال ([6]).

2ـ أن الطلب مع يقين العدم عبث ولا فائدة منه ([7])، وهو ليس من الحكمة في شيء ([8]).

3ـ أنه إذا طلب الماء في هذه الحالة قد يلحقه الحرج والمشقة فربما ينقطع عن أصحابه، وما شرع التيمم إلا لدفع الحرج ([9]).

الحالة الثالثة: أن يشك في وجود الماء أو عدمه من غير يقين، وقد وقع الخلاف في هذه الحالة على قولين:

القول الأول: يجب طلب الماء لصحة التيمم في هذه الحالة، وهو قول المالكية، والشافعية، ورواية عند الحنابلة هي الصحيح من المذهب ([10]).

القول الثاني: ليس عليه طلب الماء في هذه الحالة ويصح التيمم، وهو قول الحنفية، ورواية عند الحنابلة ([11]).

سبب الخلاف:

سبب اختلاف الفقهاء في هذه الحالة هو: هل يسمى من لم يجد الماء دون طلب غيرَ واجد للماء أو لا يسمى غير واجد للماء إلا إذا طلب الماء فلم يجده ([12]

فمن يرى أنه لا يثبت أنه غير واجد للماء إلا بعد الطلب قال: باشتراط الطلب، ومن يرى أنه يثبت أنه غير واجد للماء بدون طلب قال: بعدم اشتراط الطلب.

أدلة القول الأول:

استدل القائلون بوجوب طلب الماء لمن شك في وجود الماء أو عدمه بما يلي:

أولاً: من الكتاب:

قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43، المائدة: 6].

وجه الدلالة:

أنه لا يثبت أنه غير واجد للماء إلا بعد الطلب، وهذا يفيد وجوب الطلب ([13])؛ لجواز أن يكون بقربه الماء ولا يعلمه ([14]).

المناقشة:

نوقش بأن الوجود لا يقتضي سابقة الطلب، بدليل قوله تعالى: {فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا} [الأعراف: 44] ولا طلب، وبقوله تعالى: {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ} [الأعراف: 102]، لاستحالة الطلب على الله، وبقوله – صلى الله عليه وسلم -: «من وجد لقطة …» الحديث ([15])، ولا طلب من الملتقط ([16]).

الجواب:

أجيب عن الآية الأولى والحديث بأن الكلام في جانب النفي لا الإثبات ([17])، فالوجود لا يفتقر إلى طلب، وإنما يفتقر عدم الوجود إلى طلب، ومسألة التيمم إنما هي في عدم الوجود لا في الوجود ([18]).

وأما استدلالهم بالآية الأخرى فلا يصح؛ لأن الله سبحانه وتعالى طلب منهم الثبات على العهد، أي أمرهم بذلك، فهو سبحانه وتعالى يطلب منهم ما قدمه إليهم من العهد، فلذلك قال سبحانه: {وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ} ([19]).

ثانيًا: من السنة:

حديث عمران بن حصين رضي الله عنه الطويل، وفيه: «… ودعا عليًا فقال: اذهبا فابتغيا الماء …» الحديث ([20]).

وجه الدلالة:

دل الحديث على أن الطلب شرط في صحة التيمم.

ثالثًا: من المعقول:

1ـ أن التيمم بدل عن الماء عند فقده، فلا يجوز العدول إليه إلا عند عدم المبدل وهو الماء، ولا يتحقق العدم إلا بالطلب، كالصيام في الكفارة مع العتق والإطعام، فإن الله سبحانه وتعالى لما أمر في الظهار بتحرير رقبة قال: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ} [المجادلة: 4]، لم يبح له الصيام حتى يطلب الرقبة، ولم يعد قبل ذلك غير واجد، وكالهدي في حج التمتع، فإنه لا ينتقل إلى بدله وهو الصوم إلا بعد طلبه، وكالقياس مع النص في الحادثة فإنه لا ينتقل إلى القياس إلا بعد طلب النص في مظانه ([21]).

2ـ أن البدل من شرطه الضرورة، وهي بعد الطلب متحققة حسب الإمكان، أما قبله فمشكوك فيها، فلا تثبت الرخصة، ولهذا لو قال لوكيله: اشتر لي رطبًا فإن لم تجد فعنبًا، لا يجوز أن يشتري العنب قبل طلب الرطب ([22]).

3ـ أن الماء شرط لصحة الصلاة يختص بها، فإذا أعوزه لزمه الاجتهاد في طلبه كما يجتهد إذا شك في جهة القبلة ([23]).

أدلة القول الثاني:

استدل القائلون بعدم وجوب طلب الماء لمن شك في وجود الماء أو عدمه، بما يلي:

أولاً: من الكتاب:

قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: 43، المائدة: 6].

ثانيًا: من السنة:

حديث أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: «إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته» ([24]).

وجه الدلالة من الآية والحديث:

في الآية والحديث رتب إباحة التيمم على عدم وجدان الماء مطلقًا عن قيد الطلب لعدم اشتراطه فيها، فيعمل بإطلاقه، وهذا ليس بواجد قبل الطلب، فهو عادم ([25]).

المناقشة:

يمكن مناقشته بأنه لا يقال لمن لم يطلب الشيء: إنه لم يجده، وإنما يقال: ليس هو عنده، فإذا وجده من غير طلب لا يقال: إنه وجده، بل يقال: أصابه إن كان عنده ([26]).

ثالثًا: من المعقول:

1 ـ أنه غير عالم بوجود الماء فأشبه ما لو طَلَبَ فلم يجد ([27]).

المناقشة:

نوقش من وجهين:

الوجه الأول: بالمنع؛ لافتراق حال من تيقن العجز ومن لم يتيقنه، كما لا يستوي حال من جهل القبلة من غير طلب، ومن عجز عنها بعد الطلب ([28]).

الوجه الثاني: أن هذا التعليل خلاف تعليل القرآن؛ لأن الله تعالى جعل العلة في جواز التيمم ثبوت عدم الماء، وعندهم العلة فيه ألا يعلم بالماء ([29]).

2 ـ أن كل عبادة تعلق وجوبها بوجود شرط لم يلزمه طلب ذلك الشرط، كالمال في الحج والزكاة ([30]).

المناقشة:

نوقش بأن ما كان شرطًا في وجوب العبادة لم يلزم طلبه كالمال في الحج، وما كان شرطًا في الانتقال عن العبادة لزم طلبه كالرقبة في الكفارة، وعدم الماء شرط في جواز الإنتقال فلزم فيه الطلب ([31]).

3 ـ أنه عادم للماء في الظاهر، فلم يلزمه الطلب كالفقير لا يلزمه طلب الرقبة ([32]).

المناقشة:

نوقش بأن هذا القياس غير سديد؛ لأنه يجب عليه أن يطلب الرقبة في المواضع التي جرت العادة بطلبها فيها مثل سوق الرقيق ونحوها ([33]).

الترجيح:

الراجح ـ والله أعلم ـ هو مذهب الجمهور القائل بوجوب طلب الماء لصحة التيمم، وذلك لقوة أدلتهم، ودلالتها على إفادة المطلوب، وسلامتها من الاعتراضات القادحة، في مقابل ضعف أدلة القول الثاني بما حصل من مناقشتها.

المطلب الثاني : وقت الطلب

اتفق جمهور الفقهاء ـ القائلون باشتراط طلب الماء لمن شك في وجود الماء أو عدمه من غير يقين ـ على أنه لا يصح طلب الماء إلا بعد دخول الوقت، فإن طلب الماء قبل دخول الوقت لم يصح تيممه وعليه إعادة الطلب والتيمم؛ لأنه طلب قبل المخاطبة بالتيمم فلم يسقط فرضه، كالشفيع إذا طلب الشفعة قبل البيع، ولأنه إنما يطلب ليثبت شرط التيمم وهو عدم الماء، فلم يجز في وقت لا يجوز فيه فعل التيمم، ولو طلب الماء في أول الوقت وأخر التيمم إلى آخر الوقت جاز التيمم بعد ذلك من غير تجديد طلب ([34]).
قال الحافظ ابن حجر ([35])

ـ عند شرحه حديث عائشة رضي الله عنها في سبب مشروعية التيمم ـ: «واستدل به على أن طلب الماء لا يجب إلا بعد دخول الوقت لقوله في رواية عمرو بن الحارث بعد قوله: وحضرت الصبح «فالتمس الماء فلم يُوجد» ([36])» ([37]).

وأما الحنفية فظاهر المذهب عندهم أن له الطلب في كل وقت ولو قبل دخول وقت الصلاة ([38]).

قلت: يظهر لي ـ والله أعلم ـ أن منشأ الخلاف بين الجمهور والحنفية في هذه المسألة هو: هل التيمم بدل مطلق أم بدل ضروري؟ ([39]).

فمن قال: إن التيمم بدل مطلق ـ وهم الحنفية ـ أجازوا التيمم وطلب الماء قبل الوقت، ومن قال: إن التيمم بدل ضروري ـ وهم الجمهور ـ اشترطوا للتيمم ولطلب الماء دخول الوقت ([40]).

المطلب الثالث : مسافة الطلب

إذا لم يجد المكلف الماء وأراد التيمم، فهل ينتقل إلى التراب مباشرة أم يشترط لذلك مسافة معينة لانتقال عادم الماء إلى التيمم؟

اختلفت أقوال المذاهب في هذه المسألة وفق ما يلي عرضه:

أولاً: الحنفية ([41]):

يجب عليه طلب الماء إذا غلب على ظنه وجوده في مسافة تكون أقل من الميل ([42])، فإذا بلغت المسافة ميلاً فصاعدًا فلا يلزمه حينئذ الطلب.

واستدلوا على ذلك بما يلي:

1ـ أن التيمم إنما شرع لدفع الحرج، وإليه وقعت الإشارة في آية التيمم وهو قوله تعالى على أثر الآية: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6]، ولا حرج فيما دون الميل، فأما الميل فصاعدًا فلا يخلو من حرج.

2ـ لئلا ينقطع عن رفقته.

ثانيًا: المالكية ([43]):

ذهب المالكية إلى أنه يلزمه طلب الماء لكل صلاة طلبًا لا يشق عليه في مسافة تكون أقل من الميلين، فإذا بلغت المسافة ميلين فصاعدًا فلا يلزمه الطلب.

ويمكن أن يستدل لهم بما يلي:

أنه ليس في طلب الماء أقل من ميلين أي حرج أو مشقة وبالتالي يلزمه الطلب، وأما الميلان فصاعدًا فمظنة المشقة وإن لم تحصل بالفعل.

ثالثًا: الشافعية ([44]):

ذهب الشافعية إلى التفصيل الآتي:

1ـ أن يتيقن عدم الماء حوله، كبعض رمال البوادي، فيتيمم ولا يحتاج إلى طلب الماء؛ لأن الطلب مع تيقن العدم عبث.

2ـ أن لا يتيقن العدم بل يشك في وجوده وعدمه، فيجب عليه طلبه في حد الغوث ([45])، وهو مقدار غلوة ([46])، فإن زاد على هذا فلا يلزمه الطلب ويتيمم.

3ـ أن يتيقن وجود الماء حواليه، فله ثلاث مراتب:

الأولى: أن يكون على مسافة ينتشر إليها النازلون للحطب والحشيش والرعي، فيجب السعي إليه ولا يجوز التيمم؛ لأنه إذا كان يسعى إليه لأشغاله الدنيوية فللعبادة أولى، وهذا فوق حد الغوث الذي يقصده عند التوهم، وقدروه بنصف فرسخ ([47]).

الثانية: أن يكون بعيدًا عنه، بحيث لو سعى إليه لفاته فرض الوقت، فيتيمم ولا يسعى إليه؛ لأنه فاقد في الحال.

الثالثة: أن يكون بين المرتبتين، فيزيد على ما ينتشر إليه النازلون، ويقصر عن خروج الوقت، فالمذهب جواز التيمم، وأن علم وصوله إلى الماء في آخر الوقت.

رابعًا: الحنابلة ([48]):

ذهب الحنابلة إلى أنه يلزمه طلب الماء فيما قرب منه عرفًا ([49]) وعادة ([50]).

الترجيح:

الراجح ـ والله أعلم ـ هو مذهب الحنابلة في إرجاع مسافة الطلب إلى العرف والعادة، وذلك لما يلي:

1ـ أن هذا القول أرفق بالناس، وذلك لأن كثير من الناس يجهل مثل هذه المسافات التي نص عليها الفقهاء.

2ـ أن التقدير بالمسافة المعينة لم يرد به الشرع، ومحل ما لم يحد شرعًا فيرجع فيه إلى العرف ([51]) لاسيما وأن التيمم قد شرع لدفع الحرج، والتحديد بمسافة معينة لجميع الناس فيه حرج ومشقة ([52]).

3ـ أن من قدر مسافة الطلب بالميل أو بالميلين أو بالفرسخ ونحو ذلك إنما نظر إلى المشقة التي تلحق الإنسان في ذلك العصر، وأما في عصرنا فقد يكون الحال مختلفًا، فالسيارة ليست كالراحلة، والراكب ليس كالماشي، وما دام أن الأمر ليس فيه توقيف من الشارع فيرجع فيه إلى العرف ([53]).

4ـ لأن ذلك هو الموضع الذي يطلب فيه الماء عادة ([54]).

المطلب الرابع : صفة الطلب

اتفق الفقهاء على أنه يجب على عادم الماء أن يطلبه في رحله ([55]) بأن يبدأ بتفتيش رحله وأثاثه؛ لأنه أقرب الأشياء إليه، ثم ينظر في الناحية التي هو فيها يمينًا وشمالاً، وأمامًا وخلفًا، وهذا إذا كان في سهل من الأرض لا يحول دون نظره شيء، فإن كان دونه حائل من ربوة أو شيء قائم أتاه وطلب عنده، وكذا إن كانت له رفقة ([56]) سألهم وطلب منهم، وإن وجد من له خبرة بالمكان سأله عن الماء، فإن لم يجد فهو عادم، وإن دُل على الماء لزمه قصده ما لم يخف ضررًا على نفسه أو ماله، أو يخشى فوات رفقته ([57]).

المطلب الخامس : تكرار الطلب

سبق القول بأن جمهور الفقهاء اتفقوا على وجوب طلب الماء لمن شك في وجود الماء أو عدمه من غير يقين وهم المالكية والشافعية والحنابلة ([58])، وهذا إذا لم يسبق تيممه تيمم آخر، وطلب للماء.

وأما إذا سبق له طلب الماء، وتيمم، وأراد تيممًا آخر إما لبطلان التيمم الأول بحدث أو غيره، أو لدخول وقت صلاة أخرى، أو لغير ذلك، فهل يحتاج إلى إعادة الطلب؟ ([59])

اتفق جمهور الفقهاء ـ وهم المالكية والشافعية والحنابلة ـ على أن من انتقل من موضع التيمم الذي كان فيه وقت طلب الماء للصلاة الأولى، او كان فيه وحدث ما يوجب توهم وجود الماء كأن رأى سحابة أظلت بقربه، أو طلع عليه ركب، أو رأى طيورًا أو خضرة وما أشبه ذلك مما يشك معه في وجود الماء، فإنه يجب عليه تكرار الطلب؛ لأن التيمم الثاني في حكم التيمم الأول في توجيه الخطاب بالطلب ([60]).

واتفقوا أيضًا على أنه لو لم ينتقل من موضعه الأول، ولم يحدث ما يقتضي توهم وجود الماء، وتيقن بالطلب الأول أن لا ماء، فإنه لا يلزمه حينئذ لأنه قد تحقق عدمه ([61]).

واختلفوا إذا لم ينتقل عن موضع التيمم، ولم يتيقن العدم في الطلب الأول، بل ظن العدم، فهل يحتاج في التيمم الثاني إلى إعادة الطلب؟ على قولين ([62]):

القول الأول: يحتاج إلى إعادة الطلب، وهو قول المالكية والأصح عند الشافعية وقول الحنابلة؛ لأنه قد يعثر على بئر خفيت عليه، أو يرى من يدله على ماء فيتطهر به. وعلى هذا يكون الطلب الثاني أخف من الأول.

القول الثاني: لا يحتاج إلى إعادة الطلب، وهو وجه للشافعية؛ لأنه لو كان ثم ماء لظفر به بالطلب الأول.

الترجيح:

الراجح ـ والله أعلم ـ هو القول الأول، القائل بإعادة الطلب في التيمم الثاني وذلك لقوة تعليلهم، ولأن بالطلب الأول لم يحصل له يقين العدم، فيعيد الطلب احتياطًا، والاحتياط في العبادة أولى.

الهامش

[1]  مختصر القدوري (الكتاب) للقدوري (ص52)، ط: مؤسسة الريان 1426هـ، بدائع الصنائع (1/ 316، 317)، الذخيرة (1/ 336)، حاشة الدسوقي على الشرح الكبير (1/ 251، 252)، ط: دار الكتب العلمية 1417هـ، روضة الطالبين للنووي (1/ 205 ـ 207)، ط: دار عالم الكتب 1423هـ، مغني المحتاج (1/ 247)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي (1/ 263)، ط: دار الكتب العلمية 1418هـ، شرح منتهى الإرادات للبهوتي (1/ 186)، ط: مؤسسة الرسالة 1421هـ.

[2]  البناية (1/ 566)، مواهب الجليل (1/ 504).

[3]  تحفة المحتاج (1/ 540)، مغني المحتاج (1/ 247)، المبدع (1/ 170).

[4]  شرح العناية على الهداية لمحمد البابرتي مع فتح القدير (1/ 141)، ط: دار الفكر.

[5]  المبسوط للسرخسي (1/ 108، 115)، ط: دار المعرفة 1414هـ، الهداية شرح بداية المبتدي للمرغيناني (1/ 30)، ط: دار إحياء التراث العربي، مواهب الجليل (1/ 504)، الشرح الكبير على مختصر خليل للدردير (1/ 252)، ط: دار الكتب العلمية 1417هـ، الوسيط في المذهب للغزالي (1/ 354)، ط: دار السلام 1417هـ، نهاية المحتاج (1/ 265)، الفروع لابن مفلح (1/ 279)، ط:

مؤسسة الرسالة 1424هـ، كشاف القناع (1/ 400).

[6] البناية شرح الهداية (1/ 567)، المجموع (2/ 199).

[7] بدائع الصنائع (1/ 317)، جواهر الإكليل شرح مختصر خليل للأزهري (1/ 39)، ط: دار الكتب العلمية 1418هـ، الإقناع للشربيني (1/ 102).

[8] تبيين الحقائق شرح كنزل الدقائق للزيلعي (1/ 135)، ط: دار الكتب العلمية 1420هـ.

[9] المبسوط (1/ 108)، بدائع الصنائع (1/ 318)، أسهل المدارك شرح إرشاد السالك لأبي بكر الكشناوي (1/ 128)، ط: دار الفكر.

[10] المعونة على مذهب عالم المدينة للقاضي عبد الوهاب (1/ 149)، ط: دار الفكر، عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس (1/ 56)، ط: دار الغرب الإسلامي 1423هـ، المهذب في فقه الإمام الشافعي للشيرازي (1/ 130)، ط: دار القلم والدار الشامية 1412هـ، العزيز شرح الوجيز للرافعي (1/ 197)، ط: دار الكتب العلمية 1417هـ، الإنصاف (1/ 263)، كشاف القناع (1/ 399).

[11] بدائع الصنائع (1/ 317)، البحر الرائق (1/ 281)، الكافي لابن قدامة (1/ 98)، ط: دار الكتاب العربي 1421هـ، الإنصاف (1/ 263).

[12] بداية المجتهد ونهاية المقصد لابن رشد (1/ 133)، ط: دار ابن حزم 1416هـ.

[13] المعونة (1/ 149)، المنتقى شرح موطأ مالك لأبي الوليد الباجي (1/ 110)، ط: مطبعة السعادة 1331هـ، الحاوي للماوردي (2/ 1051)، ط: دار المجتمع 1414هـ، الممتع شرح المقنع للتنوخي (1/ 245)، ط: دار خضر 1418هـ.

[14] المغني لابن قدامة (1/ 313)، ط: دار عالم الكتب 1419هـ، المبدع (1/ 169).

[15] أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم [17516]، وأبو داود في كتاب اللقطة [سنن أبي داود (2/ 136) حديث (1709)]، وابن ماجه في كتاب اللقطة، باب اللقطة [سنن ابن ماجه (2/ 837) حديث (2505)]، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (1/ 477)، ط: مكتبة المعارف 1419، وصحيح سنن ابن ماجه (2/ 307)، ط: مكتبة المعارف 1417هـ.

[16] بدائع الصنائع (1/ 317)، البحر الرائق (1/ 281).

[17] شرح الزركشي (1/ 330)، المبدع (1/ 169، 170).

[18] الحاوي (2/ 1052).

[19] شرح الزركشي (1/ 330).

[20] أخرجه البخاري في كتاب التيمم، باب الصعيد الطيب وضوء المسلم يكفيه من الماء [صحيح البخاري (1/ 131) حديث (337)].

[21] الإشراف على نكت مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب (1/ 166، 167)، ط: دار ابن حزم 1420هـ، المجموع (2/ 198، 199)، رؤوس المسائل في الخلاف للهاشمي (1/ 74)، ط: دار خضر 1421هـ.

[22] المجموع (2/ 199)، شرح الزركشي (1/ 330).

[23] الإشراف (1/ 167)، المجموع (2/ 199)، المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين للقاضي أبي يعلى (1/ 91)، ط: مكتبة المعارف 1405هـ.

[24] تقدم تخريجه (ص 25).

[25] رؤوس المسائل للزمخشري (ص 123)، ط: دار البشائر الإسلامية 1407هـ، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر لداماد أفندي (1/ 43)، ط: دار الطباعة العامرة، الكافي لابن قدامة (1/ 98).

[26] عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار لابن القصار (3/ 931)، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية 1417هـ، شرح التلقين للمازري (1/ 275، 276)، ط: دار الغرب الإسلامي 1997م.

[27] أحكام القرآن للجصاص (4/ 15)، ط: دار إحياء التراث العربي، البناية (1/ 566)، المغني (1/ 313)، الممتع (1/ 245).

[28] الحاوي (2/ 1054).

[29] التعليقة الكبرى في الفروع للقاضي أبي الطيب الطبري (ص 909)، رسالة ماجستير بالجامعة الإسلامية، تحقيق حمد بن محمد بن جابر 1419هـ.

[30] الممتع (1/ 245).

[31] الحاوي (2/ 1053، 1054).

[32] شرح الزركشي (1/ 331)، المبدع (1/ 171).

[33] التعليقة الكبرى (ص904)، المجموع (2/ 199)، رؤوس المسائل الخلافية بين جمهور الفقهاء للعكبري (1/ 74)، ط: دار إشبيليا 1421هـ.

[34] الكافي في فقه أهل المدينة المالكي لابن عبد البر (ص 29، 30)، ط: دار الكتب العلمية، مواهب الجليل (1/ 504)، شرح الرزقاني على مختصر خليل (1/ 212)، ط: دار الكتب العلمية 1422هـ، المجموع (2/ 199)، نهاية المحتاج (1/ 266)، أسنى المطالب شرح روض الطالب لأبي يحيى زكريا الأنصاري (1/ 72، 73)، ط: المكتبة الإسلامية، المغني (1/ 314)، الإقناع لطالب الإنتفاع للحجاوي (1/ 80)، ط: دار هجر 1423هـ، حاشية الروض المربع شرح زاد المستقنع لابن قاسم (1/ 311)، ط: 1419هـ.

[35] هو: أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، المصري، الشافعي، الإمام الحافظ، ولد عام (773هـ)، برع في الصناعة الحديثية، من كتبه: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، الإصابة في تمييز الصحابة، وبلوغ المرام وغيرها، توفي بالقاهرة سنة (852هـ).

انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي (2/ 36 ـ 40)، ط: مكتبة دار الحيارة، البدر الطالع للشوكاني (1/ 87 ـ 92)، ط: دار المعرفة.

[36] أخرجه البخاري في كتاب التفسير [صحيح البخاري (4/ 1684) حديث (4332)].

[37] فتح الباري (1/ 517).

[38] لم أجد نصًا للحنفية في هذه المسألة، وقياس أصولهم يقتضي ذلك، وذلك لأنه يجوز التيمم عندهم قبل دخول الوقت فالطلب من باب أولى؛ لأن الطلب يكون قبل التيمم لا بعده.

[39] سيأتي ذكر اختلاف الفقهاء في نوع بدلية التيمم، انظر (ص 211 ـ 220).

[40] سيأتي ذكر اختلاف الفقهاء في وقت التيمم، انظر (ص 222 ـ 230).

[41] تحفة الفقهاء للسمرقندي (1/ 71)، ط: مكتبة دار التراث 1419هـ، بدائع الصنائع (1/ 316)، رد المحتار (1/ 352).

[42] الميل: بالكسر عند العرب مقدار مَدَى البصر من الأرض، وعند القدماء من الهيئة ثلاثة آلاف ذراع، وعند المحدثين: أربعة آلاف ذراع، والخلاف لفظي؛ لأنهم اتفقوا على أن مقداره ست وتسعون ألف إصبع. المصباح المنير (2/ 588)، مختار الصحاح (ص 552).
ويطلق على وحده الأطوال المستخدمة لقياس المسافة على الأرض، وتعادل هذه الوحدة 5.280 قدمًا، ويعادل الميل الواحد 1.60934 كم. الموسوعة العربية العالمية (24/ 549، 550)، ط 1409هـ.

[43] البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة لابن رشد (1/ 174، 175)، ط: دار الغرب الإسلامي 1408هـ، شرح الزرقاني (1/ 212)، شرح منح الجليل على مختصر خليل لمحمد عليش (1/ 148، 149)، ط: دار الفكر 1404هـ.

[44] العزيز (1/ 196 ـ 202)، روضة الطالبين (1/ 205 ـ 208)، نهاية المحتاج (1/ 265 ـ 270).

[45] الغوث: بفتح الغين، والغواث والغواث بفتحها وضمها الاستغاثة، وحد الغوث هو: الموضع الذي لو استغاث برفقته لأغاثوه مع ما هم عليه من تشاغلهم بأحوالهم وتفاوضهم في أقوالهم. تحرير ألفاظ التنبيه للنووي (1/ 312)، ط: دار القلم 1408هـ، نهاية المحتاج (1/ 267).

[46] الغلوة: الغاية، وهي رمية سهم أبعد ما يَقدِرُ عليه، ويقال: هي قدر ثلاث مئة ذراع إلى أربع مئة، والجمع: غَلَوات. المصباح المنير (2/ 452).

[47] الفرسخ: يقدر بثلاثة أميال. لسان العرب (3/ 86)، مختار الصحاح (ص 553). وهو وحدة قياس للطول، ويعادل الفرسخ 15.840 قدمًا، أو 4.828 كم. الموسوعة العربية العالمية (17/ 301).

[48] الإنصاف (1/ 264)، كشاف القناع (1/ 399)، شرح منتهى الإرادات (1/ 185).

[49] العرف لغة: العرف والمعروف بمعنى واحد: ضد النُّكْرِ، وهو كل ما تعرفه النفس من الخير، والبر، والإحسان، وتأنس به، وتطمئن إليه. لسان العرب (9/ 240).

وفي الاصطلاح: ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول. التعريفات للجرجاني (1/ 193)، ط: دار الكتاب العربي 1405هـ.

[50] العادة في اللغة: هي الدربة والتمادي في شيء حتى يصير له سجية. معجم مقاييس اللغة (4/ 182).

وفي الاصطلاح: ما استمر الناس عليه على حكم العقول، وعادوا إليه مرة بعد أخرى. التعريفات (1/ 188).

[51] يرجع في الفقه إلى اعتبار العرف في مسائل كثيرة، حتى إن الفقهاء جعلوا العرف أصلاً يستند إليه، ودليلاً يرجع إليه عند عدم النص الشرعي، متى تحققت في العرف شروطه المعتبرة. انظر: الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص 93 ـ 104)، ط: دار الكتب العلمية 1413هـ، المنثور في القواعد للزركشي (2/ 356)، ط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت 1405هـ، الأشباه والنظائر للسيوطي (ص90) وما بعدها، ط: دار الكتب العلمية 1403هـ.

[52] التيمم أحكامه ومسائله لمساعد الفالح (ص 61)، ط: مكتبة المعارف 1412هـ.

[53] موسوعة أحكام الطهارة لأبي عمر الدبيان (12/ 235)، ط: مكتبة الرشد 1426هـ.

[54] المبدع (1/ 170)، الممتع (1/ 245).

[55] الرحل: مسكن الرجل وما يصحبه من الأثاث. لسان العرب (11/ 275)، مختار الصحاح (ص 218).

[56] الرفقة: جمع رفيق وهي الجماعة يترافقون في السفر ينزلون معًا ويحملون معًا، وينتفع بعضهم ببعض. تهذيب الأسماء واللغات (3/ 117)، المصباح المنير (1/ 234).

[57] البحر الرائق (1/ 281، 282)، حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح (ص 123، 124)، ط: دار الكتب العلمية 1418هـ، المقدمات الممهدات لابن رشد (1/ 118)، ط: دار الغرب الإسلامي 1408هـ، مواهب الجليل (1/ 505)، البيان في مذهب الإمام الشافعي لأبي الحسين العمراني (1/ 290)، ط: دار المنهاج 1421هـ، المجموع (2/ 199)، المغني (1/ 314)، الإنصاف (1/ 263).

[58] انظر: (ص 46).

[59] ليس للحنفية نص في هذه المسألة، لكونهم لا يشترطون طلب الماء إلا إذا تيقين قرب الماء منه، أو غلب ذلك على ظنه، وإلا فلا يلزمه الطلب، بل يستحب له ذلك إذا كان على شك أو على طمع من وجوده. انظر: بدائع الصنائع (1/ 318)، الفتاوى الهندية (1/ 29)، ط: دار الفكر.

[60] مواهب الجليل (1/ 504)، حاشية الدسوقي (1/ 251)، المجموع (2/ 201)، مغني المحتاج (1/ 247)، شرح منتهى الإرادات (1/ 185)، حاشية الروض المربع (1/ 312).

[61] المصادر السابقة.

[62] المصادر السابقة، وانظر: الشك وأثره في نجاسة الماء وطهارة البدن وأحكام الشعائر التعبدية لعبد الله السليمان (1/ 484، 485)، ط: دار طويق 1421هـ.

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*