لمحة موجزة عن حال الأمم في ظل بعض النظم البشرية

لمحة موجزة عن حال الأمم في ظل بعض النظم البشرية .. تعجز تشريعات البشر ونظمهم عن إسعاد الإنسان، وتحقيق غايات وجوده ونشاطه الحضاري الشامل إذا انقطعت عن وحي اللَّه وهدايته 

لمحة موجزة عن حال الأمم في ظل بعض النظم البشرية

تعجز تشريعات البشر ونظمهم عن إسعاد الإنسان، وتحقيق غايات وجوده ونشاطه الحضاري الشامل إذا انقطعت عن وحي اللَّه وهدايته سواءً في القديم أو الحديث.
أما في القديم فهناك ثلاثة أمثلة تبين بجلاء أن الأمم في ظل النظم التي وضعتها عقول البشر لم تجنِ إلا الفوضى والقلق والاضطراب والظلم والجور:

الأول: النظام الروماني فقد كان للمجتمع الروماني قانون منظم يوصف بأنه متقن في الصياغة والسيادة، وذلك في القرن الخامس الميلادي وهو المشهور باسم (مدونة جوستينان) ، فماذا قدم هذا القانون للمجتمع الروماني؟.

لقد حمى الأشراف وقرر لهم حقوقًا ليست للضعفاء، ومما قرره الآتي:

– إن بعض الرعايا ممن ليسوا رومانًا بالسلالة ليست لهم حقوق الرومان، فهم كالعبيد يعملون لأجل الرومان ولتشبع بطونهم.

– إن العبيد لا يعاملون معاملة الآدميين.

– ليست للمرأة شخصية مستقلة بل هي في حكم المملوكة للرجل أبًا كان أم زوجًا.

– تجميع الميراث في قريب واحد ويحرم منه الباقون .

فهذا النظام ليس مقتصرًا على أنه طبقي فحسب بل يسلب حقوق الضعفاء ليزدادوا ضعفًا، ويعطيها الأقوياء ليزدادوا قوة على قوتهم .

الثاني: النظام الفارسي، ارتكز هذا النظام على دعوة دينية تعتمد تعاليم (زرادشت)

وهي القول بتعدد الآلهة، أو إله الخير وإله الشرِّ، وما انبنى على هذه العقيدة الفاسدة من الشركيات والتصورات الباطلة، كان من أبرزها دعوة (ماني) إلى التشاؤم المطلق، فقد دعا الى فناء الإنسانية ليتخلص العالم من شرورهم،

ثم أعقبه (مزدك) فزعم أن آثار المباغضة والعداوة المستمرة بين الناس إنما تقع بسبب الأموال والنساء، فدعا إلى شيوعية الأموال والنساء حتى صار الرجل لا يعرف ولده، ولا المولود يعرف أباه، ولا يملك الناس شيئًا، فانهار المجتمع الفارسي بهذه الفوضى العارمة .

الثالث: الأعراف الجاهليَّة في المجتمع العربي، لم يكن العرب أسعد حالًا قبل الإسلام من غيرهم،

ولم يكن لهم نظام جامع ولا وحدة تضم شتات قبائلهم، وإن كانت القبيلة تخضع لكبيرٍ منها يفصل في النزاع الناشب بين أفرادها ونحو ذلك،

وكان لهم جملة من الصفات الحميدة ومكارم الأخلاق، ولكن كانت العلاقات بين الناس يسودها الظلم والجهل والتفكك والثارات القبلية، والتبعيَّة للأمم الأخرى المجاورة لهم من فرس وروم،

وكانت عصبيَّة الجاهليَّة تسيطر على المشاعر والمواقف، يقول الشاعر العربي:

ومن لم يذُدْ عن حوضه بسلاحه … يُهَدَّمْ ومن لا يظلم الناس يُظْلَمِ

ويقول الآخر:

وهل أنا إلا من غزَيَّةَ إن غوت … غويت، وإن تَرْشُدْ غزيَّةُ أرْشُدِ

ولما جاء الإسلام نهض العرب برسالة الإسلام فأصبحوا قادة العالم وأعلام الهداية، وجنود الحق والتوحيد، في ظل شريعة الإسلام الخالدة التي قام عليها تميُّز الأمة الإسلامية .

أمَّا حال المجتمعات والأمم غير الإسلامية في العصر الحديث، تلك التي اعتمدت على العقل وتنكرت للدين وأهميته في سعادة الإنسان فإنها بما فيها من مذاهب فكرية متصارعة، ونظم متباينة إنما تعود في جذورها إلى ثقافات قديمة وتطبيقات جديدة شقي بها الإنسان في ظل القوانين الوضعية المختلفة،

يقول (الدوكس هكسلي): (إن العالم -الآن- يشبه قبيلة تعبد الشيطان، وتعيش في ظل قوانين جديدة قائمة على الشر والحقد، والماديَّة البحتة، التي تجرد الإنسان من كل مشاعر الإنسان بلا حبّ وبلا تعاطف، وتقوم على تبادلات الاتصال الجنسي على نحو ما تفعل السائمة) .

واعترف (جاك مارتيان) بأهمية الوحي في تنظيم حياة البشر، ودعا إلى الاعتراف بعجز الإنسان عن وضع النظم الكفيلة بإسعاده وإخراجه من الأزمة المعاصرة،

يقول: (إنَّ أي مجتمع بشري يحتاج إلى مجموعة من القيم ذات المصدر الإلهي الذي يعلو على الإنسان، أي: إن مصدر القيم لا يجوز أن يرجع إلى الإنسان نفسه، وإلا سيكون طرفًا وقاضيًا في الوقت نفسه،

إذًا لابُدَّ لكي يحتفظ المجتمع البشري باستقراره وخضوعه للسلطة السياسية، من وجود حقائق مطلقة يسلم بها الأفراد جميعًا) .

وقال عالم القانون الشهير (جورج هوايت كروس باتون): (إن السبيل الوحيد للوصول إلى معايير متفق عليها هو الاعتراف بالوحي السماوي قانونًا) .

إنَّ هذه الأقوال تلتقي مع الرأي الذي يعول على الوحي والدين السماوي في قضية التشريع، وأنّ البشرية من فجر تاريخها اعتمدت على الشريعة الإلهية: (فالحقيقة أن تنظيم الحياة البشرية هو من المفاتيح العليا المقدسة لهذه الحياة، ولم يكن اللَّه -سبحانه وتعالى- ليترك الناس عرضة للخطأ فيها وللتجارب الأليمة، فإنه في كل مرة يعدل الناس عن نظام إلى آخر تقوم الثورات والحروب والنكبات، وتراق الدماء، وتصادر الأموال، وتضطرب الأمور، وينقسم الناس، ولذلك فقد أهدى اللَّه هذه الهدية الغالية، وهي بيان نظم حياتهم) .

ومن هنا يتضح (أنَّ الدين منذ القدم ضرورة اجتماعية، والوازع الديني أقوى حافز على احترام القواعد التنظيمية في أية جماعة، ومنذ وجدت الجماعات البشرية اتجهت إلى السمو عن طريق النزعات الدينية) ، و (أنَّ الديانات السماوبة بدأت منذ بدء الخليقة،

فاللَّه -سبحانه وتعالى- منذ استخلف آدم على الأرض أوحى إليه أنَّه هو خالقه وبارئه، وخالق العوالم الأخرى من إنس وجن وحيوان وموجودات، وخالق الكون كله، كما أوحى إليه بحدود خلافته وذريته في الأرض، وبالقدر اللازم لتنظيم حاجاتهم كجماعة بدائية) ،

فالدين بشطريه (العقيدة والشريعة) أتى الإنسان من عند اللَّه وظلَّ على عقيدة التوحيد وشريعة الرحمن إلى حين. ثمَّ اقتضت حكمة اللَّه أن ينشب الصراع بين الجاهلية والإسلام،

وكلما استحكمت الجاهليَّة أو كادت بعث اللَّه رسولًا يعيد الناس إلى شريعة اللَّه حتى جاء خاتم الأنبياء وسيد المرسلين بالهدي التام والشريعة الكاملة، فكان منَّة اللَّه على الأمة الإسلامية،

قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِين} [آل عمران: 164]،

ومما جاء في تفسيرها: (أنَّ الحكمة هي السنة، التي هي شقيقة القرآن، ووضع الأشياء موضعها، ومعرفة أسرار الشريعة،

فجمع لهم بين تعليم الأحكام، وما به تنفيذ الأحكام، وما به تدرك فوائدها وثمراتها، ففاقوا بهذه الأمور العظيمة، جميع المخلوقين وكانوا من العلماء الربانيين) .

ويقوم تميُّز الأمة على عقيدة التوحيد الخالص التي جرى البحث في خصائصها، ويقوم أيضًا على شريعة غراء تنبثق من تلك العقيدة، وتماثلها في خصائصها.

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*