مدلول الأُمَّة في القرآن الكريم

مدلول الأُمَّة في القرآن الكريم

مدلول الأُمَّة في القرآن الكريم

ورد لفظ (أُمَّة) في القرآن الكريم في وجوهٍ كثيرة، وأعطاها القرآن الكريم مضمونًا متميَّزًا كما هو الشأن في ألفاظ كثيرة سواها.
قال ابن فارس في كتابه الصاحبي في فقه اللغة: (فكان ممَّا جاء في الإسلام ذكر المؤمن والمسلم والكافر والمنافق. وأن العرب إنَّما عرفت المؤمن من الأمان، والإيمان وهو التصديق، ثم زادت الشريعة شرائط وأوصافًا بها سمِّي المؤمن بالإطلاق مؤمنًا، وكذلك الإسلام والمسلم، إنَّما عرفت منه الإسلام الشيء، ثمَّ جاء في الشرع من أوصافه ما جاء) .
ويستمر ابن فارس في قوله فيذكر الكفر والنفاق والفسق. . . ويذكر الصلاة والركوع والسجود والصيام والحج والزكاة، وأنَّها كانت لمعان لغوية محدودة ثم زادت الشريعة ما زادت، وأنَّ هناك كثيرًا من الألفاظ، كالعمرة والجهاد، وسائر أبواب الفقه سارت على هذا المنوال؛ مما حدا بالعلماء إلى التقسيم اللغوي والشرعي .
ومن هذا فإنَّ لفظ (أُمَّة) قد ورد في القرآن الكريم في أوجه عديدة،

بعضها بمعناه اللغوي وآخر بمدلوله الشرعي أو الاصطلاحي يحدد معناه السياق الذي جاءت فيه تلك الأوجه، وتناولته كتب التفسير ، وعلوم القرآن وبخاصة كتب الأشباه والنظائر .
ولعل الراغب الأصفهاني في كتابه: مفردات ألفاظ القرآن ألمَّ بجلِّ تلك الأوجه في قوله: (والأمَّة: كل جماعة يجمعهم أمر واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرًا أو اختيارًا، وجمعها أمم، وقوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام: 38] أي: كل نوع منها على طريقة قد سخرها اللَّه عليها بالطبع، فهي من بين ناسجة كالعنكبوت، وبانية كالسرافة، ومدخرة كالنمل، ومعتمدة على قوت وقته كالعصفور والحمام، إلى غير ذلك من الطبائع التي تخصص بها كل نوع.
وقوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: 213] أي: صنفًا واحدًا

وعلى طريقة واحدة في الضلال والكفر ، وقوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} [هود: 118] أي: في الإيمان، وقوله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ} [آل عمران: 104] أي: جماعة يتخيرون العلم والعمل الصالح يكونون أسوة لغيرهم، وقوله: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} [الزخرف: 22] أي: على دين مجتمع. . .، وقوله تعالى: {وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: 45] حين، وقرئ: بعد أمة، أي: بعد نسيان، حقيقة ذلك بعد انقضاء أهل عصر أو أهل دين.
وقوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ} [النحل: 120] أي: قائمًا مقام جماعة في عبادة اللَّه، نحو قولهم: فلان قبيلة. وروي: “أنَّه يحشر زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده” .
وقوله تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} [آل عمران: 113]، أي: جماعة) .
يتضح من قول الراغب أنَّ الأمَّة في القرآن الكريم جاءت على تسعة أوجه، هي :

1 – كل صنف من الخلق تجمعه طبيعة خاصة أو يجمعه أمر واحد تسخيرًا أو اختيارًا، فهو أمة من الأمم.
2 – كل الناس كانوا أمة واحدة في الكفر والضلال.
3 – كل الناس كانوا أمة واحدة في الإيمان، أو بالإمكان أن يكونوا أمة واحدة في الإيمان لو شاء اللَّه.
4 – الجماعة من الناس تختار الإيمان والعمل الصالح، وتكون أسوة لغيرهم تسمَّى أمة .
5 – المجتمع الذي يجمعه دين واحد يسمَّى أمة.
6 – تطلق الأمة على الحين .
7 – تطلق الأمة على النسيان.
8 – الرجل القائم مقام الجماعة يسمَّى أمة.

9 – وتطلق الأمة على الجماعة المستقيمة من الناس.
وتتفاوت كتب الوجوه والنظائر وكتب التفسير وعلوم القرآن في تصنيف الأوجه التي ورد بها لفظ (أمَّة) في القرآن الكريم، وإذا كان الراغب قد صنفها في تسعة أوجه فإن ابن الجوزي صنفها في سبعة أوجه، ونقلها عن المفسرين على خمسة أوجه ، ووافقه في تصنيفها على سبعة أوجه ابن حيان الأندلسي ، وصنفها الدامغاني على تسعة أوجه ، وصنفها الفيروزآبادي على عشرة أوجه .
وفي دراسة موضوعية لمدلول الأمة في اللغة العربية، وفي القرآن الكريم توصَّل أحد الباحثين إلى التقسيم الآتي:

جاءت الأمة في القرآن الكريم:
أ- بمعنى الجماعة.
ب- بمعنى الملَّة والدين.
جـ- بمعنى الرجل المنفرد الذي لا نظير له.
د- بمعنى الحين .
وتحت هذه التقسيمات الرئيسة صنَّف الباحث الآيات المندرجة تحتها، ومعانيها المتنوعة .
ولعل ما توصَّل إليه الباحث في مدلول الأمة اللغوي أو مدلولها

القرآني ممَّا يعول عليه، أو يرجع إليه، ولاسيما أنَّه جاء ردًّا على مزاعم المستشرقين عندما شككوا في أصل كلمة (أُمَّة) وذكروا بأنَّها كلمة دخيلة مأخوذة من العبرية (أُمَّا) أو من الآرامية (أُمّيثا) ، ففي البحث رد عليهم وتأصيل للكلمة في منهج علمي

كن أول المعلقين

تعليقك يثري الصفحة

Your email address will not be published.


*